الروّاد الاجتماعيون: بلسم للجرح السوري وحفّاز لبناء السلام

لعلّ من “إيجابيات” الكارثة التي ألمّت بالمجتمع السوري أنها خلقت دينامية متنامية للحراك الاجتماعي الإنساني على الجبهات الداخلية والخارجية كافة مما أدى إلى ظهور جيل من الروّاد الاجتماعيين وُلِدَ من رحم المعاناة وانخرط في قطاع العمل الاجتماعي. يشكل هؤلاء الرواد كموناً ابتكارياً وتنموياً واعداً لمرحلة إعادة البناء وبناء السلام في سورية المستقبل. لقد أثبت الروّاد الاجتماعيون في مناطق شتى من العالم أنهم سلطة جديدة وأداة فعالة للتغيير كونهم يتقنون الفعل الاجتماعي التشاركي واستخدام الأساليب المبتكرة في الإدارة لتأسيس المشاريع والمؤسسات الاجتماعية، ويمتلكون الحماسة والشغف والإبداع، ويتمتعون بحب المغامرة، وبخاصة بعد أن أصبحوا يمتلكون بيئة أعمال (Business) جديدة يغلب عليها الطابع الاجتماعي التنموي.

بالفعل، ومنذ بدايات القرن الحالي، ازدادت أهمية المقاربات الاجتماعية مقابل المقاربات الاقتصادية كرد فعل على المفاعيل السلبية للعولمة وتعزّزت هذه الأهمية مع اندلاع الأزمة الاقتصادية عام ٢٠٠٨ التي كان لها الأثر الأكبر في التقارب بين الملكوت الاقتصادي والملكوت الاجتماعي ليصبحا ملكوتاً واحداً بعد أن ارتشح الروّاد الاجتماعيون المتنورون ضمن قطاع الأعمال وأكسبوه بعداً اجتماعياً طالما غاب عنه. أحدث هذا التقارب تحولاً نوعياً في هذا القطاع باتجاه تحسيسه بدوره ومسؤوليته لجهة تنمية المجتمع ودعم أصحاب الأفكار الاجتماعية الرائدة، فكان الصعود القوي لما اصطُلح على تسميته بالشركات أو المؤسسات الاجتماعية (Social Enterprises) التي شكلت بيئة العمل (والأعمال) المثالية للرواد الاجتماعيين.

وكما هو مبين في الشكل التوضيحي أدناه، يمكن تعريف الشركة أو المؤسسة أو المنظمة الاجتماعية بأنها أي مؤسسة تستخدم أدوات وأساليب إدارة الأعمال وقوانين السوق لتحقيق غايات اجتماعية وتكون قابلة للحياة مالياً. من أجل ذلك تقوم المؤسسة الاجتماعية بكل أنشطة الأعمال المعروفة من إنتاج وتسويق وخدمات لتحقيق الربح اللازم للدفع بأجنداتها التي تركز على العدالة الاجتماعية. يدير هذه المؤسسات ويعمل بها رواد أعمال اجتماعيون (Social Business Entrepreneurs) مبدعون يملكون المال أو التمويل ويتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلاقة في مجال التغيير الاجتماعي؛ فهم مستثمرون ورجال أعمال لا يشغلهم المال والربح والمشروعات إلا بقدر ما يؤمّن لهم الاستدامة المالية لمؤسساتهم والأفراد العاملين بها. يجب تمييز قطاع الأعمال الاجتماعي عن القطاع غير الربحي أو الحكومي أو غير الحكومي، وفصله عن تلك المؤسسات “غير الربحية” أو “غير الحكومية” التي باتت تعرف بسلبيتها الناتجة عن البيروقراطية والفساد أو بأجنداتها المرتبطة بالخارج. المنظمات الاجتماعية في يومنا هذا أصبحت تشكل قطاعا اقتصاديا قائماً بذاته بات يعرف بالقطاع المستقل أو قطاع المواطن. يمثل هذا القطاع سلطة جديدة يمكن أن يكون لها دور مفصلي في مرحلة التنمية وبناء السلام وتعزيز المصالحة المجتمعية بين مكونات المجتمع السوري، كونه قطاع اجتماعي يربط الرائد الاجتماعي القدير والمتحمس برائد الأعمال المُقدَّر.

