وفي الليلة الظلماء يفتقد الابتكار …

عندما يُطبِقُ الحصار وتشتد الأزمات الاقتصادية والمعيشية ينتظر المجتمع مبادرات وحلولاً مبتكرة تأتي من رحم المعاناة، من “خارج الصندوق”، يتبناها رواد أعمال اجتماعيون وتنفّذ في بيئة أعمال جديدة يغلب عليها الطابع الاجتماعي التنموي والإنساني….

هكذا منطق الأمور… والأدبيات تزخر بقصص النجاح المعبرة عن هذا المنطق…

هل أتاكم حديث “بنك الفقراء” الذي نجح في مساعدة الملايين على الخروج من مظلة الفقر في بنغلاديش على يد مؤسسه رائد الأعمال الاقتصادي الاجتماعي، الدكتور محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006 تقديراً لجهوده في تحقيق هذا المشروع المبتكر؟

كان ذلك عام 1974 عندما اشتد الفقر واجتاحت بنغلادش (باكستان الشرقية سابقاً) مجاعة ذهب ضحيتها ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان، وكان الدكتور يونس آنذاك قد عُيِّن رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج في بنغلاديش بعد عودته من تحضير الدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية.

وبسبب هذا الوضع المتفاقم في بلاده، مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، مما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، لكنه بقي مصمماً على فكرته، وأن الفقراء جديرون بالاقتراض، واستطاع في عام 1979 أن يؤسس بنكاً مبتكراً لإقراضهم فكانت النتيجة أن قدم البنك منذ تأسيسه حتى العام المنصرم نحو 11 مليون قرض، وصلت نسبة تسديدها إلى 99٪!

تعتمد فكرة هذا البنك المسمى بنك غرامين Grameen Bank (وتعني القرية باللغة البنغلادشية) على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها نساء، وتقوم فلسفته المبتكرة على أن الائتمان يجب أن يُقبل كحق من حقوق الإنسان، وعلى أساسه يكون للشخص الذي لا يملك شيئا الأولوية في الحصول على قرض. فمنهجية غرامين في الإقراض لم تتأسس إذاً على تقييم الملكية المادية للفرد، وإنما على الدافعية التي يملكها، فبنك غرامين يعتقد أن كل البشر بمن فيهم الأكثر فقرا موهوبون ويملكون دافعية لا حدود لها. يعطي البنك الأولوية للنساء اللاتي يشكلن اليوم ما نسبته 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن في أسرهن بإعطائهن القدرة على التملك. يتعامل البنك اليوم مع سبعة ملايين شخص في أكثر من 71 ألف قرية حيث تنتشر فروعه في المناطق الريفية، فهو يعمل على أساس أن الفقير لا ينبغي أن يذهب إلى البنك، وإنما على البنك أن يذهب إليه.

وإلى جانب القروض، أطلق البنك مشروعات تنموية شملت التعليم والرعاية الصحية حيث أسس البنك بالتعاون مع اليونسكو في إطار مبادرة التعليم للجميع “مؤسسة غرامين للتعليم” التي تستهدف التعليم المستمر للنساء الفقيرات والأميات من عميلات البنك، ودمجهن اجتماعياً وتحسين نوعية حياتهن من خلال محو أمية القراءة والكتابة والحساب. كما قام بتحسين الوضع الصحي للمجتمع عبر تحسين الحالة الصحية للأسرة، وزراعة الخضراوات. كما يتناول البنك المدخل البيئي والسلوكي في الصحة، مثل بناء المراحيض الصحية، والعمل على شرب الماء النظيف، الخ.

أثبتت الدراسات أن مقترضي غرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من مجمل المقترضين سنويا خارج دائرة الفقر.

