الذكاء الاصطناعي لمكافحة الفساد والتهرّب الضريبي – ماذا عنّا؟

في البلدان المتقدمة التي تضمن لمواطنيها حداً أدنى من العيش الكريم من خلال ما توفره من شبكات أمان اجتماعي، يكاد الفساد يقتصر على مظهر عام واحد: التهرّب الضريبي، فيما عدا طبعاً بعض الرشاوي الكبيرة التي قد يتقاضاها البعض من رجال السياسة، والتي يفضحها الإعلام الحرّ من حين لآخر.     

في فرنسا على سبيل المثال، يمثل التهرّب الضريبي نزيفاً للغلّة الضرائبية للدولة تتراوح قيمته بين 80 و100 مليار يورو سنوياً! وعلى الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها جيش عَديدُه يزيد عن 12000 من مفتشي الضرائب الأشداء المنتشرين في جميع المدن للبحث عن المتهرّبين إلا أن النتائج لا تتحسن والعملية تبقى أشبه بصيد السمك باستخدام “القصبة والصنارة”.

أمام هذا الوضع استنجدت وزارة المالية الفرنسية بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة كي تزيد من كفاءة تعقّب دافعي الضرائب “السيّئين” فقامت بتطوير برمجية “تنقيب عن المعلومات Data Mining” تعتمد على الذكاء الاصطناعي (AI) بكلفة تطوير بلغت 20 مليون يورو!!

ولتغذية هذه البرمجية المعقدة بالمعلومات التجارية والأُسَرية اللازمة جهّزت المالية قاعدة بيانات ضخمة (Big Data) شملت خمسة ملايين شركة خاضعة للضرائب في فرنسا بالإضافة إلى بيانات الحالة والدخل لما يزيد عن 37 مليون أسرة فرنسية!!

ويعتمد مبدأ عمل البرمجية على تلمّس حالات الشك الأولي من خلال اكتشاف “الفجوات” بين الأرباح المصرّح بها ونمط الإنفاق في الحياة (ما يسمى بـ “قطار الحياة” Train de vie). هو إذاً تطبيق ذكي، موضوعي وشفاف يهدف إلى تطبيق شعار “من أين لك هذا” الذي لا زلنا نتغنّى به (على الرغم من وقف تنفيذه منذ زمن ليس بقليل!) …  

الملفت للنظر في هذه المنظومة المتطورة أن وزارة المالية الفرنسية اعتمدت أن تراهن على شبكات التواصل الاجتماعي كأحد المصادر الأساسية للتعرّف على نمط الحياة الشخصية، حيث سيتم التنقيب عن البيانات المتعلقة بـ “من أين لك هذا” داخل صفحات الناس على فيسبوك وإنستغرام (حيث اعتاد غالبيتهم أن ينشر على صفحاته أخبار وصور ما يقوم به من أنشطة ورحلات ومشتريات ثمينة وولائم.. الخ). هذا بالإضافة إلى منصات البيع والتأجير الإلكترونية (مثل Amazon و Airbnb) التي ستشكل هي الأخرى مصدراً مكملاً للتزود بالبيانات الدلالية.

الطريف بالأمر فيما يتعلق بهذه الأنشطة “التجسسية” على الإنفاق الأسري أن وزارة المالية في دولة قانون كفرنسا، وانطلاقاً من هاجس عدم انتهاكها لقوانين الخصوصية الشخصية، تقدمت بطلب إلى “الهيئة الوطنية للمعلوميات والحريات” Commission Nationale de l’Informatique et des Libertés (CNIL) للحصول على مباركة الأخيرة لتغذية البرمجية اعتباراً من البيانات الشخصية المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي لكن يبدو أن ثمة تحفظ للهيئة في هذا الخصوص أخذ الموضوع إلى منحى آخر وهو الخوف من أن تحدّ هذه “الاستباحة” للبيانات الشخصية من حرية التعبير على شبكات التواصل الاجتماعي!!! من المتوقع إذاً أن تشهد الساحة الفرنسية مماحكات ومناظرات ساخنة بهذا الخصوص…      

لكن ماذا لو تركنا الشأن الفرنسي جانباً وجئنا بهذه الأداة التكنولوجية الواعدة لنخمّن جدوى تطبيقها على الحالة السورية مفترضين تجاوزاً توفّر البيانات المالية “التفصيلية” المتعلقة بكل أُسرة وشركة و “رجل أعمال” في البلد؟ ما النتائج التي سيخبرنا بها حينئذ هذا “التمرين الافتراضي”؟

  • أتوقع، ولست هنا بالخبير في الشأن الضرائبي، أن يخبرنا بأن الموظفين هم وحدهم من يدفع الضرائب بإخلاص لأنها ُتقتطع تلقائياً من رواتبهم ووفق القانون مهما هزلت هذه الرواتب. إلا أن البرمجية ذاتها يمكن أن توحي لمستخدميها بأنهم (أي الموظفين) هم أيضاً “متهرّبون” بل و “فاسدون”: متهربون لأنهم لا يصرّحون بالدخل الإضافي الذي يتقاضونه “في الظل” ليضمنوا بقاءهم على قيد الحياة، وفاسدون لأن عدداً منهم غير قليل يأتيه هذا الدخل الإضافي على شكل رشاوي يتقاضونها بحكم وظيفتهم…
  • سوف لن يخبرنا بوجود “الحيتان” في البلد أو تجار الحروب والأزمات، لأن هؤلاء قد تمرّسوا وتسلّحوا بمهارات التخفي من أصناف “الرادار” كافة…
  • لكن من الممكن أن يخبرنا بالحجم التقديري لاقتصاد الظل الشائع في البلد. هذا الاقتصاد الذي يشكل بيئة خصبة للتهرب الضريبي في غياب الهيكلة المالية الشاملة والآليات المصرفية ذات العلاقة، والأنماط الحديثة للتعاملات الإلكترونية.

وإذا ما نظرنا إلى العِبَر التي يمكن أن نستنتجها من هذا التمرين الافتراضي إذا ما ثبت صحة تصوّرنا المبسَّط لنتائجه، فسنرى أن العبرة الأولى والأساسية تشير إلى أن تطبيق هكذا برمجية متطورة على نظام ضريبي/مالي بعيد عن شمولية القوانين ودقتها وصرامة تطبيقها يتوافق تماماً مع القاعدة المعلوماتية الشهيرة بل ويكرّسها: ،

“إذا قمتَ بأتمتة فوضى، فستحصل على فوضى مؤتمتة”

If you automate a mess, you get an automated mess

وبالتالي ليس هناك من فائدة مرجوّة من الاستخدام المتقدم للتكنولوجيا الرقمية قبل أن يتم “تنظيف” الأرضية وتجهيزها، وتهيئة وإعمال القوانين الناظمة والهادفة إلى تحقيق العدالة الضريبية.

أما العبرة الثانية فتنحدر من الأولى: هل نحن فعلاً بحاجة إلى ذكاء اصطناعي؟ أم إلى مزيد ومزيد من “الذكاء الطبيعي” المصحوب بالإرادة والصدق والنزاهة والشفافية والحرص على التطبيق الشامل والجدي والصارم للقوانين؟

الإعلانات

التعلّم في مكان العمل ــ النموذج 10/20/70

هل أتاكم حديث النموذج 10/20/70 حول التعلّم في مكان العمل؟

يعد نموذج 10/20/70 الذي تم تطويره في ثمانينيات القرن الماضي إطار عمل للتعلّم قائم بذاته، وهو نموذج للتعلم والتطوير مستمد من دراسة تجريبية اعتمدت على الموظفين/العمال في الإبلاغ ذاتياً عن كيفية تعلمهم في مكان العمل.

يحدد النموذج الأنماط الرئيسية الثلاثة الأكثر أهمية للتعلّم والتطوير الشخصي في مكان العمل، وأهميتها النسبية التي تأتي على الشكل التالي:

  • ·      70 ٪ – بالتعلّم الخبراتي/التجريبي Experiential learning، حيث يتم تعلم المهارات في مكان العمل أثناء تأدية العمل اليومي On the Job Training. في هذا النمط، يتم تحدي الموظف بإسناد مهام صعبة له ويعد ذلك أساسياً لضمان تطوّره المستمر، ولو أدى ذلك إلى فشله في تنفيذها فهذا الأخير يعد الوسيلة الأسرع والأثبت للتعلّم. يتوافق هذا النمط من التعلّم مع المثل الشعبي القائل: “ما حدا بتعلّم إلّا من كيسو”، مع الفارق هنا بوجود منصة مناسبة يتم من خلالها تسجيل التعلم وتقييم تطوّره.    
  • ·      20 ٪ – بالتعلّم الاجتماعي Social Learning الذي يتم بشكل غير رسمي Informal، حيث يتم الحصول على المهارات من خلال التفاعل والتعاون مع الآخرين. يمثل هذا النمط نوعاً من التطور الشخصي الذي يجب أن يحدث بشكل طبيعي وتلقائي في أي مكان عمل، وذلك من خلال التعاون الوثيق بين الزملاء. يعد وجود منصة مرنة لإدارة التعلم والتطوير أمراً أساسياً لتحقيق ذلك، مما يسمح بتشارك فعال للمعارف الحيوية.
  • 10 ٪ – بالتعلّم الرسمي Formal Learning، بما في ذلك الدورات التدريبية المنظمة Training Courses التي تتطلب مشاركة الأفراد أو الفرق. على الرغم من أن نموذج 10/20/70 يولي اهتماماً ضعيفاً بهذا النمط على برامج التعليم الرسمية، إلا أن الاستثمار في جودة التدريب المقدم، على حساب الكم يعدّ من الممارسات الفعالة في هذا النمط وعامل نجاح له.

أظهرت الدراسات أن نموذج 10/20/70 يمكن أن يكون فعالاً للغاية إذا ما تم دمجه بشكل صحيح في الشركات والمؤسسات. وفقًا لتقرير حديث صادر عن مؤسسة “نحو النضج” للتعلم والتطوير ومنتدى 10/20/70، فإن الشركات التي تستخدم 10/20/70 يُرجَّح أن يكون موظفوها قادرين على الاستجابة بشكل أسرع لتغيير الأعمال أكثر بأربعة أضعاف من الشركات التي لا تستخدم هذا النموذج – مما يدل على الأثر الإيجابي لهذا النموذج.