picture1

لن يبرأ الجرح السوري إلا من خلال هكذا سلطة، سلطة الأفكار والعمل الاجتماعي التشاركي التي يحمل لواءها الرواد الاجتماعيون الذين يرفعون شعار المنفعة العامة ويَتْبعون أفكارهم بالعمل الاجتماعي التشاركي والفعال. تبلغ هذه السلطة أسمى مراتب الأداء والإبداع عندما تمتلك كموناً ابتكارياً وتمارس الابتكار الاجتماعي (Social Innovation) الذي سنراه في مقالة قادمة. إن اعتقادي بالدور الكبير المنتظر من الرواد الاجتماعيين كبلسم للجرح السوري وحفّاز (Catalyst) لبناء السلام ينبع من اعتبارات عديدة أهمها:

  • الرائد الاجتماعي من خلال عمله في قطاع الأعمال الاجتماعي من شأنه أن ينقل العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية، وهذا من شأنه أن يقطع الطريق أمام هؤلاء الأحاديين من “رجال الأعمال” الذين لم يكونوا قد شبعوا من تجارة الأزمة وسرعان ما سيعودون إلى نشاطهم وتنتعش فيهم غريزة التلهّف على مغانم الوظيفة وغنائم استقرار الأوضاع وإعادة البناء.
  • الرائد الاجتماعي يرى ما لا يراه صناع القرار في الحكومات، ويعمل من خلال المشاريع الاجتماعية التي يطلقها على إدخال التغيير بسلاسة عوضاً عن فرضه مما يهيئ للحكومات تبني هذه المشاريع بعد أن يتم تنفيذها.
  • والرواد الاجتماعيون، بأفكارهم الخلاقة ورؤيتهم وتجلّدهم المذهل، ومهارات الاقناع التي يتحلون بها، وبإصرارهم على معالجة جذور المشكلات، يفعلون في المجتمع فعل الإسمنت الذي يقوي الروابط بين أبناء الوطن ويحقق التماسك المجتمعي. هذا ما يخبرنا التاريخ به عند استقراء المشاريع الاجتماعية الكبيرة والرائدة مثل حركة تحرير العبيد في أمريكا وتوحيد مخازن المؤن والموارد في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى وتجربة “بنك الفقراء” التي نجحت في مساعدة الملايين على الخروج من مظلة الفقر في بنجلاديش على يد الرائد الاجتماعي الاقتصادي محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006، وغيرها من المشاريع.

لا يمكن إذاً النجاح في بناء السلام والخروج من آثار الأزمة إلا بشراكة رجال الأعمال الاجتماعيين الذين تقع على عاتقهم مهمة المساهمة في إعادة البناء وإذكاء الشعور بالمواطنة وإحياء عاطفة حب الوطن التي كادت أن تندثر جراء تراكم الأخطاء وتداعيات الحرب وآثار ندوبها وسمومها. وعلى أصحاب الشركات والاستثمارات أن يستشعروا دورهم في المشاركة الاجتماعية والمسؤولية تجاه تنمية المجتمع وأفراده ودعم أصحاب الأفكار الرائدة. فمن غير المعقول أن يبقى رجل الأعمال أو المستثمر السوري منفصلا عن واقع مجتمعه المنكوب اقتصادياً واجتماعياً بل يجب أن يَعٌدّ نفسه كأي شخص يدور في منظومة اجتماعية تنتظر الإسعاف. لا نطلب منهم أن يتخلوا عن أعمالهم أو ينذروا أنفسهم وثرواتهم لصالح العمل الاجتماعي الخيري كما فعل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي أو مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك لكن عليهم أن يعلموا أن السوق، في ظل اقتصاديات السوق التي اعتادوا أن يعملوا بها لم ولن تلعب أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن السوق نفسهما ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية، والتي يقعحلّها على عاتق الحكومة. أخيراً، على الحكومة أن تهيئ المنظومة البيئية Ecosystem  اللازمة في سبيل أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع بين رجال الأعمال، وتمنح هؤلاء ثقتها وما يحتاجونه من تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي.

