الماجستير الفطري في إدارة الأعمال: الحاج أحمد نموذجاً….

هناك أناس منحهم الخالق شهادة ماجستير فطرية في إدارة الأعمال (MBA) بدرجة امتياز، جعلتهم يبدعون في أعمالهم …

لم أدرك أن والدي، الحاج أحمد عبد الواحد رحمه الله (المعروف في ريف منبج بالحلويني نسبة إلى مهنة جدّي “الحلويني”) كان من بين هؤلاء المبدعين بالفطرة، إلا بعد أن كَبِرتُ وتعلمتُ وتعرّفتٌ على هذا “الفن”، فن إدارة الأعمال بمهاراته وتقنياته “الحديثة” واختصاصاته المختلفة، وذلك من خلال التكوين الهندسي الذي تلقيت والمسار الأكاديمي الذي سلكت، وبخاصة خلال فترة عضويتي في مجلس إدارة المعهد العالي لإدارة الأعمال (HIBA) بدمشق حين عملت في وزارة التعليم العالي، الأمر الذي جعلني أُحرص باستمرار وبشكل عفوي على أن أسقط فصول هذا الفن على الممارسات الفطرية التي كان الوالد يتبعها في متجره (الدكّان) لبيع الأقمشة في مسقط رأسنا منبج، ليرتقي في سلم “التنافسية” و “ريادة الأعمال” على مدى أكثر من ستين عاماً من العمل الدؤوب بذل فيها الغالي والرخيص لتحقيق ذاته وتنشئتنا. لم أجد سبيلاً لإحياء ذكرى هذا الوالد العصامي أفضل من أن أستذكر وأوثّق بعدستي “العلمية”، بعضاً من فصول تلك الممارسات التي عاصرتُ جزءً هاماً منها في طفولتي ويفاعتي، فشكَّلَت لي أجمل الذكريات في تلك المرحلة التي عشتها من عمري في هذه البلدة الساحرة إلى أن غادرتها إلى حلب لمواصلة دراستي الجامعية.  

عشق مستدام للجودة ...

الحاج أحمد عبد الواحد

لعل أبرز ما ميّز المسار المهني للوالد الكريم كرجل أعمال أنه كان، رحمه الله، عاشقاً للجودة بكل أبعادها، حاملاً رسالتها ومروّجاً لها في البيت والدكان والمحافل كافة. كان يُطلَق عليه في أسواق أقمشة الجملة في حلب (خان الجمرك) حيث كان يقصدها ليتسوّق “البضاعة” للدكان ويشحنها إلى منبج، لقب “المشَقشِق”. ذلك لأنه كان، وبمجرد أن يُعرض عليه قماش ما، حتى يمسك بطرفه ويسارع إلى “استقماشه”، وهذا تعبير شخصي خاص به ويعني ضمناً إجراء اختبار المقاومة على “الشقشقة” (قابلية التمزق) والمقاومة على “الجعلكة” (قابلية الدعك) بشكل منهجي وبالزمن الحقيقي (Real Time)، على التوازي مع مناقشة المواصفات الأخرى الخاصة بجودة المنتج كتركيب القماش ومنشئه وثبات أصبغته وألوانه. تعود جذور هذا التعلق بالجودة واختباراتها الممنهجة إلى هاجس لازمه طوال سنين عمله، يتمثل في حتمية أن تلبي “الكسوة” السنوية التي سيبيعها إلى ذلك الفلاح القادم من القرية توقعات هذا الأخير في تحمّل ظروفَ العمل الشاق والعيش الخشن، وأن تكفيه وعائلته من “الحَوْلِ” إلى “الحَوْل” أي من “الموسم” إلى “الموسم”.

كان يفتخر بمنهجيته هذه في “مراقبة الجودة” وضمانها، فهي التي جعلت التجار في حلب يحرصون على نصحه تلقائياً بتزويده بأجود البضائع، وهي التي حوّلت دكانه المنبجية إلى قبلة للباحثين عن النصح والإرشاد وعن البضاعة “الطيْبة” (أي الجيدة بلغة الزبائن من أهل الريف الأكارم). لا زلت أذكر تلك العبارة الشهيرة والمفعمة بفلسفة الجودة، التي كان يردّدها أمام الزبون إذا ما استشعر هذا الأخير الغلاء في سعر قماش أعجبه، فيقترب والدي من أذن ذاك الزبون مردداً: “الغالي هوّ الرخيص… الغالي هوّ الرخيص..”. لم أكن لأعي أو أفهم المدلول الدقيق والشامل لهذه العبارة السحرية، المليئة بالتناقض الظاهري، والتي غالباً ما كانت تكفي لإقناع الزبون بالإقدام على الشراء، إلى أن تمكنتُ لاحقاً من الإلمام بمدلولها الاقتصادي التفصيلي عندما طالعنا عملاق الجودة الأمريكي، فيليب كروسبي (Philip Crosby)، الذي خرج إلى العالم عام ١٩٧٨ بنظريته الشهيرة حول “الجودة المجانية”، ونشر بهذا الخصوص كتاباً مدوياً من أمهات كتب الجودة، حمل العنوان ذاته: ” Quality is Free”، شارحاً فيه قصة نجاحه الشهيرة التي وفّر فيها على شركة ITT الأمريكية، التي كان يعمل فيها مستشاراً للجودة، مبلغ ٧٢٠ مليون دولار جراء تبنيها لنظريته التي تبرهن على أن الاستثمار في الجودة يعدّ أربح و “أرخص” استثمار! لو كان كروسبي يعلم فقط أن جذوراً فطرية لنظريته هذه وُجدت منذ زمن في ربوع منبج وريفها، وكانت تُتَداول وتُمارس عفوياً قبله وقبل نشر كتابه بعقود من الزمن…

