العلمنة وما أدراك ما العلمنة…

وصل الانقسام السجالي السوري المتعدد الأطراف والمتنامي، الذي يلاحظ يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وصل إلى درجة بات يستحق فيها أن يُنشأ له “ترند” يومي أو أسبوعي يعبر عن مواضيع الانقسام الأكثر تداولاً وسجالاً!!

على سبيل المثال، شكل موضوع العَلْمَنَة Secularization (التحول نحو العلمانية) خلال الأسبوع المنصرم ولا يزال، الترند الأبرز بين مواضيع الانقسام السجالي معبّراً أصدق تعبير عن حالات “التشظي” واليأس والضياع التي ركبت المجتمع السوري منذ بدء الحرب القذرة التي عصفت بالوطن الغالي.

لا أهدف بمقالتي هذه، المخصصة لموضوع العلمنة، إلى المشاركة في السجال القائم حول هذه القضية ذات الحساسية المفرطة، بقدر ما هي الرغبة في إلقاء مزيد من الضوء الموضوعي المستمد من أدبيات الملف والتجارب العالمية حول “القضية”، وذلك لإبراز حجمها الحقيقي وما تنطوي عليه من تحديات وتداعيات.  

لماذا العلمنة؟

كما هو معلوم، فإن العلمانية التي ما فتئ المفكرون والناشطون يبشّرون بها ويدعون إلى “القفز” إلى قطارها رافعين شعار فصل الدين عن السياسة كخيار “دستوري” لبناء الدولة المدنية، إنما تهدف بشكل أساسي إلى الحيلولة دون تحكّم المؤسسات الدينية بالسياسة كي لا تقف حائلاً أمام تحرر المجتمع ونزوعه نحو الحداثة السياسية التي باتت ضرورة لتحقيق السلم الأهلي وتعزيز دولة القانون.

ثمة تساؤلات جوهرية تبرز هنا حول ما تنطوي عليه العلمنة من أبعاد، وما تَعِدُ به من مجتمع حياتي…

فإذا ما عدنا بضعة قرون إلى الوراء سنرى أن الحركات العلمانية التي جاءت في أعقاب الثورة على الكنيسة في القرن السادس عشر قد أسست لبناء مدني للمجتمع منتجة “مجتمع الخلاص” الذي وُصفَ بمجتمع “ما بعد العلمنة”. ذلك لأن العلمانية الأوربية التي هدفت فيما هدفت إلى فصل الدين عن السياسة كانت، قبل كل شيء، علمانية اقتصادية وفكرية وثقافية شاملة امتلكت محركات دافعة استهدفت المجتمع وطالت مفاصله كافة، من الفن إلى التعليم إلى الأخلاق وما إلى ذلك. مع الإشارة، وهنا بيت القصيد، إلى أن هذه العلمانية الأوربية التي جاءت بعد مخاض دامٍ لم تكن في وقتها خياراً فكرياً بل وجدت كضرورة بقاء وحتمية وجود حضاري بعد أن عاش المجتمع الأوربي واقعاً أليماً تخلله صراع دموي ووجودي استمر على شكل حروب دينية متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 و 1648 م)، حروب امتدت من سويسرا إلى الدنمارك مروراً بمعظم الدول الأوربية، ووصل الحال فيها إلى مرحلة مصيرية وخطيرة.

مجتمع الخلاص العلماني

يتسم مجتمع الخلاص الغربي هذا بخصائص حياتية جمّة انطلقت بالأساس من مبدأ “عش ودع الآخر يعيش” Live and let live – Vivre et Laisser Vivre بعيداً عن الانتماء إلى عرق أو عقيدة.  

تفيد الأدبيات أن السمات البراغماتية الرئيسية لهذا المجتمع في “المدينة العلمانية الفاضلة” تتلخص بالتالي:

  1. مجتمع يَدَع الفرد يمارس معتقداته وطقوسه شريطة ألا يمسّ ذلك معتقدات الآخرين ويخلق العقبات أمامهم.
  2. مجتمع تسود فيه الاستحقاقية Meritocracy كمعيار وحيد للحصول على أية وظيفة، وليس الخلفية الدينية/الأثنية/السياسية
  3. مجتمع يضمن حرية التعبير دون أن يسمح لأحد بدسّ السم أو قول أشياء ضد أي دين أو طائفة اجتماعية أو ما شابه باسم حرية التعبير.
  4. مجتمع لا يبشّر بالتسامح بل باحترام الحقوق الفردية والقبول حتى يحترمَ الناس كلٌ منهم الآخر ويقبلَ بعضهم البعض بالطريقة التي يتصرفون بها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية/خلفيتهم الأثنية بدلاً من التسامح مع بعضهم البعض لأن التسامح غالباً ما يتم بين الأضداد ويأتي في سياق السكوت على العيوب والتجاوزات.
  5. مجتمع يضمن حق الفرد في ممارسة معتقدات أو اعتناقها أو تغييرها بحرية دون خوف من أي شخص (أو من الدولة)
  6. مجتمع يطمئن إلى أن الحكومة تسمح للناس وتدعمهم في تنمية لغاتهم وثقافاتهم لضمان التعددية الثقافية
  7. مجتمع يتكئ على حيادية وسائل الإعلام وعدم تحيزها ضد أو لصالح مجتمع طائفي أو أثني معين
  8. مجتمع يعي أن جميع الأحزاب السياسية في البلاد تعمل لتحقيق أجندة الوطن بدلاً من السعي لتحقيق مجتمع لغوي أو ديني أو عرقي معين، وبالتالي يجب ألا يكون هناك حزب سياسي يمارس السياسة على أساس ديني أو أثني أو طبقي أو لغوي أو ما إلى ذلك، الأمر الذي لن يفيد إلا بزرع بذور الانقسام بين الناس فقط. وبدلاً من ذلك، يجب على الأحزاب السياسية معالجة القضايا التي يواجهها عامة الناس مثل الأمية والفقر والبطالة وما إلى ذلك.
  9. مجتمع لا يعترف بنظام “المحاصصة” وإن كان لا بد من ذلك، فيجب أن تكون المحاصصة على أساس مستويات الدخل أو التخلف الاجتماعي/الاقتصادي وبشفافية مطلقة، بدلاً من الدين أو اللغة أو الطائفة. علماً أن أشد أنواع المحاصصة خطراً على السلم الأهلي ذلك الذي يتجسد في المحاصصة “الباطنية”.