كما ووجدت دراسة أخرى من Docebo أن نموذج 10/20/70 يسمح للموظفين بتطبيق ما يتعلمونه في الممارسة بشكل أسرع، وأن الشركات التي تقوم بدمج النموذج في خطة التعلم والتطوير الخاصة بهم لاحظت حدوث تغيير إيجابي في سلوك الموظفين حيث وجد التقرير أيضًا أن الشركات التي تستخدم نموذج 10/20/70 كانت أكثر عرضة لجذب المواهب العليا بخمسة أضعاف، وبضعفين فيما يتعلق برضا العملاء بفضل التعلم التجريبي أثناء العمل.

نموذج 70/20/10 الأكثر نجاحاً في المؤسسات/الشركات الصغيرة

في حين تعتمد بعض الشركات على نظام تعليمي/تدريبي رسمي واسع النطاق، يتضمن منهجًا محددًا يُفصّل على مقاس كل موظف، وتُنفق عليه أموالاً ضخمة، فإن نموذج التعلم غير الرسمي القائم على صيغة 10/20/70 يمكن أن يكون مساوياً، إن لم يكن متفوقاً، لجهة الفعالية في تحفيز التعلّم في مكان العمل.

يفيد نموذج 10/20/70 الشركات الصغيرة بشكل خاص لأنه يركز على التعلم التجريبي والاجتماعي، حيث يتطور أعضاء فريق العمل من خلال قيامهم بمهام يومية والعمل مع بعضهم عن قرب. ونظرًا لأن هذا النموذج يولي اهتماماً أقل بالتدريب الرسمي، فهو حل تعليمي وتطويري فعال من حيث التكلفة Cost effective، بالإضافة إلى تميزه بالمرونة، وإمكانية تقديم المساعدة للموظفين على تحسين مهاراتهم المتعلقة بالوظيفة واتخاذ القرارات بشأن التعلّم والتطوير المستمرين.

يتطلب نموذج 10/20/70 توفير ثقافة تمكن الأفراد من التعلم من خلال تجارب جديدة دون خوف من الفشل، والقدرة على الإبلاغ الذاتي عن تطورهم وحلقة تعليقات مستمرة مع المديرين حتى يتمكنوا من تقييم الأداء وعرض ردود الفعل البناءة. يتيح الوصول إلى نظام إدارة التعلم إلى جانب 10/20/70 للموظفين تحديد مسار التعلم الخاص بهم، والوصول إلى الموارد ذات الصلة بعملهم المحدد.

عوامل النجاح في تطبيق نموذج 10/20/70 في المؤسسة/الشركة

يعتمد نجاح نموذج 10/20/70 في المؤسسات والشركات على مدى فعالية تطبيقه. فيما يلي بعض النصائح العملية حول كيفية دمج 10/20/70 في استراتيجية التعلم والتطوير الخاصة بالمؤسسة:

  • رفع مستوى الوعي بـ 10/20/70 في مجالات الأعمال كافة

يتوقف نجاح النموذج على مدى دراية المديرين والموظفين بهذا النموذج وفوائده. يجب توخي الوضوح حول سبب تطبيق 10/20/70، والتأكد من أن الجميع – من المديرين التنفيذيين إلى أعضاء الفريق – يدركون أن التعلم والتطوير المستقبليين سيتم تسهيلهما بشكل أقل عن طريق التعليم والتدريب الرسمي، وبشكل أكبر بكثير من خلال التعلم التجريبي والاجتماعي اللذين يتمّا في مكان العمل. يحتاج كل من المديرين والموظفين إلى أن يكونوا على دراية بالدور الذي يلعبونه في تنمية أنفسهم، لذلك يجب التحدث إليهم كـ “فريق” وتشجيعهم على المحادثة فيما بينهم للشروع استعداداً لإطلاق “عملية” 10/20/70.

  • الاستفادة من المواد المتاحة

يعدّ التوفر المتنامي للمواد التعليمية أحد الأسباب الرئيسية وراء زيادة شعبية نموذج 10/20/70 بين المؤسسات/الشركات العامة والخاصة. فبفضل منصات التعلم ومشاركة البيانات على شبكة الإنترنت، أصبح الآن بإمكان الشركات من جميع الأحجام الوصول الفعال إلى مواد تعليمية عالية الجودة وبأسعار معقولة، إن لم تكن مجانية وذلك عبر بوابات التعلم القائمة على الويب بالإضافة إلى القنوات العامة مثل YouTube، وسلسلة TED Talk الممتازة، إلى غير ذلك من المواد المتاحة. تتيح المنصات الاجتماعية ومنتديات الأعمال التجارية والمهنية عبر الإنترنت مشاركة أفضل الممارسات والحصول على المشورة وإقامة الشبكات بسهولة أكبر. يمكن أن يساعد ذلك جميع مجالات العمل على تطوير استراتيجيات وممارسات العمل ومساعدة الموظفين على التعلم.

  • التركيز على التعلّم التجريبي

نظرًا لأن 70٪ من التعلم يأتي من العمل، فمن الضروري أن يتم تزويد الموظفين بمنصة لتطوير مهاراتهم في العمل. يعود تيسير التعلم التجريبي في مكان العمل إلى منح الموظفين مزيداً من المسؤوليات والتحديات، لذلك يقومون باستمرار بتطوير مهارات جديدة واكتساب خبرة جديدة. ابدأ بتفويض المهام الأكثر تحديًا لأفراد الفريق ، ومنحهم قدرة أكبر على اتخاذ القرارات والتحكم. يمكنك دفع جانب التعلم الاجتماعي هنا أيضًا، من خلال تشجيع الموظفين على بناء علاقات مع أشخاص خارج قسمهم. من الأهمية بمكان أيضاً أن يتم تقديم تغذية راجعة عند اللزوم، دون التدخل في الأمور التفصيلية.

  • القبول بتدني نسبي في الكفاءة والإنتاجية لصالح تسهيل العملية التعلّمية

عندما يوضع الأفراد أمام تحديات ويُحمّلون مسؤوليات أكبر، يمكن أن يحدث انخفاض طفيف في الكفاءة والإنتاجية بانتظار أن يتعودوا على أساليب العمل الجديدة التي تعلموها. من المهم قبول هذا كحل وسط في سبيل دعم التعلم التجريبي، والسماح للموظفين بحرية التعلم بالممارسة ومن أخطاء الماضي. سوف يهون هذا التدني العابر في الكفاءة عندما يتم النظر إلى هذا التدني من خلال التحسن في المنحنى التعلّمي على مستوى المؤسسة ورأس مالها البشري.

الصورة الرئيسية مأخوذة من الرابط https://tesseractlearning.com/blog/70-20-10-model-performance-and-training-revisited.html

العلمنة وما أدراك ما العلمنة…

وصل الانقسام السجالي السوري المتعدد الأطراف والمتنامي، الذي يلاحظ يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وصل إلى درجة بات يستحق فيها أن يُنشأ له “ترند” يومي أو أسبوعي يعبر عن مواضيع الانقسام الأكثر تداولاً وسجالاً!!

على سبيل المثال، شكل موضوع العَلْمَنَة Secularization (التحول نحو العلمانية) خلال الأسبوع المنصرم ولا يزال، الترند الأبرز بين مواضيع الانقسام السجالي معبّراً أصدق تعبير عن حالات “التشظي” واليأس والضياع التي ركبت المجتمع السوري منذ بدء الحرب القذرة التي عصفت بالوطن الغالي.

لا أهدف بمقالتي هذه، المخصصة لموضوع العلمنة، إلى المشاركة في السجال القائم حول هذه القضية ذات الحساسية المفرطة، بقدر ما هي الرغبة في إلقاء مزيد من الضوء الموضوعي المستمد من أدبيات الملف والتجارب العالمية حول “القضية”، وذلك لإبراز حجمها الحقيقي وما تنطوي عليه من تحديات وتداعيات.  

لماذا العلمنة؟

كما هو معلوم، فإن العلمانية التي ما فتئ المفكرون والناشطون يبشّرون بها ويدعون إلى “القفز” إلى قطارها رافعين شعار فصل الدين عن السياسة كخيار “دستوري” لبناء الدولة المدنية، إنما تهدف بشكل أساسي إلى الحيلولة دون تحكّم المؤسسات الدينية بالسياسة كي لا تقف حائلاً أمام تحرر المجتمع ونزوعه نحو الحداثة السياسية التي باتت ضرورة لتحقيق السلم الأهلي وتعزيز دولة القانون.

ثمة تساؤلات جوهرية تبرز هنا حول ما تنطوي عليه العلمنة من أبعاد، وما تَعِدُ به من مجتمع حياتي…

فإذا ما عدنا بضعة قرون إلى الوراء سنرى أن الحركات العلمانية التي جاءت في أعقاب الثورة على الكنيسة في القرن السادس عشر قد أسست لبناء مدني للمجتمع منتجة “مجتمع الخلاص” الذي وُصفَ بمجتمع “ما بعد العلمنة”. ذلك لأن العلمانية الأوربية التي هدفت فيما هدفت إلى فصل الدين عن السياسة كانت، قبل كل شيء، علمانية اقتصادية وفكرية وثقافية شاملة امتلكت محركات دافعة استهدفت المجتمع وطالت مفاصله كافة، من الفن إلى التعليم إلى الأخلاق وما إلى ذلك. مع الإشارة، وهنا بيت القصيد، إلى أن هذه العلمانية الأوربية التي جاءت بعد مخاض دامٍ لم تكن في وقتها خياراً فكرياً بل وجدت كضرورة بقاء وحتمية وجود حضاري بعد أن عاش المجتمع الأوربي واقعاً أليماً تخلله صراع دموي ووجودي استمر على شكل حروب دينية متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 و 1648 م)، حروب امتدت من سويسرا إلى الدنمارك مروراً بمعظم الدول الأوربية، ووصل الحال فيها إلى مرحلة مصيرية وخطيرة.

مجتمع الخلاص العلماني

يتسم مجتمع الخلاص الغربي هذا بخصائص حياتية جمّة انطلقت بالأساس من مبدأ “عش ودع الآخر يعيش” Live and let live – Vivre et Laisser Vivre بعيداً عن الانتماء إلى عرق أو عقيدة.  

