التضخّم الآخر: ماذا لو نظرنا إلى التعليم بعدسة التضخّم؟

ربما لا يعلم الجميع أن التضخم في الاقتصاد، الذي تعاني منه اقتصادات الدول كافة، بدرجة أو بأخرى، له نظير خفي لا يقل عنه ضرراً بالاقتصاد والمجتمع…. إنه “التضخم الأكاديمي”، أو التضخم في التعليم، الذي يلمسه الخريج الجامعي ما أن يبدأ محاولاته لـ”تسوّق” وظيفة له في سوق العمل، متسلِّحاً بالشهادة الأكاديمية التي حصل عليها….

يتشابه هذا المنتسب الجديد إلى “نادي التضخم” مع التضخم “التقليدي” المعروف في الاقتصاد ويشترك معه في المفهوم والإطار العام…

فإذا كان التضخم في الاقتصاد يعني “ارتفاع أسعار السلع والخدمات عبر الزمن”، فإن التضخم الأكاديمي يعني “ارتفاع الحد الأدنى من الشهادات والمؤهلات الأكاديمية المطلوبة لشغل الوظائف عبر الزمن”….

وإذا كان التضخم في الاقتصاد يشير إلى انخفاض القوة الشرائية لعملة الدولة في السوق، فإن التضخم الأكاديمي يشير إلى انخفاض القيمة الأكاديمية للشهادات، وبالتالي “قوتها الشرائية” في “سوق العمل”…

في هذه “المحاكاة” أصبح “العمل/الوظيفة” هو “السلعة” التي يبحث عنها الخريج، و”الشهادة الأكاديمية” هي العملة التي لن يتمكن الخريج بدونها أن “يشتري” الوظيفة الذي يطمح إليه من “سوق العمل”، أما “الأسعار” فأصبحت تتمثَّل بـ “الحد الأدنى لمتطلبات الوظيفة” Minimum Job Requirement، التي يشكل ارتفاعها المستمر أصل هذا التضخم الأكاديمي.  

مفاعيل التضخم الأكاديمي وإفرازاته….

التضخم الأكاديمي “شرٌّ” لا بد منه، عابر للمنظومات التعليمية في العالم، ويمثل مشكلة لكل من الطلاب والمؤسسات التعليمية والمجتمع، لكن الاقتصاد يبقى المتضرر الرئيسي من هذا التضخم لما يسببه من عوائق تعترض التنمية، مفرزاً ظواهر عديدة تجلت بأشكال مختلفة في المجتمع بشكل عام، والمجتمع الأكاديمي بشكل خاص:

  • التضخّم يعني الترهّل، فبصرف النظر عن حقيقة أن البطالة تزداد عندما يكون هناك تضخم أكاديمي، ينتهي الأمر بالعديد من الطلاب إلى الاكتظاظ في الجامعات وقضاء سنوات عديدة فيها على حساب جودة التعليم والخبرة العملية والمهارات التي كان بإمكانهم اكتسابها في بيئة العمل.
  • يترافق هذا النوع من التضخم بتزايد في أعداد الأفراد الحاصلين على شهادات جامعية من ذوي الشهادات المنخفضة (الإجازة الجامعية أو البكالوريوس)، حيث يتنافس هؤلاء على عدد قليل من الوظائف التي تتطلب هذه الدرجات العلمية
  • من النتائج السلبية للتضخم الأكاديمي أن الطلاب يعيشون طوال فترة الدراسة في قلق دائم وخوف وتوجس من البطالة، ويميلون إلى إطالة فترة الدراسة لجني المزيد من الشهادات والدرجات والدورات.
  • من النتائج المتوقعة للتضخم الأكاديمي وفرة أسواق التعليم والتعلم في الجامعات والمعاهد الحكومية والخاصة، ولعل الانتشار الواسع للجامعات الخاصة، وبخاصة في البلدان النامية، ليس إلا مظهراً (ونتيجة) من مظاهر هذا التضخّم.
  • التضخم الأكاديمي الذي يشير إلى انخفاض قيمة الشهادات الأكاديمية بمرور الزمن، يشير أيضاً إلى انخفاض مماثل في الميزة الممنوحة لحاملي هذه الشهادات في سوق العمل، وليس أدل على ذلك إلا سلّم الرواتب والأجور المطبق لدينا حالياً.
  • حرّض هذا الواقع سباقاً مكثفاً للحصول على مؤهل أكاديمي أعلى في مجتمع لم تعد الدرجة الجامعية الأولى فيه كافية للحصول على عمل في ذات الوظائف التي كانت تتطلب في السنوات السابقة الحصول فقط على شهادة ثانوية أو معهد متوسط أو إجازة جامعية.
  • ما سبق يمكن ترجمته بظاهرة أخرى تحت مسمى “الإفراط في التأهيل” Over qualification. هنا يظهر التضخم الأكاديمي جلياً عندما يتولى خريجو الجامعات أعمالاً كانت تنفذ من قبل غير جامعيين، وعندما يتولى خريجو الدراسات العليا أعمالًا كانت تُنفذ سابقًا من قبل خريجين جامعيين، وتستمر “الهجرة” من المستويات الأعلى نحو مهنة ما إلى أن تصبح هذه المهنة في النهاية “مهنة الدراسات العليا”. تشير التقديرات إلى أن 30% من خريجي الجامعات في الولايات المتحدة يضطرون إلى قبول وظائف لا تتطلب أي شهادة جامعية!!
  • وكنتيجة مباشرة للإفراط في التأهيل، امتد التضخم الأكاديمي ليطال شهادات الماجستير والدكتوراه وما بعد الدكتوراه، واشتد السباق عليها لكسب المزيد من المزايا للمنافسة في سوق العمل على وظائف لا تتطلب هذه المؤهلات المتقدمة.
  • يرتبط التضخّم الأكاديمي أيضًا بتضخّم في العلامات الممنوحة للطلاب (Grade Inflation)، الذي يعكس الميل إلى منح الطلاب علامات أكاديمية أعلى من تلك التي كانوا سيحصلون عليها في الماضي لقاء الإنجاز ذاته، وذلك لإكسابهم “ميزة تنافسية” في سوق العمل! وللوقوف على حقيقة هذه الجزئية من التضخم في منظوماتنا التعليمية، يكفي ملاحظة تطوّر العلامات التي حصل عليها طلاب الثانوية العامة على مدى العقود الماضية حتى بات العديد منهم يحصلون على المجموع التام، وكذلك العلامات والتقادير التي تُمنح بسخاء لخريجي الماجستير والدكتوراه.

منشأ التضخم الأكاديمي؟؟

يعود الفضل في إطلاق وإشهار مصطلح “التضخم الأكاديمي” إلى المفكر التربوي، السير كين روبنسون (Sir Ken Robinson) عندما تحدث لأول مرة عن هذه الظاهرة في محاضرته الشهيرة والممتعة مع (TED Talk) بعنوان “المدارس تقتل الإبداع Schools kill creativity”، أهيب بالجميع مشاهدتها على هذا الرابط، والاستمتاع بمحتواها، وبروح الفكاهة البريطانية التي تميزها. في كلمته هذه، انتقد السير روبنسون النظام التعليمي الحالي لعدم تشجيعه على الإبداع لدى الأطفال الصغار، الأمر الذي أدى إلى وصم حقول الدراسة القائمة بالترهل والنمطية، مما من شأنه الحؤول دون ابتكار حقول دراسية جديدة لا يزال يتعين استكشافها، لكن العديد منها لا زال مغيّباً نتيجة لغياب الإبداع، في الوقت الذي تكتظ فيه الحقول الأخرى التقليدية و(النمطية) بالطلبة.

إن التضخم الأكاديمي لم يكن ليحدث لولا التقلبات والتحولات التي حدثت في المتطلبات التعليمية لمعظم الوظائف، والتي ترافقت مع العديد من الظواهر المزعزعة والمفاجئة مثل العولمة واقتصاد السوق والثورة الرقمية وما رافقها من بزوغ للاقتصاد المعرفي، وتكرّست هذه الظواهر بغزو التيار النيوليبرالي لمؤسسات التعليم العالي عبر العالم، مما أدى إلى تسليع التعليم وتحويله من منفعة عامة إلى استثمار شخصي بحت للمستقبل الذي بات يُصمَّم من حيث القدرة على كسب العمل. يقول هنري جيرو في مقال له منشور في مجلة Harvard Educational Review: “في ظل النيوليبرالية وانتصار قوى السوق، لم يَعُد الكثير من الطلاب وأهاليهم يعتقدون أن التعليم العالي يعني التعلّم العالي Higher Learning، بل يعني بكل بساطة اكتساب الطلاب موطئ قدم أفضل في سوق العمل”.

هل هي مسؤولية التعليم وحده؟

لقد بينت تجارب التنمية في سائر أنحاء العالم أن نظام التعليم لا يعمل في فراغ، وهو جزء من نظام اقتصادي واجتماعي وطني وإقليمي، وأن ثمة علاقة عضوية وتبادلية وثيقة بين التعليم والتنمية ونمطها عبر سوق العمل، فكما يؤثر التعليم في التنمية، تؤثر التنمية في التعليم وبشكل جوهري لأن أهداف التعليم تٌشَكَّل وفقاً لنمط التنمية السائد، ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن يصمد من دون نمط تنمية ملائم وسياسة قبول رشيدة تعي المخاطر والأهداف التي تحافظ على المصالح الوطنية.