براعة في التسويق وكسب وفاء الزبائن

لم تكن قصة نجاح الحاج أحمد في أعماله قائمة على الجودة وحدها بل وشملت مكونات عصرية أخرى لم تتبلور في “علوم” إدارة الأعمال إلا لاحقاً. فها هو يُثبت من خلال “الممارسات الفضلى” (Best Practices) التي كان يطبقها مع زبائنه أنه كان رائداً في التطبيق الفطري لتيارات عصرية في التسويق وخدمة الزبائن لم تظهر في الأدبيات إلا في بدايات القرن الحالي كتيار “الزّبننة” (Customization) الذي يقضي بتحقيق كل ما من شأنه تفصيل المنتج أو الخدمة وفق رغبات الزبون وتقريبهما من ذوقه واحتياجاته، وتيار المسؤولية الاجتماعية للشركات Corporate Social Responsibility (CSR)، ذلك النشاط الطوعي الجانبي الذي يظهر حرص رب العمل على إحداث تأثير اجتماعي/اقتصادي/بيئي إيجابي من خلال ممارسته لأنشطة “أخرى” لصالح زبائنه ومجتمعه.

شارع رئيسي في منبج الحديثة

بالفعل، كان الحاج أحمد بارعاً في فنون التسويق وكسب الرضاء التسوّقي والاجتماعي للزبائن، فلطالما حرص بأسلوب عمله على أن يثبت للزبون، في كل زيارة يقوم بها للدكان، أنه، أي الزبون، “ملك” حقاً (Customer is King):

  • مَلِكٌ إذا ما رغب في “تفصيل” ثوب له (كصيرة) على مقاسه ومزاجه فيُستدعى له الخياط إلى الدكان ليأخذ مقاساته “ميدانياً” ويرشده إلى القماش والزي المناسبين، وعدد الأمتار اللازمة بدقة لتجنيبه الهدر، وليطمئنه عن موعد جهوزية الثوب (الذي لا يتجاوز اليوم التالي، إن لم يكن في ذات اليوم).
  • ومَلِكٌ عندما يجد في هذه الدكان أفضل خدمة بريدية لتلقّي الرسائل من ابنه المجنّد الذي “سيق” لتأدية الخدمة الإلزامية، والإجابة عليها، حيث لا رسائل كانت تصل إلى القرى. كم كنت أفخر بذلك الدور “الاجتماعي – المعرفي” الذي كنت أؤديه خلال دراستي الإعدادية والثانوية؟ … دور القارئ “المحلّف” للرسائل الواردة من الابن العسكري أمام أهله الأميين، المتلهفين لسماع أخباره، ودور المدون المحلف للرسائل الجوابية التي كنت أسطّرها (في الزمن الحقيقي) فور قراءة الرسالة الواردة أمام الأهل، امتثالاً لتلك “الكليشيه” الممهورة على ظهر الظرف الخاص بالرسالة الواردة، والتي تقول: “الجواب قبل فتح الكتاب”! كانت هذه الكليشيه تظهر على غالبية الرسائل الواردة من العساكر في القطعات لتعبر أصدق تعبير عما كان يجول في خاطر هؤلاء في غربتهم القسرية، على الرغم من أنها كانت تكتب من قبل متطوع مثلي من الطرف الآخر.
  • وملكٌ أيضاً، عندما يهمّ الأب بتزويج ابنه الشاب الذي أنهى خدمته الإلزامية وتحول من عسكري إلى “جاهل” (وهي الصفة التي كانت تطلق على الشاب الأعزب الذي يصبح جاهزاً للزواج). فبعد أن يجمع الأب “السياق” (أي المهر) ويسوقه على بنت الحلال (أي يدفعه إلى والد البنت) يأتي استحقاق “الذهاب” (أي كسوة العروس وأهلها) وهنا تُستنفر الدكان بأكملها وتنتشر النساء (العروس ووالدتها وأخواتها) داخل الدكان، حيث لا صوت يعلو بعدئذ على صوت “الذهاب” الذي يمكن أن يستغرق يوماً أو يومين، وهنا يأتي الدور المفصلي للحاج أحمد في حلّ معادلة الذهاب الصعبة: اقتراح تشكيلة “عرائسية” تنال إعجاب العروس وأهلها الحالمين بذهاب “خارق” وتحظى في ذات الوقت بقبول “مالي” من والد العريس الذي سيتحمّل كلفة هذا “الذهاب” وهو الذي لم يكد يصحو بعد من آثار “السياق” الذي أرهق كاهله. كم شهدت من ذهابات تعثّرت وتخللتها مشاحنات ونوبات “حَرَد” شديدة من العروس وأهلها كادت أن تطيح بمشروع الزواج بأكمله لولا “وساطة” وحكمة الحاج أحمد، وقدرته على استيعاب الطرفين وإيجاد الحلول “السياسية” الوسط بينهما، معتمداً على الإقناع وقوة “الإغراء” لأصناف الأقمشة العرائسية الممثلة لآخر الصيحات في عالم الموضة الخاصة بحرائر الريف في ذلك الزمن. أذكر من تلك الأقمشة أسماءً تتحدث عن نفسها مثل “السوكو سوكو” و “كاشف الحيا” الشفاف و “شعر صباح” و “انت عمري”…  هذا بالإضافة إلى المستلزمات التقليدية الثابتة كثوب الغديفة (القطيفة أو المخمل) والشيفون، والدرّاعة المزركشة (البالطو الريفي)، وصولاً إلى الغوازي الذهبية (من منا لا يتذكر أغنية الفنان ياسين محمود “بيش الغوازي يمّا ليلة..”؟)  
  • أما في الأتراح فكان للزبننة اعتبار آخر وللزبون مكانة خاصة. فعندما تحصل وفيّة ما في عائلة لزبون، تكون الدكان تحت التصرف وجاهزة لتفتح أبوابها في أي وقت بناء على الطلب لتجهيز الكفن وتوابعه. أذكر دائماً، عندما كان جرس بيتنا يُقرع عند الفجر أو في أي وقت غير عادي، كنا نعلم فوراً أن طالب كفن قد حضر ويودّ تدبيره والعودة سريعاً لاستكمال الإجراءات … 
  • وكان للزبائن القاطنين في قلب البلد زبننة أخرى تراعي خصوصياتهم وتقاليدهم، زبننة تضمنت تخصيص أوقات تبضّع نسائية مراعاةً للطابع الذكوري للسوق حيث كانت الحرائر المنبجية من عرب وشركس تأتي بعد العصر أو مساءً للتسوق والاطلاع على الأقمشة العصرية المواكبة للموضة، بمجرد أن تسمع بوصول دفعة جديدة منها. وكانت تشكيلات البوبلين والكرنيش والموسلين واللينو والبيكيل والتركال والمخمل والجوخ سرعان ما تجد طريقها إلى أمهر الخياطات الشركسيات التي كانت تشكل كل واحدة منها تشكل، بإبداعاتها المتميزة، دار أزياء قائمة بذاتها. 
صورة تعبر عن “موزاييك” المجتمع المنبجي، وتبدو فيها بعض الشخصيات بالزي العربي والشركسي، ومن بينهم الحاج أحمد (الإطار الأحمر) . المناسبة غير معروفة، ويبدو أنها لاستقبال الضيف الذي يبدو في الوسط

