الذكاء الاصطناعي لمكافحة الفساد والتهرّب الضريبي – ماذا عنّا؟

في البلدان المتقدمة التي تضمن لمواطنيها حداً أدنى من العيش الكريم من خلال ما توفره من شبكات أمان اجتماعي، يكاد الفساد يقتصر على مظهر عام واحد: التهرّب الضريبي، فيما عدا طبعاً بعض الرشاوي الكبيرة التي قد يتقاضاها البعض من رجال السياسة، والتي يفضحها الإعلام الحرّ من حين لآخر.     

في فرنسا على سبيل المثال، يمثل التهرّب الضريبي نزيفاً للغلّة الضرائبية للدولة تتراوح قيمته بين 80 و100 مليار يورو سنوياً! وعلى الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها جيش عَديدُه يزيد عن 12000 من مفتشي الضرائب الأشداء المنتشرين في جميع المدن للبحث عن المتهرّبين إلا أن النتائج لا تتحسن والعملية تبقى أشبه بصيد السمك باستخدام “القصبة والصنارة”.

أمام هذا الوضع استنجدت وزارة المالية الفرنسية بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة كي تزيد من كفاءة تعقّب دافعي الضرائب “السيّئين” فقامت بتطوير برمجية “تنقيب عن المعلومات Data Mining” تعتمد على الذكاء الاصطناعي (AI) بكلفة تطوير بلغت 20 مليون يورو!!

ولتغذية هذه البرمجية المعقدة بالمعلومات التجارية والأُسَرية اللازمة جهّزت المالية قاعدة بيانات ضخمة (Big Data) شملت خمسة ملايين شركة خاضعة للضرائب في فرنسا بالإضافة إلى بيانات الحالة والدخل لما يزيد عن 37 مليون أسرة فرنسية!!

ويعتمد مبدأ عمل البرمجية على تلمّس حالات الشك الأولي من خلال اكتشاف “الفجوات” بين الأرباح المصرّح بها ونمط الإنفاق في الحياة (ما يسمى بـ “قطار الحياة” Train de vie). هو إذاً تطبيق ذكي، موضوعي وشفاف يهدف إلى تطبيق شعار “من أين لك هذا” الذي لا زلنا نتغنّى به (على الرغم من وقف تنفيذه منذ زمن ليس بقليل!) …  

الملفت للنظر في هذه المنظومة المتطورة أن وزارة المالية الفرنسية اعتمدت أن تراهن على شبكات التواصل الاجتماعي كأحد المصادر الأساسية للتعرّف على نمط الحياة الشخصية، حيث سيتم التنقيب عن البيانات المتعلقة بـ “من أين لك هذا” داخل صفحات الناس على فيسبوك وإنستغرام (حيث اعتاد غالبيتهم أن ينشر على صفحاته أخبار وصور ما يقوم به من أنشطة ورحلات ومشتريات ثمينة وولائم.. الخ). هذا بالإضافة إلى منصات البيع والتأجير الإلكترونية (مثل Amazon و Airbnb) التي ستشكل هي الأخرى مصدراً مكملاً للتزود بالبيانات الدلالية.

الطريف بالأمر فيما يتعلق بهذه الأنشطة “التجسسية” على الإنفاق الأسري أن وزارة المالية في دولة قانون كفرنسا، وانطلاقاً من هاجس عدم انتهاكها لقوانين الخصوصية الشخصية، تقدمت بطلب إلى “الهيئة الوطنية للمعلوميات والحريات” Commission Nationale de l’Informatique et des Libertés (CNIL) للحصول على مباركة الأخيرة لتغذية البرمجية اعتباراً من البيانات الشخصية المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي لكن يبدو أن ثمة تحفظ للهيئة في هذا الخصوص أخذ الموضوع إلى منحى آخر وهو الخوف من أن تحدّ هذه “الاستباحة” للبيانات الشخصية من حرية التعبير على شبكات التواصل الاجتماعي!!! من المتوقع إذاً أن تشهد الساحة الفرنسية مماحكات ومناظرات ساخنة بهذا الخصوص…      

لكن ماذا لو تركنا الشأن الفرنسي جانباً وجئنا بهذه الأداة التكنولوجية الواعدة لنخمّن جدوى تطبيقها على الحالة السورية مفترضين تجاوزاً توفّر البيانات المالية “التفصيلية” المتعلقة بكل أُسرة وشركة و “رجل أعمال” في البلد؟ ما النتائج التي سيخبرنا بها حينئذ هذا “التمرين الافتراضي”؟

  • أتوقع، ولست هنا بالخبير في الشأن الضرائبي، أن يخبرنا بأن الموظفين هم وحدهم من يدفع الضرائب بإخلاص لأنها ُتقتطع تلقائياً من رواتبهم ووفق القانون مهما هزلت هذه الرواتب. إلا أن البرمجية ذاتها يمكن أن توحي لمستخدميها بأنهم (أي الموظفين) هم أيضاً “متهرّبون” بل و “فاسدون”: متهربون لأنهم لا يصرّحون بالدخل الإضافي الذي يتقاضونه “في الظل” ليضمنوا بقاءهم على قيد الحياة، وفاسدون لأن عدداً منهم غير قليل يأتيه هذا الدخل الإضافي على شكل رشاوي يتقاضونها بحكم وظيفتهم…
  • سوف لن يخبرنا بوجود “الحيتان” في البلد أو تجار الحروب والأزمات، لأن هؤلاء قد تمرّسوا وتسلّحوا بمهارات التخفي من أصناف “الرادار” كافة…
  • لكن من الممكن أن يخبرنا بالحجم التقديري لاقتصاد الظل الشائع في البلد. هذا الاقتصاد الذي يشكل بيئة خصبة للتهرب الضريبي في غياب الهيكلة المالية الشاملة والآليات المصرفية ذات العلاقة، والأنماط الحديثة للتعاملات الإلكترونية.

وإذا ما نظرنا إلى العِبَر التي يمكن أن نستنتجها من هذا التمرين الافتراضي إذا ما ثبت صحة تصوّرنا المبسَّط لنتائجه، فسنرى أن العبرة الأولى والأساسية تشير إلى أن تطبيق هكذا برمجية متطورة على نظام ضريبي/مالي بعيد عن شمولية القوانين ودقتها وصرامة تطبيقها يتوافق تماماً مع القاعدة المعلوماتية الشهيرة بل ويكرّسها: ،

“إذا قمتَ بأتمتة فوضى، فستحصل على فوضى مؤتمتة”

If you automate a mess, you get an automated mess

وبالتالي ليس هناك من فائدة مرجوّة من الاستخدام المتقدم للتكنولوجيا الرقمية قبل أن يتم “تنظيف” الأرضية وتجهيزها، وتهيئة وإعمال القوانين الناظمة والهادفة إلى تحقيق العدالة الضريبية.

أما العبرة الثانية فتنحدر من الأولى: هل نحن فعلاً بحاجة إلى ذكاء اصطناعي؟ أم إلى مزيد ومزيد من “الذكاء الطبيعي” المصحوب بالإرادة والصدق والنزاهة والشفافية والحرص على التطبيق الشامل والجدي والصارم للقوانين؟

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s