يتبين مما سبق أن عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة تحدد توجهات الاقتصاد والقطاعات المرشحة للنمو في أي بلد (جانب الطلب) سيجعل المنظومة التعليمية (جانب العرض) عرضة لما سبق ذكره من مظاهر التضخم الأكاديمي.

وماذا عن منظومتنا التعليمية؟؟

على الرغم من أن منظومتنا التعليمية حققت خلال العقود الثلاث الأخيرة من القرن الفائت إنجازات ملموسة، وزوّدت النموذج التنموي الوطني بحاجته من الأطر ضمن أولويات تلك الحقبة التي تمثلت بمركزية الدولة في عملية التنمية، إلا أنها لم تكن بمنأى عن أي من مسببات ومظاهر ومفاعيل التضخم سابقة الذكر.

وقد يطول الحديث في هذا المجال، خاصة وأن المقال الحالي ليس بصدد اقتراح خارطة طريق للقضاء على التضخم الأكاديمي، بل يهدف إلى إجراء تشخيص عام للتضخم الأكاديمي وآثاره. ما تجدر الإشارة إليه هنا أن إصلاح التعليم لجعله يستجيب إلى التحول المستمر في المتطلبات التعليمية لسوق العمل (الذي هو الآخر بحاجة إلى إصلاح)، بدءً من سياسات القبول، مروراً بالمناهج وطرق التدريس وانتهاءً بالأنظمة التدريسية، أصبح قضية وطنية مشتركة لا تنحصر في التعليم العالي وحده، وأن من غير الممكن حل التناقض بين مخرجات التعليم وسوق العمل دون تطوير البنية الإنتاجية وإصلاحها كي تستوعب الخريجين. عندها فقط ستزول أسباب ومفاعيل التضخم الأكاديمي، ومعها التضخم الاقتصادي.

لكن ماذا عن الطلاب، وهم المعنيون الأساسيون بالتضخم والمتضررون به من جراء هذا الواقع الذي يكاد أن يكون مستعصياً في المدى المنظور؟ ربما يكمن الحل، بعيداً عن الإبداع المنتظر من القائمين على التعليم، في يد الطالب الذي عليه هو أن يصيغ أهدافه الشخصية ويوجد الطريق الصحيح لنفسه، يبحث عن اهتماماته ونقاط قوته، يعمل على تطويرها بشكل دائم دون أن يضع حدوداً لتعلّمه، يكتسب خبرة في ميادين مختلفة كي يحافظ على وضعه التنافسي، يحرص على تعلم اللغات الأجنبية، ويتعلّم التغلب على الفشل والانتكاسات، وحل المشاكل بدلاً من الهرب منها.

الإشراف اللائق على رسائل الدكتوراه: دروس وعِبَر عالميّة

مقتطفات من خبرة وتجارب أكاديميين منتمين إلى ثقافات واختصاصات متنوعة، مأخوذة من مقال نشرته مؤخراً صحيفة التايمز/التعليم العالي تحت عنوان “How to be a PhD supervisor”

فيليب موريارتي، أستاذ الفيزياء بجامعة نوتنغهام في بريطانيا:

  • إذا كان باحث الدكتوراه في السنة الأخيرة لا يناقشني بانتظام ويخبرني بأنني مخطئ، وأن تفسيري للبيانات لا يمكن أن يكون صحيحًا لأنه لا يراعي النظريات الأساسية في الفيزياء، فسأكون قلقاً لأن ذلك قد يؤشر إلى انحراف جدي عن المسار المأمول.
  • يجب أن يشعر طالب الدكتوراه بالملكية (Ownership) لمشروع بحثه، وهذا أمر ضروري وإلا سوف أشعر أنني فشلت في إشرافي، لأسباب ليس أقلها المعايير المعتمدة لمنح درجة الدكتوراه في جامعتي، والتي تشترط أن يكون المرشح قد طور القدرة العامة على تصور وتصميم وتنفيذ مشروع لتوليد معرفة جديدة أو تطبيقات أو فهم في تخصصه، وضبط تصميم المشروع في ضوء ما قد يظهر من مشاكل.
  • أؤمن إيمانا راسخا بأنه ينبغي لنا التخلي عن مصطلح “طالب الدكتوراه”، وكبديل عن ذلك نستخدم مصطلح “باحث الدكتوراه” الأكثر دقة. وأنا لست وحدي في هذا التوجه.
  • هذا المصطلح البديل من شأنه أن يساعد في إحداث تغيير في الثقافة يؤدي إلى الاعتراف بشكل أفضل بالدور والمساهمات الأساسية التي يقدمها المرشحون للحصول على درجة الدكتوراه. لقد كنت محظوظًا جدًا بالأستاذ الذي كان قد أشرف على بحثي في الدكتوراه. تعاونت معه بصدق؛ وكنا نناقش الأفكار ونشرّحها، ولم أشعر يوماً بأنني يجب أن “أعرف مكاني وحدودي”.
  • الدكتوراه تعني أن تصبح باحثًا مستقلًا. وهذه العملية عبارة عن رحلة بحثية تتم في بيئة بعيدة عن دوامة الامتحانات والمقررات الدراسية التي تقود المرحلة الجامعية. لا يوجد منهج ولا كتاب دراسي يرسم خطوات الدكتوراه من البداية إلى النهاية ولا توجد مشاكل مطروحة بدقة ويطلب تقديم حلول لها بشكل مفيد. باحثو الدكتوراه في الواقع يكتبون في نهاية مشوارهم كتاباً للجيل القادم من الطلبة الجامعيين – وهذا ما نعنيه عندما نقول إن رسالة الدكتوراه يجب أن تكون حول توسيع نطاق المعرفة في مجال معين.

كارولين بليث، أستاذة علوم الأديان في جامعة أوكلاند، نيوزيلندا:

  • لقد علمني مشرفي درساً قيّماً حول الإشراف الجيد: الإشراف ينطوي على أكثر من مجرد تعليم طالب الدكتوراه كيف يكون كاتبًا وباحثًا جيدًا. إنه يتعلق بالإيمان بالإمكانات الأكاديمية للطلاب، وتعزيز ثقتهم بنفسهم ودعمهم في مسارات الحياة التي يختارونها.
  • منذ بداية مشواري لتحضير الدكتوراه، تشكل عندي إحساس قوي من مشرفي بأنه كان يثق بقدراتي الأكاديمية – أرادني أن أنجح، ولم يتوقف عن إخباري بقدرتي على النجاح. كان ملتزماً بمساعدتي في تطوير المهارات التي سوف أحتاج إليها عندما يتعلق الأمر بالبحث عن وظيفة بعد الدكتوراه. نصحني بالتدريس في وقت مبكر، حتى أتمكن من معرفة المزيد عن فن التدريس. شجعني على قضاء فصل دراسي في مؤسسة خارجية، وكانت تجربة مثمرة لي بشكل خاص، مما سمح لي بتطوير ثقتي بنفسي على المستويين الشخصي والأكاديمي. أخيرًا، غرس في نفسي شغفًا بالتشبيك والتعاون مع الناس، وكلاهما أثبتا طوال مسيرتي الأكاديمية أنهما لا يقدران بثمن.
  • وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، حين توليت عباءة الإشراف على الدكتوراه، بقيت هذه الدروس التي تعلمتها من المشرف ملازمة لي. فبالإضافة إلى توجيه طلابي في أمور البحث والكتابة، أصرف دائمًا بعض الوقت لمشاركتهم بعض المهارات القابلة للتحويل التي اكتسبتها. أشجعهم على المشاركة في المشاريع التي من شأنها بناء ثقتهم بأنفسهم كأكاديميين وأحثهم على المشاركة بانتظام في المؤتمرات، ودعوت بعضهم إلى مشاركتي في كتابة مقترحات المشاريع. أسعى للحصول على فرص لهم للتواصل مع الأكاديميين الآخرين في مجالهم، أو التقدم للحصول على وظيفة أكاديمية. أريد دائماً أن يعرف طلابي أنني سأبذل قصارى جهدي لتعزيز قدراتهم ودعم جهودهم.
  • مع ذلك، يجب ألا يركز الإشراف الجيد فقط على فرص العمل المستقبلية للطالب. أن تكون مشرفًا لائقًا يعني أن تكون إنسانًا لائقًا وأن تُظهر للطلاب احترامك ودعمك.
  • ينبع لدي هذا الإحساس الأساسي باللطف من الاعتراف بأن طلاب الدكتوراه هم بشر، مثلنا تمامًا. إنهم ينظرون إلينا كأشخاص مثالين ومن مسؤوليتنا أن نظهر لهم أننا أكاديميون طيبون وأشخاص طيبون. نأمل منهم أن يستمروا في هذا التقليد إن أصبحوا في السنوات اللاحقة مشرفين على طلاب دكتوراه.
  • اللطف هو شيء أضعه في طليعة العلاقات التي أشاركها مع جميع طلابي، وبصراحة، هذا ليس بالأمر الصعب. حركات صغيرة مثل كلمات التشجيع للطالب خلال لحظات الشك الذاتي، أو أذن صاغية له عندما تتكاثر ضغوط الحياة عليه، أو فنجان قهوة أو غداء مشترك، حركات صغيرة لا زلت أتذكرها، لكنها كبيرة في إسهامها بتسهيل الرحلة نحو الحصول على الدكتوراه.