تفيد الأدبيات أن السمات البراغماتية الرئيسية لهذا المجتمع في “المدينة العلمانية الفاضلة” تتلخص بالتالي:

  1. مجتمع يَدَع الفرد يمارس معتقداته وطقوسه شريطة ألا يمسّ ذلك معتقدات الآخرين ويخلق العقبات أمامهم.
  2. مجتمع تسود فيه الاستحقاقية Meritocracy كمعيار وحيد للحصول على أية وظيفة، وليس الخلفية الدينية/الأثنية/السياسية
  3. مجتمع يضمن حرية التعبير دون أن يسمح لأحد بدسّ السم أو قول أشياء ضد أي دين أو طائفة اجتماعية أو ما شابه باسم حرية التعبير.
  4. مجتمع لا يبشّر بالتسامح بل باحترام الحقوق الفردية والقبول حتى يحترمَ الناس كلٌ منهم الآخر ويقبلَ بعضهم البعض بالطريقة التي يتصرفون بها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية/خلفيتهم الأثنية بدلاً من التسامح مع بعضهم البعض لأن التسامح غالباً ما يتم بين الأضداد ويأتي في سياق السكوت على العيوب والتجاوزات.
  5. مجتمع يضمن حق الفرد في ممارسة معتقدات أو اعتناقها أو تغييرها بحرية دون خوف من أي شخص (أو من الدولة)
  6. مجتمع يطمئن إلى أن الحكومة تسمح للناس وتدعمهم في تنمية لغاتهم وثقافاتهم لضمان التعددية الثقافية
  7. مجتمع يتكئ على حيادية وسائل الإعلام وعدم تحيزها ضد أو لصالح مجتمع طائفي أو أثني معين
  8. مجتمع يعي أن جميع الأحزاب السياسية في البلاد تعمل لتحقيق أجندة الوطن بدلاً من السعي لتحقيق مجتمع لغوي أو ديني أو عرقي معين، وبالتالي يجب ألا يكون هناك حزب سياسي يمارس السياسة على أساس ديني أو أثني أو طبقي أو لغوي أو ما إلى ذلك، الأمر الذي لن يفيد إلا بزرع بذور الانقسام بين الناس فقط. وبدلاً من ذلك، يجب على الأحزاب السياسية معالجة القضايا التي يواجهها عامة الناس مثل الأمية والفقر والبطالة وما إلى ذلك.
  9. مجتمع لا يعترف بنظام “المحاصصة” وإن كان لا بد من ذلك، فيجب أن تكون المحاصصة على أساس مستويات الدخل أو التخلف الاجتماعي/الاقتصادي وبشفافية مطلقة، بدلاً من الدين أو اللغة أو الطائفة. علماً أن أشد أنواع المحاصصة خطراً على السلم الأهلي ذلك الذي يتجسد في المحاصصة “الباطنية”.

باختصار، هو مجتمع يكرّس الحياديّة الدينية واحترام الحقوق الفردية، ويعتمد على العقلانية والمنظور العلمي. مع الإشارة إلى أن مسؤولية تحقيق هكذا مجتمع وصيانته والسهر على حمايته تعود إلى الدولة، دولة القانون واحترام الدستور.

علمنة القيم: مخاض مستمر

أثبتت التجارب أن العلمنة عملية لا تنتهي Never-ending Process ولا تتوقف عند سقف إنجازي محدد، لما لها من امتدادات Spillovers وتأثيرات جانبية اجتماعية وإنسانية تمثلت بما سمى بـ “علمنة القيم” التي نشأت ونمت تحت شعار احترام الحقوق الفردية (الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العلماني)، الأمر الذي فرض على المجتمع الغربي نوعاً من القبول أو “التسامح القسري” مع قضايا لا تزال تشكل خطوطاً حمراء لدى العديد من المجتمعات العلمانية المتدينة كقضايا المثلية الجنسية وزواج المثليين والمتحولين جنسياً والهوية الجنسية المهددة بالطمس، والإجهاض، الخ.

بالأمس فقط أصدر الفاتيكان وثيقة إرشادية لمعلمي المدارس ينتقد فيها الأفكار المعاصرة حول الهوية الجنسية حملت العنوان “خلقنا الله ذكورا وإناثا” مما أثار غضب مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً!!

وبالأمس أيضاً أصدرت المحكمة العليا في البرازيل حكماً بتجريم رهاب المثلية (الهوموفوبيا) بعد أن تفاقم العنف المضاد لانتشار ظاهرة المثلية حيث شهد العام 2017 وحده 387 جريمة قتل و58 عملية انتحار بسبب رهاب المثليين والمتحولين جنسيا، وذلك نتيجة لعدم تقبل المجتمع لكلا الظاهرتين في هذا البلد العلماني المتدين!! جاء ذلك خلافاً للوعود الانتخابية الني كان الرئيس البرازيلي المنتخب حديثاً قد أطلقها وتعهد فيها بكبح التوجه الليبرالي المتعلق بهذه القضايا الدينية والأخلاقية. 

إن دلّ هذان الحدثان على شيء فيدلان على أن العلمنة التي أدت إلى فصل الدين عن السياسة وإقامة حكم القانون لم تؤدِّ بأي شكل إلى فصل الدين عن المجتمع، وهنا يكمن جوهر الموضوع: لا تَعارضَ بين العلمانية والتدين، إنها العلمانية “المؤمنة” كما يسميها البعض تجاوزاً. مع الإشارة إلى أنه، مهما شهدنا من ظواهر شاذة، فليس هناك من علمانية ملحدة وعلمانية مؤمنة، إنما علمانية واحدة تقف على مسافة واحدة من الأديان كافة، وهذه العلمانية تصب في مصلحة كل من الدين والدولة لأنها تحمي الدين (الصحيح الذي لا يتعدى على غيره) من تدخل الدولة وتحصّن الدولة من هيمنة الدين.

هل نحن جاهزون؟

قد تصعب الإجابة بهذا الخصوص…. فالعلمنة ليست بنزهة إصلاح عبر تشريعات وقوانين كما يتبين من الاستعراض السابق لمخاض التجربة الغربية، آخذين بالاعتبار ما نحن عليه من حال، وما يحيط بنا من أخطار، وما تتطلبه العلمنة من إجراءات جذرية تطال النظام الحوكمي في الدولة والثقافة السائدة في المجتمع.  وربما لم ننضج بعد لهكذا تحول مصيري محفوف بالمخاطر والتحديات. من المفيد في جميع الأحوال استعراض بعض الدروس المستفادة مما سبق:  

  • كل دعوة إلى العلمانية لا تلحظ علمنة المفاصل الحياتية للمجتمع من اقتصادية وعلمية وفكرية وأخلاقية وثقافية تبقى خطوة شكلية وقاصرة وغير مجدية
  • وكل دعوة إلى العلمانية لا تأخذ بالاعتبار حيادها الديني وتؤكد عليه وعلى حرية ممارسة المعتقدات، لن تكون علمانية صادقة ولا حرة ولا عقلانية، ويخشى أن تكون دعوة حق يراد بها باطل.
  • وكل دعوة إلى استنساخ التجربة العلمانية الغربية ستعرّضنا إلى الوقوع في مطب علمنة القيم على الطريقة الغربية
  • الطائفية والنفاق شيطانان لصيقان بالعلمانية واجتثاثهما يمثل التحدي الأكبر للعلمنة الصادقة ويحتاج إلى فترات من الإعداد والتوعية.

فهل نحن جاهزون لعلمنة نفصّلها بأيدينا وعلى مقاسنا وبشكل تدرجي لنأتي بعلمانية “وسطية” إن جاز التعبير؟

الأمر منوط بعقلائنا وحكمائنا ومفكرينا وأولي أمرنا ….  

حيوانات التعلّم والطريق إلى تربيتها

“قد لا يدرك الناس أننا في جوجل، نركّز في انتقائنا لموظفينا الجدد على “حيوانات التعلم” والعموميين بدلاً من المتخصصين. والسبب الرئيسي في ذلك هو أننا نعمل في صناعة ديناميكية تتغير فيها الظروف بسرعة كبيرة، وبالتالي فإن أشياء مثل الخبرة والأدوار التي سبق للمرشح أن قام بها لم تعد بذات الأهمية كقدرته على التفكير والتعلّم السريعين”.

هكذا عبر “جوناثان روزنبرغ” نائب الرئيس الأول السابق للمنتجات لدى جوجل والمؤلف الشريك لكتاب (How Google Works) مع “إيريك شميت” الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل (الظاهر في الصورة)، وذلك في حديثه عن كيفية إدارة جوجل لمواردها البشرية وفرقها الديناميكية والإبداعية.

ولعل مصطلح “حيوانات التعلم” الذي روجته جوجل في سوق العمل العالمي يمثل، على الرغم من خشونته، التعبير الأهم في هذا التصريح المفصلي، مع الإشارة إلى أن كلمة “حيوان” هنا تستخدم بمعناها الإيجابي “الحميد” وذلك لتضخيم صفة “الإدمان” على التعلم، وإبراز أهمية التعلّم بشكل مستمر “من المهد إلى اللحد”. تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين مصطلح “حيوان التعلم” هذا و “حيوان الدراسة”، فالثاني يعدّ نقيضاً للأول وله دلالة سلبية إذ يستخدم في ثقافتنا الشعبية للإشارة إلى ذلك الطالب الذي يفتقر إلى الذكاء فيلجأ إلى الحفظ عن ظهر قلب (البصم) للتعويض عن النقص في ذكائه.   

في الواقع، بدأ أرباب العمل يدركون، أكثر من أي وقت مضى، أن الأشخاص القابلين للتعلّم ذاتياً هم أفضل العاملين أداءً، هؤلاء الذين يشار إليهم بـ “الأدمغة الجائعة” hungry brains، المهتمون حقًا بتحديث معارفهم ومهاراتهم. ازداد هذا الإدراك بعد أن أشارت الدراسات إلى أن الشركات تهدر مليارات الدولارات كل عام على برامج التدريب الداخلية دون أن تحصل منها على منفعة مستدامة. اتجه الحلّ إذاً نحو توظيف أصحاب المواهب الذين “تعلموا كيف يتعلمون”، ممن يتمتعون في الأصل بعشق طبيعي للتعلم ودافع شخصي للتطور مهنياً. لقد شكل “تعلّم كيفية التعلم” جوهر الانزياح الحاصل في التعليم للقرن الواحد والعشرين …

المدير التنفيذي لشركة مايكروسوفت عبر بدوره عن هذا الانزياح بطريقة أخرى عندما تساءل، كما في الصورة، “كيف لنا أن نبني ثقافة تَعلَّم كلَّ شيء بدلاً من اعرف كل شيء؟”.

