التضخّم الآخر: ماذا لو نظرنا إلى التعليم بعدسة التضخّم؟

ربما لا يعلم الجميع أن التضخم في الاقتصاد، الذي تعاني منه اقتصادات الدول كافة، بدرجة أو بأخرى، له نظير خفي لا يقل عنه ضرراً بالاقتصاد والمجتمع…. إنه “التضخم الأكاديمي”، أو التضخم في التعليم، الذي يلمسه الخريج الجامعي ما أن يبدأ محاولاته لـ”تسوّق” وظيفة له في سوق العمل، متسلِّحاً بالشهادة الأكاديمية التي حصل عليها….

يتشابه هذا المنتسب الجديد إلى “نادي التضخم” مع التضخم “التقليدي” المعروف في الاقتصاد ويشترك معه في المفهوم والإطار العام…

فإذا كان التضخم في الاقتصاد يعني “ارتفاع أسعار السلع والخدمات عبر الزمن”، فإن التضخم الأكاديمي يعني “ارتفاع الحد الأدنى من الشهادات والمؤهلات الأكاديمية المطلوبة لشغل الوظائف عبر الزمن”….

وإذا كان التضخم في الاقتصاد يشير إلى انخفاض القوة الشرائية لعملة الدولة في السوق، فإن التضخم الأكاديمي يشير إلى انخفاض القيمة الأكاديمية للشهادات، وبالتالي “قوتها الشرائية” في “سوق العمل”…

في هذه “المحاكاة” أصبح “العمل/الوظيفة” هو “السلعة” التي يبحث عنها الخريج، و”الشهادة الأكاديمية” هي العملة التي لن يتمكن الخريج بدونها أن “يشتري” الوظيفة الذي يطمح إليه من “سوق العمل”، أما “الأسعار” فأصبحت تتمثَّل بـ “الحد الأدنى لمتطلبات الوظيفة” Minimum Job Requirement، التي يشكل ارتفاعها المستمر أصل هذا التضخم الأكاديمي.  

مفاعيل التضخم الأكاديمي وإفرازاته….

التضخم الأكاديمي “شرٌّ” لا بد منه، عابر للمنظومات التعليمية في العالم، ويمثل مشكلة لكل من الطلاب والمؤسسات التعليمية والمجتمع، لكن الاقتصاد يبقى المتضرر الرئيسي من هذا التضخم لما يسببه من عوائق تعترض التنمية، مفرزاً ظواهر عديدة تجلت بأشكال مختلفة في المجتمع بشكل عام، والمجتمع الأكاديمي بشكل خاص:

  • التضخّم يعني الترهّل، فبصرف النظر عن حقيقة أن البطالة تزداد عندما يكون هناك تضخم أكاديمي، ينتهي الأمر بالعديد من الطلاب إلى الاكتظاظ في الجامعات وقضاء سنوات عديدة فيها على حساب جودة التعليم والخبرة العملية والمهارات التي كان بإمكانهم اكتسابها في بيئة العمل.
  • يترافق هذا النوع من التضخم بتزايد في أعداد الأفراد الحاصلين على شهادات جامعية من ذوي الشهادات المنخفضة (الإجازة الجامعية أو البكالوريوس)، حيث يتنافس هؤلاء على عدد قليل من الوظائف التي تتطلب هذه الدرجات العلمية
  • من النتائج السلبية للتضخم الأكاديمي أن الطلاب يعيشون طوال فترة الدراسة في قلق دائم وخوف وتوجس من البطالة، ويميلون إلى إطالة فترة الدراسة لجني المزيد من الشهادات والدرجات والدورات.
  • من النتائج المتوقعة للتضخم الأكاديمي وفرة أسواق التعليم والتعلم في الجامعات والمعاهد الحكومية والخاصة، ولعل الانتشار الواسع للجامعات الخاصة، وبخاصة في البلدان النامية، ليس إلا مظهراً (ونتيجة) من مظاهر هذا التضخّم.
  • التضخم الأكاديمي الذي يشير إلى انخفاض قيمة الشهادات الأكاديمية بمرور الزمن، يشير أيضاً إلى انخفاض مماثل في الميزة الممنوحة لحاملي هذه الشهادات في سوق العمل، وليس أدل على ذلك إلا سلّم الرواتب والأجور المطبق لدينا حالياً.
  • حرّض هذا الواقع سباقاً مكثفاً للحصول على مؤهل أكاديمي أعلى في مجتمع لم تعد الدرجة الجامعية الأولى فيه كافية للحصول على عمل في ذات الوظائف التي كانت تتطلب في السنوات السابقة الحصول فقط على شهادة ثانوية أو معهد متوسط أو إجازة جامعية.
  • ما سبق يمكن ترجمته بظاهرة أخرى تحت مسمى “الإفراط في التأهيل” Over qualification. هنا يظهر التضخم الأكاديمي جلياً عندما يتولى خريجو الجامعات أعمالاً كانت تنفذ من قبل غير جامعيين، وعندما يتولى خريجو الدراسات العليا أعمالًا كانت تُنفذ سابقًا من قبل خريجين جامعيين، وتستمر “الهجرة” من المستويات الأعلى نحو مهنة ما إلى أن تصبح هذه المهنة في النهاية “مهنة الدراسات العليا”. تشير التقديرات إلى أن 30% من خريجي الجامعات في الولايات المتحدة يضطرون إلى قبول وظائف لا تتطلب أي شهادة جامعية!!
  • وكنتيجة مباشرة للإفراط في التأهيل، امتد التضخم الأكاديمي ليطال شهادات الماجستير والدكتوراه وما بعد الدكتوراه، واشتد السباق عليها لكسب المزيد من المزايا للمنافسة في سوق العمل على وظائف لا تتطلب هذه المؤهلات المتقدمة.
  • يرتبط التضخّم الأكاديمي أيضًا بتضخّم في العلامات الممنوحة للطلاب (Grade Inflation)، الذي يعكس الميل إلى منح الطلاب علامات أكاديمية أعلى من تلك التي كانوا سيحصلون عليها في الماضي لقاء الإنجاز ذاته، وذلك لإكسابهم “ميزة تنافسية” في سوق العمل! وللوقوف على حقيقة هذه الجزئية من التضخم في منظوماتنا التعليمية، يكفي ملاحظة تطوّر العلامات التي حصل عليها طلاب الثانوية العامة على مدى العقود الماضية حتى بات العديد منهم يحصلون على المجموع التام، وكذلك العلامات والتقادير التي تُمنح بسخاء لخريجي الماجستير والدكتوراه.