كلير كيلي، أستاذة في العلوم النفسية والعصبية في ترينيتي كوليج بدبلن، ايرلندا:

  • ثمة أدوار هامة في الحياة تأتي بدون تدريب، وعليك أن تتعلمها بالممارسة (On the job). أن تكون أحد الوالدين هو مثال عن هذه الأدوار، وأن تكون مشرفًا على طالب دكتوراه هو مثال آخر. ربما يمتد التشابه بين هذه المهام إلى أبعد من ذلك – بالنسبة لي، أن أكون مشرفةً على طلبة دكتوراه يعني إتاحة الفرصة لتربية باحثين شباب وتزويدهم بأساس قوي وآمن يمكّنهم من تأمين مهنة لهم.
  • يتضمن ذلك معرفة أفضل السبل لدعمهم وتشجيعهم، مع تحديد قوي للتوقعات والحدود. هذا يعني أن تكون حاضرًا ومتاحًا لتزويد الطلاب بالمدخلات والتغذية الراجعة، بينما تعزز لديهم الثقة والاستقلالية والشعور بالمسؤولية عن مستقبلهم. وهذا يعني أيضاً أن تكون نموذجًا يحتذى به، وتغرس فيهم المهارات والقيم (مثل النزاهة الأكاديمية) التي سوف تخدمهم طوال حياتهم المهنية، سواء كان ذلك في الأوساط الأكاديمية أو خارجها.
  • من بين أهم الدروس التي تعلمتها من خلال إشرافي على رسائل الدكتوراه، تأتي خطة الإشراف (أو بروتوكول الإشراف): تحديد توقعات واضحة وصريحة، بما في ذلك المهل النهائية والمحطات الرئيسية (كتقديم الأوراق)، والمواعيد المنتظمة للاجتماعات مع الأجندات المحددة، الخ. يمكن أن يفيد توفير هكذا خطة كلاً من الطالب والمشرف.
  • تظهر أهمية توفير هذه البنية بشكل خاص للطلاب القادمين من المرحلة الجامعية الأولى أو من الماجستير بالمقررات، الذين يفتقدون الإحساس بالمهل النهائية وبمتعة الشعور بالإنجاز عندما يلبون المهل النهائية. كما أن وجود الخطة من شأنه أن ينبه المشرف إلى أية علائم لصعوبات قد تعترض طريق الإنجاز، مثل مشاكل الصحة العقلية التي قد تحتاج إلى دعم ومراجعة محتملة لخطة الدكتوراه والجدول الزمني. يمكن أن يوفر أيضًا أساسًا واضحًا للتواصل مع الطالب وإفهامه أن الأمور لا تتقدم كما ينبغي، وأن المضي في البحث قد لا يكون هدفًا واقعيًا على الإطلاق.
  • أعتقد أيضًا أن مسؤولية إدارة العلاقة يجب ألا تقع على عاتق المشرف وحده: يجب أن يتحمل الطلاب أيضًا مسؤولية تقدمهم.
  • يمكن أن يكون تحديد هذه الأدوار والمسؤوليات أحد أكثر الجوانب صعوبة في عملية الإشراف على طلاب الدكتوراه، وقد يكون البحث عن تدريب رسمي للطالب على مهارات الإدارة الجيدة (التي تقدمها الآن العديد من الجامعات) مفيدًا للغاية. لكن في النهاية، سوف تفرض طبيعة الدكتوراه التعامل على أساس كل حالة على حدة تبعاً لشخصية المشرف والطالب وأسلوب عملهما.
  • في بعض الأحيان، ستظل هناك فجوة بين التوقعات وتقدم الطلاب. في مثل هذه الحالات، يمكن أن تساعد هياكل تتبع الأداء والتعليقات المشرفين على تحديد ما إذا كان إكمال الدكتوراه لا زال في متناول اليد أم لا. وبالنظر إلى مناخ التوظيف المتردي في الأوساط الأكاديمية، غالبًا ما يكون الخروج عن مسار الدكتوراه خيارًا عاقلاً، ويجب اعتباره في هذه الحالة بمثابة “تعديل” للأهداف وليس هزيمة أو فشلاً.

جينيفر شنيلمان، أستاذة في العلوم الصيدلانية، جامعة أريزونا في الولايات المتحدة:

  • في الولايات المتحدة يقترب معدل التسرب في برامج الدكتوراه من 50 في المائة للعديد من التخصصات. ذلك لأنه، لدى الحديث عن الخلفية العلمية على وجه التحديد، يجب قبول حقيقة عدم كون كل طالب دكتوراه مهيأ ليصبح باحثاً مستقلاً. وبالتالي يجب علينا إعادة النظر في المعنى والأهمية الحقيقية لامتلاك الدكتوراه.
  • في النهاية، لا يشكل التحول إلى باحث مستقل (بعد الحصول على الدكتوراه) السبيل الوحيد في الحياة للحصول على قيمة مضافة علمية هائلة. إن السنوات التي يكون خلالها طالب الدكتوراه المتسرب قد تعلم مواداً معقدة وأجرى التجارب وحلل البيانات سوف تكون مفيدة جدًا له في حياته المهنية.
  • يجب ألا ينظر المشرف إلى الطالب المتسرب الذي ينتهي به العمل خارج الأوساط الأكاديمية على أنه تجربة استنساخ ذاتي فاشلة. الدكتوراه تعلّم الطلاب كيفية التفكير، وربما علينا توسيع نطاق الإشراف والتوجيه لزيادة مهارات البحث بالتوازي مع المواهب العملية التي تنمي الاستجابة وتشحذ الذكاء في العلاقات الشخصية التي هي ذات قيمة في مجموعة واسعة من الوظائف.
  • في العديد من الجامعات الأمريكية، يتعين على الطلاب الذين يعتزمون الدخول في مرحلة البحث في الدكتوراه اجتياز امتحان ترشيح شفهي مكتوب مدته يومان أو يوم واحد. وعندما يتبين عدم ملاءمة الطالب ليكون باحثًا مستقلاً، نحاول توجيهه إلى وظائف تتناسب ومهاراته بشكل أفضل داخل الأوساط الأكاديمية.

سالكات ماجمدار، أستاذ في الأدب الإنكليزي في جامعة أشوكا، الهند:

  • الطلاب إما أن يكونوا مستهلكين للمعرفة أو منتجين لها. مستهلكو المعرفة هم الذين يتفوقون عادة في الامتحانات لكنهم لا يصبحون بالضرورة منتجين لها، أي باحثين، والعكس صحيح أيضاً. إنتاج المعرفة لدى الطلاب يجب أن يبدأ في وقت مبكر، على شكل أوراق بحثية لطلاب المرحلة الجامعية، على سبيل المثال.
  • هناك نقاشات حول ما إذا كانت الرسالة هي آخر عمل لباحث الدكتوراه أم أنها أول كلام احترافي له. ربما يكون الأمران معاً، لكن النسب تختلف حسبما كان الطالب يعمل في العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية.
  • البحث في العلوم الإنسانية يجري في معظمه من قبل الأفراد، في حين أن البحث في العلوم الأخرى هو على الأغلب نشاط جماعي، بقيادة باحث رئيسي. هذا يعني أن أي شخص حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية هو بالتعريف باحث منفرد قادر على البحث المستقل – إلا إذا حصل على الشهادة بوسائل غير سويّة!
  • هناك صراع بين نهج يرى الدكتوراه كرحلة “انغماس” في العلم، ونهج آخر يراها وسيلة للاحتراف الذي يهدف إلى التآلف مع الحياة المؤسسية للاختصاص العلمي، بما في ذلك البحث عن الوظائف والمنح والزمالات. ثمة ارتباط عضوي بين النهجين ويعزز كل منهما الآخر، إلا أنهما غير متساويين وتختلف درجة التفاعل مع أي من النهجين من طالب إلى آخر.
  • توصيتي لطلابي هي أن يتبعوا مسارا وسطياً، وأن ينطلق توجههم البحثي من مجال يشعل شغفهم، وبمجرد اشتعال “النار”، عليهم أن يركّزوا اهتمامهم في محادثة (Conversation) تخصصهم العلمي ككل.
  • يجب عليهم النشر كطريقة للدخول في المحادثة، وعليهم الحذر من السماح للاحتراف بالتغلب على الاستقلالية والأمانة في حياتهم الفكرية. ينبغي عدم السعي إلى تكييف الأطروحة مع سوق العمل. لكن يتوجب عليهم، ما أن يتبلور المسار العلمي ويوضع البحث على السكة، تحديد كيفية تلبية الاحتياجات وسد الثغرات الموجودة في التخصص كما هو معمول به.

القَضْيَنَةُ بين الأمس واليوم …

اسمحوا لي أولاً أن أبتكر هذا المصطلح الجديد، “القَضْيَنَة”، وأعني به تحويلَ المشكلة أو الانتهاك أو المَظْلَمَة إلى قضية، وليس أيّ قضية، “قضية رأي عام”….

لطالما اعتدنا في ثقافتنا الاجتماعية عندما نودّ أن نُثْنِيَ أحداً عن إشهار (أو تضخيم) مشكلة نعتقد أنها “صغيرة” أو نريد تصغيرها، أن نحاول “ردعه” باستخدام مقولة “لا تعمل منها قضية”. أما الآن، في هذا الزمن الحافل بالتجاوزات والانتهاكات والمظالم والفساد، و الزاخر بفنون وأساليب طمس الحقائق (بل وقلبها)، والالتفاف على القانون، لم يعد هناك من سلاح لفضح التجاوزات وكشف المظالم والفساد غير القَضْيَنَة وتشكيل الرأي الجمعي الصادق حولها، انطلاقاً من قناعة ترسّخت لدى الجميع مفادها أن الحقيقة، ومعها الحق، ستُدفَن إن لم تُقَضْيَن…

ما يدفع إلى القَضْيَنَةِ في كل كبيرة وصغيرة أنها باتت، كما سنرى، عملية سهلة وسريعة وفعالة بفضل الأدوات المُمَكِّنة التي وُضعت بمتناول الجميع، شريطة أن يُحسَنَ استخدامُها، وإلا اتخذت منحى آخر وشكلاً آخر…

القَضْيَنَةُ بالأمس …

حتى الأمس، وقبل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وبالأخص “فيسبوك” و “تويتر”، كان مصطلح “قضيّة رأي عام” يعني الكثير في عالم الصحافة: هي قضية تجتمع حولها آراء مجموعة أو طبقة أو شريحة مجتمعية معينة، غالباً ما كانت تطفو على السطح وتسود مكتسبة إجماعاً شعبياً أو جماهيرياً، حتى لو أحدثت مع بداية ظهورها جدلًا على أرض الواقع ….

