القَضْيَنَةُ بين الأمس واليوم …

اسمحوا لي أولاً أن أبتكر هذا المصطلح الجديد، “القَضْيَنَة”، وأعني به تحويلَ المشكلة أو الانتهاك أو المَظْلَمَة إلى قضية، وليس أيّ قضية، “قضية رأي عام”….

لطالما اعتدنا في ثقافتنا الاجتماعية عندما نودّ أن نُثْنِيَ أحداً عن إشهار (أو تضخيم) مشكلة نعتقد أنها “صغيرة” أو نريد تصغيرها، أن نحاول “ردعه” باستخدام مقولة “لا تعمل منها قضية”. أما الآن، في هذا الزمن الحافل بالتجاوزات والانتهاكات والمظالم والفساد، و الزاخر بفنون وأساليب طمس الحقائق (بل وقلبها)، والالتفاف على القانون، لم يعد هناك من سلاح لفضح التجاوزات وكشف المظالم والفساد غير القَضْيَنَة وتشكيل الرأي الجمعي الصادق حولها، انطلاقاً من قناعة ترسّخت لدى الجميع مفادها أن الحقيقة، ومعها الحق، ستُدفَن إن لم تُقَضْيَن…

ما يدفع إلى القَضْيَنَةِ في كل كبيرة وصغيرة أنها باتت، كما سنرى، عملية سهلة وسريعة وفعالة بفضل الأدوات المُمَكِّنة التي وُضعت بمتناول الجميع، شريطة أن يُحسَنَ استخدامُها، وإلا اتخذت منحى آخر وشكلاً آخر…

القَضْيَنَةُ بالأمس …

حتى الأمس، وقبل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وبالأخص “فيسبوك” و “تويتر”، كان مصطلح “قضيّة رأي عام” يعني الكثير في عالم الصحافة: هي قضية تجتمع حولها آراء مجموعة أو طبقة أو شريحة مجتمعية معينة، غالباً ما كانت تطفو على السطح وتسود مكتسبة إجماعاً شعبياً أو جماهيرياً، حتى لو أحدثت مع بداية ظهورها جدلًا على أرض الواقع ….

فما أن كانت الواقعة تظهر للعلن حتى يتهافت الجميع على متابعة تفاصيلها في الصحافة، وتستمر عالقة في الأذهان حتى تنتهي أحداثها على وجه ما، بعد أن تصبح حديث الشارع.

من سماتها أنها حقيقية وصادقة…

تدخل في صلب العلاقة المجتمعية بين المواطنين ومؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية المعنية…

كما وتكشف قدرة النظام السياسي أو ضعفه في التعامل مع هذا النوع من القضايا…

وغالباً ما كانت تنطلق من جانب أحد الكتَّاب أو الصحف بصورة “سبق صحفي” أو “فضيحة”….

ولا بد أن تنتهي إلى نتيجة واضحة ومنطقية ُتحسَم من خلالها، مهما طال زمنها …

ولعل من أشهر قضايا الرأي العام في التاريخ العربي المعاصر، قضية الأسلحة الفاسدة في مصر (أيام حرب فلسطين) التي استمرت (القضية) أربع سنوات، منذ عام 1950 وحتى 1954، بعد أن أطلقها في سنتها الأولى الكاتب إحسان عبد القدوس في “روز اليوسف”، واستمرت إلى أن أحيلت إلى المحكمة بعد الثورة على الملك فاروق وصدرت الأحكام الخاصة بها.

وفي السنوات القليلة الماضية برزت قضية عقد شراء الأردن للغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني (2014) كقضية رأي عام هزت البلاد وتكللت في آخر المطاف بانتصار الجهود المناهضة لهذا العقد…..

