تزاوج الاختصاصات: ثراء معرفي ومهني

عندما كنت عضواً في مجلس التعليم العالي ومسؤولاً عن لجنة تعادل الشهادات الأجنبية الوافدة من خارج مؤسسات التعليم العالي الوطنية، كان الزملاء يلقبونني بـ “المأذون” لأن جزءاً من عملي كان يتطلب البحث في “تزويج” الاختصاصات الأكاديمية التقليدية القابلة لـ “التلاقح” فيما بينها بهدف الخروج باختصاصات وليدة، وبالتالي تمكين المجلس من “شرعنة” التعادل لشهادات أجنبية حَمَلَها خريجون سوريون من جامعات أجنبية طالبين الاعتراف بها كمؤهل أكاديمي أو مهني، أو شرعنة اختصاصات جديدة يراد إحداثها في إحدى الجامعات.  وكثيراً ما كانت هذه الاختصاصات الوافدة إلينا أو المراد إحداثها تشكل تحدياً للقوانين والأنظمة التقليدية السائدة.

المنهج التخصصي للعلوم

لأكثر من قرن مضى، اعتمدت الجامعات والكليات في جميع أنحاء العالم على التنظيم التخصصي للمعرفة في تصميم برامجها الأكاديمية وتقديمها كمنصات لتوليد المعارف الجديدة ونشرها، واقترن تطور التخصصات بنمو الجامعات الذي ارتبط بدوره بتطور المجتمع فتبلورت العلوم بمجموعاتها التخصصية من أساسية (كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا..) وتطبيقية (كالزراعة والطب والهندسة) وإنسانية (كالفنون والأدب والتاريخ والفلسفة والدين والمسرح والموسيقى) واجتماعية (كعلم النفس والاجتماع والقانون والاقتصاد والسياسة..). ولعل من أبرز الفوائد التي اكتسبها العلم بنتيجة الأخذ بهذا المنهج التخصصي تركيز القدرات العقلية للإنسان ضمن مجال معرفي محدد وإبعاد العلم عن خطر السطحية وشبح الغموض، إلى جانب مساعدة العلماء على تعميق أبحاثهم عبر الاهتمام بأدق تفاصيلها. إلا أن التجربة أثبتت في ذات الوقت أن العمل بهذا المنهج قد أفرز لدى الكثير ميلا إلى الانغلاق داخل جزئيات علمية ضيقة، وأنساهم أن ما درسوه ويعلّمونه لطلابهم ليس إلا جزءاً مقتطعا من كل، وهذا ما صرفهم عن البحث في علاقة تخصصهم بالتخصصات الأخرى. والأهم من ذلك أن الإفراط في التخصص تسبب بعديد من الإشكالات المتعلقة بسوق العمل، إشكالات لا زلنا نلمسها في مجتمعنا، سواءً بالنسبة للخريجين الباحثين عن العمل في عصر تكاملت فيه المعارف وتعددت المهارات، أم بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص التي تعاني من وحدة التخصص لدى الخريجين المتقدمين للعمل فيها.

إلا أن انعطافاً جذرياً برز نتيجة لثورة المعلومات والاتصالات التي فرضت على عالمنا منذ منتصف القرن الماضي متغيرات وتوجهات نتيجة لارتشاح التقنيات المعلوماتية في أجسام العلوم كافة مما أدى إلى اضمحلال الحواجز فيما بينها وساعد على انتقال الباحثين والمناهج والمفاهيم النظرية من تخصص إلى آخر، ومن ميدان بحثي إلى آخر، إلى درجة أن العمل بمبدأ التخصص المغلق لم يعد مبررا إلا إذا سعى كل تخصص إلى الانفتاح على ما يجري خارجه وسلـّم أصحابه بعلاقاته العضوية مع التخصصات الأخرى. وما زاد في هذا التوجه ذلك التعقيد الذي طرأ على قضايا العصر الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والفلسفية، والتي استحال فهمها من منظور معرفي واحد.