فما أن كانت الواقعة تظهر للعلن حتى يتهافت الجميع على متابعة تفاصيلها في الصحافة، وتستمر عالقة في الأذهان حتى تنتهي أحداثها على وجه ما، بعد أن تصبح حديث الشارع.

من سماتها أنها حقيقية وصادقة…

تدخل في صلب العلاقة المجتمعية بين المواطنين ومؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية المعنية…

كما وتكشف قدرة النظام السياسي أو ضعفه في التعامل مع هذا النوع من القضايا…

وغالباً ما كانت تنطلق من جانب أحد الكتَّاب أو الصحف بصورة “سبق صحفي” أو “فضيحة”….

ولا بد أن تنتهي إلى نتيجة واضحة ومنطقية ُتحسَم من خلالها، مهما طال زمنها …

ولعل من أشهر قضايا الرأي العام في التاريخ العربي المعاصر، قضية الأسلحة الفاسدة في مصر (أيام حرب فلسطين) التي استمرت (القضية) أربع سنوات، منذ عام 1950 وحتى 1954، بعد أن أطلقها في سنتها الأولى الكاتب إحسان عبد القدوس في “روز اليوسف”، واستمرت إلى أن أحيلت إلى المحكمة بعد الثورة على الملك فاروق وصدرت الأحكام الخاصة بها.

وفي السنوات القليلة الماضية برزت قضية عقد شراء الأردن للغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني (2014) كقضية رأي عام هزت البلاد وتكللت في آخر المطاف بانتصار الجهود المناهضة لهذا العقد…..

والأمثلة عن قضايا أخرى عديدة، سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية… 

ما كان يميز قضايا الرأي الكبرى الحقيقية أيضاً ويزيد من تجذّرها في ذاكرة الشعوب ذلك التأثير المتبادل مع الفن، لدرجة أنها كانت تستلهم منه قصصًا وتُحوّلها إلى أعمال فنية أو يحدث العكس وتتحول مناقشات الفن إلى قضايا كبرى في المجتمع، والأمثلة عديدة في أفلام مثل “أريد حلًا، 1975”، “ملف سامية شعراوي، 1988“، “قضية سميحة بدران، 1990“، أو مسلسل “قضية رأي عام، 2007” ومسلسل “قضية معالي الوزيرة، 2012” وغيرها …

القَضْيَنَةُ اليوم …

أما اليوم فقد انقلب الوضع رأساً على عقب…

تلاشت القَضْيَنَةُ بمعناها التقليدي ولم تعد قضايا الرأي العام كالسابق من حيث الصفات والآليات التي كانت تميزها بعد أن أصبحت “السوشيال ميديا” هي من يطرح القضايا، وأصبحت غالبية الصحف التقليدية “متلقية” لما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي….

والأهم من ذلك أن هذه المواقع جُهِّزَت بسلاح “ديمقراطي شعبي”، ذكي وفعّال، هو ذلك الوسم السحري “#” المسمى بالـ “هاشتاغ”، الذي انطلق في البداية من موقع التغريد “تويتر” وما لبث أن عمّ مواقع التواصل الأخرى وبات الأداة الأكثر شعبية لقنص الانتباه وتحريض حوار ذي وجهات نظر متعددة حول موضوع معين يتطلع صاحبه إلى قَضْيَنَتِهِ.

وازدادت “تعبئة” وتنظيم هذا السلاح الفعال فأصبحت له “بورصة” تمثلت في كل مجتمع وبلد بما بات يعرف بالـ “ترند” (نسبة إلى الكلمة الإنجليزية Trend)، وهي عبارة عن قائمة تتضمن أعلى 10 “هاشتاغات” تداولاً في المواقع في لحظة ما، والتي تتناول قضايا سياسية واجتماعية.  توجد هذه القائمة بشكل دائم على يسار صفحة موقع “تويتر” حيث تقوم المواقع الإخبارية ووكالات الأنباء برصد “الترندات”، ونشر الأخبار والتقارير التي تحملها، حتى أن العديد من القنوات التلفزيونية الرسمية بدأت تتناول أخبارها وما يدور داخلها، الأمر الذي زاد من قوتها الإعلامية.

وهكذا تحولت القضايا إلى “ترندات” واختُزِلت معها إجراءات القَضْيَنَة إلى مجرد العبور السريع إلى قائمة الترند محولةً المواضيع المتداولَة على المواقع إلى تتابع الـ “ترندات” قد يُنسي بعضها بعضاً، وهنا تكمن سلبية هذا التحول ذلك لأن الترند طويلُهُ الزمني يوم واحد أو يومان، والقليل منه يخرج من دائرة “الترند” إلى دائرة القَضْيَنَة “المنتجة” والهادفة إلى وضع القضية المنشودة بتصرف مؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية. يضاف إلى ذلك أن “الترندات” لم تعد تستهوي الفن، ولم يعد الفن ينساق وراءها، لقصر عمرها الزمني الذي يحول دون التفكير في استغلالها.

لكن ذلك لم يمنع الهاشتاغات “الخاطفة” ذات الأثر “الآني”، التي سرعان ما يتجاوز أثرها حدود الفضاء الافتراضي ليتجسّد ميدانياً على أرض الواقع (وهنا تكمن قوة وروعة السوشيال ميديا)، والأمثلة على ذلك عديدة:

  • فالكل يذكر كيف أُجبِرَ وزير العدل المصري صابر محفوظ على الاستقالة من منصبه سريعاً وتحت تأثير هاشتاغ “#أقيلوا_وزير_العدل”، على أثر تصريحاته المسيئة في حق عمال النظافة، التي اعتبر فيها أن أبناءهم غير مؤهلين لولوج سلك القضاء،
  • وكيف أثّر هاشتاغ “#غرق_طفل_سوري” (الطفل إيلان) الذي احتل مركزا متقدما في قائمة الترندات على مستوى العالم، إذ ظهر في أكثر من 30 ألف تغريدة في أقل من خمس ساعات، مما حدا بالسلطات الكندية إلى منح والده المكلوم حق اللجوء في بلادها.
  • وكيف أن محكمة هنغارية قضت بسجن المصورة بيترا لازلو التي قامت بركل طفلة لاجئة، وأسقطت لاجئا سوريا وطفله على الأرض أثناء هروبهم من الشرطة على الحدود الهنغارية الصربية عام 2015، وذلك بفعل الهاشتاغات العالمية التي انهالت عليها وعلى قناتها التلفزيونية، والتي دفعت الأخيرة إلى تسريحها مباشرةً من وظيفتها.
  • وكيف أثارت قضية مشفى الشهيد صالح عبد الهادي حيدر في بلدة سلحب، والذي بني من تبرعات أهل المنطقة، حميّة المجتمع الأهلي على “فيسبوك” إثر إعلان وزارة الصحة عدم قدرتها على استلام المشفى وتشغيله، فما كان من الناشطين إلا أن أطلقوا الهاشتاغ المدوّي “#حملة_دعم_مشفى_الشهيد_صالح_حيدر_سلحب” عبر صفحاتهم في “فيسبوك”، فاندفع العديد من مختلف المشارب والاختصاصات، بشكل عفوي وسريع، إلى التطوع للعمل في المشفى مجاناً.
  • والأمثلة عديدة….

وأصبحت “الهشتقة” علماً قائماً بذاته، وتقانة وفناً….

تشير أدبيات “الهشتقة”، وتعني تصميم الهاشتاغ ووضع استراتيجية وخطة لنشره ومتابعته، إلى أن الهاشتاغ الناجح الذي يفرض ذاته على الساحة هو ذلك الوسم الموجز والواضح والمباشر الذي يعني شيئا مهماً للكثيرين ويؤثر على حياتهم، فأكثر الهاشتاغات نجاحا وانتشاراً هي تلك التي:

  • تتكون من كلمة أو كلمتين أو ثلاثة كحد أقصى،
  • تحمل رسالة وتلامس اهتماما شعبيا عبر تناولها لقضايا إنسانية، اجتماعية أو سياسية.
  • تنبع من صلب الثقافة الشعبية وبلغة يفهمها الجميع، ويحسن أن تمتلك نوعاً من الدعابة والحماسة. من منا لا يذكر على سبيل المثال هاشتاغ “#طلعت_ريحتكن” الذي انطلق من واقع “الهضامة” اللبنانية خلال أزمة النفايات فجاء في المرتبة الأولى، ناهيك عن هاشتاغ “#كلن_يعني_كلن” الذي أصبح الشعار المميز للحراك اللبناني الحالي.
  • تقتصر على هاشتاغ واحد لا أكثر في المنشور الواحد أو التغريدة الواحدة وإلا فإن الفكرة الأساسية سوف تضيع، وستبدو “الهشتقة” عندئذ أقرب إلى “الهرطقة” كما هو ملاحظ في العديد من منشورات الفيسبوك التي تتضمن “تشكيلة” من الهاشتاغات الطويلة التي لن تساهم إلا في تشتيت القضية المنشودة.