إشعاع اجتماعي …

كان لا يألو جهداً لزيارة الزبائن في ديارهم، وبخاصة بعد اقتناء سيارة الميكرو “الفوكس” التي كانت تستخدم لنقل البضائع من حلب وإجراء زيارات “ميدانية” إلى القرى لمراجعة بعض الديون القديمة واصطحاب بعضاً من منتجاتهم (كالسمن والجبن) التي بدأت تسوّق في الدكان بعد أن توسّعت الأعمال فيها لتشمل هذه الأصناف. كانت الفرحة تعم أهل القرية ما أن يتبين لهم أن السيارة القادمة من بعيد هي سيارة الحاج أحمد، ولهذه الفرحة قصة طريفة كان أخي الحاج رضوان (الذي اعتاد أن يقود السيارة) يرويها لنا. ذلك لأن فترة اقتناء السيارة والقيام بالجولات الميدانية (أواخر السبعينات وطوال عقد الثمانينات) تزامنت مع استعار الحرب الأهلية اللبنانية، التي وصلت بالوحشية والعنصرية إلى حد تصفية العديد من العمال السوريين (على الهوية) الذين كانوا يعملون هناك، والعديد منهم من ريف منبج، حيث لم تكد تخلو قرية من أبناء لها ذهبوا للعمل في “بيروت”. وكان إن حلت المصيبة واستشهد واحد منهم، فيؤتى بجثمانه في سيارة دفن الموتى التي كانت تشبه بموديلها ولونها سيارة والدي. فما أن يدرك أهل القرية من بعيد أن ثمة سيارة ميكرو بهذه المواصفات قادمة إلى القرية حتى يدب الهلع في قلوبهم ويشرعوا بالدعاء إلى الله ألا تكون هذه إحدى سيارات دفن الموتى. وما أن يكشف أحدهم أنها سيارة الحاج أحمد حتى يزف الخبر منادياً بأعلى صوته: “وَلي لا تخافوووون… هادا حاج أحمد … هادا حاج أحمد…” فتهدأ القلوب وتنفرج الأسارير ويُستقبل الحاج أحمد مع ابنه الحاج رضوان أحسن استقبال.           

إشعاع معرفي وثقافي …

كان الحاج أحمد، الذي لم يتجاوز في تحصيله المدرسي الصف الثالث الابتدائي، قطب إشعاع ثقافي وإعلامي في الدكان والمنزل انطلاقاً من عشقه للثقافة وحرصه على إيصالها إلى زبائنه وأبناء بلدته كنوع من “المسؤولية الاجتماعية” تجاههم. لم يكن له شبيه في البلدة (وربما في حلب) من حيث عدد الصحف والمجلات التي كان مشتركاً بها. كانت الصحف اليومية الدمشقية تصل إلى الدكان يومياً بالبريد (كالعلم والقبس والمنار) لتُقرأ وتوضع بتصرف من يرغب بمطالعتها من أهل السوق أو الزبائن. أما “الأدسم” فكان ُيؤتى به من حلب حيث الاشتراك الكبير عند “الكيالي”، المتعهد الرئيسي لتوزيع الصحف والمجلات (عند عوجة الكيالي). ففي مساء كل خميس، وما أن ينتهي “المشقشق” من “الاستقماش” والتبضّع في خان الجمرك، حتى يسارع لعند “الكيالي” ليتسلّم منه الذخيرة التي تجمّعت له من الصحف والمجلات المصرية المشترك بها: الأخبار – أخبار اليوم – المصوَّر – الهلال – المختار (النسخة العربية من ريدرز دايجست)، ولاحقاً، “العربي” الكويتية. حتى أنني عثرت في قبو البيت على “كنز” كان عبارة عن أرشيف كامل لمجلة “المقتطف” العلمية الشهرية (لمؤسسها يعقوب صروف) يغطي سنوات الثلاثينات وحتى توقفها عن الصدور عام ١٩٥٢! كان لي خلال مرحلتَيْ الدراسة الإعدادية والثانوية شرف تنسيق الإعارة لأصدقاء الثقافة في البلد، وعلى رأسهم أديب منبج وشاعرها الأستاذ محمد منلا غزيّل رحمه الله، الذي كان من أشد المدمنين على مخزوننا من الصحف والمجلات، القديم منها والجديد.

