الابتكار والتديّن Innovation and Religiosity

قد يبدو هذا العنوان غريباً إلا أنه موضوع بحث علمي كانت قد أجرته إحدى الجامعات الأمريكية المرموقة (برينستون) بالتعاون مع المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية حول أثر التدين في البلدان على إنتاجها من الاختراعات والابتكارات. النتيجة المركزية المثيرة لهذا البحث الذي استند إلى استقصاءات ونماذج رياضية معقدة تتلخص في المخطط البياني المرفق، الذي نشرته منذ عامين مجلة الإيكونوميست، والذي يشير إلى وجود علاقة ارتباطية (Correlation) عكسية قوية بين الناتج الابتكاري للبلد (مقاساً باللوغاريتم الطبيعي لعدد براءات الاختراع لكل فرد من السكان) والنسبة المئوية لتديّن السكان (مقاسةً بالتقديرات الذاتية للتدين لكل فرد من السكان) في هذا البلد!! وهذا يعني ببساطة أن البلدان المتديّنة “معميٌّ على قلبها” بسبب الدين، وأن التديّن يفرمل الاختراع والابتكار عند البشر!!. غني عن الاشارة هنا إلى أن المعني الأول ضمنياً بهذه النتيجة هو كتلة الدول العربية الإسلامية (المشار إليها في المخطط بالكتلة الحمراء المسماة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا).

Innovation
نتيجة جدلية بامتياز وتدعو إلى الاستغراب وطرح العديد من التساؤلات.
ـ هل أن النزعة الدينية المميزة لشعوب دولنا هي المسؤولة عن التخلف العلمي والمعرفي الذي نعيشه؟
ـ هل أن الإسلام هو المسؤول حقاً عن ما وصلنا إليه من تخلف في مجال الابتكار التقاني؟ نتيجةٌ سعى البحث المذكور إلى إثباتها بشكل غير مباشر وبطرق علمية ونماذج رياضية.
ولدى البحث في شبكة الأنترنت عن أصل البحث (المنبع الذي ينهل منه المروّجون) تبين أنه منشور منذ أكثر من ثلاث سنوات على صفحات الويب على الرابط:
https://www.princeton.edu/…/Religion%20December%201g_snd.pdf
إلا أن حملة الترويج الإعلامي لنتائجه، والتي ما فتأت تشتد على صفحات التواصل الاجتماعي وفي الصحف (ومن ضمنها المخطط المنشور اليوم في الإيكونوميست) جاءت متزامنةً مع النظرة النمطية الحالية للإسلام وموجة “الإسلاموفوبيا” و “العربوفوبيا” السائدة حالياً في الغرب، والتي تتغذى أيضاً وللأسف بالممارسات المشينة لمليشيات الإرهاب والتطرف والتكفير في كل مكان وباسم الإسلام.
لمزيد من التوضيح لا بد من الإشارة إلى نقاط التناقض التالية في نتائج البحث:
ـ في إطار مناقشتها لعدم انطباق نتيجة البحث على بعض الحالات “المناقضة” تورد الإيكونومست حالة أمريكا (التي تزيد نسبة التدين فيها عن 70% حسب المخطط) وتتساءل “كيف لهذه النتيجة أن تبرر حالة هذه الدولة التي تعدّ، بالرغم من تدينها، أمّ الابتكار والمسؤولة عن توليد خُمس الناتج الإجمالي في العالم؟ ” وكأن المجلة تريد أن تشير هنا إلى أن هذه النتيجة لا تنطبق على بلد متدين كأمريكا، وعلى الدولة المتدّينة أن تكون متخلفة علمياً حتى تشملها نتيجة البحث ويقال أن تدينها سبب تخلفها!
ـ يشير البحث إلى أن الإسلام بعد فتوحاته التي شملت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أوربا خلال القرنين السابع والثامن ميلادي اصطدم بالعلوم اللا عقلانية كالفلسفة والرياضيات والفلك وقاومها! رغم أن البحث يعترف بالإسهامات الإسلامية في العصور الذهبية التي تلت الفتوحات وما أنتجت من ابتكارات في شتى مجالات العلوم “اللا عقلانية” (حين كان الغرب يغطّ في ثباته العميق إبّان العصور الوسطى وراح المستنيرون منه يتهافتون على المراكز والمكتبات العلمية في الأندلس ليستقوا منها ).
ـ سعى البحث إلى إثبات فرضية أن التأثير السلبي للتدين على الابتكار يكمن في أن الأنظمة الدينية الحاكمة من شأنها أن تتأثر بفتاوى المؤسسات الدينية التي من الممكن أن تشكل عائقاً أمام التقدم العلمي فتؤثر سلباً على السياسات العامة للدولة في دعم الابتكار. ولإثبات فرضيته هذه استشهد بمثالين: الأول عندما منعت الحكومة العثمانية دخول الطباعة في أرجاء أمبراطوريتها (التي كانت تعدّ بالنسبة لنا نموذجاً للاستبداد والفساد البعيد كل البعد عن روح الإسلام) . والمثال الثاني هو القرار المثير للجدل الذي كان قد اتخذه الرئيس الأمريكي جورج دابليو بوش بعدم تمويل أبحاث الخلايا الجزعية لأسباب دينية! بالمقابل تغاضى البحث عن المثالين المناقضين لهذه الفرضية والمتمثلين بحالة كل من إيران وتركيا وما شهدتهما من تقدم مذهل في مجال الابتكار والنمو الاقتصادي في ظل أنظمتهما التي جمعت بين التديّن والسياسة العلمية والاقتصادية الحكيمة.
ـ أخيراً لا بد من التساؤل عن جدوى البحث عن العلاقة التي تربط الابتكار بالتديّن كعامل وحيد معزول وتسخير النماذج الرياضية المعقدة كالتي استخدمت في هذا البحث، في الوقت الذي يعتمد فيه الابتكار، كما هو معلوم، على العديد من من عوامل النجاح التي تفتقدها شعوب الدول المتديّنة. فأي ابتكار سيأتي من دولة، بغض النظر عن درجة تديّن شعبها، تعيش في ظل الفقر والفساد والفوضى وغياب الحكم الرشيد والحرية الأكاديمية والعدالة الاجتماعية ووو…؟ حبذا لو فكّر هؤلاء الباحثون بسبر حالة التديّن والابتكار لدى الآلاف من العلميين المغتربين من رعايا هذه الدول “المتديّنة وغير المبتكرة” كدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذين يعملون في المراكز العلمية والجامعات في أوربا وأمريكا، ومحاولة التعرف على العلاقة الارتباطية بين الابتكار والتديّن لدى هذه الجماعات، وبالتالي اختبار صلاحية نموذجهم الرياضي المعبر عنه في المخطط المعروض.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s