وسيكون من المفيد بالنسبة لمستخدمي فيسبوك ربط منشوراتهم (بما فيها الهاشتاغ) بحساباتهم في تويتر (وبالعكس)، وذلك لإتاحة الفرصة للنفاذ إلى قائمة “الترند” وكسب المزيد من الانتشارية.

يمكن معرفة المزيد عن كيفية ربط حساب على فيسبوك مع آخر على تويتر (لذات المشترك) بالضغط هنا.

ما يساعد أيضاً في خروج الهاشتاغ من ذهن مُطْلِقِه إلى العَلَن ثم إلى التداول على نطاق واسع أن يكون لمُطْلِقِه متابعون كثر، أي أن يكون ممن باتوا يعرفون بـ “المؤثرون” Influencers الذين لا يمكن إهمال دورهم المفصلي في إنجاح العملية، على الرغم من أن قسماً كبيراً منهم بات مطمعاً لشركات “التسويق”.

لمعرفة المزيد عن “المؤثرون”، يمكن مراجعة مقالي المنشور سابقاً على هذا الموقع تحت عنوان “المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…” بالضغط هنا.

توسعت الدائرة وأصبحت أكثر عرضة للتلاعب، فحذار…

على الرغم من مرونة وسرعة وفعالية مواقع التواصل الاجتماعي والفائدة الكبرى للهاشتاغات و “الترندات” في لفت انتباه الناس وتحفيزهم على التحرك لمتابعة أو مواجهة قضية ما، إلا أن القضايا الكبرى (مثل قضايا الفساد والقضايا السياسية) لا زالت تتطلب التأني والمتابعة والانتظار أوقاتًا طويلة حتى تنضج وتنتهي. كما أن الأمر لا يخلو من سلبيات و “مطبات” وأساليب خاصة بسوء الاستخدام، ولعل من أبرزها:

  • تلاعب العديد من الشبكات المجهولة (أو الوهمية) عبر الويب لوضع بعض القضايا الهامشية في بؤرة الاهتمام بعد أن أصبح بالإمكان “فبركة الأهمية” باستخدام العديد من تقانات التلاعب مثل اللايكات والشير والهاشتاغات المدفوعة الثمن.
  • المؤثرون الذين يمتلكون اليوم مئات الآلاف من المتابعين، أصبحوا قادرين على تسويق قضايا ربما لا تستحق الأهمية، الأمر الذي زاد من دور شبكات نفوذهم على حساب دور الحقيقة.
  • ولعل المشكلة الأكبر ستكون مع انتشار التقانات الجديدة القادمة (كالذكاء الاصطناعي المعتمد على التعلم الآلي والعميق، وتحليل “البيانات الضخمة” للمستخدمين) وما يمكن أن يتبعها من حسابات وهمية “ذكية” ومتفاعلة يصعب تتبعها، والتي ربما تتفوق على الحسابات الحقيقية في المستقبل، وهنا تكمن الطامة الكبرى: أن تُستخدم هذه التقانات للتحكم في تفكير الشعوب وغسل أدمغتها، وللتحريض والتحشيد المسيّس. لقد بدأت هذه المخاوف تتجسد بالفعل من قبل الحكومات وبمساعدة الشركات الوسيطة التي تدير الحسابات الوهمية وترسل أسراباً مما بات يعرف بـ “الذباب الإلكتروني” حسب الطلب. إنها حروب اليوم “الناعمة” التي لا تقل بقذارتها عن الحروب التقليدية….

وتبقى “القَضْيَنَةُ” الصادقة الطريق الأسلم لإظهار الحقيقة والتصدي للمظالم والمفاسد…

وتبقى مواقع التواصل الاجتماعي منصة حوار فعال لتشكيل الرأي العام الصادق…

في الذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين، ماذا عن جدراننا؟

لطالما اعتُبرَ سقوط هذا الجدار رمزاً لسقوط النظام الشيوعي وبداية الطور الثاني والنهائي لمسيرة إفلاسه بعد أن نخره الفساد والاستبداد…

للأديب الأمريكي أرنست هيمنجواي مقولة شهيرة عن الإفلاس: الإفلاس يحدث تدريجياً ومن ثم بشكل مفاجئ “Bankruptcy happens gradually and then suddenly”.

تنطبق هذه المقولة على مسيرة سقوط هذا الجدار وإفلاس الشيوعية كأكبر نظام شمولي عالمي، فالإفلاس كما هو معلوم لا يقتصر على الجانب المالي بل ويتعداه إلى الإيديولوجيات والأنظمة الحاكمة.

الطور التدريجي (أو الخطي) من إفلاس هذا النظام جاء على شكل ظروف وأحداث كبرى منها وثانوية: المتظاهرون في ألمانيا الشرقية عام 1953، في المجر عام 1956، في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 (كنت يومها شاهد عيان على إخماد “ربيع براغ” حيث شاهدت بأم عيني دبابات الجيش السوفييتي التي أُنزلت ليلاً في مدينة برنو )، وفي بولندا عام 1981؛ اتفاقيات هلسنكي لعام 1975؛ بالإضافة إلى ظهور زعيم جديد على رأس الاتحاد السوفياتي عام 1985 (ميخائيل غورباتشوف، صاحب برنامج البروسترايكا والغلاسنوست)، الذي كان له الفضل في “ترخية” قبضة موسكو على بلدان المنظومة السوفيتية، مما أدى إلى إحداث فتحات متتالية في هياكلها الاستبدادية كالتبني التدريجي لمؤسسات سياسية شبه ديمقراطية، والتطور التدريجي لاقتصادات السوق القائمة على سيادة القانون في كل من بولندا، المجر، ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، بلغاريا، وألبانيا. يضاف إلى ذلك الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية الغربية – ليس أقلها تصعيد الرئيس رونالد ريغان لسباق التسلح في الحرب الباردة ونداؤه الشهير للسيد غورباتشوف بأن “يهدم هذا الجدار! “. كل ذلك ساهم بشكل كبير في زيادة الضغط على طول خط الصدع الجيوسياسي للستار الحديدي.  

أما الطور المفاجئ (اللاخطي) فقد انطلق في وقت مبكر من مساء يوم 9 نوفمبر 1989، عندما أدلى عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الألماني الشرقي ببيان على الملأ مفاده أن الألمان الشرقيين سيسمح لهم على الفور بالسفر إلى الخارج!

تلقّف المواطنون في برلين الشرقية هذه “الشرارة” وتجمهروا أمام الجدار عند المعبر، وما هي إلا ساعات قليلة (حوالي الساعة 11:30 من مساء اليوم ذاته) حتى أمر ضابط أمن كبير من الستازي (الأمن الألماني الشرقي) اثنين من حراس المعبر بفتح “القفص” البرليني الشرقي من البوابة الرئيسية فاجتاحت الجماهير المبتهجة الجدار وأخذ الآلاف من الناس الفؤوس والمطارق في تلك الليلة بالذات وبدأوا في تحطيم ما استطاعوا من هذا الجدار.

دروس هذا الحدث التاريخي والمفصلي عديدة ومتشعبة، وقد لا يهمنا منها إلا ما يمكن أن يُلهم الحالة السورية وما نتج عن هذه الحالة من “جدران” فاصلة، منها ما بُنِيَ لنا ومنها ما بنيناه بأنفسنا، نحن السوريون:

  • جدران طائفية وعرقية …
  • جدران سياسية فَصَلت بلا رحمة بين “موالين” و “معارضين”، لا توسّط بينهما …
  • جدران جيوسياسية فصلت بين سوريي “الداخل” وسوريي “الخارج”…
  • جدران ذهنية تمترست خلفها العقول دون وعي لأثرها السلبي المعطل للحوار والممزق للنسيج المجتمعي…
  • جدران اقتصادية داخلية بين تجار الأزمة و “المٌتاجَر” بقوت عيشهم …
  • جدران اقتصادية خارجية بنتها العقوبات الخبيثة…
  • وجدران حربية حقيقية أقاموها بحجة “المساعدة” في محاربة الإرهاب وإقامة مناطق “آمنة”…
  • …..

أوجه الشبه (والمفارقات) عديدة بين ألمانيا بعد الحرب وسورية اليوم فيما يتعلق بالجدران.

ولعل أبرز هذه الأوجه أن جدار برلين أرادوا منه أن يكون رمزًا قويًا للحرب الباردة التي اشتدت بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كما أرادوا منه التذكير الدائم بأن الحرب الباردة إذا ما تحولت إلى ساخنة، فستكون ألمانيا – الشرقية والغربية – ميدان المعركة الرئيسي والأكثر فتكًا.

أما جدراننا فقد أراد جميع من ساهم في بنائها من “اللاعبين” المحليين والإقليميين والدوليين (ووكلائهم) أن يجعلوا من سورية، كما يبدو، رمزاً لـ “السلم الساخن” بين القوى الكبرى، وربما أرادوا منها أيضاً التذكير الدائم بأن هذا السلم الساخن إذا ما ازدادت سخونته وتحوّل إلى حرب، فستكون حرباً إقليمية أو عالمية شاملة وفتاكة، وستكون سورية ميدانها الرئيسي.

