من مخلفات الأزمة: الضرب بناقص واحد

تعلمنا من الرياضيات والجبر أن عملية الضرب بالعدد (-١) من شأنها أن تعكس إشارة العدد المضروب فإن كان موجباً يصبح سالباً وبالعكس.

وينسحب هذا المفهوم على علوم الفيزياء حيث يؤدي الضرب بناقص واحد إلى عكس الحالة الفيزيائية التي يمثلها الرقم فالسخونة مثلاً تصبح برودة والقوة ينعكس اتجاهها وكذلك الحقل الكهربائي والمغناطيسي وهكذا…

وإذا انتقلنا إلى الأشخاص نجد مثلاً أن مزاج الشخص سرعان ما ينقلب متحولاً من الفرح إلى الحزن نتيجة تعرضه لمصيبة أو سماعه خبراً سيئاً، وهذا الانقلاب في النفسية أو المزاج، بالمفهوم الرياضي، ليس إلا “انضراباً” بناقص واحد. وربما تكون مقولة “انضرب على قلبه” الشائعة قد جاءت من هنا!!

وإذا كان الأشخاص قابلين للإنضراب نفسياً بناقص واحد فهذا يعني أن مصفوفة القيم الأخلاقية لديهم قابلة للانضراب أيضاً، فالشريف قد ينقلب إلى فاسد والصادق إلى كاذب والوطني إلى خائن والمواطن الصالح إلى مخرّب وربما إلى إرهابي وهكذا…

المرعب في الأمر هنا عندما تصبح هذه القيم الشريرة “المضروبة” هي الطبيعية والسائدة وينام أصحابها قريري العين مرتاحي الضمير، يجمعون الثروات ولا يترددون في شيطنة وتخوين الآخرين ممن آثروا المحافظة على قيمهم (ولو كانوا أكثرية) إلى أن “ينضرب” المجتمع بأكمله، وهنا الطامة الكبرى ….

ولعل ذلك ينقلنا إلى مستوى البلدان، فهل يمكن لبلد ما أن يُضرب بأكمله بناقص واحد؟

نعم، وللأسف… أليست غالبية دولنا العربية مضروبة بناقص واحد لما تتسم به من تخلّف اجتماعي واقتصادي وسياسي؟ إن ضرب أي بلد بناقص واحد يمكن أن يتم إما بـمؤامرة خارجية أو بانقلاب عسكري لتغيير سياسته، أو حتى بعملية “ديمقراطية” ينتخب فيها رئيس مضروبة قيمُه تأتي به أغلبية من الناخبين بعد ضربهم بناقص واحد من خلال حملة انتخابية تقوم على قلب الحقائق واحتقار الأفكار والقيم الأخرى السائدة، وهذا بالضبط ما فعله ترامب في حملته الانتخابية للوصول إلى سدة الرئاسة، وما أراد فعله الزعيم اليميني المتطرف خيرت فيلدرز مؤخراً في هولندا، وما تريد أن تفعله مارين لوبن بفرنسا، والحبل على الجرار.

وبالإسقاط على المشهد السوري نجد، بعيداً عن الانقسامات السياسية، أن الفاجعة التي ألمّت بهذا البلد الآمن قد أفرزت نمطين أساسيين من الانضراب بهذا الناقص واحد اللعين. النمط الأول، انضراب “حميد”  نسبياً وشامل على المستوى الإنساني والوجداني. شامل لأن من النادر أن نرى سورياً في الداخل أو الخارج إلّا وفقد عزيزاً أو نزح عن دياره التي هُدمت أو هاجر من وطنه أو فقد سبل عيشه. وحميد نظراً لطبيعته القابلة للشفاء بإذن الله بفضل فطرة الإيمان والتعلق بالوطن والتسامح التي زرعها الله في نفوس هذا الشعب الطيب الأبي، فيما لو توفر له القليل من “جبر الخواطر”…

أما النمط الثاني، فهو ذلك النمط “الخبيث” الذي طال منظومة القيم لدى كل من فضل الاستفادة من هذه الأزمة بممارسة وفرض شريعة الفساد واللا قانون فكانت النتيجة أن ارتشح الفاسدون والمخربون وأمراء الحرب، ممن أجمع المواطنون على تسميتهم بـ “دواعش الداخل”، في مفاصل المجتمع وراحوا يعيثون فيها فساداً وتخريباً للّحمة الوطنية وقيم المواطنة الصالحة.

السؤال الذي يطرح نفسه إذا ما أردنا الاستمرار في هذا “التمرين” الرياضي: كيف السبيل لضرب “المضروب” مرة أخرى بناقص واحد لإعادته إلى صوابه (على قاعدة  -١ x -١=+١)؟ وهل يمكن للرياضيات أن تساهم في استمالة العقل البشري الجمعي للوصول إلى هذا الهدف؟ من المفيد، قبل محاولة الإجابة على هذا التساؤل، التأكيد على أن دواعش الخارج وكل من دنّس الأرض السورية الطاهرة من قوى إرهابية أخرى عابرة للحدود غير مشمولين بهذا التساؤل فهؤلاء، بحكم المورثات التي يحملونها، لا علاج لهم إلا الضرب بالعدد صفر، هم وأمثالهم من المرتهنين إلى الخارج.

في الواقع وكما هو معروف، فإن العقل البشري ليس جامداً بل يمثل جملة حركية تفاعلية. ووفقاً لنظرية التحكم فإن لكل جملة حركية حالات States . هذه الحالات هي إحداثيات الجملة فيما يسمى بفضاء الحالة State Space. ولكل جملة حركية قاعدة تطور عبارة عن تابع رياضي أو خوارزمية تصف ارتباط حالة الجملة مع الزمان أو المكان (الزمكنة) وتحدد بالتالي الحالات المستقبلية للجملة اعتماداً على حالتها الراهنة.

من هنا نرى أن التأثير على العقل الجمعي “المضروب” باتجاه معين كالمذكور آنفاً يتوقف على بناء النموذج الرياضي الممثل لواقع السلوك الجمعي وكذلك تصميم الخوارزمية المناسبة للزمان والمكان وتطبيقها تدريجياً من خلال التواصل الممنهج مع هذا العقل باستخدام وسائل إرشادية تربوية متخصصة يأتي على رأسها الإعلام والتربية والتعليم والخطاب الديني.. الخ، مع الإشارة إلى أن خوارزمية التطور لهكذا حالات تكون ذات طبيعة احتمالية Probabilistic وليس حتمية Deterministic.

لا مجال للاسترسال هنا في هكذا مواضيع تخصصية ومعقدة لكن ما أردت الإشارة إليه هو أن المقاربات الرياضية تقع اليوم في صلب الأبحاث العلمية القائمة في مجال العلوم الاجتماعية المدعومة بالاختصاصات البينية الأخرى Interdisciplinary وعلى رأسها علم النفس السلوكي الذي أصبح هو أيضاً قابلاً للنمذجة الرياضية.

فهل من دور لهكذا مقاربات رياضية علمية في معالجة مخلفات الأزمة السورية؟ ومن ذا الذي يملك رفاهية الصبر والقدرة على الخوض في هكذا تجربة؟ وأي نموذج رياضي هذا القادر على توصيف حقيقة الركام الاجتماعي الناتج عن أكبر وأعقد أزمة في التاريخ الحديث؟

يتبع…

الإعلانات

فكرة واحدة على ”من مخلفات الأزمة: الضرب بناقص واحد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s