ولفهم الملابسات والتداعيات التي أدت إلى هذا الانزياح الجوهري، قد يكون من المفيد أن نتعمق قليلاً في موضوع “المعرفة”:

  1. ففي عصر الوفرة المعرفية والتقانة الذي نعيش، فإن أية معرفة مولّدة حديثاً، مهما بلغت أهميتها، سرعان ما ستفقد من قيمتها الاقتصادية بسبب ما بات يعرف بخاصية تهالك المعرفة Obsolescence of knowledge والدوران السريع لها Knowledge turnover. فمعرفة اليوم ستصبح غير صالحة غدا عندما تأتي معرفة أحدث من الأولى، لذلك فإن امتلاك المعرفة لم يعد يضمن الفائدة منها.
  2. المعرفة متاحة وبمتناول أيدينا، ولم تعد ميزة تنافسية أو عاملاً حاسماً في اقتناص الفرص بالنسبة للمؤسسات والأفراد، وذلك بفضل الولوج السهل والسريع إلى قواعدها في عصر المعلومات والاتصالات، بل إن العامل الحاسم بات يكمن في المقدرة على التعلّم والاكتساب السريع للكفاءات الجديدة اللازمة من أجل التصدي إلى أية مشكلات طارئة أو استيعاب المعارف الجديدة التي باتت تولّد بوتيرة متزايدة. من هنا تأتي أهمية التحول الذي طال فلسفة التعليم وفرض على المؤسسات التعليمية أن تُكرّس وظيفتها لضمان تنمية القدرة عل التعلّم واكتساب المهارات الجديدة.

هذا لا يعني بالطبع أن المعرفة خفتت أهميتها، لكن من الأهمية بمكان أن ندرك أن هناك أشياء أخرى مثل “قابلية التعلم” Learnability و “التمهّر” Skillfulness أصبحت تعد أكثر أهمية في التعليم.

كمهارة مفصلية قائمة بذاتها، تعرّف “قابلية التعلّم” على أنها “الرغبة والقدرة لدى الفرد على النمو بسرعة وتكييف مجموعة مهاراته من أجل تلبية متطلبات التغير في بيئة وسوق العمل، ومن أجل أن يظل الفرد قابلاً للتوظيف طوال حياته العملية.”

وهكذا أصبحت قابلية التعلّم “أمّ المهارات” ومفتاح الاستقرار المهني في القرن الحادي والعشرين بعد أن أصبحت قابلية التوظيف Employability تعتمد بشكل أقل على ما تعرفه وبشكل أكثر على قدرتك على تعلم كل ما هو جديد.

هل أنت حيوان تعلّم؟

تتحلى “حيوانات التعلّم” بمستوىً عالٍ من قابلية التعلّم، وبصفات مميزة تمنحهم نعمة الإدمان على التعلّم: فحيوان التعلم إنسان فضولي، كثير التساؤل، جريء لا يخشى عدم اليقين ولا يهاب المخاطر، متعاون يمكنه حلّ المشكلات من خلال تبادل الأفكار والتشارك في الموارد، صبور يتفهم أن ارتكاب الأخطاء جزء من العملية التعلّمية، مبدع ومبتكِر، يركّز على العملية (Process-oriented) قبل النتيجة، يفكر بشكل نظمي Systemic ويطبق ما تعلمه ليرسّخه في عقله….

في المقابلات الوظيفية المستقبلية المصممة لتحديد مستوى قابلية التعلم لديك، يجب أن تتوقع رؤية سلسلة من الأسئلة السلوكية، لكن قبل ذلك اسأل نفسك ما يلي:

  1. هل سبق لك أن تعلمت بنفسك مهارة ما؟
  2. هل استثمرت وقتاً في تعلم شيء جديد في الأشهر الستة الماضية فقط لأنك تريد معرفة المزيد؟
  3. هل يمكنك أن تشرح بوضوح أفضل طريقة لتعلم شيء بسرعة؟
  4. منذ أن تخرجت، هل استثمرت في أي تدريب أو دورات لتتعلم شيئًا جديدًا؟
  5. في عملك السابق، هل تعلمت بشكل استباقي Proactive (أي دون أن يطلب منك) أية مهارات جديدة تجعلك أكثر قيمة في عملك؟
  6. هل سبق لك أن تعلمت مهارة جديدة بمفردك، خارج العمل، من أجل البقاء ناجحًا في عملك؟

 إذا كان جوابك بـ “نعم” عن كل ما سبق، فإن قابليتك للتعلم تبدو جيدة وواعدة، ومن الجائز أن تكون “حيوان تعلّم”. إن لم يكن الأمر كذلك، وكنت ترغب في أن تبقى قابلاً للتوظيف، فعليك إجراء اختبار أكثر دقة وتخصصاً لتحديد مستوى قابليتك للتعلم. سمي هذا الاختبار الأكثر دقة، والذي بات معروفاً الآن، اختبار تحديد “مستوى قابلية التعلم” (Learnability Quotient (LQ وذلك على نمط الاختبار التقليدي لمستوى الذكاء، والمعروف بـ (IQ).

يمثل هذا الاختبار (الذي طورته مجموعة ManpowerGroup على شكل منظومة قياس متاحة على الشبكة web-based visual) طريقة جديدة للمستخدمين لتقييم مستوى وأساليب التعلم الخاصة بهم وتلقي توصيات حول كيفية تطوير هذه المهارة. أنصح القارئ المهتم بخوض هذا الاختبار للتعرف على حيثياته، وهو متاح هنا.

في ها الاختبار يُعبَّر عن النتائج وفق محاور ثلاث: محور “المغامرة” ويعبر عن الرغبة المتأصلة في الاستكشاف؛ المحور “الفكري” ويعبر عن الدوافع للتعلم؛ والمحور “غير المألوف” ويعبر عن القدرة على مساءلة ونقد الوضع القائم. يعكس مستوى LQ قابليتك للتعلم ورغبتك وقدرتك على النمو والتكيف مع الظروف والتحديات طوال حياتك العملية.

هل تساعد منظوماتنا التعليمية على تنمية مهارة “قابلية التعلم” وتخريج “حيوانات تعلم”؟

يمكن تلمس الإجابة على هذا التساؤل من خلال ما ذكره أحد التربويين عندما وصف منظوماتنا التعليمية بأنها “بنيت بالأساس لغرض “توفير المعرفة” للطلاب، وبالتالي فإننا في الواقع نغذي طلابنا في المدارس بالمعلومات ونتوقع منهم أن يحفظوها عن ظهر قلب ويجترّوها، ثم نمتحنهم في ذلك كما لو أننا نربي “موسوعات تمشي على الأرض” (walking encyclopaedias)”!

وقد لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات، فما آل إليه الوضع الميداني لا يمت بصلة إلى التعلّم لا من قريب ولا من بعيد، ولعل ما يدلي به الزملاء من شهادات على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً يعطي فكرة عن الوضع القائم على الأرض. أحد الأساتذة المرموقين في إحدى كليات العلوم الطبية (الصيدلة) لخّص الواقع الحالي عندما كتب في منشور له على فيسبوك:

“بين السنة الأولى والسنة الخامسة، سقوط مدوّ في شخصية الطالب الطامحة للتعلّم وفشل ذريع للمؤسسة الأكاديمية في الحفاظ على طموح وآمال الطالب. ومن جهة أخرى، انقياد أعمى من قبل الطالب لثقافة القطيع المهترئة التي يكرسها “بزنس” أطرافه حفنة من الطلاب الحاضرين “المؤلفين” ومكتبات ربحية، ومبادرات طلابية تظن أنها تشارك في تأمين مادة علمية “لائقة” بالنجاح، وهي في الواقع مادة علمية معدومة الرؤية، بلا روح وبلا هدف”

ما قصده هذا الأستاذ بـ “البزنس” هو بالطبع، تلك “الملخصات” التي يكتبها “نخبة” من الطلبة الذين يحضرون المحاضرة (الحضور لا يتجاوز بأفضل الحالات 5 إلى 10% من عدد الطلاب) ويلخصونها لتطبع لاحقاً وتباع في الأكشاك والمكتبات المنتشرة في محيط الجامعة!!  

ما العمل إذاً وأبناؤنا الذين لم يصلوا بعد إلى الشهادة الثانوية سوف يعملون مستقبلاً، كما تشير الدراسات الاستشرافية، في مهن لا يعرفونها ولم توجد بعد، وسيحتاجون إلى تعلّم مهارات جديدة كلما دعت الحاجة، وبشكل سريع؟ ما العمل إذا كان متوسط زمن فقدان نصف التحصيل الجامعي (halving period) للخريجين في مختلف الاختصاصات بعد تخرجهم يقدر، وفق دراسات ألمانية، بثماني سنوات ويصل إلى سنة واحدة بالنسبة لاختصاص الهندسة المعلوماتية!

هناك العديد من الطرق التربوية الحديثة في التعليم الفعّال، البعيد عن التلقين، نحن بحاجة إلى استخدامها عملياً مع أطفالنا وطلبتنا من جميع المستويات لقدح شرارة قابلية التعلم الدائم في أذهانهم. فتعليم قابلية التعلم لن ينجح إلا بتطبيق ما يمكن تسميته “الممارسات التربوية الجيدة” (Good Pedagogical Practices) التي يُنصح المعلمون بتبنيها. كأن يتم، على سبيل المثال، استحداث أنشطة لتدريب الطلاب على الفهم والاستيعاب عن طريق الاستماع الفعال (Active Listening)، وتشجيعهم على طرح الأسئلة باستمرار (طرح السؤال الصحيح وطرحه بشكل صحيح)، وحثهم على القراءة والمراقبة والقياس والاستماع بشكل نقدي، وتدريبهم على المحاكمة والتحليل والتصنيف والتفكير النظمي، وعلى الاستنتاج والتفسير، وعلى التعاون والتواصل الواضح، وتجنيبهم كل ما يمكن أن يقيِّد إبداعاتهم …. إلى غير ذلك من الأساليب “التكتيكية” التي تحرِّض الطلاب على تنمية مهارة التعلم لديهم.

من الضرورة بمكان أن يدرك الجميع بأن الخروج من المشهد التعليمي البائس الذي تعيشه منظوماتنا التربوية والتعليمية لا يعني اعتماد “حزمة” جديدة من المناهج والموضوعات والتقنيات الحديثة، وتطبيقها ببساطة وبذات الذهنية المهيمنة والإمكانات المتاحة حالياً، بل يتطلب أولاً إجراء “فرمتة” Formatting حقيقية لهذه الذهنية وإحداث انزياح مفاهيمي Paradigm Shift في فلسفة التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، وهذا يتطلب رسم خارطة طريق بعيدة المدى انطلاقاً من استراتيجيات وآليات تدرجية.

طريق الإصلاح والتطوير شاقة وطويلة، ومحفوفة بالمصاعب والتحديات لكن طريق الألف خطوة يبدأ بالخطوة الأولى كما يقال.