فأين نحن الآن من مشوار إسقاط جدراننا بكافة أنواعها؟

من المؤكد أننا في الطور الأول (التدريجي) من مسار الإفلاس للقوى الداخلية والخارجية المتربصة بهذا البلد، بما فيها قوى الإرهاب، لكن كيف لنا أن نهيئ الأرضية المناسبة للطور “اللاخطي” المنتظر والحاسم إن لم نسقط جدراننا الذهنية الذاتية، التي ستوصلنا إلى الحوار الخصب والمنتج، ومن ثم الخلاص؟

الذكاء الاصطناعي لمكافحة الفساد والتهرّب الضريبي – ماذا عنّا؟

في البلدان المتقدمة التي تضمن لمواطنيها حداً أدنى من العيش الكريم من خلال ما توفره من شبكات أمان اجتماعي، يكاد الفساد يقتصر على مظهر عام واحد: التهرّب الضريبي، فيما عدا طبعاً بعض الرشاوي الكبيرة التي قد يتقاضاها البعض من رجال السياسة، والتي يفضحها الإعلام الحرّ من حين لآخر.     

في فرنسا على سبيل المثال، يمثل التهرّب الضريبي نزيفاً للغلّة الضرائبية للدولة تتراوح قيمته بين 80 و100 مليار يورو سنوياً! وعلى الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها جيش عَديدُه يزيد عن 12000 من مفتشي الضرائب الأشداء المنتشرين في جميع المدن للبحث عن المتهرّبين إلا أن النتائج لا تتحسن والعملية تبقى أشبه بصيد السمك باستخدام “القصبة والصنارة”.

أمام هذا الوضع استنجدت وزارة المالية الفرنسية بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة كي تزيد من كفاءة تعقّب دافعي الضرائب “السيّئين” فقامت بتطوير برمجية “تنقيب عن المعلومات Data Mining” تعتمد على الذكاء الاصطناعي (AI) بكلفة تطوير بلغت 20 مليون يورو!!

ولتغذية هذه البرمجية المعقدة بالمعلومات التجارية والأُسَرية اللازمة جهّزت المالية قاعدة بيانات ضخمة (Big Data) شملت خمسة ملايين شركة خاضعة للضرائب في فرنسا بالإضافة إلى بيانات الحالة والدخل لما يزيد عن 37 مليون أسرة فرنسية!!

ويعتمد مبدأ عمل البرمجية على تلمّس حالات الشك الأولي من خلال اكتشاف “الفجوات” بين الأرباح المصرّح بها ونمط الإنفاق في الحياة (ما يسمى بـ “قطار الحياة” Train de vie). هو إذاً تطبيق ذكي، موضوعي وشفاف يهدف إلى تطبيق شعار “من أين لك هذا” الذي لا زلنا نتغنّى به (على الرغم من وقف تنفيذه منذ زمن ليس بقليل!) …  

الملفت للنظر في هذه المنظومة المتطورة أن وزارة المالية الفرنسية اعتمدت أن تراهن على شبكات التواصل الاجتماعي كأحد المصادر الأساسية للتعرّف على نمط الحياة الشخصية، حيث سيتم التنقيب عن البيانات المتعلقة بـ “من أين لك هذا” داخل صفحات الناس على فيسبوك وإنستغرام (حيث اعتاد غالبيتهم أن ينشر على صفحاته أخبار وصور ما يقوم به من أنشطة ورحلات ومشتريات ثمينة وولائم.. الخ). هذا بالإضافة إلى منصات البيع والتأجير الإلكترونية (مثل Amazon و Airbnb) التي ستشكل هي الأخرى مصدراً مكملاً للتزود بالبيانات الدلالية.

الطريف بالأمر فيما يتعلق بهذه الأنشطة “التجسسية” على الإنفاق الأسري أن وزارة المالية في دولة قانون كفرنسا، وانطلاقاً من هاجس عدم انتهاكها لقوانين الخصوصية الشخصية، تقدمت بطلب إلى “الهيئة الوطنية للمعلوميات والحريات” Commission Nationale de l’Informatique et des Libertés (CNIL) للحصول على مباركة الأخيرة لتغذية البرمجية اعتباراً من البيانات الشخصية المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي لكن يبدو أن ثمة تحفظ للهيئة في هذا الخصوص أخذ الموضوع إلى منحى آخر وهو الخوف من أن تحدّ هذه “الاستباحة” للبيانات الشخصية من حرية التعبير على شبكات التواصل الاجتماعي!!! من المتوقع إذاً أن تشهد الساحة الفرنسية مماحكات ومناظرات ساخنة بهذا الخصوص…      

لكن ماذا لو تركنا الشأن الفرنسي جانباً وجئنا بهذه الأداة التكنولوجية الواعدة لنخمّن جدوى تطبيقها على الحالة السورية مفترضين تجاوزاً توفّر البيانات المالية “التفصيلية” المتعلقة بكل أُسرة وشركة و “رجل أعمال” في البلد؟ ما النتائج التي سيخبرنا بها حينئذ هذا “التمرين الافتراضي”؟

  • أتوقع، ولست هنا بالخبير في الشأن الضرائبي، أن يخبرنا بأن الموظفين هم وحدهم من يدفع الضرائب بإخلاص لأنها ُتقتطع تلقائياً من رواتبهم ووفق القانون مهما هزلت هذه الرواتب. إلا أن البرمجية ذاتها يمكن أن توحي لمستخدميها بأنهم (أي الموظفين) هم أيضاً “متهرّبون” بل و “فاسدون”: متهربون لأنهم لا يصرّحون بالدخل الإضافي الذي يتقاضونه “في الظل” ليضمنوا بقاءهم على قيد الحياة، وفاسدون لأن عدداً منهم غير قليل يأتيه هذا الدخل الإضافي على شكل رشاوي يتقاضونها بحكم وظيفتهم…
  • سوف لن يخبرنا بوجود “الحيتان” في البلد أو تجار الحروب والأزمات، لأن هؤلاء قد تمرّسوا وتسلّحوا بمهارات التخفي من أصناف “الرادار” كافة…
  • لكن من الممكن أن يخبرنا بالحجم التقديري لاقتصاد الظل الشائع في البلد. هذا الاقتصاد الذي يشكل بيئة خصبة للتهرب الضريبي في غياب الهيكلة المالية الشاملة والآليات المصرفية ذات العلاقة، والأنماط الحديثة للتعاملات الإلكترونية.

وإذا ما نظرنا إلى العِبَر التي يمكن أن نستنتجها من هذا التمرين الافتراضي إذا ما ثبت صحة تصوّرنا المبسَّط لنتائجه، فسنرى أن العبرة الأولى والأساسية تشير إلى أن تطبيق هكذا برمجية متطورة على نظام ضريبي/مالي بعيد عن شمولية القوانين ودقتها وصرامة تطبيقها يتوافق تماماً مع القاعدة المعلوماتية الشهيرة بل ويكرّسها: ،

“إذا قمتَ بأتمتة فوضى، فستحصل على فوضى مؤتمتة”

If you automate a mess, you get an automated mess

وبالتالي ليس هناك من فائدة مرجوّة من الاستخدام المتقدم للتكنولوجيا الرقمية قبل أن يتم “تنظيف” الأرضية وتجهيزها، وتهيئة وإعمال القوانين الناظمة والهادفة إلى تحقيق العدالة الضريبية.

أما العبرة الثانية فتنحدر من الأولى: هل نحن فعلاً بحاجة إلى ذكاء اصطناعي؟ أم إلى مزيد ومزيد من “الذكاء الطبيعي” المصحوب بالإرادة والصدق والنزاهة والشفافية والحرص على التطبيق الشامل والجدي والصارم للقوانين؟

التعلّم في مكان العمل ــ النموذج 10/20/70

هل أتاكم حديث النموذج 10/20/70 حول التعلّم في مكان العمل؟

يعد نموذج 10/20/70 الذي تم تطويره في ثمانينيات القرن الماضي إطار عمل للتعلّم قائم بذاته، وهو نموذج للتعلم والتطوير مستمد من دراسة تجريبية اعتمدت على الموظفين/العمال في الإبلاغ ذاتياً عن كيفية تعلمهم في مكان العمل.

يحدد النموذج الأنماط الرئيسية الثلاثة الأكثر أهمية للتعلّم والتطوير الشخصي في مكان العمل، وأهميتها النسبية التي تأتي على الشكل التالي:

  • ·      70 ٪ – بالتعلّم الخبراتي/التجريبي Experiential learning، حيث يتم تعلم المهارات في مكان العمل أثناء تأدية العمل اليومي On the Job Training. في هذا النمط، يتم تحدي الموظف بإسناد مهام صعبة له ويعد ذلك أساسياً لضمان تطوّره المستمر، ولو أدى ذلك إلى فشله في تنفيذها فهذا الأخير يعد الوسيلة الأسرع والأثبت للتعلّم. يتوافق هذا النمط من التعلّم مع المثل الشعبي القائل: “ما حدا بتعلّم إلّا من كيسو”، مع الفارق هنا بوجود منصة مناسبة يتم من خلالها تسجيل التعلم وتقييم تطوّره.    
  • ·      20 ٪ – بالتعلّم الاجتماعي Social Learning الذي يتم بشكل غير رسمي Informal، حيث يتم الحصول على المهارات من خلال التفاعل والتعاون مع الآخرين. يمثل هذا النمط نوعاً من التطور الشخصي الذي يجب أن يحدث بشكل طبيعي وتلقائي في أي مكان عمل، وذلك من خلال التعاون الوثيق بين الزملاء. يعد وجود منصة مرنة لإدارة التعلم والتطوير أمراً أساسياً لتحقيق ذلك، مما يسمح بتشارك فعال للمعارف الحيوية.
  • 10 ٪ – بالتعلّم الرسمي Formal Learning، بما في ذلك الدورات التدريبية المنظمة Training Courses التي تتطلب مشاركة الأفراد أو الفرق. على الرغم من أن نموذج 10/20/70 يولي اهتماماً ضعيفاً بهذا النمط على برامج التعليم الرسمية، إلا أن الاستثمار في جودة التدريب المقدم، على حساب الكم يعدّ من الممارسات الفعالة في هذا النمط وعامل نجاح له.