ولم يكن الإشعاع الثقافي للحاج أحمد ليقتصر على الصحف والمجلات، بل وتعدّاها إلى الأخبار الإذاعية اليومية، يوم عزّت مصادرها (أيام الحرب العالمية الثانية) وعزّت وسائل إيصالها. كان جهاز الراديو “الزينيت” الذي اقتناه والدي، والوحيد في البلد، يوضع كل مساء بتصرف الضيوف في أرض “الحوش” في منزلنا ليتمكن الجميع من سماع أخبار الحرب من إذاعة لندن “الشرق الأدنى في ذلك الوقت”. كان إخوتي الأكبر سناً يروون لي عناءهم في تأدية مهمتهم اليومية المتضمنة نقل البطارية الضخمة المخصصة لتشغيل الراديو إلى “الطاحونة” لشحنها وإعادتها عصراً إلى الحوش تحضيراً لجلسة المساء.

تعلّم سريع من الأخطاء

كان سريع التعلم من الأخطاء، واستنتاج الدروس والعبر منها، دون أن يستسلم للفشل. أراد أن يوسّع أعماله فانقاد وراء موجة زراعة القطن التي اجتاحت منطقة الفرات والجزيرة في سنوات الخمسينات بعد أن أقنعه شريك في المنطقة بإنشاء مشروع مشترك في منطقة “الزّور” على نهر الفرات استثمر الوالد فيه كل ما لزم من آليات لضخ المياه من الفرات والسقاية والحراثة لكن الرياح لم تجر بما اشتهته السفينة فوقع المشروع في غضون سنوات قليلة، ومعه الدكان، في أزمة مالية خانقة بعد أن ازدادت الأعباء وغرق جرار “البولندر السويدي” في الفرات فما كان من والدي إلا أن صوّب المسار بالتخلّي عن المشروع والتفرغ ثانية إلى دكانه مستخلصاً حكمة مفادها “كثرة الكارات تعني قلة البارات” وظل يرددها كتحذير لكلّ من يفكر في تنويع أعماله وبعثرتها، ولطالما كان يصف كل من تورط بأنه “كتير الكارات قليل البارات…”.

وعشق شديد للتكنولوجيا …

كان عاشقاً للتكنولوجيا، رائداً في التفاعل معها ونقلها وتوطينها… ولطالما حدثنا وبدعابة عن “الطفرة” التي أحدثتها أول تكنولوجيا “حديثة” أدخلها إلى المنزل، ألا وهي خرطوم الماء (النربيج) والقفزة النوعية التي أحدثها في آلية إيصال الماء من الحنفية إلى نقطة بعيدة عنها، واصفاً لنا ردّة فعل السيدة التي كانت تساعد والدتي في غسل الملابس عندما رأت الخرطوم لأول مرة وأدركت مبدأ عمله وإلى أي حد سيريحها من عناء نقل الماء بالسطل وصبّه في “لَقْن الغسيل” الموضوع على “الببّور” للتسخين فما كان منها إلا أن صاحت مهللة: “يا سبحان الله… هالكفار (في إشارة إلى مبتكري الخرطوم) اش يطلع معاهم!”… لم يتسنى لهذه السيدة الفاضلة وللأسف أن تشهد، قبل أن ترحل إلى جوار ربها، وصول الكهرباء إلى منبج في بداية الخمسينات واقتناء والدي لتلك الغسالة الكهربائية المجهزة بعصّارة آلية علوية، فماذا كان يمكن يومها أن تكون ردة فعلها؟

وعلى الرغم من تعلقه بالتكنولوجيا وحرصه على أن يكون سباقاً في اقتناء ما يستجد منها، إلا أنه كان دائم التوجّس من الأخطار الناتجة عن سوء استخدامها. لم يكن ليقبل بإدخال تكنولوجيا “البوتغاز” كبديل لـ “ببور الكاز” إلا بعد أن تأكد من استيعاب جميع أفراد العائلة عن ظهر قلب للتعليمات الخاصة بأمان التشغيل لهذا الطباخ “الصديق للبيئة”: إشعال عود الكبريت أولاً وقبل فتح الغاز، وليس العكس، مع عدم نسيان إغلاق الجرّة بعد كل استخدام. وكان يطلب من كل من كان يلح بالإسراع في شراء البوتغاز (وبخاصة والدتي رحمها الله) أن يردد أمامه تعليمات الأمان هذه.