التعليم النخبوي صمام أمان استراتيجي: دروس من التاريخ

في الرابع من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1957 فاجأ الاتحاد السوفيتي العالم بإطلاقه بنجاح أول قمر صناعي “سبوتنك-1” وٌضع في مدار حول الأرض فكان وقعه على الولايات المتحدة وقع الزلزال، مسبباً سخطاً شعبياً و “استنفاراً سياسياً” دفعا الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات عديدة وحاسمة…

نظرة تاريخية سريعة إلى “ارتدادات” هذا الزلزال في الأوساط الأمريكية كفيلة بأن تدل على شدته وأثره فيما يخص السباق العلمي بين قطبي الحرب الباردة آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي:

  • أيقظ هذا الحدث الجمهور الأمريكي إلى حقيقة أن مكانة هذا البلد المتقدمة في البحث العلمي والإنجاز التكنولوجي أصبحت مفتوحة للتحدي الفعال من قبل منافستها الرئيسية، الاتحاد السوفييتي، بالنظر لما يمتلك هذا الأخير من كفاءات علمية وتكنولوجية يفوق عددها ما هو متوفر في الولايات المتحدة.
  • قادت هذه الحالة من الهلع الرئيس الأمريكي أيزنهاور إلى أن ينبّه بوضوح في خطاب متلفز موجه إلى الأمة، إلى العلاقة الوثيقة بين التعليم الفعّال ومعركة البقاء الوطني، ويحذّر من أن الولايات المتحدة سوف تتخلف عن الاتحاد السوفيتي ما لم تصحح بعض أوجه القصور في نظامها التعليمي، وأهمها الفشل في إعطاء أولوية عالية بما يكفي لتعليم العلوم، موضحاً: “أن المسألة لم تعد مقتصرة على أن لدى الاتحاد السوفييتي عدد أكبر من العلماء والمهندسين، لكن لم يعد بالإمكان الاستهانة بهذا التفوق العددي بذريعة افتقارهم للجودة كما كنا نعتقد”.
  • في ذات الوقت، شدّد قائد القوات البحرية الأمريكية على أن على هذا “السبوتنيك” أن يفعل للتعليم الأمريكي ما فعلته ضربة بيرل هاربر (غارة الكاميكاز اليابانية الشهيرة على القاعدة البحرية الأمريكية) للصناعة العسكرية الأمريكية: “كما حدث وحققنا معجزات تصنيعية في حالة الطوارئ الوطنية، نستطيع الآن اتخاذ إجراءات مماثلة ونحقق معجزات تعليمية”.
  • وبعد شهر واحد من الحدث، نشر مكتب التعليم الأمريكي (بناءً على طلب الرئيس آيزنهاور) تقريرًا من 226 صفحة حول نظام التعليم السوفيتي الذي كان يشدد على “الجرعة” الدراسية القوية، ومعايير الإنجاز العالية، والضوابط التأديبية الصارمة التي تميّز العقيدة السوفييتية، في الوقت الذي بدا فيه تعليم الشباب الأمريكي بسيطًا، متساهلاً، بل ومتراخياً. وعلى الرغم من تأكيده على أن “الاستبداد السوفيتي” لم يكن ولن يكون له مكان في التعليم الأمريكي، إلا أن التقرير سلّم بأن التقدم العلمي لروسيا يرتبط مباشرة بدقة وصرامة برنامجها التعليمي الذي من شأنه أن يحصد أقصى جهد من شبابها الأكثر ذكاءً (مع التشديد هنا على هذه العبارة الأخيرة التي تشكل أساس التعليم النخبوي).
  • ولعل النقطة الفارقة والأهم التي أشار إليها التقرير، والتي ميزت التعليم السوفييتي عن الأمريكي وأشعلت فتيل الإصلاح في هذا الأخير تكمن في ذلك النهج النخبوي في النظام الروسي، مقابل نهج “التساوي” Equalitarianism (التساوي في الجرعة التدريسية المقدمة إلى الطلبة) الذي كان سائداً في نظام التعليم ما قبل الجامعي الأمريكي لمدة نصف قرن، واشتهر على أنه “الأكثر ديمقراطية” في العالم كونه يقدم للجميع فرصاً متساوية لاكتساب المعرفة من خلال مسار مؤسسي موحد. بالمقابل، يمتلك الروس نظامًا تعليميًا نخبوياً يوفر حملاً تدريسياً متقدماً ومثقّلاً لمن يثبت تفوقهم في مجالات مفيدة للدولة فيُكافَؤون بعد تخرجهم بوظائف مرتفعة الأجور نسبيًا. أما باقي الطلبة فيعمد النظام إلى فرزهم وفق مسارين أساسيين: مسار “بروليتاري” من الطلبة ذوي “العيار الخفيف” الذين يزوّدون الوطن بالقوة العاملة الصناعية، والمسار الآخر مكوَّن من الطلبة متوسطي المستوى الذين يفرزون إلى التعليم الفني.

وهكذا كرّس هذا “السبوتنيك” السوفييتي بداية منعطف حاد في المنظومة التعليمية والتكنولوجية الأمريكية التي شهدت تحولاً نحو نهج التعليم النخبوي. فقد أقرّ الكونجرس بعد ثلاثة أشهر من الحدث برنامجاً للمساعدات الفيدرالية بميزانية سخية لتعزيز المرافق التعليمية وتعزيز التدريس في الرياضيات والعلوم بإيقاع أكثر سرعة وكثافة للطلاب الأكثر قدرة (أطلق عليهم عبارة “الموهوبون” Gifted)، بعد أن استُحدث لهم برنامج خاص بهم تحت هذا الاسم، وهُيئت لهم فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي. كما وتضمن هذا المنعطف إحداث وكالة الفضاء الأمريكية NASA لتشكل فيما بعد “القوة الضاربة” الأمريكية في السباق نحو الفضاء.

الهند ومعجزة التعليم النخبوي …

مثل التعليم النخبوي في الهند خياراً إسعافياً واستراتيجياً بامتياز. فما أن نال هذا البلد الذي أنهكه الاستعمار البريطاني (الذي دام قرناً ونصف قرن) استقلاله عام 1947 حتى اتخذ البرلمان الهندي قراراً استراتيجياً (في عهد الرئيس نهرو) بإنشاء المعاهد الهندية للتكنولوجيا Indian Institutes of Technology (IITs)) بهدف تدريب العلماء والمهندسين ضمن خطة شاملة لتطوير القوة العاملة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الهند بعد استقلالها.

انتشرت هذه المعاهد، التي تتمتع اليوم بسمعة عريقة في العالم، كونها تعد من أفضل معاهد العالم في التخصصات الهندسية، على سبعة مراكز متعددة في البلاد. تقوم هذه المعاهد بشكل مستقل بإعداد مناهجها الخاصة وتربطها علاقات وطيدة مع العديد من الجامعات في أوروبا وآسيا وأمريكا حيث تنشط في مجال التبادل الأكاديمي للطلبة والمختصين مع هذه الجامعات.

وقد شجع نجاح هذه المعاهد على إنشاء المعاهد الهندية لتكنولوجيا المعلوماتIIITs  في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. تعد هذه الأخيرة قصة نجاح أخرى للتعليم النخبوي قائمة بذاتها فلهذه المعاهد بالذات يعود الفضل في تخريج كفاءات هندية رفيعة المستوى انتشرت في وادي السيليكون بالولايات المتحدة وتمكنت من “استنساخه” وتصديره إلى الهند من خلال بناء نظام بيئي Ecosystem لشركات تكنولوجيا المعلومات في الهند يوظف الآن نحو 3.5 مليون هندي وتمثل منتجاته حصة كبيرة من صادرات الهند من البرمجيات وملحقاتها.

وللتعرف على رفاعة مستوى هذه المعاهد النخبوية بعيون الخبراء الأمريكان بالذات لا بد من مشاهدة هذا الشريط الفيديو الذي يعبر أحسن تعبير عن المعجزة الهندية في التعليم النخبوي.

سياسات فارقة تُعِدّ للمستقبل …

تتسابق الدول في التخطيط لإنتاج علماء المستقبل من الخريجين النخبويين. ولملاحظة ذلك، يكفي النظر إلى المخطط التالي الذي يمثل ما تخططه الدول وعلى رأسها روسيا والصين لإنتاج علماء المستقبل من الخريجين للعام 2030 في المجالات الواقعة ضمن ما يسمى باختصاصات STEM في إشارة إلى العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (Science, Technology, Engineering, Mathematics). الملفت للنظر (والمخيف أيضاً) في هذا المخطط، ما يجهِّز له الماردان الصيني والهندي، والذي يفوق الوزن السكاني الذي يتمتعان به.  فالصين تخرّج سنوياً حوالي 2.5 مليون خريج و 30,000 دكتوراه PhD في هذه الاختصاصات، ناهيك عن تمكنها من استعادة 4000 عالم صيني من الولايات المتحدة خلال الفترة من 2008 إلى 2014 ضمن برنامج  “Thousand Talents” الذي أطلقته متضمناً العديد من الحوافز والإغراءات. أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تعد تخشى هذا السباق طالما أنها اعتادت أن “تستنخب” من النخب العالمية ما تحتاجه من بين الصفوة من العلماء والمهندسين في العالم معتمدة على جاذبية “الحلم الأمريكي” لهم. كما لا بد من الإشارة أيضاً إلى ذلك الطموح الواضح في المخطط للعديد من اللاعبين الجدد السائرين في طريق الحشد العلمي والتكنولوجي كإندونيسيا والسعودية (إن صدقت رؤيتها) والمكسيك والبرازيل وتركيا، وجميعها تسبق ما خططت له الاقتصادات العريقة وبخاصة الأوربية منها كبريطانيا وألمانيا وفرنسا!

Source: OECD (2015). Education Indicators in Focus, n.31

في سوريا الحبيبة، تجربة نخبوية رائدة أثبتت جدواها ولا تزال تؤتي أكلها …

في بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما اشتدت الحاجة إلى إعداد ممنهج لأطر متميزة مؤهّلة للبحث العلمي والتطوير التقاني في ميادين العلوم التطبيقية لتساهم بفعاليّة في عمليّة التنمية العلميّة والاقتصاديّة في القطر، برزت فكرة إقامة تعليم نخبوي مستقل ومختلف كليةً عن التعليم الجماهيري Mass Education القائم في الجامعات. ضمن هذا السياق، تم في عام 1983.إحدِاث المعهد العالي للعلوم التطبيقيّة والتكنولوجيا الذي ابتدأ في مرحلة التأهيل الهندسي باستقبال الطلاب السوريين المتفوقين من الشريحة الحاصلة على معدّل نجاح مرتفع في الثانويّة العلميّة السوريّة، بعد إخضاعهم لمعايير انتقاء علمية، دقيقة وصارمة. ولم تعد هذه التجربة النخبوية تقتصر على المرحلة الجامعية بل ويتيح المعهد فرصاً جيّدة للتقدّم في مجالات البحوث التطبيقيّة من خلال دراسة الماجستير والدكتوراه.