والأمثلة عن قضايا أخرى عديدة، سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية… 

ما كان يميز قضايا الرأي الكبرى الحقيقية أيضاً ويزيد من تجذّرها في ذاكرة الشعوب ذلك التأثير المتبادل مع الفن، لدرجة أنها كانت تستلهم منه قصصًا وتُحوّلها إلى أعمال فنية أو يحدث العكس وتتحول مناقشات الفن إلى قضايا كبرى في المجتمع، والأمثلة عديدة في أفلام مثل “أريد حلًا، 1975”، “ملف سامية شعراوي، 1988“، “قضية سميحة بدران، 1990“، أو مسلسل “قضية رأي عام، 2007” ومسلسل “قضية معالي الوزيرة، 2012” وغيرها …

القَضْيَنَةُ اليوم …

أما اليوم فقد انقلب الوضع رأساً على عقب…

تلاشت القَضْيَنَةُ بمعناها التقليدي ولم تعد قضايا الرأي العام كالسابق من حيث الصفات والآليات التي كانت تميزها بعد أن أصبحت “السوشيال ميديا” هي من يطرح القضايا، وأصبحت غالبية الصحف التقليدية “متلقية” لما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي….

والأهم من ذلك أن هذه المواقع جُهِّزَت بسلاح “ديمقراطي شعبي”، ذكي وفعّال، هو ذلك الوسم السحري “#” المسمى بالـ “هاشتاغ”، الذي انطلق في البداية من موقع التغريد “تويتر” وما لبث أن عمّ مواقع التواصل الأخرى وبات الأداة الأكثر شعبية لقنص الانتباه وتحريض حوار ذي وجهات نظر متعددة حول موضوع معين يتطلع صاحبه إلى قَضْيَنَتِهِ.

وازدادت “تعبئة” وتنظيم هذا السلاح الفعال فأصبحت له “بورصة” تمثلت في كل مجتمع وبلد بما بات يعرف بالـ “ترند” (نسبة إلى الكلمة الإنجليزية Trend)، وهي عبارة عن قائمة تتضمن أعلى 10 “هاشتاغات” تداولاً في المواقع في لحظة ما، والتي تتناول قضايا سياسية واجتماعية.  توجد هذه القائمة بشكل دائم على يسار صفحة موقع “تويتر” حيث تقوم المواقع الإخبارية ووكالات الأنباء برصد “الترندات”، ونشر الأخبار والتقارير التي تحملها، حتى أن العديد من القنوات التلفزيونية الرسمية بدأت تتناول أخبارها وما يدور داخلها، الأمر الذي زاد من قوتها الإعلامية.

وهكذا تحولت القضايا إلى “ترندات” واختُزِلت معها إجراءات القَضْيَنَة إلى مجرد العبور السريع إلى قائمة الترند محولةً المواضيع المتداولَة على المواقع إلى تتابع الـ “ترندات” قد يُنسي بعضها بعضاً، وهنا تكمن سلبية هذا التحول ذلك لأن الترند طويلُهُ الزمني يوم واحد أو يومان، والقليل منه يخرج من دائرة “الترند” إلى دائرة القَضْيَنَة “المنتجة” والهادفة إلى وضع القضية المنشودة بتصرف مؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية. يضاف إلى ذلك أن “الترندات” لم تعد تستهوي الفن، ولم يعد الفن ينساق وراءها، لقصر عمرها الزمني الذي يحول دون التفكير في استغلالها.

لكن ذلك لم يمنع الهاشتاغات “الخاطفة” ذات الأثر “الآني”، التي سرعان ما يتجاوز أثرها حدود الفضاء الافتراضي ليتجسّد ميدانياً على أرض الواقع (وهنا تكمن قوة وروعة السوشيال ميديا)، والأمثلة على ذلك عديدة:

  • فالكل يذكر كيف أُجبِرَ وزير العدل المصري صابر محفوظ على الاستقالة من منصبه سريعاً وتحت تأثير هاشتاغ “#أقيلوا_وزير_العدل”، على أثر تصريحاته المسيئة في حق عمال النظافة، التي اعتبر فيها أن أبناءهم غير مؤهلين لولوج سلك القضاء،
  • وكيف أثّر هاشتاغ “#غرق_طفل_سوري” (الطفل إيلان) الذي احتل مركزا متقدما في قائمة الترندات على مستوى العالم، إذ ظهر في أكثر من 30 ألف تغريدة في أقل من خمس ساعات، مما حدا بالسلطات الكندية إلى منح والده المكلوم حق اللجوء في بلادها.
  • وكيف أن محكمة هنغارية قضت بسجن المصورة بيترا لازلو التي قامت بركل طفلة لاجئة، وأسقطت لاجئا سوريا وطفله على الأرض أثناء هروبهم من الشرطة على الحدود الهنغارية الصربية عام 2015، وذلك بفعل الهاشتاغات العالمية التي انهالت عليها وعلى قناتها التلفزيونية، والتي دفعت الأخيرة إلى تسريحها مباشرةً من وظيفتها.
  • وكيف أثارت قضية مشفى الشهيد صالح عبد الهادي حيدر في بلدة سلحب، والذي بني من تبرعات أهل المنطقة، حميّة المجتمع الأهلي على “فيسبوك” إثر إعلان وزارة الصحة عدم قدرتها على استلام المشفى وتشغيله، فما كان من الناشطين إلا أن أطلقوا الهاشتاغ المدوّي “#حملة_دعم_مشفى_الشهيد_صالح_حيدر_سلحب” عبر صفحاتهم في “فيسبوك”، فاندفع العديد من مختلف المشارب والاختصاصات، بشكل عفوي وسريع، إلى التطوع للعمل في المشفى مجاناً.
  • والأمثلة عديدة….

وأصبحت “الهشتقة” علماً قائماً بذاته، وتقانة وفناً….

تشير أدبيات “الهشتقة”، وتعني تصميم الهاشتاغ ووضع استراتيجية وخطة لنشره ومتابعته، إلى أن الهاشتاغ الناجح الذي يفرض ذاته على الساحة هو ذلك الوسم الموجز والواضح والمباشر الذي يعني شيئا مهماً للكثيرين ويؤثر على حياتهم، فأكثر الهاشتاغات نجاحا وانتشاراً هي تلك التي:

  • تتكون من كلمة أو كلمتين أو ثلاثة كحد أقصى،
  • تحمل رسالة وتلامس اهتماما شعبيا عبر تناولها لقضايا إنسانية، اجتماعية أو سياسية.
  • تنبع من صلب الثقافة الشعبية وبلغة يفهمها الجميع، ويحسن أن تمتلك نوعاً من الدعابة والحماسة. من منا لا يذكر على سبيل المثال هاشتاغ “#طلعت_ريحتكن” الذي انطلق من واقع “الهضامة” اللبنانية خلال أزمة النفايات فجاء في المرتبة الأولى، ناهيك عن هاشتاغ “#كلن_يعني_كلن” الذي أصبح الشعار المميز للحراك اللبناني الحالي.
  • تقتصر على هاشتاغ واحد لا أكثر في المنشور الواحد أو التغريدة الواحدة وإلا فإن الفكرة الأساسية سوف تضيع، وستبدو “الهشتقة” عندئذ أقرب إلى “الهرطقة” كما هو ملاحظ في العديد من منشورات الفيسبوك التي تتضمن “تشكيلة” من الهاشتاغات الطويلة التي لن تساهم إلا في تشتيت القضية المنشودة.

وسيكون من المفيد بالنسبة لمستخدمي فيسبوك ربط منشوراتهم (بما فيها الهاشتاغ) بحساباتهم في تويتر (وبالعكس)، وذلك لإتاحة الفرصة للنفاذ إلى قائمة “الترند” وكسب المزيد من الانتشارية.

يمكن معرفة المزيد عن كيفية ربط حساب على فيسبوك مع آخر على تويتر (لذات المشترك) بالضغط هنا.

ما يساعد أيضاً في خروج الهاشتاغ من ذهن مُطْلِقِه إلى العَلَن ثم إلى التداول على نطاق واسع أن يكون لمُطْلِقِه متابعون كثر، أي أن يكون ممن باتوا يعرفون بـ “المؤثرون” Influencers الذين لا يمكن إهمال دورهم المفصلي في إنجاح العملية، على الرغم من أن قسماً كبيراً منهم بات مطمعاً لشركات “التسويق”.

لمعرفة المزيد عن “المؤثرون”، يمكن مراجعة مقالي المنشور سابقاً على هذا الموقع تحت عنوان “المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…” بالضغط هنا.