باختصار، هو مجتمع يكرّس الحياديّة الدينية واحترام الحقوق الفردية، ويعتمد على العقلانية والمنظور العلمي. مع الإشارة إلى أن مسؤولية تحقيق هكذا مجتمع وصيانته والسهر على حمايته تعود إلى الدولة، دولة القانون واحترام الدستور.

علمنة القيم: مخاض مستمر

أثبتت التجارب أن العلمنة عملية لا تنتهي Never-ending Process ولا تتوقف عند سقف إنجازي محدد، لما لها من امتدادات Spillovers وتأثيرات جانبية اجتماعية وإنسانية تمثلت بما سمى بـ “علمنة القيم” التي نشأت ونمت تحت شعار احترام الحقوق الفردية (الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العلماني)، الأمر الذي فرض على المجتمع الغربي نوعاً من القبول أو “التسامح القسري” مع قضايا لا تزال تشكل خطوطاً حمراء لدى العديد من المجتمعات العلمانية المتدينة كقضايا المثلية الجنسية وزواج المثليين والمتحولين جنسياً والهوية الجنسية المهددة بالطمس، والإجهاض، الخ.

بالأمس فقط أصدر الفاتيكان وثيقة إرشادية لمعلمي المدارس ينتقد فيها الأفكار المعاصرة حول الهوية الجنسية حملت العنوان “خلقنا الله ذكورا وإناثا” مما أثار غضب مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً!!

وبالأمس أيضاً أصدرت المحكمة العليا في البرازيل حكماً بتجريم رهاب المثلية (الهوموفوبيا) بعد أن تفاقم العنف المضاد لانتشار ظاهرة المثلية حيث شهد العام 2017 وحده 387 جريمة قتل و58 عملية انتحار بسبب رهاب المثليين والمتحولين جنسيا، وذلك نتيجة لعدم تقبل المجتمع لكلا الظاهرتين في هذا البلد العلماني المتدين!! جاء ذلك خلافاً للوعود الانتخابية الني كان الرئيس البرازيلي المنتخب حديثاً قد أطلقها وتعهد فيها بكبح التوجه الليبرالي المتعلق بهذه القضايا الدينية والأخلاقية. 

إن دلّ هذان الحدثان على شيء فيدلان على أن العلمنة التي أدت إلى فصل الدين عن السياسة وإقامة حكم القانون لم تؤدِّ بأي شكل إلى فصل الدين عن المجتمع، وهنا يكمن جوهر الموضوع: لا تَعارضَ بين العلمانية والتدين، إنها العلمانية “المؤمنة” كما يسميها البعض تجاوزاً. مع الإشارة إلى أنه، مهما شهدنا من ظواهر شاذة، فليس هناك من علمانية ملحدة وعلمانية مؤمنة، إنما علمانية واحدة تقف على مسافة واحدة من الأديان كافة، وهذه العلمانية تصب في مصلحة كل من الدين والدولة لأنها تحمي الدين (الصحيح الذي لا يتعدى على غيره) من تدخل الدولة وتحصّن الدولة من هيمنة الدين.

هل نحن جاهزون؟

قد تصعب الإجابة بهذا الخصوص…. فالعلمنة ليست بنزهة إصلاح عبر تشريعات وقوانين كما يتبين من الاستعراض السابق لمخاض التجربة الغربية، آخذين بالاعتبار ما نحن عليه من حال، وما يحيط بنا من أخطار، وما تتطلبه العلمنة من إجراءات جذرية تطال النظام الحوكمي في الدولة والثقافة السائدة في المجتمع.  وربما لم ننضج بعد لهكذا تحول مصيري محفوف بالمخاطر والتحديات. من المفيد في جميع الأحوال استعراض بعض الدروس المستفادة مما سبق:  

  • كل دعوة إلى العلمانية لا تلحظ علمنة المفاصل الحياتية للمجتمع من اقتصادية وعلمية وفكرية وأخلاقية وثقافية تبقى خطوة شكلية وقاصرة وغير مجدية
  • وكل دعوة إلى العلمانية لا تأخذ بالاعتبار حيادها الديني وتؤكد عليه وعلى حرية ممارسة المعتقدات، لن تكون علمانية صادقة ولا حرة ولا عقلانية، ويخشى أن تكون دعوة حق يراد بها باطل.
  • وكل دعوة إلى استنساخ التجربة العلمانية الغربية ستعرّضنا إلى الوقوع في مطب علمنة القيم على الطريقة الغربية
  • الطائفية والنفاق شيطانان لصيقان بالعلمانية واجتثاثهما يمثل التحدي الأكبر للعلمنة الصادقة ويحتاج إلى فترات من الإعداد والتوعية.

فهل نحن جاهزون لعلمنة نفصّلها بأيدينا وعلى مقاسنا وبشكل تدرجي لنأتي بعلمانية “وسطية” إن جاز التعبير؟

الأمر منوط بعقلائنا وحكمائنا ومفكرينا وأولي أمرنا ….  

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s