يثبتون تميزهم أينما حلّوا، ويصنعون الفارق ….

لا يتوفر تقييم كمي ودقيق لتجربة المعهد العالي كمؤسسة تعليم نخبوي وطنية، أو للأثر التنموي العلمي والاقتصادي الذي أحدثه، إلا أنه يمكن   تلمس النجاح الذي حققه هذا المعهد من خلال حقائق واعتبارات عديدة أبرزت عطاء وتميز غالبية خريجيه في الأماكن التي وضعوا فيها:

  • من خلال تفوق خريجيه في التحصيل العلمي لدى أفضل الجامعات التي أوفدوا اليها في أوروبا وروسيا الاتحادية ودول شرق آسيا للحصول على شهادات عالية،
  • من خلال المشاريع البحثية ذات السوية العلمية العالية، التي عملوا بها، والمشاريع التطويرية والهندسية التي تمت استجابة لمتطلبات مختلف القطاعات الإنتاجية والإدارية في القطر،
  • من خلال المساهمات الأكاديمية المتميزة في التدريس والبحث العلمي داخل المعهد لأولئك الذين أوفدوا لصالحه أو تعينوا فيه بعد التخرج،
  • من خلال المشاريع المشتركة التي ساهم المعهد بتنفيذها على المستويين الإقليمي والدولي بهدف نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات،
  • وأخيراً وليس آخراً من خلال الأثر التداعياتي Spillover effect الذي أحدثه قدامى خريجيه، من الذين تبوؤوا مناصب علمية وإدارية مرموقة في مراكز البحث والوزارات والجامعات العامة والخاصة، وحتى في بعض مراكز البحث والجامعات والمنظمات الدولية خارج القطر. على سبيل المثال لا الحصر: في الجامعة الافتراضية السورية – في كليات الهندسة المعلوماتية – في الأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية – في وزارة الاتصالات والتقانة – في هيئة تخطيط الدولة –في الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية – في معاهد التدريب الأهلية – في منظمة الإسكوا …، الخ.

وتجربة أخرى بازغة وواعدة…

ولعل التجربة الناشئة، المتمثلة في “هيئة التميز والإبداع” تحمل أملاً جديداً واعداً بمزيد من العطاء والتميز، كونها تعمل، وفق مرسوم إحداثها الذي تم تحديثه مؤخراً، على رصد ورعاية وتنمية مكامن التميز على مستوى القطر بدءً من الجذور وحتى الثمار عبر طيف واسع من “جبهات” العمل التي تمت مأسستها على شكل إدارات داخلية تعمل على مواكبة مستجدات عصر المعرفة الذي نعيش والثورات التكنولوجية التي نقف على أعتابها. هذه الإدارات هي: إدارة المركز الوطني للمتميزين – إدارة الأولمبياد العالمي – إدارة البرامج الأكاديمية حيث صممت الأخيرة لتكون نواة لـ “واحات أكاديمية” داخل الجامعات وتغطي حالياً برامج العلوم الطبية الحيوية في جامعة دمشق، والميكاترونيك في جامعة تشرين، والمعلوماتية في “واحة” المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، مع الأمل بأن تمتد التجربة إلى برامج أخرى وجامعات أخرى. قد يكون من المبكر إجراء تقييم لفعالية هذه التجربة الناشئة التي يشتد زخمها (شملت الإيفادات الخارجية حتى الآن ثلاثة أجيال من خريجي البرامج الأكاديمية من مخرجات المركز الوطني للمتميزين)، لكن ثمة اعتبارات مميزة لهذه الهيئة تَعِدٌ بأن تجعل منها صرحاً مبشِّراً بنجاحات تنموية للمستقبل:

  • التركيز في رصد الإمكانات الإبداعية المتميزة على فئات اليافعين الناشئة والشباب بدءً من المراحل التعليمية المبكرة بهدف احتضانها ورعايتها.
  • التركيز على بناء منظومة مستقلة للتعليم والتدريب الإبداعي الذي يساعد على استكشاف المواهب وتنمية كمونها الابتكاري. تشكل هذه “الاستقلالية” عن قوانين وممارسات التعليم الجماهيري القائم حالياً عامل نجاح حاسم سبق لنا بحثه في مقالة سابقة خصصت للحديث بشكل عام عن إيجابيات الاستقلالية الإدارية والمالية والأكاديمية للجامعات ضمن الضوابط الوطنية المسؤولة.     
  • التركيز على خلق دينامية تنافسية هادفة إلى إطلاق الطاقات المبدعة لدى الطلبة المتميزين (عبر تنظيم المسابقات المتخصصة والمشاركة الفعالة في الأولمبيادات العالمية وتقديم الجوائز في مجالات الموهبة والإبداع).
  • التركيز على خلق وتفعيل علاقة تشاركية تشبيكيه مع المنظومة الوطنية للتعليم والبحث العلمي والابتكار من خلال “مجلس أمناء” للهيئة مصمم ليكون بمثابة “بوصلة” تشاركية شاملة لأصحاب المصلحة (Stakeholders) في التميز وللمستفيدين المفترضين من هذه النخب المستقبلية (التعليم العالي – التربية – المراكز البحثية الرئيسية – الهيئة العليا للبحث العلمي – قطاع الأعمال – قطاع الطلبة…، الخ).

خلاصة ودروس…

  • التعليم ملاذ آمن وطوق نجاة للأمم في الخروج من أزماتها ونكساتها. في الحالة السورية، لا يوجد شيء أكثر أهمية من توفير نظام تعليم عالي الجودة قادر على المساهمة في تعافي البلد وإعادة بنائه، وتلافي ما حصل فيه من تآكل في رأس ماله البشري وتراجع في منظوماته التعليمية. الأدبيات العالمية تزخر بالشواهد الحية على الدور الحاسم للتعليم في توفير القدرات المتقدمة اللازمة لعملية التعافي، والحالة السورية ليست باستثناء.
  • يشكل التعليم النخبوي أحد الآليات التي تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إصلاح التعليم الجماهيري عندما يترهل هذا الأخير، ويتعذر أو يطول أمد إصلاحه وتجويده. تعتمد “العقيدة” النخبوية في التعليم (نخبوية العقل القائمة على الجدارة والاستحقاقية وليس على الثروة أو العرق أو الدين) على فكرة أن الأشخاص النخبويين، مهما قلّت نسبتهم، يمكنهم أن يساهموا بفعالية في إحداث التغيير المنشود في مفاصل الدولة والمجتمع (إن أحسن توظيفهم والاستفادة منهم)، وفي ذهنية القائمين على هذه المفاصل.
  • التركيز على النخبوية لا يحمل أي استهانة بالتعليم الجماهيري أو يقلّل من شأن هذا التعليم الذي كان له، بفضل احتوائيته Inclusion وديمقراطيته ومجانيته، الأثر الأكبر في تكوين رأس المال البشري اللازم لبناء الدولة السورية الحديثة في القرن الماضي. ومن رحم هذا التعليم الجماهيري خرج آلاف النخبويين السوريين من أدباء ومفكرين وأصحاب كفاءات علمية ومهنية ليدهشوا العالم بنجاحاتهم.
  • وماذا عن نخبنا السورية وبراعمنا المنتشرين في أنحاء المعمورة؟ لقد بات من الضروري التنقيب عنهم وإيجاد طريقة لجذبهم أو الاستفادة منهم في أمكنتهم (وهذا أضعف الإيمان)، في وقت تحفل فيه التجارب العالمية بقصص النجاح المبهرة للعديد من البلدان التي استفادت أحسن استفادة من شتاتها المعرفي. الوصفات والممارسات الفضلى Best Practices والأدوات المساعدة في هذا المجال باتت معروفة ومتاحة، ولم يبق إلا الإرادة والعمل الجاد. لقد سبق وعرضنا في بحث منفصل رؤية شاملة حول الموضوع وسبل الاستفادة من المخزون المعرفي في الشتات، مع إطار عمل بإمكانه أن يُرشد أي جهد يراد بذله بهذا الاتجاه .

حذارِ ثم حذارْ … من الباب الدوّار

حذارِ ثم حذارْ … من الباب الدوّار

تٌستعار عبارة “الباب الدوار” Revolving door لوصف الأشخاص الذين يبدّلون مناصبهم، من العمل الحكومي كمسؤولين مشاركين في صنع القرار أو مشرّعين واضعي قوانين، إلى العمل في القطاع الخاص أو مع جماعات الضغط السياسي Lobbyists والعكس بالعكس، فينقلون معهم قوتهم التأثيرية وعلاقاتهم السابقة مع الجهة التي تركوها دون أن يكونوا قد تركوها بالفعل. 
وعليه فقد باتت هذه العبارة تستخدم للتلميح إلى مظاهر الفساد وتعارض المصالح Conflict of interests، عندما تقوم مؤسسات القطاع الخاص على سبيل المثال، بتعيين أشخاص كانوا يحتلون مناصب حكومية للتمكن من الوصول بشكل شخصي إلى المسؤولين الحكوميين، أومن أجل السعي وراء استصدار تشريعات ولوائح في صالحها، بالإضافة إلى الحصول على المناقصات الحكومية مقابل عروض توظيف برواتب ضخمة، ناهيك عن الحصول على معلومات داخلية حول ما يجري داخل المؤسسة الحكومية. ويحدث ذات الشيء عندما تقوم الحكومة، بدورها، بتوظيف رجال الصناعة للاستفادة من خبرتهم في القطاع الخاص ومن تأثيرهم في المؤسسات التي تحاول الحكومة ممارسة الأعمال معها أو الحصول على الدعم السياسي من المؤسسات الخاصة، الخ.