وهكذا فقد أصبح التآثر والتداخل والتلاقح والتمازج بين التخصصات المختلفة سمة لعصرنا المعرفي ما لبثت معظم الجامعات والمراكز البحثية في الدول المتقدمة أن تفاعلت معها مما دفع القائمين على التعليم العالي والبحث العلمي في هذه الدول إلى إعادة النظر في تنظيم مؤسساتها الجامعية والبحثية بغرض استيعاب هذه الظاهرة، وتأسيس أقسام ذات تخصصات متزاوجة بغرض تأهيل علماء المستقبل ليكونوا “عابرين للتخصصات”. كما أقدمت معظم الجامعات على استحداث برامج رائدة تستوعب بشكل أفضل ظاهرة تزاوج التخصصات تحت مسمى “الدراسات البينية” interdisciplinary التي تمتد في أكثر من قسم علمي وأحيانا في أكثر من كلية.

منهج الدراسات البينية

يقصد ببرامج الدراسات البينية تلك الحقول المعرفية الجديدة الناشئة من تزاوج عدة تخصصات أكاديمية تقليدية تفرضها طبيعة ومتطلبات المهن المستحدثة والقضايا المطروحة. ولهذه البرامج أهداف يصعب تحقيقها فيما لو اقتصرت على تخصص واحد كتعظيم الاستفادة من التوجهات الفكرية للتخصصات المشاركة وتحقيق الإبداع في طرق التفكير والتكامل في المعرفة (وليس وحدتها). إن الأمثلة على ذلك عديدة وتشمل العلوم كافة فمنذ عقدين من الزمن وقائمة البرامج البينية في جامعات العالم في نمو مضطرد ومجالاتها باتساع متنام وتشمل، على سبيل المثال لا الحصر، السلوك التنظيمي، والإدارة، والعلوم السياسية، والصحة العامة، والدراسات الدولية والتنمية الدولية، وإدارة الموارد البشرية، والتاريخ، والموسيقى، والدراسات البيئية، والعلوم الطبية الحيوية، والكيمياء الغذائية، والتنمية الريفية والزراعية والطاقية…الخ.

إن استحداث برنامج للدراسات البينية في حقل المياه مثلاً يتطلب مشاركة أقسام من كليات العلوم والهندسة الصحية والإدارة، واستحداث برنامج للتصدي أكاديمياً لمشكلة التطرف الديني والإرهاب يتطلب تضافراً من قبل أقسام علم الاجتماع وعلم النفس والشريعة والقانون والعلوم السياسية والتاريخ، وهكذا بالنسبة للعديد من برامج الدراسات البينية التي برزت في الآونة الأخيرة كالتخطيط العمراني والطاقات المتجددة والميكانيك الحيوي والمعلوماتية الحيوية ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد وعلوم السكان والعلوم الصحية وغيرها من البرامج البينية المفيدة ذات التأثير الإيجابي والمباشر باتجاه إثراء سوق العمل وتلبية احتياجاته، فضلاً عن زيادة القدرة التنافسية للجامعات الرائدة في اعتماد هذا النمط من البرامج. إن ذلك لا يعني بالطبع اضمحلال أو ذوبان التخصُّصات الأكاديمية الأساسية فستبقى هذه حجر زاوية تستند إليه البيئة الأكاديمية في تسهيل تشكيل المجموعات الأكاديمية المبدعة وضمان الصرامة الفكرية، فالبرامج البينية لن تتمكَّن من تأدية مهامها بغياب أكاديميين “مرجعيين” متمكِّنين من تخصصاتهم. أما في مجال البحث العلمي فالمشهد يبدو أشد زخماً لجهة التفاعل مع مفهوم التخصصات البينية حيث أثبتت التجربة أن أسلوب الفرق البحثية البينية يمنح فرصاً أكبر ويهيئ الأرضية للابتكار وتمازج الأفكار البحثية وتلاقحها مما يؤدي إلى نتائج مثلى ويفتح آفاقاً جديدة لبحوث مستقبلية.