ابتكار وريادة أعمال، وبيئة أعمال حاضنة لهما، والكل في ملكوت اجتماعي واحد…

ما رأيناه هو ابتكار من النوع الاجتماعي Social Innovation، اجتماعي في وسائله وغاياته، تَمثَّل بتلك الفكرة غير المألوفة لآلية التمويل المتناهي الصغر Microfinance وبعملية تنظيمه ووضعه بتصرف المهمشين خلافاً للروتين المتعارف عليه في أنظمة الإقراض المتبعة في المصارف التقليدية. قد لا يتسع المجال هنا للتعريف بالابتكار الاجتماعي وطيفه الواسع والمتجدد لكن يكفي القول إنه يتمحور حول تحدي المعايير السائدة وإيجاد حلول جديدة تؤدي إلى تحويل الهياكل والعلاقات الاجتماعية لتصبح أفضل من سابقتها، من خلال تمكين المستفيدين وتحسين وصولهم إلى النفوذ والموارد.

لم يكن لهذا المشروع المبتكَر أن يرى النور لو لم تتوفر له ذهنية وحماسة رواد أعمال اجتماعيين بقيادة الدكتور محمد يونس، فهو الذي أسس البنك وابتدع الفكرة وهيأ لها الموارد (مساهمات محلية بالإضافة إلى منحة من مؤسسة فورد الأمريكية) ووجهها لخدمة أهداف اجتماعية. وكان من الاختراقات الجانبية لهذا المشروع أنه أسس لتنظيمات جديدة سميت لاحقاً بـ “المؤسسات الاجتماعية” Social Enterprise وصفها الدكتور يونس بأنها “مؤسسات لا توزع أرباحاً لمساهميها (Non-dividend)، وتبدو كمزيج لمؤسسة غير حكومية NGO لجهة امتلاكها رسالة اجتماعية محددة، وشركة تجارية Business لجهة استخدامها أدوات وأساليب إدارة الأعمال وقوانين السوق لتحقيق ما يلزم من أرباح لتغطية تكاليفها وتأمين استمراريتها لتحقيق رسالتها.

ازدهرت هذه المؤسسات لاحقاً وبشكل قوي بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث اشتدت الحاجة إلى الابتكارات الاجتماعية ووجد رواد الأعمال الاجتماعيون في هذه التنظيمات بيئة عمل وأعمال مثالية شكلت قطاعا اقتصاديا قائماً بذاته بات يعرف بالقطاع المستقل أو “قطاع المواطن” مشغِّلاته الرئيسية، كما يبينه الشكل أدناه: الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال الاجتماعية والمؤسسات أو الشركات الاجتماعية.

المشغّلات الرئيسية لقطاع الأعمال الاجتماعي
(من دراسة قيد النشر نفذت بالتعاون مع الإسكوا حول المقاربات الجديدة في الابتكار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة)

تجدر الإشارة إلى أن تجربة بنك “الفقراء” أوحت بابتكارات اجتماعية لبنوك أخرى في العالم أُحدثت لأهداف اجتماعية/بيئية متنوعة تصب أغلبها في تنمية المجتمعات المحلية والحد من التهميش وتشجيع الاقتصاد التشاركي، الخ. من هذه البنوك نجد بنوك الوقت (أكثر من 290 بنك في بريطانيا و 200 في الولايات المتحدة) وبنوك الطعام المنتشرة في العالم والتي وزعت لفقراء العالم ما يزيد عن 3 مليارات وجبة (في الولايات المتحدة وحدها يوجد ٢٠٠ فرع لهذا البنك). أما في مصر فقد نتج مؤخراً عن بنك الطعام المصري الذي تأسس منذ العام 2006 ابتكار بنوك أخرى مثل بنك الشفاء المصري وبنك الكساء المصري وبنك الأمل المصري… وفي سورية كان هناك تجربة على مقياس أصغر لابتكار بنك للأقمشة في مدينة السويداء قامت به تحت شعار “نساء يُعِدْن الحياة” مجموعة من النساء للتخفيف من آثار الأزمة في هذه المدينة.  