ولتفادي التأثير المشبوه لهذه الظاهرة، اتجهت الدول إلى وضع سياسات حَوْكَمية لضبط “الأبواب الدوارة” أو للحد من تأثيرها على مؤسساتها لأن من الصعب عملياً أن تحقق هذه السياسات “الكتامة” المنشودة. نذكر منها على سبيل المثال:

  • في الولايات المتحدة، يجب أن ينتظر المسؤولون الحكوميون الراغبون بالتعاقد مع القطاع الخاص مدة عام، بموجب القانون الساري، قبل الانضمام إلى شركات مقاولة أو، إذا كانوا يرغبون في الانتقال بشكل فوري، يمكنهم البدء بالعمل في شركة أو في فرع لا يتعلق بعملهم الحكومي. ومن بين الثغرات الضخمة في هذا القانون أن هذه القيود لا تسري على العديد من صانعي السياسة الكبار الذين هم “فوق مستوى الشبهات”، وهذا ما أدى إلى فضائح لدى البعض، على سبيل المثال مع نائب الرئيس الأمريكي السابق، الفاسد ديك تشيني الذي ظهرت فضائحه الشهيرة في التعاقدات العسكرية ومع شركة هاليبرتون، وليندا فيشر وفضائحها مع “المبيدات الحشرية والتكنولوجيا الحيوية”، الخ. 
  • في فرنسا، الدولة الأشد صرامة في هذا المجال، ينظم القانون الجنائي انتقال المسؤولين الحكوميين بين القطاعين العام والخاص، ويفرض الانتظار لمدة ثلاث سنوات بين العمل في الحكومة وقبول أي وظيفة في القطاع الخاص.
  • في بريطانيا يتم الإشراف على انتقال الموظفين المدنيين والوزراء الحكوميين إلى المناصب التجارية من خلال ما يسمى بـ “الهيئة الإشرافية على التوظيف التجاري” (ACOBA) إلا أن هذه الهيئة ليست كيانًا تشريعيًا وليس لها إلا دور استشاري وإرشادي.

أما في بلدنا، المعرّض لجميع سيناريوهات الباب الدوار، الداخلية منها والخارجية، فمن الأَوْلى أن تتضمن قوانين الوظيفة العامة سياساتٍ تَحكِمُ البابَ الدوار وتُنبّه لما ينطوي عليه من أخطار، كجزء من الحرب الوقائية على الفساد….

الوقف: تلك الحلقة المفقودة في منظوماتنا التعليمية

في شهر تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أعلن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن خطة جريئة لإعادة هندسة برامجه الأكاديمية حول التقانة في ظل التقدم المتسارع لتطبيقات الحوسبة والذكاء الصنعي وتحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي، وما إلى ذلك من التقانات الرائدة والقائدة للثورة الصناعية الرابعة التي يقف العالم على أبوابها. تضمنت هذه الخطة بشكل أساسي إنشاء أول كلية للذكاء الصنعي سميت باسم ممولها في إعلان تأسيسها: “كلية شوارزمان للحوسبة” Schwarzman College of Computing

ما يهمنا من هذا الخبر أن التمويل الذي حصل عليه المعهد لإنشاء الكلية الجديدة وتشغيلها، والبالغ 350 مليون دولار، جاء على شكل وقف من رجل أعمال ثري اسمه “ستيفن شوارزمان”، متبصر ومستبشر بمستقبل الذكاء الصنعي، ويمتلك سجلاً حافلاً بمنح مليارات الدولارات للمؤسسات الأكاديمية المعنية بهذا المجال التقاني الواعد، بالإضافة إلى تمويله لبرنامج منح بحثية في المجال ذاته معروف باسم “Schwartzman Scholars “. سوف تفتح الكلية الجديدة أبوابها للطلبة في أيلول القادم مؤقتاً داخل مباني المعهد بعد أن يتم تأمين المستلزمات من الهيئة التدريسية المقدر عددها بخمسين أكاديمياً جديداً هم حالياً قيد التعيين، على أن يُستكمل البناء الجديد بحلول العام 2022.

لم يكن هذا الوقف الجامعي سابقة بحد ذاته فخلال العقود الماضية زاد انتشار “الوقف” الخيري لصالح العديد من جامعات العالم متّسماً بأحد النمطين الأساسيين: الوقف الجامعي University Foundation، وهو وقف يوقف لصالح جامعة ما موجودة على أرض الواقع، يُمنح إليها على شكل وديعة Endowment لبناء مختبر أو كلية (كما هو الحال بالنسبة لكلية شوارزمان آنفة الذكر) أو لإطلاق برنامج بحثي أو برنامج منح دراسية أو بحثية، الخ، والنمط الثاني، وقف لإنشاء ما يسمى “جامعة وقفية” Foundation University تُؤَسَّس بشكل كلي بناءً على تمويل وقفي يغطي نفقات تأسيسها وتشغيليها بشكل دائم كما هو الحال في أغلب الجامعات الأمريكية كهارفارد وستانفورد وكارنجي ميلون، التي تم تأسيسها لتكون وقفية. تعمل هذه الجامعات الوقفية وفق نظام المؤسسات غير الربحية وتتقاضى بذلك رسوما معتدلة من الطلبة بالإضافة إلى توفيرها لبرامج منح دراسية سخية للطلبة.   

ما الذي يمكن للوقف أن يحمله لمنظومة التعليم العالي؟

لا يمكن النظر إلى الوقف الجامعي على أنه مجرد وسيلة تمويلية تخفف من أعباء الميزانية الحكومية المخصصة لتمويل قطاع التعليم العالي. لقد أظهرت التجارب العالمية أن نمط الجامعات الوقفية هذا يوفر العديد من المزايا قياساً بالأنماط الأخرى كالحكومية والخاصة:

  • فالوقف الجامعي حمّال طبيعي للجودة والتميز، ومولّد لدينامية تنافس صحي وخلّاق داخل المنظومة الوطنية للتعليم العالي، وذلك انطلاقاً مما ينشده أصحاب الوقف من رسالة إنسانية ودَوْرٍ تنموي علمي واجتماعي وثقافي للكيانات التعليمية/البحثية التي ينشئونها (كما هو واضح من مثال كلية الذكاء الصنعي)، وكذلك من الطبيعة غير الربحية لهذه الجامعات، ناهيك عن أن الوقف بحد ذاته يوفر للجامعات بيئة مثالية من الأمن الاقتصادي المستدام كما ويساعد على نقل مفهوم الوقف من الملكوت الديني إلى الملكوت العلمي الخيري، 
  • توفر أموال الوقف الجامعي استقلالية تامة عن القوى الاقتصادية والسياسية في البلد، ويمكن بفضلها استقطاب كوادر تعليمية وبحثية وإدارات خاصة بها على قدر كبير من الكفاءة والتميز (دون الاعتماد على الجامعات الحكومية)، مما يمكّنها من تزويد المجتمع بمخرجات تعليمية أفضل. هذا الأسلوب يقلل من مخاطر الاعتماد على التمويل الحكومي الذي يتّسم بعدم الثبات ويعتمد في حجمه على الموارد المتاحة وتغيّر الأولويات من سنة إلى أخرى،
  • وبمنظور أوسع، يمكن القول أن العلاقة بين الوقف والتنمية علاقة وثيقة ومطردة عبر الزمن، فالوقف يمثل آلية تعمل على تمويل المشاريع والمساهمة في الحياة الاقتصادية من خلال توفير فرص العمل واستغلال الثروات المحلية، وبالتالي زيادة دخول الافراد.  
  • من شأن الإدارة الاقتصادية السليمة لأصول الأوقاف داخل الجامعة أن تحقق أقصى منفعة ممكنة من الوقف بالنسبة للواقف والموقوف عليه (الجامعة)، مما يؤدي إلى دوام تحقيق مفهوم الصدقة الجارية بالنسبة للواقف ودوام الانتفاع بالوقف بالنسبة للجامعة.
  • بات الوقف مؤشر تميز للجامعات وحفازاً لارتقائها في مسار التصنيف الدولي حيث أن أغلب الجامعات الغربية العريقة التي عملت – وما زالت – منذ قرون على دعم الوقف التعليمي، تفوقت واحتل أغلبها المكون الرئيسي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم.
  • وبحكم كونها مؤسسات تعليمية غير ربحية تتقاضى من الطلبة أقساطاً دراسية معتدلة وتؤمن منحاً دراسية للمتفوقين منهم، فإن الجامعات الوقفية تعدّ اليوم النموذج المنافس بامتياز للجامعات الخاصة الربحية التي باتت ترهق الطلبة بأقساطها المرتفعة.

المشهد العالمي للوقف التعليمي بين الماضي والحاضر: سبق شرقي وتفوق غربي

في منطقتنا العربية: شكل الوقف منذ غابر الأزمان بؤرة النهضة العلمية والفكرية على مدار قرون عديدة، وإليه يعود الفضل في كل ما عرفته المنطقة من نهضة علمية وثقافية في حضارتنا العربية والإسلامية. ولم يكن الوقف حينها مجرد تصرف ديني أو قانوني بل كان أيضا حافزاً علمياً وتنموياً، وثقافة روحية مؤثرة في المجتمع، مما أدى إلى انفتاح الأوقاف على التعليم حتى بات إنشاء أي مدرسة أو مؤسسة تعليمية مرتبطاً بوقف ثابت يفي بمتطلباته.

أدى هذا النموذج الحضاري إلى ازدهار مئات المدارس الوقفية في بغداد ودمشق والقاهرة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات، كجامعة القرويين في المغرب وجامعة الزيتونة في تونس والأزهر في مصر، ناهيك عن جامعات الأندلس التي أصبحت قبلة لطالبي العلم في أوربا العصور الوسطى. حتى في صقلية الإسلامية (آنذاك)، بلغ عدد المدارس الوقفية 300 مدرسة تتكفل بنفقات الدراسة والإعاشة للطلاب المحليين والوافدين من أقطار أخرى.

إلا أن هذه الصلة الوثيقة بين الوقف والعلم، والتي جعلت الأول مصدرا اساسيا لتمويل العلم والتعليم والبحث العلمي، تلاشت بشكل شبه تام في عالمنا المعاصر لأسباب لا زالت تشكل موضع بحث وتساؤل:

  • أهي سياسة مجانية التعليم بمختلف مستوياته، وما شمل ذلك من تكفّل الدولة بإنشاء المدارس والجامعات التي تمثل أولى رهانات قطاعات التعليم والبحث العلمي؟
  • أم هو تراجع لثقافة الوقف في ضمير المجتمع مما أدى إلى حصرها في نطاق الفعل التعبدي والوظيفة الدينية؟
  • أم هي تلك السياسة التي أدت إلى إقامة جدران عازلة بين قطاع الأوقاف والمنظومة التعليمية والتربوية، وانحسار أدوارهما ضمن سياسات قطاعية تفصل بين الوقف والتعليم؟
  • أم هو تآكل رسالة المجتمع باتجاه الفردية وغياب المسؤولية الاجتماعية؟

تساؤلات مفصلية ومشروعة تحتاج الإجابة عنها إلى بحوث تنير الطريق إذا ما أردنا توجيه الأنظار ثانيةً إلى الوقف التعليمي لاستعادة دوره كاستثمار خيري مستدام وبذرة صحيحة لبداية نهضة تعليمية شاملة.