وماذا عن جامعاتنا؟

لم تكن بغائبة عن هذا التوجه الاستراتيجي العالمي فعوامل عدة ساهمت في تحريك الذهنية باتجاه التأثر به ومحاولة العمل به. على رأس هذه العوامل تأتي مشاريع التعاون الدولي (المستمدة معظمها من البرامج الأوربية كتيمبوس وإيراسموس موندوس)، حيث تمخض العديد منها عن إطلاق برامج أكاديمية مشتركة. يضاف إلى ذلك صعود الجامعات الخاصة التي ساعدت في إطلاق بعض البرامج الجديدة والمطلوبة في سوق العمل. من العوامل الهامة الأخرى ذلك الأثر الإيجابي للتقنيات التعليمية الحديثة التي “ألّفت” بين المدرسين من حقول مختلفة من خلال تعاونهم في الوصول إلى مقاربات تدريسية مشتركة سواءً كانت على الخط On line أو باستخدام البيئة التعليمية المخلّطة Blended. ثم لا ننس الدور الذي لعبته المساقات الجماعية الالكترونية مفتوحة المصادر (MOOCs) في خلق ديناميات بينية جديدة من خلال تجميعها لشرائح طلابية من انتماءات تخصصية متنوعة لا تستهدف الحصول على درجة أكاديمية بل اكتساب مهارات جديدة أو معرفة جديدة.

إلا أن الطبيعة التقليدية للبنى التنظيمية والثقافة السائدة بقيتا وللأسف تشكلان عائقاً أمام بلوغ المبادرات البينية لأهدافها المرجوة. فمعايير التمويل والتعيين والتثبيت والترقية، وحتى القبول في الدراسات العليا، لا زالت تكرّس التقسيمات التخصصية التقليدية في الإدارات الجامعية وتكرس ما يسمى بثقافة “الصوامع” Silos السائدة في الأقسام العلمية. هناك إذاً حاجة ملحة لإحداث انزياح مفهومي حقيقي Paradigm Shift في نظمنا التعليمية باتجاه القناعة العملية الراسخة بأن التخصصات البينية وما توفره من معارف ومهارات باتت الضامن الأفضل لتلبية الاحتياجات الحيوية لطلبة التعليم العالي في هذا الزمن السريع التقلب. ثمة سياسات من شأنها المساعدة في الوصول إلى الانزياح المأمول:

  1. إعادة النظر في البنية التنظيمية للبرامج الأكاديمية بهدف تعزيز التخصصات البينية، وبخاصة برامج الحلقة الجامعية الأولى بعد أن أصبحت التخصصات البينية مطلباً أساسياً للعديد من المهن في سوق العمل.
  2. اعتماد مبدأ الفريق التعليمي Team teaching لتدريس المقرر الواحد لما لذلك من أثر إيجابي في إغناء القدرات التعلّمية للطلاب من خلال انكشافهم على وجهات نظر متنوعة للمدرسين.
  3. تطعيم الأقسام العلمية بشريحة من الأكاديميين “البينيين” Interdisciplinarian والاستعانة بهم في بناء “القدرات البينية” و “التزاوجية” بين التخصصات لباقي زملائهم الأكاديميين.
  4. فرملة النزعة الفردية لدى الأكاديميين من خلال إعادة النظر في معايير النشر والترفيع وتمويل البحوث العلمية
  5. توجيه رسائل الدراسات العليا نحو الدراسات البينية وإشراك طلبتها في الفرق البحثية البينية التي تتناول قضايا المجتمع من مختلف الجوانب.

الصورة مأخوذة من المقال على الرابط http://www.eoht.info/page/Interdisciplinarity

الإعلانات