كان شديد المتابعة للأخبار العلمية ودائم التحدث عنها في المجالس، وبمتعة شديدة. حفظتُ عنه منذ طفولتي قصصاً عديدة لاختراقات واكتشافات علمية، من رحلات المناطيد بين لندن وباريس إلى اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام ١٩٢٢ في وادي الملوك من قبل عالم الأثار البريطاني هوارد كارتر، والضجة الإعلامية الواسعة التي أحدثها هذا الاكتشاف مع أن والدي كان آنذاك في العشرين من عمره لكن حرصه على مواكبة الأحداث جعلت منه “شاهداً على العصر” بامتياز…

وطبيعي أن يكون هذا العاشق للعلم والمعرفة حريصاً على بناء قدراتنا المعرفية والمهنية، كلٌّ وفق ميوله. اختار أكثرَنا موهبة وميلاً للتجارة وحباً للعمل في الدكان ليكون ساعده الأيمن ويحمل المشعل عنه لاحقاً فكان شقيقي الحاج رضوان (أبو أحمد) نِعم الاختيار؛ أبلى في الدكان أحسن بلاء مثبتاً مقولة “فرخ البط عوّام” حيث كان “عوّاماً” بامتياز، ورث علامة “الحاج أحمد” التجارية فأحسن صيانتها وابتكر فيها تاركاً بصماته النوعية عليها إلى أن تقاعد وتقاعدت معه الدكان، قبل أن يحل الكابوس البغيض على منبج الحبيبة.

أدت هذه الدكان رسالتها بجهود الحاج أحمد ومعه الحاج رضوان، وكانت بالنسبة لنا، نحن البقية، مصدراً لتمويل تحصيلنا العلمي، حتى في الأيام العجاف: حوالات شهرية كانت تُرسل لمن شدّ الرحال إلى ألمانيا لتلقي العلم والتخصص، وبيت للدراسة فُتح في حلب لمن اختار إكمال دراسته في جامعة حلب، وأنا منهم.

أحمد الله دائماً أنني تمكنت، قبل أن ينتقل الوالد إلى جوار ربه عام ١٩٩٥، من اطلاعه على آخر مستجدات التكنولوجيا في ذاك الزمن عندما عدت من رحلة البحث العلمي في أمريكا عام ١٩٩٢ مدججاً بأول حاسوب شخصي اقتنيته، وكان له من المزايا والمواصفات ما مكنني من الاستفاضة في اطلاعه على ملامح الثورة المعلوماتية الجديدة والقادمة، وأنا أذكّره من حين لآخر بالتكنولوجيا الأولى التي كان رائداً في اقتنائها، تكنولوجيا الخرطوم…

الصورة الرئيسية مأخوذة من موسوعة وثائقيات منبج: https://mnbij.wordpress.com/2017/08/01/منبج-في-زمن-مضى/

استقلالية الجامعات: ما لها وما عليها

روى ” Sansom Melton” في كتابه الصادر مؤخراً: “التعليم العالي والتعافي بعد الصراع” Higher Education and Post-Conflict Recovery، روى الحادثة التالية في محفل الحديث عن حَوْكَمة الجامعات في الدول الخارجة من الحروب:

في اجتماع تم في بغداد وجمع رؤساء الجامعات العراقية منتصف العام 2003 بناءً على دعوة من “أندرو إيردمان”، المستشار العلمي للمندوب السامي الأمريكي سيء السمعة “بول بريمر”، صاحب القرار الشهير بحل الجيش العراقي عندما كان مشرفاً على “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قام إيردمان بإبلاغ رؤساء الجامعات الحكومية “أن جامعاتهم سوف تصبح مستقلة تماما وتتحكم لوحدها في تعيين الأساتذة وقبول الطلاب، وأن وزارة التعليم العالي العراقية سوف تُحلّ، وأن هذا هو النظام المعمول به في الجامعات العالمية الرائدة في الولايات المتحدة حيث لا وجود لوزارة تعليم عالي فيدرالية (علماً أن هذا الادعاء ليس دقيقاً حيث يوجد في أمريكا ما يسمى بـ  US Department of Education يُعنى بجميع مستويات التعليم واستراتيجياته، بما في ذلك الجامعات لكنه يحترم استقلاليتها)، وبالتالي فإن من المتوقع للجامعات العراقية، إن قبلت بهذا العرض، أن تزدهر في ظل ذات الظروف”. لكن النتيجة كانت أن رفض رؤساء الجامعات هذا الإجراء بإجماع وإصرار، مشيرين إلى أن الجامعات العراقية تفتقر بأكملها إلى الكفاءة والخبرة للقيام بهذا الدور الجديد، وأنه ينبغي الحفاظ على الوزارة، أسوة بباقي الدول العربية”.

لقد أراد المؤلف في روايته لهذه الحادثة أن يوجّه رسالتين أساسيتين: أولهما، أن استقلالية الجامعات، على الرغم من كونها قيمة متجذرة في أنظمة التعليم العالي المتقدمة، وبخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتشكل توجهاً “لا مركزياً” مغرياً في فترات ما بعد الحرب، إلا أن تطبيقها “غير المقيد” في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات من شأنه أن يؤدي إلى تشظي القطّاع بأكمله ويمكن أن يؤثر على سمعة واعتمادية الشهادات الصادرة عن هذه الجامعات، ويؤدي بالتالي إلى نتائج عكسية كما حصل تماماً في البوسنة التي “تورطت” في تبني النموذج الأنجلو – أمريكي في حَوْكَمة الجامعات، والذي كان قد فُرِض عليها من قبل الجهات الغربية المانحة. وثاني هذه الرسائل أن منح الاستقلالية للجامعات في بيئة اعتادت على مركزية القرار لا يتم باستنساخ نماذج عالمية وتطبيقها بين ليلة وضحاها، بل يحتاج أولاً إلى مرحلة “إعادة تأهيل” وإنضاج داخل النسيج الأكاديمي، وإلى مقومات نجاح أقلها تأمين بيئة تمكينية، مادية وتشريعية وذهنية، مواتية لخصوصيات البلد واحتياجاته التنموية. 

