فساد فرُهاب فتطرّف فإرهاب: متى يقرّ الغرب بالمنشأ الحقيقي للإرهاب؟

إن كان لشرارات الإرهاب الوحشي والمؤسف التي تتطاير باضطراد من منطقتنا لتطال الغرب من “محاسن” فهي أنها ستسهم، عاجلاً أم آجلاً، في وضع حكامهم وصانعي قراراتهم على المحك أمام شعوبهم لجهة المنشأ الحقيقي لهذا الإرهاب الذي طالما اكتوت وتكتوي منطقتنا بناره. لا مجال هنا للافتراضات والاجتهادات فسأكتفي، على قاعدة “من فمك أدينك”، بالاستشهاد بعينات مما وصلت إليه مراكز بحوثهم وخزانات تفكيرهم من نتائج في هذا المجال. فمعهد “كارنيغي” للسلام حول العالم انتهى بنتيجة أبحاثه وندواته إلى نتيجة هامة مفادها أن الفساد الحكومي بات “محركاً للنزاعات عبر العالم نظراً لما يسببه من آثار جانبية خطيرة على الأمن الدولي بدءً من نمو شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتعاطف والتناغم مع المنظمات الإرهابية (بما في ذلك تقديم التسهيلات لها)، وصولاً إلى الاضطرابات الاقتصادية الحادة، وانتهاءً بالتشجيع على التطرف وتأجيج الخلافات العرقية أو الدينية أو اللغوية لدى قطاعات معينة من السكان”. وعلى الرغم من ذلك (والاستنتاج منسوب إلى هذه الأبحاث)، يبقى الفساد الحكومي المنظم غائباً عن أجندة التبادلات والتفاهمات الثنائية رفيعة المستوى بين الدول. ذلك لأن الحكومات الغربية وجهاتها الفاعلة الرئيسية لا زالت تغمض أعينها عن دور هذا الفساد في مفاقمة الأمن الدولي، لسبب بسيط وهو أنها تعي ضمنياً الدور الذي تقوم به هي في تمكين هذا الفساد.

والأقوى من ذلك تلك “الصرخة” التي صدرت عن منظمة “الشفافية الدولية” غير الحكومية التي أعلنت منذ أسابيع قليلة في تقرير أعده فرعها البريطاني بعنوان: “التحول الكبير: الفساد وظهور التطرف العنيف”، أن “الحركات المتطرفة مثل تنظيم داعش تزدهر عندما يفقد الناس ثقتهم تماما بمن يتولون الحكم، وعندما يستفيد المسؤولون من بؤس الغالبية الكبرى من الناس، وعندما تستغل الشرطة بدلا من ان تحمي، وعندما تحتكر أقلية الفرص الاقتصادية”. وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن مجموعات إرهابية مثل داعش وجماعة “بوكو حرام” تستفيد من الفساد لتجنيد عناصرها، بتقديم نفسها على انها البديل عن السلطات الفاسدة. كما دعت الحكومات الغربية الى “التصدي” للفساد الذي ساهم في العراق وليبيا ونيجيريا في ظهور هذه الحركات المتطرفة. وأكدت ان “التصدي للفساد وعدم التساهل معه يجب ان يكون الاولوية المطلقة لدى الحكومات الغربية”.

وبالإسقاط على ما يحدث في منطقتنا التي وقعت في فخ “الربيع العربي” نجد أن الفساد المتأصل فيها وجد بيئة خصبة لكسب مزيد من فرص النمو السرطاني والتناغم العضوي مع الإرهاب مشكلاً دائرة شيطانية محركاتها الإرهاب والفساد ووقودها الناس والحجارة. إلا أن الإرهاب الذي طفا على السطح شكل الكتلة المرئية من جبل جليد أو Iceberg (كما في الرسم) انبرت أمم الأرض كافة وتحالفت محلياً وإقليمياً وعالمياً لاجتثاثها غير آبهة بما يخفي هذا الجبل في جزئه “الفسادي” الغاطس من قوى ظلامية أخرى اتخذت من الفساد ومظاهر الانفلات والتسلط وغياب القانون منهجاً. مظاهر كهذه لا يمكن أن تعبّر إلا عن منظومة فساد عميق ومتخفٍّ تمثل من حيث  لا يدري الفاسدون (أو يدرون) منجم إرهاب لا ينضب.

فهل حان الوقت ليدرك حكام الغرب بعد أن “وصل البلّ إلى ذقونهم” تداعيات هذا الفساد على كل من ممارسيه وممكِّنيه، وعلى الأمن والاستقرار العالميين؟ ألم يروا كيف أن رائحة الفساد العفنة التي فاحت وتفوح في كل مكان من المستويات العليا للسلطة باتت تثير حفيظة المتظاهرين في العديد من الدول بعد أن فقدوا الثقة بحكوماتهم؟  ألم يروا أن الأمر لم يعد يتوقف في بعض الدول عند حد التظاهرات والاحتجاجات، بل بات يتمظهر في عنف مضاد متخذاً أشكالاً عديدةً أخطرها الشكل الديني المغذي لتنظيمات تكفيرية متطرفة تمارس القتل والتشريد؟ أليس تدفق المقاتلين من جميع أنحاء العالم إلى هذه التنظيمات، وخصوصاً من الفئات التي تعاني من التهميش نتيجة الفساد وضياع الهوية وفشل نموذج التعددية الثقافية والدينية، إلا دليلاً حياً وشاهداً على هذا العنف المضاد؟

إن فساد الدولة في عصر العولمة بات أشبه بداءٍ أممي عضال يرتشح عبر الدول ويتفاعل فيها بمستويات مختلفة تتدرج من الديمقراطيات الليبرالية التي تخال نفسها “نظيفة” منه، في الوقت الذي تُسهم في و/أو تتغاضى عن تمكين هذا الداء لدى الدول الضعيفة، صعوداً إلى بعض الأنظمة الكليبتوقراطية التي تتخذ من الفساد نظاماً لحوكمتها فتتحول بالنتيجة إلى مرتعٍ للعنف والتطرف والإرهاب.

آلية إنتاج الإرهاب باتت واضحة: فساد فرهاب فتطرف فإرهاب…

فالفساد يُفقد الثقة بمنظومة الحوكمة في البلد وينتج البؤس والتشرد والحقد والكراهية…

الحقد والكراهية بدورهما يولّدان التطرف والإرهاب…

وعليه فإن الفساد لم يعد إلا مطبخاً للإرهاب…

الفساد بيت الداء، ومحاربته أصل كل دواء…

يتبع ….

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s