فاقد الديمقراطية لا يعطيها: أمريكا نموذجاً

بعد انتهائه من صياغة الدستور الأمريكي في نهاية القرن الثامن عشر، سُئل بنجامين فرانكلين، الأب الروحي للنظام الجمهوري الديمقراطي للولايات المتحدة الأمريكية وأحد الموقّعين الأساسيين على بيان استقلالها، فيما إذا كانت أمريكا قد حصلت في النهاية على جمهورية أم ملكية؟ أجاب: “جمهورية إن عرفت الحكومات كيف تحافظ عليها”، وكأنه كان متوجساً من عدم قدرة الأمريكيين على استيعاب هذه الديمقراطية “الدخيلة” على المجتمع الأمريكي.

انطلقت أمريكا في مسيرتها الحازمة لبناء دولتها الديمقراطية وتحولت في نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرين من دولة ضعيفة، ميراثية وفاسدة إلى لاعب قويّ وديمقراطي وفعّال. إلا أنها اليوم تبدو بعيدة كل البعد عن ديمقراطية الأمس. شواهد هذا الاستنتاج الذي بات من المسلمات البديهية تأتي كل يوم على لسان أهلها وبالفم الملآن ليؤكدوا تآكل نظامهم الديمقراطي منذ أن بدأت مؤشرات انحداره بالتنامي بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين للقرن المنصرم، واشتد هذا التآكل مع بزوغ ذلك النمط من الفساد الحكومي الذي رَكِبَ نخبَها الحاكمة متسبباً في ضياع هذه الديمقراطية:

  • الرئيس السابق جيمي كارتر صرح في سياق “نعيه” لهذه الديمقراطية بالقول إن “الديمقراطية الأمريكية تآكلت وانتهت إلى أوليغارشية (حكم الأقلية) مقترنة بفساد سياسي غير محدود”.
  • المؤرخ الأمريكي المعاصر “جوان كول” أدرج عشرة أسباب مسنودة بالوقائع، تجعل من الولايات المتحدة “الأمة الأكثر فساداً في العالم”!
  • الكاتب الأمريكي “توم هارتمان” أطلق تحذيراً مفاده أن “واجهة الولايات المتحدة التي كانت عظيمة يوماً ما سوف تتفكك قريبا، وسيُكشف عن جوهرها المتعفن بعد أن حلّ نفوذ المليارديرات وجشع الشركات محل البنية التحتية للديمقراطية والحوكمة”
  • المفكر الأمريكي فرنسيس فوكوياما أشار في أكثر من مقابلة أجراها على خلفية كتاب صدر له مؤخرا إلى أن “الولايات المتحدة مضت خلال العقود القليلة الماضية بالاتجاه العكسي: أصبحت أكثر ضعفاً، أقل كفاءة، وأكثر فساداً”.

ماهية هذا الفساد “على الطريقة الأمريكية” وما سببه من تردٍّ سياسي وأخلاقي باتت معروفة كما هي أسبابه ومظاهره: اللامساواة الاقتصادية المتنامية وتركيز الثروة، أديا إلى تراجع الطبقة الوسطى، بالإضافة إلى أن نفوذية المؤسسات السياسية تجاه النخب “الظلامية” ومجموعات النفوذ والضغط سهّلت للنخب الحاكمة التلاعب بمنظومة الحوكمة باتجاه مصالحها الخاصة. مما تسبب بجمود إيديولوجي واستقطاب سياسي واجتماعي شديدين جعلا الدولة أسيرة لهذه النخب التي لم تعد تسأل إلا عن مصالحها الخاصة، ولم يعد أحد من الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والجمهوري) يمثل شيئاً من مصالح الشعب، ولعل الشكل المذري الذي تسير عليه الانتخابات الرئاسية اليوم خير دليل على غياب هذا التمثيل. وبالمقابل، توجهت الممارسات “البديلة” للنخب الحاكمة نحو طيف من العمليات “الآمنة” و”المجدية” مثل ضخ الأموال السرية في الحملات الانتخابية وشراء تصنيفات أفضل لصالح الشركات من مؤسسة Standard & Poor’s وضمان جماعات تأثير وضغط في الكونجرس للتحكم في تمرير قوانين وتشريعات محددة…الخ. ولا يمكننا ضمن هذا السياق إغفال الأدوار المريبة التي لعبتها في الفترة ما قبل الأزمة المالية 2008 مؤسسة جولدمان ساكس، التي يطلق عليها الأمريكيون تندّراً عبارة “حكومة ساكس“، حين تبين لاحقاً أن هذه الأدوار المريبة هي التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في نشوء هذه الأزمة. كما لا يمكن نسيان تورط “حكومة ساكس” في مساعدة اليونان بالتكتم على ديونه في مطلع القرن الحالي فعندما جاءت ساعة الحقيقة، لم تكن لا جولدمان ساكس، ولا النخبة الاقتصادية/السياسية في اليونان، ولا زعماؤهم، مَن دفع ثمن الإجراءات التقشفية التي لا زال الشعب اليوناني يكتوي بنيرانها.