ما الذي يعنيه استقلال الجامعات؟

تشير الأدبيات الموصّفة للتوجه العالمي نحو استقلال الجامعات إلى أن هذا الاستقلال يتعلق بشكل أساسي بالبنية الإدارية والمالية للجامعات وهيكليتها، والعلاقات التي تربطها بالدولة وقوى المجتمع، ويرتكز بالتالي على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: الاستقلال الإداري والهيكلي: أن تختار الجامعة الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسنّ القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية.
  • أما الركيزة الثانية فهي الاستقلال المالي: أن يكون للجامعة مصادرها المالية الخاصة التي يأتي جزء منها من التمويل الحكومي وفقاً لمعايير محددة، وجزء من القطاع الخاص والأهلي والوقف والهبات الخيرية، بالإضافة إلى ما يأتي من الموارد الذاتية والخدمات التي تقدمها الجامعة للمجتمع. وللجامعة الحرية في تحديد أولوياتها في الصرف وتوزيع تلك المبالغ في ظل المساءلة والشفافية التامة من قبل الجهات الرقابية، دون تدخل في مواطن وسياسات الصرف.

ولعل الأهمية الفائقة لهاتين الركيزتين تكمن في أنهما يضمنان المناخ الملائم لاستقلال مكمّل من نوع آخر، يعبّر عنه بما يعرف بالحرية الأكاديمية: أن يتمتع منتسبو المؤسسة الأكاديمية (طلاب وأساتذة وباحثون) بالحرية في تداول المعرفة من خلال التدريس والبحث والنقاش والابتكار والنشر للمعرفة والمعلومات التي بين أيديهم دون حواجز أو قيود سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. وبالرغم من أن الحرية الأكاديمية لا تنفصل عن حرية الإنسان وحقه في التعليم والتعلم والتعبير عن الرأي ونشر المعرفة، إلا أنها تتمايز، بحكم ارتباطها بالفضاء الأكاديمي، بحساسية خاصة ودور بالغ التأثير كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات وبدورها التنموي والتنويري الهادف إلى إحداث التغيير المجتمعي المنشود، إذ ليس هناك من مجتمع استطاع أن يتطور بشكل ملموس وكانت الحريات الأكاديمية فيه مقموعة. يقول اينشتاين في مفهومه للحرية الأكاديمية: “أفهم من الحرية الأكاديمية ذلك الحق في البحث عن الحقيقة ونشر وتعليم ما يعتقده المرء أنه حقيقة”، ويضيف قائلاً: “لكن هذا الحق ينطوي على واجب أيضًا: ألا يخفي المرء أي جزء من هذه الحقيقة، حيث من الواضح أن أي تقييد على الحرية الأكاديمية سيؤدي إلى إعاقة نشر المعرفة بين الناس أو تشويهها، وبالتالي إعاقة منظومة التفكير والعمل الوطنيين”.

ما أهمية استقلال الجامعات وما الذي يمكن أن يحمله لجامعاتنا؟

يعدّ استقلال الجامعات معيارًا مؤثرًا في جودة أداء مؤسسات التعليم العالي. وأحد مقومات النجاح الأساسية لتعزيز قدراتها الإبداعية والابتكارية، وتأكيد دورها البحثي وتعظيم أثرها المجتمعي. وقد استحوذ هذا الموضوع في الفترة الأخيرة على تركيز كبير تجلّى في الحراك الذي نشأ في الساحة الأكاديمية السورية وبالأخص في شبكات التواصل الاجتماعي، على وقع فقدان جامعاتنا لمواقعها في منظومات التصنيف العالمي، واتضاح ضعف مخرجاتها مقارنة بالمستويات العالمية، إلى درجة أن البعض اعتبر الأسلوب المتبع في حوكمة الجامعات نوعاً من “الوصاية” المفروضة من الوزارة ومجلس التعليم العالي على الجامعات، متخذاً من “انعدام الاستقلالية” أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع المتأصل حتى منذ سنوات ما قبل الأزمة.

من الناحية النظرية، وبغض النظر عن وجود هذه الوصاية من عدمه، فإن الجامعات تحتاج، وبلا أدنى شك، إلى استقلال حقيقي عن جميع السلطات الموجودة خارجها لتخلد إلى بناء منظوماتها الأكاديمية والإدارية، وتتمكن من إعمالها وفقاً لما تمليه عليها الخبرة والمهارة والمعرفة القيادية المتوفرة لدى نخبها الأكاديمية، إذ لا يمكن لأية جامعة، حكومية كانت أم خاصة، ان تنطلق في تحقيق رسالتها وتميّزها، ولا أن تساهم في التنمية الحقيقية وإبداء الرأي العلمي المتخصص إن لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي، والحرية الأكاديمية، بعيداً عن كل أنواع الضغوطات.

في منظومات التعليم العالي “الفاضلة”، تَعِد الاستقلالية الجامعات بتحقيق جوّ من الإبداع والابتكار بداخلها، والمنافسة فيما بينها، وتوفير فرص التميز والتفرد في مجال علمي أو أكثر، مما يوفر لها إمكانية الانعتاق من النمطية واستنساخ البرامج، والانتقال إلى التنوّعية والتخصصية عبر جامعات ذات هوية واضحة، كجامعات العلوم والتكنولوجيا والجامعات الطبية والجامعات الهندسية والتطبيقية والجامعات البحثية وغيرها، الأمر الذي من شأنه التأثير إيجابياً في تشكيل وتلبية سوق العمل المحلي وتوجيه التنمية على المستوى المحلي والوطني نحو مجالات جديدة ومبتكرة.