توسعت الدائرة وأصبحت أكثر عرضة للتلاعب، فحذار…

على الرغم من مرونة وسرعة وفعالية مواقع التواصل الاجتماعي والفائدة الكبرى للهاشتاغات و “الترندات” في لفت انتباه الناس وتحفيزهم على التحرك لمتابعة أو مواجهة قضية ما، إلا أن القضايا الكبرى (مثل قضايا الفساد والقضايا السياسية) لا زالت تتطلب التأني والمتابعة والانتظار أوقاتًا طويلة حتى تنضج وتنتهي. كما أن الأمر لا يخلو من سلبيات و “مطبات” وأساليب خاصة بسوء الاستخدام، ولعل من أبرزها:

  • تلاعب العديد من الشبكات المجهولة (أو الوهمية) عبر الويب لوضع بعض القضايا الهامشية في بؤرة الاهتمام بعد أن أصبح بالإمكان “فبركة الأهمية” باستخدام العديد من تقانات التلاعب مثل اللايكات والشير والهاشتاغات المدفوعة الثمن.
  • المؤثرون الذين يمتلكون اليوم مئات الآلاف من المتابعين، أصبحوا قادرين على تسويق قضايا ربما لا تستحق الأهمية، الأمر الذي زاد من دور شبكات نفوذهم على حساب دور الحقيقة.
  • ولعل المشكلة الأكبر ستكون مع انتشار التقانات الجديدة القادمة (كالذكاء الاصطناعي المعتمد على التعلم الآلي والعميق، وتحليل “البيانات الضخمة” للمستخدمين) وما يمكن أن يتبعها من حسابات وهمية “ذكية” ومتفاعلة يصعب تتبعها، والتي ربما تتفوق على الحسابات الحقيقية في المستقبل، وهنا تكمن الطامة الكبرى: أن تُستخدم هذه التقانات للتحكم في تفكير الشعوب وغسل أدمغتها، وللتحريض والتحشيد المسيّس. لقد بدأت هذه المخاوف تتجسد بالفعل من قبل الحكومات وبمساعدة الشركات الوسيطة التي تدير الحسابات الوهمية وترسل أسراباً مما بات يعرف بـ “الذباب الإلكتروني” حسب الطلب. إنها حروب اليوم “الناعمة” التي لا تقل بقذارتها عن الحروب التقليدية….

وتبقى “القَضْيَنَةُ” الصادقة الطريق الأسلم لإظهار الحقيقة والتصدي للمظالم والمفاسد…

وتبقى مواقع التواصل الاجتماعي منصة حوار فعال لتشكيل الرأي العام الصادق…

في الذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين، ماذا عن جدراننا؟

لطالما اعتُبرَ سقوط هذا الجدار رمزاً لسقوط النظام الشيوعي وبداية الطور الثاني والنهائي لمسيرة إفلاسه بعد أن نخره الفساد والاستبداد…

للأديب الأمريكي أرنست هيمنجواي مقولة شهيرة عن الإفلاس: الإفلاس يحدث تدريجياً ومن ثم بشكل مفاجئ “Bankruptcy happens gradually and then suddenly”.

تنطبق هذه المقولة على مسيرة سقوط هذا الجدار وإفلاس الشيوعية كأكبر نظام شمولي عالمي، فالإفلاس كما هو معلوم لا يقتصر على الجانب المالي بل ويتعداه إلى الإيديولوجيات والأنظمة الحاكمة.

الطور التدريجي (أو الخطي) من إفلاس هذا النظام جاء على شكل ظروف وأحداث كبرى منها وثانوية: المتظاهرون في ألمانيا الشرقية عام 1953، في المجر عام 1956، في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 (كنت يومها شاهد عيان على إخماد “ربيع براغ” حيث شاهدت بأم عيني دبابات الجيش السوفييتي التي أُنزلت ليلاً في مدينة برنو )، وفي بولندا عام 1981؛ اتفاقيات هلسنكي لعام 1975؛ بالإضافة إلى ظهور زعيم جديد على رأس الاتحاد السوفياتي عام 1985 (ميخائيل غورباتشوف، صاحب برنامج البروسترايكا والغلاسنوست)، الذي كان له الفضل في “ترخية” قبضة موسكو على بلدان المنظومة السوفيتية، مما أدى إلى إحداث فتحات متتالية في هياكلها الاستبدادية كالتبني التدريجي لمؤسسات سياسية شبه ديمقراطية، والتطور التدريجي لاقتصادات السوق القائمة على سيادة القانون في كل من بولندا، المجر، ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، بلغاريا، وألبانيا. يضاف إلى ذلك الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية الغربية – ليس أقلها تصعيد الرئيس رونالد ريغان لسباق التسلح في الحرب الباردة ونداؤه الشهير للسيد غورباتشوف بأن “يهدم هذا الجدار! “. كل ذلك ساهم بشكل كبير في زيادة الضغط على طول خط الصدع الجيوسياسي للستار الحديدي.  