ماذا لو فكّر السوريون خارج الصندوق؟

the-box

التفكير خارج الصندوق (Thinking outside the box) يساعد في البحث عن حل مبتكر للمشاكل مهما تعقدت وطال أمدها.

أن يفكِّر الإنسان خارج الصندوق يعني أن يخرج من تلك البيئة النفسية التي حُشِرَ أو حَشَرَ نفسه فيها بعد أن شكلت له صندوقاً افتراضياً تقولب فيه وبقي أسيراً بداخله بينما تتحرك الحياة من حوله في الخارج بمسارها الإبداعي دون أن يتمكن من المساهمة فيها أو الاستلهام منها. وغالباً ما يتشكل هذا الصندوق الافتراضي نتيجةً لانغلاق الإنسان ضمن محددات وأنماط تفكير تقليدية مما يتسبب باضمحلال في كمونه الابتكاري القادر على الإتيان بحل جديد لأية مشكلة تلمّ به. التفكير خارج الصندوق هو إذاً مصطلح يرمز إلى الدعوة للتفكير الابداعي والبحث عن حلول مبتكرة. بعبارة اخرى هو دعوة لاستخدام الجانب الأيمن من الدماغ وهو الجانب المسؤول عن الخيال والابتكار.ر

في الحالة السورية ومنذ الأشهر الأولى للأزمة سادت حالة من الاستقطاب السياسي أدّت إلى اصطفاف العقول واحتقانها وتمترسها داخل “صناديق” مصطنعة ساهمت الماكينات الإعلامية في تجذّرها إلى حد بعيد عبر الترويج لمصطلحات فرّقت أبناء الأسرة الواحدة بين “معارض” و “مُوالٍ” و “رماديّ” من “الأغلبية الصامتة”، ونال الحراك السياسي من فكر كل مواطن ما نال، سلباً أو إيجاباً، صانعاً منه “ناشطاً سياسياً” بقلمه أو بلسانه أو بوسيلة تواصله الاجتماعية أو بـ”قلبه”، وكان ذلك “أضعف الإيمان”.

والآن، وبعد أن اشتد الزلزال وعمّ الموت والخراب وتكشفت العديد من الحقائق يحق لنا أن نتساءل: أما آن للعقول السورية الرشيدة من الاتجاهات كافة أن تتلاقى من جديد؟ ولمورثات التفكير والتحليل وتدبر الأمور فيها أن تستيقظ لتهتدي معاً إلى كلمة سواء وتباشر من الآن في بناء السلام المنشود؟ د

قد لا نكون اليوم قادرين على صنع السلام بمفردنا وبأيدينا بعد أن تحولت الحرب في أرضنا إلى صراع للجبابرة ووكلائهم، ووصلت الأمور إلى حالة من الاستعصاء بالحلّ وفق ما نشهد ووفق ما انتهت إليه الدراسات الأكاديمية ومراكز الفكر العالمية. ومن المحزن أن تكون هذه الدراسات قد انتهت بالحرب إلى حالة من التوازن الجامد (الستاتيكو) نتيجة أن الداعمين الخارجيين للصراع من الدول الكبرى وغيرهم من “أصدقاء سورية” استحدثوا آليات لتعزيز الاستعصاء ذاتياً وضمان استمرار الحرب عبر دعمهم التلقائي لوكلائهم على الأرض بينما يستمر سفك الدم السوري! بالرغم من ذلك، لا بد لهذه الحلقة الشيطانية من أن تنكسر يوماً وللسلام أن يٌصنع عاجلاً أم آجلاً (ثمة تباشير ربما بدأت تلوح في الأفق؟). عندها سيترتب على العقول السورية أن تكون جاهزة لبناء السلام وتمكينه وصيانته من الإجهاض والتعثر. على هذه العقول أن تقتنع إذاً أن نَكْبَتنا وانقسامنا يتجذّران على يد الأطراف الخارجية المتورطة وأن لا سلام يمكن أن يُبنى إلّا بتلاقي العقول السورية تحت سقف الوطن. وبالتالي فإن عليها أن توجه بوصلات تفكيرها “خارج الصندوق” عبر طرح تساؤلات يمكن لها ولمثيلاتها أن تشكل منطلقات للخلاص:

  •  ماذا لو قبلت العقول جميعا بالاختلاف وتوقفت عن التفكير بالخلاف، مكتفية بما يجمعها من أهداف؟ وليكن على رأس هذه الأهداف بناء السلم الأهلي المنشود، الذي سينعم الجميع به؟
  • ماذا لو أدرك “المعارضون” أنه مهما صحّت مطالبهم فإن الوطن فوق الجميع وسيادته ووحدة أراضيه ومؤسساته، ولحمة شعبه خطوط حمراء؟
  • ماذا لو أدرك “الموالون” أن الوطن للجميع وأن لا إقصاء لأحد من أبنائه الشرفاء، وأن المطالبة بالإصلاح والتطوير حق لكل مواطن ما دامت تتم بالطرق السلمية المشروعة؟
  • ماذا لو أدرك الرماديون الصامتون أنه لم يعد يحق لهم الصمت بعد الآن وأن دورهم حيوي في هذه المرحلة الحرجة لتقريب العقول الأخرى من بعضها؟
  • ماذا لو تشكلت “موالاة” جديدة ولاؤها للوطن وقوامها كل من يحب سورية ويهرع للمشاركة في بنائها، هؤلاء من سبقت تسميتهم بالموالاة والمعارضة والأغلبية الصامتة؟ وليذهب إلى الجحيم كل من يريد بقاء سورية متشظية متحاربة، ومحكومة من طغاة وأمراء حرب ورؤساء عصابات.
  • ماذا لو تحوّل الحراك السياسي الذي يجول في خاطرة كل مواطن سوري إلى محفّز له للتحرك نحو أخيه في الوطن، بعيداً عن لونه السياسي وعرقه وطائفته؟

لننظر إلى تلك الصورة الوردية الباعثة على الأمل والتي رسمها العديد من السوريين الذين خطوا في واقع الأمر خطوات عديدة ورائدة في هذا المجال، هؤلاء الذين برهنوا على تفتحهم وتنوّرهم، وقدراتهم الابتكارية الخلاقة في كل مجال ومكان:

  • فمناصرة السوريين لبعضهم واستقبالهم لأبناء وطنهم في مناطق النزوح الداخلي كافة دون تفريق بين منطقة وأخرى أعطت الدليل القاطع على حيوية هذا الشعب وتآزره،
  • ومبادرات العمل الإنساني والخيري التي انطلقت من العقول والسواعد الوطنية السورية في جميع المحافظات ودول الجوار وعبر العالم باتت عنواناً للتماسك الاجتماعي والعمل الإنساني الخلاق،
  • والابتكارات والابداعات وقصص النجاح والتآزر السورية التي ولدت من رحم المعاناة سواءً في المناطق الآمنة، أم في مناطق الصراع، أم في طرقات وشواطئ النزوح، أم في مخيمات اللجوء، أم في دول الشتات. ابتكارات وتضحيات لا تعد ولا تحصى، باتت حديث الإعلام المحلي والعالمي.

بتلاقي العقول المتفتحة والمتنورة سيكون بالإمكان الوقوف أمام تجار الأزمات ومهندسي الفساد الذين تغوّلوا في ابتكار الطرق والأساليب الجديدة للإثراء على حساب المعاناة اليومية للشعب المسكين. كما سيكون بالإمكان الصمود أمام الإرهابيين وأمراء الحرب والمتاجرين بالدين الذين لن يتوقفوا عن صقل مهاراتهم وابتكار أساليب جديدة للمضي في إجرامهم ومكرهم. م