ما بعد “السلعنة” إلّا “الملعنة”..

تسلعن التعليم العالي… بات سلعة تباع وتشترى بالرسوم الباهظة التي يدفعها الطالب في غالبية جامعات العالم (على الأخص في الجامعات الخاصة) لقاء التزود بالتعليم “الجيد” اللازم لتمكينه من النفاذ لاحقاً إلى سوق العمل، ولن ينفذ إلا بسلطان ما ينفقه من مال ويكتسبه من معارف ومهارات جديدة ومتجددة.
وهذا ما دفع الجامعات إلى التسابق في ابتكار اختصاصات تواكب احتياجات “السوق” حتى وصل بها الأمر إلى استهداف مهن حساسة كانت وما زالت من التابوهات كمهنة “الجاسوس” التي تبنتها جامعة باكنغهام البريطانية، والتي عادة ما تُلقَّن فنونها ومهاراتها تحت أقسى درجات السرية.
سوف يشجع إعلان جامعة باكنغهام البريطانية عن هذا البرنامج الجريء الذي يمنح درجة علمية في “التجسس الدولي” جامعات أخرى على استهداف المزيد من المهن العصرية “المبطّنة”، وما أكثرها هذه الأيام…
هل يمكننا مثلاً، وعلى المنوال ذاته، أن نرى في الأيام القادمة ولادة هندسة جديدة باختصاص “هندسة الفساد” يٌمنح طلابها شهادة “مهندس فساد” بعد أن ضرب الفساد أطنابه في المجتمعات والطبقات السياسية في بلدان العالم، وبلداننا العربية ليست باستثناء؟
ومن ذا الذي يمكنه أن يشكك في حجم “سوق العمل” الذي ينتظر خريجي هذا الاختصاص على المستويين العالمي والمحلي، ومن يعلم؟ ربما تكون هذه المهنة/السوق في طريقها إلى “الشرعنة” بحكم الأمر الواقع وبدفع من التكنولوجيا؟
ألم نألف رؤية هذه المهنة “شبه الهندسية” الجديدة القديمة تُمارس منذ زمن على أرض الواقع لكن في الظلام وعلى ارتفاع منخفض، بعيداً عن مجال عمل “الرادارات”؟ ألم نراها تتجذر في مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة؟
سوف تفتح هندسة الفساد مجالات عمل خصبة أمام “مهندس الفساد” حيث سيكون بإمكانه العمل (في الوجه الحميد للمهنة) في دوائر القطاع العام كـ “مكافح فساد” إذا ما أرادت الدولة مكافحة الفساد بشكل علمي ومنهجي، أو في السلطة المركزية لمكافحة الفساد (الرقابة والتفتيش)، أو يعمل في “مكتبه الخاص” كـ “ميسِّر فساد” تحت أي “مسمّى” يختاره، وهذا هو الوجه الخبيث للمهنة، الذي سوف “يطبع” يوماً ما.

قد يبدو هذا الطرح مثيراً للجدل، إلا أن نظرة استشرافية واقعية إلى مآ آلت إليه القيم في بلادنا، بعد أن “ضربت بناقص واحد” وسادت ازدواجية المعايير في النظام العالمي (المضروب بدوره بناقص واحد)، كفيلة بأن تعزز احتمالية حدوث ما تخشاه الشعوب، بأن يصبح الفساد المتجه إلى التطبيع مهنة معترف بها، لها إعدادها العلمي والمهني، وتمارس تحت مسميات مختلفة.

في الولايات المتحدة (الديمقراطية)، يكثر “ميسرو الفساد” المعروفون بلوبيات التأثير (Lobyists) لكنهم، وبهدف التخفي ولمزيد من “الظلامية”، راحوا يتبنّون لمهنتهم تسميات رسمية أخرى أكثر “براءة” كـ “مستشار استراتيجي” أو “خبير بالشؤن الحكومية”. وتجاوباً مع هذا التوجه قررت “الرابطة الأمريكية لسماسرة النفوذ” American League of Lobyists تغيير تسميتها إلى “جمعية مهنيي العلاقات الحكومية” Association of Government Relations Professionals!

ممارسات هؤلاء “الميسرين” على أرض الواقع تتلخص في البحث عن تصميم لخطة استراتيجية أو “عملية” ما Process أو “صفقة” تضمن بنتيجتها تحقيق هدف محدد (كتوقيع عقد أو الحصول على مناقصة أو تمرير قانون أو تمويل حملة انتخابية أو التأثير على مجموعة من الناخبين…الخ) مع الأخذ بالاعتبار جملة من القيود   Constraints مثل شرعية العملية ـ سرية منفذيها ـ عدم المساءلة لاحقاً…الخ.

الصورة مأخوذة من الرابط: https://www.speakertv.com/education/knowledge-for-a-price-should-higher-education-be-free-in-australia/

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s