القطاع البلسم للجرح السوري؟

كم يلزم المجتمع السوري من رواد أعمال ومبتكرين اجتماعيين من عيار محمد يونس لمرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع المكلوم؟  

رواد أعمال اجتماعيون مبدعون يملكون المال أو التمويل ويتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلّاقة في مجال التغيير الاجتماعي….

مستثمرون ورجال أعمال لا يشغلهم المال والربح والمشروعات إلا بقدر ما يؤمّن لهم الاستدامة المالية لمؤسساتهم والأفراد العاملين بها….

وكم يلزمنا من تمكين ومأسسة وإنعاش لهكذا قطاع وهكذا سلطة، قطاع المواطن وسلطة الأفكار والعمل الاجتماعي التشاركي والخلاق؟

سلطة يحمل لواءها رواد اجتماعيون يرفعون شعار المنفعة العامة ويَتْبعون أفكارهم بالعمل الاجتماعي التشاركي والفعال…

 وستبلغ هذه السلطة أسمى مراتب الأداء والإبداع والكفاءة في إبراء الجرح السوري عندما تشرَّع لها بيئة العمل اللازمة ضمن نظام وطني للابتكار يحتل البعد الاجتماعي فيه مكان الصدارة…

هل تعلمون أن في بريطانيا اليوم (وليس بنغلادش) هناك ما يزيد عن 14 ألف شركة اجتماعية تم تأسيسها من قبل المجتمعات المحلية ولخدمتها تحت اسم “الشركات ذات المصلحة المجتمعية” Community Interest Companies (CIC)؟  وهي حالياً في تكاثر مستمر وتبلو بلاءً حسناً في كافة مجالات الخدمة العامة، بعيداً عن سلبيات السوق التقليدية؟

مسؤولية مشتركة وتوجهات مطلوبة …

ضمن هذا الإطار، يتعين على الحكومة أن تضع الأطر والأنظمة القانونية والمالية للشركات الاجتماعية بما يتناسب مع الدور المناط بها في العمل الاجتماعي،

وأن تعمل على بناء الثقافة والوعي حول الابتكار الاجتماعي والشركات الاجتماعية لدى جميع المعنيين بهذا القطاع،

وأن تهيئ المنظومة البيئية Ecosystem اللازمة في سبيل أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع وبين رجال الأعمال، وتمنح هؤلاء ثقتها وما يحتاجونه من تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي،

وعلى أصحاب الشركات والاستثمارات أن يستشعروا دورهم في المشاركة المجتمعية والمسؤولية تجاه تنمية المجتمع وأفراده ودعم أصحاب الأفكار الرائدة، وأن يَعٌدّوا أنفسهم جزأً من منظومة اجتماعية تنتظر الإنصاف والإسعاف. ومن غير المعقول أن يبقوا منفصلين عن واقع مجتمعهم المنكوب اقتصادياً واجتماعياً.

ليس المطلوب منهم أن يتخلوا عن أعمالهم أو ينذروا أنفسهم وثرواتهم لصالح العمل الاجتماعي الخيري كما فعل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي أو مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك، لكن عليهم أن يعلموا أن السوق، في ظل اقتصاديات السوق التي اعتادوا عليها لم ولن تلعب أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن هذه السوق ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية.

من شأن ذلك كله أن ينقل العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية، ويقطع الطريق على الأحاديين من “رجال الأعمال” الذين لم ولن يشبعوا من تجارة الأزمة وتقاسم الغنائم…