أظهرت الدراسات أن نموذج 10/20/70 يمكن أن يكون فعالاً للغاية إذا ما تم دمجه بشكل صحيح في الشركات والمؤسسات. وفقًا لتقرير حديث صادر عن مؤسسة “نحو النضج” للتعلم والتطوير ومنتدى 10/20/70، فإن الشركات التي تستخدم 10/20/70 يُرجَّح أن يكون موظفوها قادرين على الاستجابة بشكل أسرع لتغيير الأعمال أكثر بأربعة أضعاف من الشركات التي لا تستخدم هذا النموذج – مما يدل على الأثر الإيجابي لهذا النموذج.

كما ووجدت دراسة أخرى من Docebo أن نموذج 10/20/70 يسمح للموظفين بتطبيق ما يتعلمونه في الممارسة بشكل أسرع، وأن الشركات التي تقوم بدمج النموذج في خطة التعلم والتطوير الخاصة بهم لاحظت حدوث تغيير إيجابي في سلوك الموظفين حيث وجد التقرير أيضًا أن الشركات التي تستخدم نموذج 10/20/70 كانت أكثر عرضة لجذب المواهب العليا بخمسة أضعاف، وبضعفين فيما يتعلق برضا العملاء بفضل التعلم التجريبي أثناء العمل.

نموذج 70/20/10 الأكثر نجاحاً في المؤسسات/الشركات الصغيرة

في حين تعتمد بعض الشركات على نظام تعليمي/تدريبي رسمي واسع النطاق، يتضمن منهجًا محددًا يُفصّل على مقاس كل موظف، وتُنفق عليه أموالاً ضخمة، فإن نموذج التعلم غير الرسمي القائم على صيغة 10/20/70 يمكن أن يكون مساوياً، إن لم يكن متفوقاً، لجهة الفعالية في تحفيز التعلّم في مكان العمل.

يفيد نموذج 10/20/70 الشركات الصغيرة بشكل خاص لأنه يركز على التعلم التجريبي والاجتماعي، حيث يتطور أعضاء فريق العمل من خلال قيامهم بمهام يومية والعمل مع بعضهم عن قرب. ونظرًا لأن هذا النموذج يولي اهتماماً أقل بالتدريب الرسمي، فهو حل تعليمي وتطويري فعال من حيث التكلفة Cost effective، بالإضافة إلى تميزه بالمرونة، وإمكانية تقديم المساعدة للموظفين على تحسين مهاراتهم المتعلقة بالوظيفة واتخاذ القرارات بشأن التعلّم والتطوير المستمرين.

يتطلب نموذج 10/20/70 توفير ثقافة تمكن الأفراد من التعلم من خلال تجارب جديدة دون خوف من الفشل، والقدرة على الإبلاغ الذاتي عن تطورهم وحلقة تعليقات مستمرة مع المديرين حتى يتمكنوا من تقييم الأداء وعرض ردود الفعل البناءة. يتيح الوصول إلى نظام إدارة التعلم إلى جانب 10/20/70 للموظفين تحديد مسار التعلم الخاص بهم، والوصول إلى الموارد ذات الصلة بعملهم المحدد.

عوامل النجاح في تطبيق نموذج 10/20/70 في المؤسسة/الشركة

يعتمد نجاح نموذج 10/20/70 في المؤسسات والشركات على مدى فعالية تطبيقه. فيما يلي بعض النصائح العملية حول كيفية دمج 10/20/70 في استراتيجية التعلم والتطوير الخاصة بالمؤسسة:

  • رفع مستوى الوعي بـ 10/20/70 في مجالات الأعمال كافة

يتوقف نجاح النموذج على مدى دراية المديرين والموظفين بهذا النموذج وفوائده. يجب توخي الوضوح حول سبب تطبيق 10/20/70، والتأكد من أن الجميع – من المديرين التنفيذيين إلى أعضاء الفريق – يدركون أن التعلم والتطوير المستقبليين سيتم تسهيلهما بشكل أقل عن طريق التعليم والتدريب الرسمي، وبشكل أكبر بكثير من خلال التعلم التجريبي والاجتماعي اللذين يتمّا في مكان العمل. يحتاج كل من المديرين والموظفين إلى أن يكونوا على دراية بالدور الذي يلعبونه في تنمية أنفسهم، لذلك يجب التحدث إليهم كـ “فريق” وتشجيعهم على المحادثة فيما بينهم للشروع استعداداً لإطلاق “عملية” 10/20/70.

  • الاستفادة من المواد المتاحة

يعدّ التوفر المتنامي للمواد التعليمية أحد الأسباب الرئيسية وراء زيادة شعبية نموذج 10/20/70 بين المؤسسات/الشركات العامة والخاصة. فبفضل منصات التعلم ومشاركة البيانات على شبكة الإنترنت، أصبح الآن بإمكان الشركات من جميع الأحجام الوصول الفعال إلى مواد تعليمية عالية الجودة وبأسعار معقولة، إن لم تكن مجانية وذلك عبر بوابات التعلم القائمة على الويب بالإضافة إلى القنوات العامة مثل YouTube، وسلسلة TED Talk الممتازة، إلى غير ذلك من المواد المتاحة. تتيح المنصات الاجتماعية ومنتديات الأعمال التجارية والمهنية عبر الإنترنت مشاركة أفضل الممارسات والحصول على المشورة وإقامة الشبكات بسهولة أكبر. يمكن أن يساعد ذلك جميع مجالات العمل على تطوير استراتيجيات وممارسات العمل ومساعدة الموظفين على التعلم.

  • التركيز على التعلّم التجريبي

نظرًا لأن 70٪ من التعلم يأتي من العمل، فمن الضروري أن يتم تزويد الموظفين بمنصة لتطوير مهاراتهم في العمل. يعود تيسير التعلم التجريبي في مكان العمل إلى منح الموظفين مزيداً من المسؤوليات والتحديات، لذلك يقومون باستمرار بتطوير مهارات جديدة واكتساب خبرة جديدة. ابدأ بتفويض المهام الأكثر تحديًا لأفراد الفريق ، ومنحهم قدرة أكبر على اتخاذ القرارات والتحكم. يمكنك دفع جانب التعلم الاجتماعي هنا أيضًا، من خلال تشجيع الموظفين على بناء علاقات مع أشخاص خارج قسمهم. من الأهمية بمكان أيضاً أن يتم تقديم تغذية راجعة عند اللزوم، دون التدخل في الأمور التفصيلية.

  • القبول بتدني نسبي في الكفاءة والإنتاجية لصالح تسهيل العملية التعلّمية

عندما يوضع الأفراد أمام تحديات ويُحمّلون مسؤوليات أكبر، يمكن أن يحدث انخفاض طفيف في الكفاءة والإنتاجية بانتظار أن يتعودوا على أساليب العمل الجديدة التي تعلموها. من المهم قبول هذا كحل وسط في سبيل دعم التعلم التجريبي، والسماح للموظفين بحرية التعلم بالممارسة ومن أخطاء الماضي. سوف يهون هذا التدني العابر في الكفاءة عندما يتم النظر إلى هذا التدني من خلال التحسن في المنحنى التعلّمي على مستوى المؤسسة ورأس مالها البشري.

الصورة الرئيسية مأخوذة من الرابط https://tesseractlearning.com/blog/70-20-10-model-performance-and-training-revisited.html

العلمنة وما أدراك ما العلمنة…

وصل الانقسام السجالي السوري المتعدد الأطراف والمتنامي، الذي يلاحظ يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وصل إلى درجة بات يستحق فيها أن يُنشأ له “ترند” يومي أو أسبوعي يعبر عن مواضيع الانقسام الأكثر تداولاً وسجالاً!!

على سبيل المثال، شكل موضوع العَلْمَنَة Secularization (التحول نحو العلمانية) خلال الأسبوع المنصرم ولا يزال، الترند الأبرز بين مواضيع الانقسام السجالي معبّراً أصدق تعبير عن حالات “التشظي” واليأس والضياع التي ركبت المجتمع السوري منذ بدء الحرب القذرة التي عصفت بالوطن الغالي.

لا أهدف بمقالتي هذه، المخصصة لموضوع العلمنة، إلى المشاركة في السجال القائم حول هذه القضية ذات الحساسية المفرطة، بقدر ما هي الرغبة في إلقاء مزيد من الضوء الموضوعي المستمد من أدبيات الملف والتجارب العالمية حول “القضية”، وذلك لإبراز حجمها الحقيقي وما تنطوي عليه من تحديات وتداعيات.  

لماذا العلمنة؟

كما هو معلوم، فإن العلمانية التي ما فتئ المفكرون والناشطون يبشّرون بها ويدعون إلى “القفز” إلى قطارها رافعين شعار فصل الدين عن السياسة كخيار “دستوري” لبناء الدولة المدنية، إنما تهدف بشكل أساسي إلى الحيلولة دون تحكّم المؤسسات الدينية بالسياسة كي لا تقف حائلاً أمام تحرر المجتمع ونزوعه نحو الحداثة السياسية التي باتت ضرورة لتحقيق السلم الأهلي وتعزيز دولة القانون.