أما الطور المفاجئ (اللاخطي) فقد انطلق في وقت مبكر من مساء يوم 9 نوفمبر 1989، عندما أدلى عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الألماني الشرقي ببيان على الملأ مفاده أن الألمان الشرقيين سيسمح لهم على الفور بالسفر إلى الخارج!

تلقّف المواطنون في برلين الشرقية هذه “الشرارة” وتجمهروا أمام الجدار عند المعبر، وما هي إلا ساعات قليلة (حوالي الساعة 11:30 من مساء اليوم ذاته) حتى أمر ضابط أمن كبير من الستازي (الأمن الألماني الشرقي) اثنين من حراس المعبر بفتح “القفص” البرليني الشرقي من البوابة الرئيسية فاجتاحت الجماهير المبتهجة الجدار وأخذ الآلاف من الناس الفؤوس والمطارق في تلك الليلة بالذات وبدأوا في تحطيم ما استطاعوا من هذا الجدار.

دروس هذا الحدث التاريخي والمفصلي عديدة ومتشعبة، وقد لا يهمنا منها إلا ما يمكن أن يُلهم الحالة السورية وما نتج عن هذه الحالة من “جدران” فاصلة، منها ما بُنِيَ لنا ومنها ما بنيناه بأنفسنا، نحن السوريون:

  • جدران طائفية وعرقية …
  • جدران سياسية فَصَلت بلا رحمة بين “موالين” و “معارضين”، لا توسّط بينهما …
  • جدران جيوسياسية فصلت بين سوريي “الداخل” وسوريي “الخارج”…
  • جدران ذهنية تمترست خلفها العقول دون وعي لأثرها السلبي المعطل للحوار والممزق للنسيج المجتمعي…
  • جدران اقتصادية داخلية بين تجار الأزمة و “المٌتاجَر” بقوت عيشهم …
  • جدران اقتصادية خارجية بنتها العقوبات الخبيثة…
  • وجدران حربية حقيقية أقاموها بحجة “المساعدة” في محاربة الإرهاب وإقامة مناطق “آمنة”…
  • …..

أوجه الشبه (والمفارقات) عديدة بين ألمانيا بعد الحرب وسورية اليوم فيما يتعلق بالجدران.

ولعل أبرز هذه الأوجه أن جدار برلين أرادوا منه أن يكون رمزًا قويًا للحرب الباردة التي اشتدت بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كما أرادوا منه التذكير الدائم بأن الحرب الباردة إذا ما تحولت إلى ساخنة، فستكون ألمانيا – الشرقية والغربية – ميدان المعركة الرئيسي والأكثر فتكًا.

أما جدراننا فقد أراد جميع من ساهم في بنائها من “اللاعبين” المحليين والإقليميين والدوليين (ووكلائهم) أن يجعلوا من سورية، كما يبدو، رمزاً لـ “السلم الساخن” بين القوى الكبرى، وربما أرادوا منها أيضاً التذكير الدائم بأن هذا السلم الساخن إذا ما ازدادت سخونته وتحوّل إلى حرب، فستكون حرباً إقليمية أو عالمية شاملة وفتاكة، وستكون سورية ميدانها الرئيسي.

فأين نحن الآن من مشوار إسقاط جدراننا بكافة أنواعها؟

من المؤكد أننا في الطور الأول (التدريجي) من مسار الإفلاس للقوى الداخلية والخارجية المتربصة بهذا البلد، بما فيها قوى الإرهاب، لكن كيف لنا أن نهيئ الأرضية المناسبة للطور “اللاخطي” المنتظر والحاسم إن لم نسقط جدراننا الذهنية الذاتية، التي ستوصلنا إلى الحوار الخصب والمنتج، ومن ثم الخلاص؟