ولم تقتصر تجليات هذا الفساد العالمي الصادر عن المطبخ الأمريكي على الساحة المالية، فالجميع صار يدرك جيداً أن الفساد العميق لهذه الأمة قادها إلى الانغماس في الفاشية.  لقد كلفت الحروب غير المعلنة الحكومة الأمريكية أكثر من 4 تريليون دولار في السنوات الماضية منذ عام 2003، وجميع هذه الحروب سبقها حراك ظلامي فاسد سعى لاختلاق “الأعداء والتهديدات”، وبحث عن أماكن لنشر “الحرية والديمقراطية”، وجميعها كما نعلم كان مشكوك بها وانتهى إلى مجموعة من المهازل الملفّقة كما هو الحال في الحرب العراقية التي نسجتها واحدة من أكبر الشبكات الظلامية في أمريكا (شبكة المحافظين الجدد المعروفة بـ NeoCon)، التي تهاوى رجالها، واحداً تلو الآخر، أمثال كولن باول ودونالد رامسفيلد وديك تشيني، ومؤخراً توني بلير، والقادم أعظم، معترفين بمسؤولياتهم عن السَّوْق لحرب قذرة  استندت إلى معلومات استخباراتية  وُصفت بـ “الخاطئة”!

ولم يعد غريباً أن تنتقل العدوى الأمريكية إلى ديمقراطيات ليبرالية أخرى، بما فيها الأوروبية العريقة، وهذا ما يتلمس الجميع حدوثه في الاتحاد الأوروبي (بشكل خاص بعد الـ Brexit) الذي بدأ يعاني من التضخم وانزياح مطابخ السياسات من العواصم الوطنية إلى المطبخ المركزي في بروكسل، الأمر الذي سيجعله مشابهاً أكثر وأكثر للنموذج الأمريكي المتمركز في واشنطن وفق ما أشار إليه فرانسيس يوكوهاما. لقد رأينا بالفعل كيف أن الاحتجاجات التي اندلعت في اليونان إثر أزمتها المالية أثارت قلقاً لدى النخبة السياسية في الاتحاد الأوروبي وحرضت “تململاً” شعبياً في كل من إسبانيا والبرتغال وإيطاليا جعل رئيس المجلس الأوربي، دونالد توسك، يفصح علناً عن مخاوف النخبة السياسية من تحول الاحتجاجات إلى ثورة عارمة تطال أوروبا بأكملها.

هو إذاً فساد الدولة في عصر العولمة، ينخر في أنظمة الدول، بما فيها الديمقراطيات الليبرالية التي تخال نفسها “نظيفة” منه، في الوقت الذي تُسهم في و/ أو تتغاضى عن تمكين هذا الداء (الفساد) لدى الدول الضعيفة لتتحول هذه الأخيرة إلى مرتعٍ للعنف والتطرف والإرهاب.  ثم يطالبونك بمحاكاة ديمقراطيتهم!!!

وإلى حديث قادم في الإرهاب والفساد هذه المرة، وما بينهما من علاقة سببية ….


الصورة العليا مأخوذة من الرابط: http://jimpintoblog.blogspot.fr/2015/09/political-corruption-in-america.html

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s