من الزمن الحلبي الجميل

في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، وبينما كنت متوقفا في سيارتي البيجو ٣٠٥ وراء سيارة شاحنة بانتظار الاشارة الضوئية عند دوار جامع الرحمن صدمتني من الخلف سيارة هائجة من سيارات التكسي القديمة كانت فاقدة للفرامل. كان يومها فاجعة كبيرة أودت بالجزء الخلفي من سيارتي بالكامل بما في ذلك المقعد الخلفي والأرضية والسقف، وحمدت ربي يومها أن أحدا من أطفالي الذين اعتادوا الركوب في المقعد الخلفي من السيارة لم يكن معي. أما أنا فكانت إصابتي طفيفة والحمد لله، واقتصرت على بعض الرضوض بعد أن ذهبتُ شاطراً ومشطوراً بين السيارة التي صدمتني من الخلف والسيارة الشاحنة التي كانت متوقفة أمامي.

بعد إجراء الضبط اللازم من قبل الشرطة نُقلت سيارتي، “المرحومة” بنظر كل من رآها، الى المرآب في مكان عملي بحلب الجديدة. إلاّ أن بعض الأصدقاء نصحوني بعد أيام بعرض السيارة على أهل الخبرة من صوّاجي السيارات (الحدادين) خاصة ونحن في حلب، معقل هذه التكنولوجيا التي وطّنها الرواد الأوائل من إخواننا الأرمن. وفعلا استجاب المعلم “فاهيه” أحد شيوخ الكار الأرمن إلى الدعوة لفحص السيارة وتقديم الاستشارة. لم يكلفه الموضوع يومها أكثر من دورة واحدة حول السيارة و”صفنة” لثواني معدودة حتى أصدر حكمه المطمئن: “هدا بصير أستاذ، ما في مشكلة.. بس بدك تيز، بدنا ندور على تيز… معلش يكون مستعمل، بركب”. فهمت قصده مباشرة لعلمي أن الإخوة الأرمن يلفظون الطاء تاءً، فالسيارة إذاً تحتاج الى عملية زرع “تيز” كاملة والجراح فاهيه جاهز لهذا التحدي! لكنني أردت ممازحته بالقول: “بس يا معلم التيز للسيارة مو إلي”!

المهم أنه بدأ اتصالاته مباشرة بمستوردي “التياز” في حي الميدان دون أن يجد واحدة لموديل سيارتي لكنه وفي اليوم التالي أخبرني أن أحد هؤلاء التجار ينتظر حاوية من قطع التبديل المستعملة ستصله قريباً من بلجيكا وأنها تحتوي على قطع لبيجو ٣٠٥، ويأمل ان يكون فيها التيز التي تلبي طلبنا. ودون إطالة للحديث، وصلت الحاوية ولحسن الحظ كانت تحتوي على التيز الموعودة وهرع المعلم فاهيه الى زفّ البشرى لي. وبعد مضي حوالي أسبوعين دعاني الى تفحص السيارة بتيزها الجديدة بعد استكمال عملية الزرع والدهان والفرش وتوصيل الكهرباء … وكانت دهشتي لا توصف شكلا ومضمونًا، وازدادت هذه الدهشة عندما ذهبنا الى تجربة قيادة للسيارة التي فاجأتني بنعومة أدائها، فكأنها خلقت من جديد! لقد كانت مع التيز الأصلية (تيز الوكالة) تعاني من اهتزاز ذاتي يظهر على سرعة ١١٠ كم/الساعة إلا أن هذا الاهتزاز اختفى تماماً في الوضع الجديد!!

هذه هي حلب بنسيجها المتنوع ومهنية شعبها وحرفيته وحماسته وقدرته على مواجهة التحديات…

حلب صدمتها الوحوش الضارية التي أتتها من كل حد وصوب، متخلية -عن سبق إصرار وتصميم- عن “فراملها” وإنسانيتها…

حلب تحتاج اليوم إلى إجراءات فعالة وقرارات جريئة وجاذبة لتتمكن من استعادة قوة عملها وكفاءاتها ومبتكريها ورواد أعمالها ليكون لهم جميعاً شرف “القيام” مع “قيامة حلب” كما أسماها مقال جريدة الأخبار الذي يصف الواقع المأساوي لهذه المدينة المنكوبة وما تحتاجه هذه القيامة. (المقال موجود على الرابط http://www.al-akhbar.com/node/275856)

سيعيد الحلبيون، أمثال المعلم فاهيه، الألق إلى مدينتهم، وبابتكاراتهم الخلاقة وسواعدهم القوية ستعود حلب كما كانت، عاصمةً اقتصادية ومنبع عطاء لهذا الوطن….

فالمستحيل ليس حلبياً…

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s