أما الغرب، فقد استنسخ الوقف في مضمونه الإسلامي ضمن صيغ ونماذج تشبه الوقف أو تقترب من مفهومه فكرا وتطبيقا ليطوِّرَه فيما بعد ويجعل منه مؤسسات مانحة وجامعات ومراكز بحثية أنشئت من منطلق الصدقة الجارية ونزعة الخير التي لا يمكن حصرها في قالب ديني أو عرقي واحد، مما جعلها تتفوق على تجربة الوقف العلمي في الفكر الإسلامي. بالفعل، فقد أجمع الباحثون في الغرب على أن قانون الوقف الإسلامي كان له أكبر الأثر في تطوّر المؤسسات الوقفية في بلادهم بعد القرن السادس عشر، فالأوقاف في الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت في البداية شكل مؤسسات دينية أو تعليمية مستقلة في نمط الإدارة والتسيير المالي وباتت تتغذى من تبرعات الواقفين من أبناء الطوائف في شكل أموال نقدية أو أملاك عقارية توقف على الكنائس والمدارس والجامعات مما جعلها نماذج ناجحة بامتياز تحمل حقيقة مضمون الوقف في فكرته الإسلامية في نفس الوقت الذي تخلصت فيه من الروتين الإداري الحكومي.

ريادة أمريكية…

تُعَدّ التجربة الأمريكية في هذا المجال نموذجا قائماً بذاته، فجامعة هارفرد باتت نموذجاً رائداً في إسهام الاستثمارات الخيرية في تطوير التعليم الجامعي والبحث العلمي حيث كرست منذ تأسيسها عام 1636 تقليدا يقضي بدخول الوقف كلاعب رئيس في مجال التعليم العالي، وحققت بذلك معادلة تجعل من التبرع أحد الأسس الصلبة لبناء تعليم متميز لا يخضع لقوانين العرض والطلب ولا يتكئ كليا على الميزانيات الحكومية. وعلى غرار هارفرد رخصت الجامعات الوقفية الأمريكية علاقة وطيدة بين ثقافة التبرع من ناحية، والميادين الأكاديمية وبرامج البحث العلمي من ناحية أخرى، بحيث لم يعد هناك تصور لوجود بنية تحتية علمية بدون الوقف.   

تجدر الإشارة إلى أن النموذج الأمريكي في تمويل الجامعات يعد انعكاساً للبنية الاقتصادية الأمريكية التي يغلب عليها التنافس النابع من آليات السوق (في مقابل نموذج أوروبي ساد فيه الدعم الحكومي للجامعات بدرجات متفاوتة). تضم الولايات المتحدة الأميركية أكبر عدد من الجامعات الوقفية في العالم، حيث يصل حجم الوقف في مؤسسات التعليم العالي الأميركية إلى أكثر من 119 مليار دولار، بينما يصل وقف الجامعات الكندية إلى 5 مليارات دولار، ويتخطى الوقف في 10 جامعات بريطانية نحو 30 مليار دولار.

استفاقة تركية….

أما تركيا التي تُعدّ تجربتها نموذجية في إعادة تسخير الوقف لصالح التعليم فقد تمكنت من إعادة إحياء الصلة بين الوقف والتعليم بحلّة “مدنية وليس دينية” حيث شُرِعَ في تأسيس الجامعات الوقفية بدءً من ثمانينات القرن الماضي، واشتد زخمها بعد توفير إطار قانوني مدني نظم تبعيتها إلى مجلس التعليم العالي وشجع على أعمال الوقف من خلال العديد من الحوافز الضريبية التي تضمنها. مثلت جامعة بيلكنت التي تأسست في عام 1984(تحت حكم العسكر آنذاك) باكورة هذه الجامعات، إلى أن وصل عددها اليوم إلى 63 جامعة وقفية، إضافة إلى سبعة معاهد تقانية وقفية، وذلك مقابل 104 جامعة حكومية (القانون يمنع الترخيص للجامعات الخاصة الربحية). تتنوع المؤسسات الوقفية المنشئة لهذه الجامعات الوقفية فهناك المؤسسات الخيرية والمؤسسات الوقفية الأهلية والشركات العائلية الثرية والنقابات المهنية، الخ. تجدر الإشارة إلى أن الجامعات الثلاث التي تقدمت ترتيب الجامعات التركية ضمن التصنيف الأخير لصحيفة التايمز البريطانية “Times Higher Education”، هي جامعات وقفية!!

هل من سبيل إلى إحياء الوقف التعليمي في بلدنا؟

ما سبق يُظهر أهمية الوقف ككمون واعد لدعم منظوماتنا التعليمية والبحثية في وقت تشهد فيه هذه المنظومات غياباً شبه تام لنمط الجامعات الوقفية، شأنه شأن أي شكل آخر من أشكال الوقف داخل الجامعات الحكومية. بالفعل، يقتصر المشهد الوقفي السوري في مجال التعليم العالي على “جامعة وقفية” يتيمة (جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية) بحكم تبعيتها لوزارة الأوقاف وليس للتعليم العالي، وفقاً لما يقتضيه قانون الأوقاف (السابق والجديد) الذي حصر التعليم الديني بهذه الوزارة. أما فيما يتعلق بالوقف للجامعات الحكومية فالأمر يقتصر أيضاً على “شبه وقف” يتيم تمثل بمركز جامعة دمشق للمؤتمرات (مركز رضا سعيد) الذي كان له أكبر الأثر في إكساب هذه الجامعة العريقة واجهة حضارية جديدة. تجدر الإشارة إلى أن قانون تنظيم الجامعات النافذ حالياً، ولائحته التنفيذية، لم ينصا على أي شكل من أشكال الوقف واكتفيا بتوفير الإمكانية للجامعات لقبول الهدايا والهبات والمساعدات.

كيف يمكننا إذاً، استناداً لما سبق استعراضه من تجارب عالمية، أن نستنهض ظاهرة الوقف على العلم والتعليم في ظل ما نشهده من سلعنة متنامية للتعليم؟ لسنا هنا بصدد رسم خارطة طريق لأوقاف تعليمية جامعية لكن من المفيد طرح بعض الأفكار المستوحاة من تجارب الغير لعلها ترشد أي مسعاً بهذا الاتجاه يمكن للجهات المعنية أن تقوم به:

  • ربما يصعب “القفز” مباشرة باتجاه التفكير بإنشاء جامعات وقفية، لكن العمل في البداية على تشجيع الأعمال الوقفية داخل الجامعات الحكومية من شأنه أن ينعش الذهنية الوقفية ويروج للوقف “الأكبر” المتمثل بإنشاء جامعات وقفية…
  • يكمن المفتاح بتأمين إطار قانوني غائب بشكل كلي عن منظومتنا. إطار “مدني” يتيح للجامعات الحكومية تلقي الأوقاف التعليمية/البحثية وإدارتها بمعزل عما جاء في قانون الأوقاف الجديد (القانون رقم 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف)، على أن يضمن الإطار المنشود تأسيس صندوق وقفي في كل جامعة حكومية، وإنشاء إدارة قانونية ومالية لأوقاف الجامعة، وادارة لاستثمار أوقافها.
  • من الأهمية بمكان إجراء دراسات لحصر الاحتياجات التعليمية/البحثية التي يمكن الإنفاق عليها من الأموال الوقفية (برامج لمنح دراسية/بحثية، كراسي علمية وقفية، إطلاق مشاريع بحثية وطنية، موارد مالية خاصة بالدراسات العليا البحثية، مراكز تميز بحثية، خزانات تفكير…)  وترتيبها وفق أولويات وضوابط محددة.  من شأن هكذا دراسات أن تساعد الجامعة على إنشاء برنامج خاص بها للأوقاف يتم من خلاله تشجيع القطاع الخاص والأفراد، وبخاصة الميسورين منهم، على الوقف لصالحها.
  • وزارة الأوقاف مدعوة إلى التعاون مع وزارة التعليم العالي في تخصيص جزء من ريع الأوقاف في العملية التعليمية والتربوية عن طريق تحديد نسبة من الأموال والتبرعات الوقفية التي تردها لتؤول إلى الصناديق الوقفية في الجامعات، أو الوقف المباشر على إنشاء بعض المرافق الجامعية.
  • يعدّ استصدار قانون خاص بإنشاء الجامعات الوقفية، خطوة مفصلية على الطريق نحو دعم انتشار هذا النمط الجديد من التعليم الجامعي. في مصر على سبيل المثال، ما أن صدر القانون الناظم للجامعات الأهلية (التسمية المصرية للجامعات الوقفية) عام 2009 حتى طلبت ثلاث جامعات خاصة (جامعة النيل، جامعة سنغور الفرنسية، والجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني) التحول إلى جامعات وقفية تحت هذا القانون الناظم.
  • ثمة جامعات خاصة تتميز عن غيرها بامتلاكها لميول ونكهات “أهلية” ناجمة عن انتماءاتها اللا تجارية، مما قد يجعلها قابلة للتحوّل من ذاتها إلى جامعات وقفية (أو أهلية إذا ما أريد اعتماد هذه التسمية البديلة على غرار ما هو قائم في مصر)، إذا ما توفرت لها البيئة القانونية الحاضنة. من هذه الجامعات يمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، جامعة المنارة (المنتمية إلى الأمانة السورية للتنمية، والتي أنشئت بالأصل لهدف تنموي) وجامعة الشام الخاصة (المنتمية إلى القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي) وجامعة قرطبة الخاصة (المنتمية إلى نقابة المهندسين بحلب) والأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية (المنتمية إلى جامعة الدول العربية)، الخ.  

في النهاية نرى أن الوقف يعد ثقافة قائمة بذاتها، ومن الخطأ اختزال هذه الثقافة في بناء المساجد والكنائس، ومدّها بالخدمة، إذ لا بدّ من ابتكار آلية وقفية مدنية وتسخيرها لصالح عملية تنموية تعليمية وثقافية لبلد مكلوم في أمس الحاجة إليها. إن ما يمكن أن تحمله الصناديق الوقفية في الجامعات الحكومية، و/أو ما قد يستحدث من جامعات وقفية، يأتي في صميم هذه العملية التنموية المنشودة. ومن هنا تأتي أهمية نشر الوعي بين أفراد المجتمع عامة والميسورين خاصة، لتعريفهم بأّن الوقف على التعليم شكلٌ من أشكال الصدقة الجارية التي تقربهم إلى الله وإلى الشعب.