كي لا يبقى في الميدان أيُّ حيتان، وفي القطاع الخاص أيُّ قناص،

ابحثوا عن العقول النيّرة،

دعوهم يفكّرون خارج الصندوق،

دعوهم يبتكرون ويتعاضدون،

وليَسودَ في المجتمع نظام جديد،

نظام “دعه يبتكر، دعه يمرّ”… Laissez innover, laissez passer

الإعلانات

المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…

نمت شبكات التواصل الاجتماعي ولا زالت تنمو بسرعة غير مسبوقة…

ووفقًا للإحصاءات الرقمية العالمية، فإن حوالي 40٪ من سكان العالم باتوا يستخدمون هذه الشبكات المعولمة، حيث كان من أبرز الآثار لنشوء هذا المجتمع الشبكي الجديد، ذلك الانزياح الحاصل في السلطة باتجاه الفرد على حساب الدولة ومؤسساتها، وبروز طبقة من “النخب” التي كرست ما بات يعرف اليوم في عالم الشبكية بـ “المؤثرون” Influencers…

ضمن هذا السياق، وفي جو من الاستقطاب الشبكي الحاد الذي تأجج بوجود محركات الإعلان التجاري، أصبح التأثير في شبكات التواصل الاجتماعي مهنة قائمة بذاتها حيث بتنا نشاهد “الفيسبوكجي” المحترف (المختلف عن المدمن) و “اليوتيوبجي” و “الانستاغرامجي” و “التويترجي”، الخ. أما نحن، معشر المواطنين الرقميين العاديين، فقد أصبحنا هدفاً ومادة للآلة الشبكية ومنطق عملها. منطق له ما له وعليه ما عليه، فقد بين المفكر الاجتماعي الشبكي مانويل كاستلز هذا المنطق بكل وضوح في كتابه “سلطة الشبكة” Communication Power الصادر عام 2009 عندما أفاد: ” أننا نبيع خصوصياتنا لشبكات التواصل ونجعل أنفسنا هدفا إعلانيا مقابل إمكانية الدخول الى هذه الشبكات وتقديم آرائنا وأفكارنا التي تتضمن تحديا للشركات وتفكيكا لنفوذ السلطات الحكومية والمؤسسات، ومواجهة للأسس الثقافية لحضارتنا العجوز المتعبة”.

من هم بالتحديد “المؤثرون الشبكيون”؟  

هم “مواطنون رقميون” أصبحوا في عداد المشاهير Celebrities بعد أن بنى كل منهم لنفسه “عشّاً” Niche على الشبكة في مجال محدد يخصّ موهبته أو اختصاصه أو مهنته في الحياة (أو لا يخص). يتمتع المؤثر بـ “كاريزما شبكية” تكسبه شعبية لدى جمهور من المتابعين Followers أو “المريدين” على الشبكة، المنخرطين فيها بتفاعل وتأثُّر شديدين بـ “شيخهم” الذي لا يلبث أن يتحول إلى “شيخ كار” شبكي مؤثر. يُعدّ هؤلاء المتابعين بالنسبة للمؤثر رأس ماله الحقيقي (وربما الوحيد)، ويعتمد عددهم على حجم القطاع الذي ينتمي إليه المؤثر (أو يختاره) ورأس المال المعرفي الذي يمتلكه.

لقد بات هؤلاء المؤثرون ينافسون المشاهير التقليديين في تأثيرهم الاجتماعي. ففي مجال الثقافة والفن نجد في أمريكا على سبيل المثال أن مشاهير اليوتيوب أو ما يسمون بـ “You Tubers”  قد احتلوا في العام الفائت المراكز الست الأول في قائمة المشاهير العشرة الأكثر تأثيراً في المجتمع الأمريكي! وكمثال معبّر عن الدور الفعال للمؤثرين إيجابياً على الشبكة نجد في مجال الثقافة مثلاً أن إدارة متحف اللوفر في باريس لجأت إلى المؤثرين الثقافيين على اليوتيوب (من مشاهير الفن) لجذب شبيبة “الجيل الرقمي” The Digital Natives المحجم عن الاهتمام بالتراث الثقافي إلى عالم الفن والمتاحف.

