في الذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين، ماذا عن جدراننا؟

لطالما اعتُبرَ سقوط هذا الجدار رمزاً لسقوط النظام الشيوعي وبداية الطور الثاني والنهائي لمسيرة إفلاسه بعد أن نخره الفساد والاستبداد…

للأديب الأمريكي أرنست هيمنجواي مقولة شهيرة عن الإفلاس: الإفلاس يحدث تدريجياً ومن ثم بشكل مفاجئ “Bankruptcy happens gradually and then suddenly”.

تنطبق هذه المقولة على مسيرة سقوط هذا الجدار وإفلاس الشيوعية كأكبر نظام شمولي عالمي، فالإفلاس كما هو معلوم لا يقتصر على الجانب المالي بل ويتعداه إلى الإيديولوجيات والأنظمة الحاكمة.

الطور التدريجي (أو الخطي) من إفلاس هذا النظام جاء على شكل ظروف وأحداث كبرى منها وثانوية: المتظاهرون في ألمانيا الشرقية عام 1953، في المجر عام 1956، في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 (كنت يومها شاهد عيان على إخماد “ربيع براغ” حيث شاهدت بأم عيني دبابات الجيش السوفييتي التي أُنزلت ليلاً في مدينة برنو )، وفي بولندا عام 1981؛ اتفاقيات هلسنكي لعام 1975؛ بالإضافة إلى ظهور زعيم جديد على رأس الاتحاد السوفياتي عام 1985 (ميخائيل غورباتشوف، صاحب برنامج البروسترايكا والغلاسنوست)، الذي كان له الفضل في “ترخية” قبضة موسكو على بلدان المنظومة السوفيتية، مما أدى إلى إحداث فتحات متتالية في هياكلها الاستبدادية كالتبني التدريجي لمؤسسات سياسية شبه ديمقراطية، والتطور التدريجي لاقتصادات السوق القائمة على سيادة القانون في كل من بولندا، المجر، ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، بلغاريا، وألبانيا. يضاف إلى ذلك الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية الغربية – ليس أقلها تصعيد الرئيس رونالد ريغان لسباق التسلح في الحرب الباردة ونداؤه الشهير للسيد غورباتشوف بأن “يهدم هذا الجدار! “. كل ذلك ساهم بشكل كبير في زيادة الضغط على طول خط الصدع الجيوسياسي للستار الحديدي.  

أما الطور المفاجئ (اللاخطي) فقد انطلق في وقت مبكر من مساء يوم 9 نوفمبر 1989، عندما أدلى عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الألماني الشرقي ببيان على الملأ مفاده أن الألمان الشرقيين سيسمح لهم على الفور بالسفر إلى الخارج!

تلقّف المواطنون في برلين الشرقية هذه “الشرارة” وتجمهروا أمام الجدار عند المعبر، وما هي إلا ساعات قليلة (حوالي الساعة 11:30 من مساء اليوم ذاته) حتى أمر ضابط أمن كبير من الستازي (الأمن الألماني الشرقي) اثنين من حراس المعبر بفتح “القفص” البرليني الشرقي من البوابة الرئيسية فاجتاحت الجماهير المبتهجة الجدار وأخذ الآلاف من الناس الفؤوس والمطارق في تلك الليلة بالذات وبدأوا في تحطيم ما استطاعوا من هذا الجدار.

دروس هذا الحدث التاريخي والمفصلي عديدة ومتشعبة، وقد لا يهمنا منها إلا ما يمكن أن يُلهم الحالة السورية وما نتج عن هذه الحالة من “جدران” فاصلة، منها ما بُنِيَ لنا ومنها ما بنيناه بأنفسنا، نحن السوريون:

  • جدران طائفية وعرقية …
  • جدران سياسية فَصَلت بلا رحمة بين “موالين” و “معارضين”، لا توسّط بينهما …
  • جدران جيوسياسية فصلت بين سوريي “الداخل” وسوريي “الخارج”…
  • جدران ذهنية تمترست خلفها العقول دون وعي لأثرها السلبي المعطل للحوار والممزق للنسيج المجتمعي…
  • جدران اقتصادية داخلية بين تجار الأزمة و “المٌتاجَر” بقوت عيشهم …
  • جدران اقتصادية خارجية بنتها العقوبات الخبيثة…
  • وجدران حربية حقيقية أقاموها بحجة “المساعدة” في محاربة الإرهاب وإقامة مناطق “آمنة”…
  • …..

أوجه الشبه (والمفارقات) عديدة بين ألمانيا بعد الحرب وسورية اليوم فيما يتعلق بالجدران.

ولعل أبرز هذه الأوجه أن جدار برلين أرادوا منه أن يكون رمزًا قويًا للحرب الباردة التي اشتدت بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كما أرادوا منه التذكير الدائم بأن الحرب الباردة إذا ما تحولت إلى ساخنة، فستكون ألمانيا – الشرقية والغربية – ميدان المعركة الرئيسي والأكثر فتكًا.

أما جدراننا فقد أراد جميع من ساهم في بنائها من “اللاعبين” المحليين والإقليميين والدوليين (ووكلائهم) أن يجعلوا من سورية، كما يبدو، رمزاً لـ “السلم الساخن” بين القوى الكبرى، وربما أرادوا منها أيضاً التذكير الدائم بأن هذا السلم الساخن إذا ما ازدادت سخونته وتحوّل إلى حرب، فستكون حرباً إقليمية أو عالمية شاملة وفتاكة، وستكون سورية ميدانها الرئيسي.

فأين نحن الآن من مشوار إسقاط جدراننا بكافة أنواعها؟

من المؤكد أننا في الطور الأول (التدريجي) من مسار الإفلاس للقوى الداخلية والخارجية المتربصة بهذا البلد، بما فيها قوى الإرهاب، لكن كيف لنا أن نهيئ الأرضية المناسبة للطور “اللاخطي” المنتظر والحاسم إن لم نسقط جدراننا الذهنية الذاتية، التي ستوصلنا إلى الحوار الخصب والمنتج، ومن ثم الخلاص؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s