ثمة تساؤلات جوهرية تبرز هنا حول ما تنطوي عليه العلمنة من أبعاد، وما تَعِدُ به من مجتمع حياتي…

فإذا ما عدنا بضعة قرون إلى الوراء سنرى أن الحركات العلمانية التي جاءت في أعقاب الثورة على الكنيسة في القرن السادس عشر قد أسست لبناء مدني للمجتمع منتجة “مجتمع الخلاص” الذي وُصفَ بمجتمع “ما بعد العلمنة”. ذلك لأن العلمانية الأوربية التي هدفت فيما هدفت إلى فصل الدين عن السياسة كانت، قبل كل شيء، علمانية اقتصادية وفكرية وثقافية شاملة امتلكت محركات دافعة استهدفت المجتمع وطالت مفاصله كافة، من الفن إلى التعليم إلى الأخلاق وما إلى ذلك. مع الإشارة، وهنا بيت القصيد، إلى أن هذه العلمانية الأوربية التي جاءت بعد مخاض دامٍ لم تكن في وقتها خياراً فكرياً بل وجدت كضرورة بقاء وحتمية وجود حضاري بعد أن عاش المجتمع الأوربي واقعاً أليماً تخلله صراع دموي ووجودي استمر على شكل حروب دينية متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 و 1648 م)، حروب امتدت من سويسرا إلى الدنمارك مروراً بمعظم الدول الأوربية، ووصل الحال فيها إلى مرحلة مصيرية وخطيرة.

مجتمع الخلاص العلماني

يتسم مجتمع الخلاص الغربي هذا بخصائص حياتية جمّة انطلقت بالأساس من مبدأ “عش ودع الآخر يعيش” Live and let live – Vivre et Laisser Vivre بعيداً عن الانتماء إلى عرق أو عقيدة.  

تفيد الأدبيات أن السمات البراغماتية الرئيسية لهذا المجتمع في “المدينة العلمانية الفاضلة” تتلخص بالتالي:

  1. مجتمع يَدَع الفرد يمارس معتقداته وطقوسه شريطة ألا يمسّ ذلك معتقدات الآخرين ويخلق العقبات أمامهم.
  2. مجتمع تسود فيه الاستحقاقية Meritocracy كمعيار وحيد للحصول على أية وظيفة، وليس الخلفية الدينية/الأثنية/السياسية
  3. مجتمع يضمن حرية التعبير دون أن يسمح لأحد بدسّ السم أو قول أشياء ضد أي دين أو طائفة اجتماعية أو ما شابه باسم حرية التعبير.
  4. مجتمع لا يبشّر بالتسامح بل باحترام الحقوق الفردية والقبول حتى يحترمَ الناس كلٌ منهم الآخر ويقبلَ بعضهم البعض بالطريقة التي يتصرفون بها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية/خلفيتهم الأثنية بدلاً من التسامح مع بعضهم البعض لأن التسامح غالباً ما يتم بين الأضداد ويأتي في سياق السكوت على العيوب والتجاوزات.
  5. مجتمع يضمن حق الفرد في ممارسة معتقدات أو اعتناقها أو تغييرها بحرية دون خوف من أي شخص (أو من الدولة)
  6. مجتمع يطمئن إلى أن الحكومة تسمح للناس وتدعمهم في تنمية لغاتهم وثقافاتهم لضمان التعددية الثقافية
  7. مجتمع يتكئ على حيادية وسائل الإعلام وعدم تحيزها ضد أو لصالح مجتمع طائفي أو أثني معين
  8. مجتمع يعي أن جميع الأحزاب السياسية في البلاد تعمل لتحقيق أجندة الوطن بدلاً من السعي لتحقيق مجتمع لغوي أو ديني أو عرقي معين، وبالتالي يجب ألا يكون هناك حزب سياسي يمارس السياسة على أساس ديني أو أثني أو طبقي أو لغوي أو ما إلى ذلك، الأمر الذي لن يفيد إلا بزرع بذور الانقسام بين الناس فقط. وبدلاً من ذلك، يجب على الأحزاب السياسية معالجة القضايا التي يواجهها عامة الناس مثل الأمية والفقر والبطالة وما إلى ذلك.
  9. مجتمع لا يعترف بنظام “المحاصصة” وإن كان لا بد من ذلك، فيجب أن تكون المحاصصة على أساس مستويات الدخل أو التخلف الاجتماعي/الاقتصادي وبشفافية مطلقة، بدلاً من الدين أو اللغة أو الطائفة. علماً أن أشد أنواع المحاصصة خطراً على السلم الأهلي ذلك الذي يتجسد في المحاصصة “الباطنية”.

باختصار، هو مجتمع يكرّس الحياديّة الدينية واحترام الحقوق الفردية، ويعتمد على العقلانية والمنظور العلمي. مع الإشارة إلى أن مسؤولية تحقيق هكذا مجتمع وصيانته والسهر على حمايته تعود إلى الدولة، دولة القانون واحترام الدستور.

علمنة القيم: مخاض مستمر

أثبتت التجارب أن العلمنة عملية لا تنتهي Never-ending Process ولا تتوقف عند سقف إنجازي محدد، لما لها من امتدادات Spillovers وتأثيرات جانبية اجتماعية وإنسانية تمثلت بما سمى بـ “علمنة القيم” التي نشأت ونمت تحت شعار احترام الحقوق الفردية (الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العلماني)، الأمر الذي فرض على المجتمع الغربي نوعاً من القبول أو “التسامح القسري” مع قضايا لا تزال تشكل خطوطاً حمراء لدى العديد من المجتمعات العلمانية المتدينة كقضايا المثلية الجنسية وزواج المثليين والمتحولين جنسياً والهوية الجنسية المهددة بالطمس، والإجهاض، الخ.

بالأمس فقط أصدر الفاتيكان وثيقة إرشادية لمعلمي المدارس ينتقد فيها الأفكار المعاصرة حول الهوية الجنسية حملت العنوان “خلقنا الله ذكورا وإناثا” مما أثار غضب مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً!!

وبالأمس أيضاً أصدرت المحكمة العليا في البرازيل حكماً بتجريم رهاب المثلية (الهوموفوبيا) بعد أن تفاقم العنف المضاد لانتشار ظاهرة المثلية حيث شهد العام 2017 وحده 387 جريمة قتل و58 عملية انتحار بسبب رهاب المثليين والمتحولين جنسيا، وذلك نتيجة لعدم تقبل المجتمع لكلا الظاهرتين في هذا البلد العلماني المتدين!! جاء ذلك خلافاً للوعود الانتخابية الني كان الرئيس البرازيلي المنتخب حديثاً قد أطلقها وتعهد فيها بكبح التوجه الليبرالي المتعلق بهذه القضايا الدينية والأخلاقية. 

إن دلّ هذان الحدثان على شيء فيدلان على أن العلمنة التي أدت إلى فصل الدين عن السياسة وإقامة حكم القانون لم تؤدِّ بأي شكل إلى فصل الدين عن المجتمع، وهنا يكمن جوهر الموضوع: لا تَعارضَ بين العلمانية والتدين، إنها العلمانية “المؤمنة” كما يسميها البعض تجاوزاً. مع الإشارة إلى أنه، مهما شهدنا من ظواهر شاذة، فليس هناك من علمانية ملحدة وعلمانية مؤمنة، إنما علمانية واحدة تقف على مسافة واحدة من الأديان كافة، وهذه العلمانية تصب في مصلحة كل من الدين والدولة لأنها تحمي الدين (الصحيح الذي لا يتعدى على غيره) من تدخل الدولة وتحصّن الدولة من هيمنة الدين.

هل نحن جاهزون؟

قد تصعب الإجابة بهذا الخصوص…. فالعلمنة ليست بنزهة إصلاح عبر تشريعات وقوانين كما يتبين من الاستعراض السابق لمخاض التجربة الغربية، آخذين بالاعتبار ما نحن عليه من حال، وما يحيط بنا من أخطار، وما تتطلبه العلمنة من إجراءات جذرية تطال النظام الحوكمي في الدولة والثقافة السائدة في المجتمع.  وربما لم ننضج بعد لهكذا تحول مصيري محفوف بالمخاطر والتحديات. من المفيد في جميع الأحوال استعراض بعض الدروس المستفادة مما سبق:  

  • كل دعوة إلى العلمانية لا تلحظ علمنة المفاصل الحياتية للمجتمع من اقتصادية وعلمية وفكرية وأخلاقية وثقافية تبقى خطوة شكلية وقاصرة وغير مجدية
  • وكل دعوة إلى العلمانية لا تأخذ بالاعتبار حيادها الديني وتؤكد عليه وعلى حرية ممارسة المعتقدات، لن تكون علمانية صادقة ولا حرة ولا عقلانية، ويخشى أن تكون دعوة حق يراد بها باطل.
  • وكل دعوة إلى استنساخ التجربة العلمانية الغربية ستعرّضنا إلى الوقوع في مطب علمنة القيم على الطريقة الغربية
  • الطائفية والنفاق شيطانان لصيقان بالعلمانية واجتثاثهما يمثل التحدي الأكبر للعلمنة الصادقة ويحتاج إلى فترات من الإعداد والتوعية.

فهل نحن جاهزون لعلمنة نفصّلها بأيدينا وعلى مقاسنا وبشكل تدرجي لنأتي بعلمانية “وسطية” إن جاز التعبير؟

الأمر منوط بعقلائنا وحكمائنا ومفكرينا وأولي أمرنا ….