هذا بالإضافة إلى أن توفير الحرية الأكاديمية المسؤولة والمنضبطة بوجهها الصحيح من شأنه أن يوجه أنظار الدولة والمجتمع إلى المعنى الحقيقي للحرية الاكاديمية، الذي يتعلق بشكل أساسي بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات، والمرتبطة بحرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منها (أي الحرية الأكاديمية) حفازاً (Catalyst) للتماسك المجتمعي ومحركاً للسلم الأهلي عوضا عن بقائها “تابوهاً” مرتبطاً بقضايا الحريات السياسية الأخرى.

هل الاستقلالية بعيدة المنال عن جامعاتنا؟ وما المعيقات والتحديات؟

من المفيد أولاً تلمس ما يفصل جامعاتنا عن هذه الاستقلالية، وما المطلوب عمله لإعادة تأهيلها باتجاه الاستقلالية إذا ما أريد نفخ الروح في الجسم الأكاديمي وتمكين جامعاتنا من تأدية دورها المرتقب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد. ثمة حقائق واعتبارات أساسية يتوجب إدراكها أولاً، كمنطلقات أولية:

  • أن استقلالية الجامعات ليست مجرد رغبة أو شعار يتم رفعه، إنما هي إرادة وتنظيم وممارسة تحفظها ضمانات وضوابط، كما أنها ليست مطلقة من دون حدود، فلها ما لها وعليها ما عليها.
  • أن استقلالية الجامعات، وما يمكن أن توفره من حرية أكاديمية، لم تكن يوماً، ولا في أي دولة، هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف الجامعات في البحث والتعليم والمشاركة المجتمعية.
  • وأن الحرية الأكاديمية بالذات تُمثِّل في حقيقتها جملة من الحقوق والواجبات التي تحتّم على الأكاديميين تحمل المسؤولية نحو جامعاتهم ومجتمعاتهم، وقبول المساءلة في حال الإخلال بثوابت المجتمع وقيمه.
  • ليس هناك من استقلالية إدارية أو مالية أو أكاديمية مطلقة، ولا بد بالتالي من جسم مركزي يؤدي دور “البوصلة” على المستوى الوطني (وزارة و/أو مجلس للتعليم العالي) ويتولى رسم السياسات والتوجهات الاستراتيجية الوطنية بالتوازي مع ضمان ما يلزم من استقلالية وحرية أكاديمية.

ولعل الإطار الذي رسمته منظمة اليونسكو في المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته عام ١٩٩٨ حول استقلال الجامعات والحرية الأكاديمية يعبر أحسن تعبير عن الهواجس التي لا زالت ترافق استقلالية الجامعات حيث كان من أهم التوصيات الواردة في وثيقة العمل الصادرة عنه، تلك التي تقول: “يجب أن يتم تأطير استقلال مؤسسات التعليم العالي، وأن يقترن هذا الاستقلال بمستوى رفيع من المسؤولية والخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية، مع إفساح أكبر قدر ممكن من المشاركة أمام الطلاب والمدرسين في عملية اتخاذ القرارات”.

وبالعودة إلى جامعاتنا نجد أنه، وبالرغم من أن القوانين الناظمة لحوكمتها (قانون تنظيم الجامعات لعام ٢٠٠٦ ولائحته التنظيمية، والتعديلات الطارئة عليهما) تحمل في نصوصها بعضاً من نفحات الاستقلالية حيث نصت المادة (١٠) من هذا القانون على أن “الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكل منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي على الوجه المبين في هذا القانون ولائحته التنفيذية، وترتبط بالوزير ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة التنفيذية”، إلا أن ‏ثمة أمور هيكلية متأصلة في صلب هذا القانون ومتمثلة بـ “شيطان التفاصيل”، بالإضافة إلى قصور في آليات التطبيق وضعف القدرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي، جميعها لا زالت تحول دون تمتّع  الجامعات بالحد الأدنى من الاستقلالية اللازمة لانطلاقها نحو آفاق رحبة من الإنجاز والتميز والمشاركة الفعالة في تحقيق التنمية لهذا الوطن الغالي. من أهم هذه المعوقات التي تحتاج إلى وقفة مراجعة: 