إلا أن السلعنة السريعة و “المخيفة” في هذا المجال جعلت من هذه المهنة هدفاً مشاعياً لكل حالم بالثراء من ورائها، لذلك فقد وجد قطاع الإعلان ضالته في هؤلاء المؤثرين، حيث سرعان ما راحت الشركات الكبرى والعلامات التجارية تتطلع إلى أن يضيف المؤثرون إلى منتجاتها بأفكارهم وسلطتهم شيئًا مختلفا، أكثر حيوية، وأقل تكلفة من الإعلانات التلفزيونية، وأكثر وصولاً للجمهور المستهدف. على سبيل المثال يحتاج “الانستاغرامجي الناشئ” إلى حوالي عشرة آلاف متابع ليصبح مؤثراً ويتمكن من البدء في تحقيق ربح من الإعلانات حيث يتناسب هذا الربح مع عدد المتابعين وعدد الإعجابات (اللايكات) التي يحصدها الإعلان.

من أشهر المؤثرين العرب تأتي امبراطورة التجميل العراقية هدى قطان، في المركز العشرين لقائمة أثرياء انستغرام، بعدد من المتابعين وصل إلى 26 مليون! تتقاضى هذه المؤثرة الحسناء، الكاريزماتية، في المتوسط 33 ألف دولار أميركي للمنشور الواحد لها، ولا عجب في ذلك حيث قد يتخطى عدد الإعجابات التي تحصدها على منشوراتها حاجز المليون ونصف مليون إعجاب خلال الساعات الأولى من نشره، مما يجعل صفحتها مثالية للإعلان عن أي منتج تجميل.

امبراطورة التجميل على الشبكة، المؤثرة العراقية هدى قطان

يسيطر يوتيوب على قائمة المنصات الاجتماعية المربحة، يليها فيسبوك، ومن بعدهما يأتي انستغرام وسناب تشات، وبالنهاية يأتي تويتر (معشوق السياسيين). وتتوقع شركة Captiv8 المتخصصة بالرصد الشبكي أن الأشخاص الأكثر متابعة على يوتيوب، من الذين تضم قنواتهم سبعة ملايين مشترك يحصلون على ثلاثمئة ألف دولار مقابل الفيديو، في حين يحقق ذات العدد من المتابعين على فيسبوك 187 ألف دولار.  

ومع السلعنة تأتي “الملعنة” كما هو معلوم…

كثيراً ما يشار إلى مهنة المؤثر على أنها “مشيخة كاذبة” وهادفة لأغراض أخرى كالتي يلجأ إليها بعض مشايخ الدين كي يتسلقوا على حساب مريديهم غير آبهين بالجوهر والمحتوى والوسيلة التي يتسلقون بها، والضرر الذي يحدثونه في المجتمع، ناهيك عن انتشار ظاهرة “المتابعون المزيفون” Fake Followers أو ما يسمى بـ “مرتزقة الشبكة”، والشركات الخاصة التي تتولى بيعهم للمؤثرين الناشئين . تتعالى اليوم أصوات في بلدان العالم قاطبة لمقاومة هذه الظاهرة، ظاهرة التأثير غير المنضبط على الثقافات والقيم الاجتماعية من خلال الامتهان غير المسؤول لسوق التأثير الشبكي ومحتواه الرقمي الرصين.

الإشكالية هنا تكمن في أن الشبكة باتت كشرّ و/أو خير لا بد منه، وأستشهد هنا بمانويل كاستلز ثانيةً عندما أوضح في كتابه الآخر (The Internet Galaxy) أنك ” إن كنت لا تهتم بالشبكات، فإن الشبكات سوف تهتم بك، على أي حال. فلطالما كنت تريد أن تعيش في المجتمع، في هذا الوقت وفي هذا المكان، سيكون عليك التعامل مع مجتمع الشبكة. لأننا نعيش جميعاً في “الإنترنت غالاكسي”.  

هي إذاً “ديمقراطية” الشبكة، كاشفة المواهب، فاتحة الفرص وملبيةٌ كلَّ مبتكر ورائد أعمال، بما فيهم الدجّال والمزعزع للقيم الاجتماعية.