  1. تمركز السلطة والقرار في يد مجلس التعليم العالي، مما جعله يقوم بأدوار متعددة، تشريعية وتنفيذية ورقابية في آن واحد وهذا من شأنه أن يخلق تضارباً في المصالح، فالجهات المرخِّصة والمشرِّعة للجامعات لا يجوز لها، وفقاً للممارسات العالمية الفضلى (Best Practices) للجودة والحوكمة الرشيدة للجامعات (الحكومية والخاصة)، أن تقوم بعملية الرقابة والتقييم ناهيك عن عمليات اتخاذ العقوبات وفرضها (في الجامعات الخاصة) كإيقاف للبرامج أو تجميد لقبول الطلبة، الخ، في الوقت الذي من المفترض أن تقوم بهذه الأدوار، من مراقبة ومراجعة وتقويم للجامعات،هيئات وطنية مستقلة ومحايدة (هيئات ضمان جودة التعليم)، وأن تكون التقارير الصادرة عن هذه الهيئات محصنة من جميع أنواع التدخلات، وتكون قراراتها ملزمة لمجلس التعليم العالي.
  2. إخضاع الفئات العاملة في الجامعات، وبخاصة أعضاء الهيئة التعليمية لأنظمة الوظيفة العامة وآلياتها، مما يقيد من حريتها من حيث الهيكلة والتعيينات والرواتب والترفيعات، ويخضعها لذات القوانين السائدة في وزارات الدولة وأجهزتها، تلك القوانين التي تختلف في مهامها ووظيفتها وطبيعة عملها عن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تتمتع بما يكفي من خصوصية وأدوار تعليمية وبحثية وتنموية عديدة تستدعي الانفراد بأنظمة تراعي خصوصيتها وتمكنها من تحقيق أدوارها. تحتاج هذه الأدوار إلى مرونة وحرية في الحركة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس متميزين في تخصصاتهم وإنعاش الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار وتطوير مواردهما.
  3. ربط ميزانيات الجامعات بوزارة المالية، مما يفقدها حرية التصرف بمواردها الذاتية ويجعل الصرف تحت شروط وأنظمة وقوانين تحدّ إلى درجة كبيرة من الاستقلال المالي للجامعات (بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بآليات وبنود الصرف على البحث العلمي) وتفقدها الحماسة والدافعية نحو تحصيل المزيد من الموارد الذاتية المستقلة عن مخصصات الدولة.
  4. معيقات متأصلة في الثقافة والذهنية التي تميل إلى مقاومة التغيير: ثمة خوف من التغيير لدى البعض على الرغم من المناداة المتنامية بالاستقلالية من قبل البعض الآخر. ربما تعود أسباب هذا التخوف إلى عدم القدرة على نقد نظام الحوكمة الحالي، أو أن البعض يرى أن هذا المفهوم وإن كان ناجحًا في الدول المتقدمة، إلا أنه غير مضمون النجاح في البيئات الشمولية، وبالتالي من الأفضل المحافظة على الوضع الحالي وتركه يسير وفق مبدأ (Business as Usual) خوفًا من المجهول، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، أو استمراءً لثقافة الممالأة الأكاديمية والثقافية.

ما العمل إذاً؟

لسنا بصدد رسم خارطة طريق شاملة نحو الاستقلالية والحرية الأكاديمية لكن من المفيد أن نتلمس بعض الخطوط الإرشادية (Guidelines) والمنطلقات الأساسية لوضع الجامعات على طريق الاستقلالية بشكلها الجزئي المتدرج، بأمل أن تشكل هذه الخطوط والمنطلقات العمود الفقري لأي برنامج إصلاحي شامل يسعى من ضمن أهدافه الرئيسة إلى تحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عبر ردم ما أمكن من الفجوة التي تفصل جامعاتنا عن ذلك الإطار الاستقلالي “المثالي”:

  • يُعدّ التوجه نحو الاستقلالية الجزئية المتدرجة أحد الحلول الناجعة حيث يتم تطبيق الاستقلالية بشكل متدرج على مجموعة مختارة من الجامعات بعد أن تثبت “أهليتها” للاستقلالية من خلال تحقيق معايير الجودة من قبل هيئة وطنية مستقلة لضمان الجودة والاعتماد تتبنى الأساليب الحديثة للاعتماد المؤسسي والأكاديمي.
  • في هذه المرحلة الأولى يتم التركيز على الاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وذلك لصعوبة الاستقلال المالي في هذه المرحلة. كما ويجب أن يتم في هذه المرحلة:
    • إطلاق حرية الجامعات في وضع الرؤى الاستراتيجية والخطط المستقبلية فيما يخص اختيار نموذجها التعليمي والبحثي وآليةتمويله بما يضمن تحقيقها لأهداف التميز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام في إنتاج ونشر المعرفة.
    • تبنى الجامعات لمبادئ التوجه الاستراتيجي وقيامها، من خلال معايير الحوكمة وإشراك فئات المجتمع الأكاديمي، باتخاذ القرارات الخاصة بوضع السياسات العامة للجامعة، وخطط تمويلها.
    • توفير مرونة عالية للجامعات في استحداث اللوائح والأنظمة الداعمة للتميز والإبداع ودعم البحث العلمي الرصين وتحفيز المبدعين عن طريق تبني النظام التعاقدي مع موظفيها، واستحداث سلالم رواتب ومزايا منافسة، وإعادة هيكلة للتخصصات بما يلبي متطلبات التنمية ويخدم التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
    • الاهتمام بتنمية الموارد المالية للوصول إلى الاستقلالية الشاملة. يحتاج ذلك إلى دعم الدولة في المرحلة الحالية من خلال التشجيع والمساعدة على إنشاء محافظ استثمارية في الجامعات ودعمها ماليا وتنظيميا لتكون الممول لهذه الجامعات في المستقبل (بالإضافة إلى المساهمات الخيرية والوقف الجامعي)، وترسيخ فلسفة التشغيل الذاتي للجامعات وتنمية الحس الاستثماري فيها.
  • و للانطلاق فيما سبق، يتطلب الأمر إعادة النظر في الإطار المؤسسي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث المكونات وتوزيع الأدوار وعملية اتخاذ القرار الأكاديمي والبحثي والخدمي المجتمعي، وذلك في ضوء مراجعة شاملة لقانون تنظيم الجامعات والدور المنوط بمجلس التعليم العالي.
  • كما يتطلب الأمر العمل على بناء القدرات لتوفير الكفاءة الإدارية والأكاديمية القادرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي ضمن نظام محاسبي ورقابي دقيق، بما يضمن دفع الاستقلالية إلى النجاح.