منشأ التضخم الأكاديمي؟؟

يعود الفضل في إطلاق وإشهار مصطلح “التضخم الأكاديمي” إلى المفكر التربوي، السير كين روبنسون (Sir Ken Robinson) عندما تحدث لأول مرة عن هذه الظاهرة في محاضرته الشهيرة والممتعة مع (TED Talk) بعنوان “المدارس تقتل الإبداع Schools kill creativity”، أهيب بالجميع مشاهدتها على هذا الرابط، والاستمتاع بمحتواها، وبروح الفكاهة البريطانية التي تميزها. في كلمته هذه، انتقد السير روبنسون النظام التعليمي الحالي لعدم تشجيعه على الإبداع لدى الأطفال الصغار، الأمر الذي أدى إلى وصم حقول الدراسة القائمة بالترهل والنمطية، مما من شأنه الحؤول دون ابتكار حقول دراسية جديدة لا يزال يتعين استكشافها، لكن العديد منها لا زال مغيّباً نتيجة لغياب الإبداع، في الوقت الذي تكتظ فيه الحقول الأخرى التقليدية و(النمطية) بالطلبة.

إن التضخم الأكاديمي لم يكن ليحدث لولا التقلبات والتحولات التي حدثت في المتطلبات التعليمية لمعظم الوظائف، والتي ترافقت مع العديد من الظواهر المزعزعة والمفاجئة مثل العولمة واقتصاد السوق والثورة الرقمية وما رافقها من بزوغ للاقتصاد المعرفي، وتكرّست هذه الظواهر بغزو التيار النيوليبرالي لمؤسسات التعليم العالي عبر العالم، مما أدى إلى تسليع التعليم وتحويله من منفعة عامة إلى استثمار شخصي بحت للمستقبل الذي بات يُصمَّم من حيث القدرة على كسب العمل. يقول هنري جيرو في مقال له منشور في مجلة Harvard Educational Review: “في ظل النيوليبرالية وانتصار قوى السوق، لم يَعُد الكثير من الطلاب وأهاليهم يعتقدون أن التعليم العالي يعني التعلّم العالي Higher Learning، بل يعني بكل بساطة اكتساب الطلاب موطئ قدم أفضل في سوق العمل”.

هل هي مسؤولية التعليم وحده؟

لقد بينت تجارب التنمية في سائر أنحاء العالم أن نظام التعليم لا يعمل في فراغ، وهو جزء من نظام اقتصادي واجتماعي وطني وإقليمي، وأن ثمة علاقة عضوية وتبادلية وثيقة بين التعليم والتنمية ونمطها عبر سوق العمل، فكما يؤثر التعليم في التنمية، تؤثر التنمية في التعليم وبشكل جوهري لأن أهداف التعليم تٌشَكَّل وفقاً لنمط التنمية السائد، ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن يصمد من دون نمط تنمية ملائم وسياسة قبول رشيدة تعي المخاطر والأهداف التي تحافظ على المصالح الوطنية.

يتبين مما سبق أن عدم وجود سياسة اقتصادية واضحة تحدد توجهات الاقتصاد والقطاعات المرشحة للنمو في أي بلد (جانب الطلب) سيجعل المنظومة التعليمية (جانب العرض) عرضة لما سبق ذكره من مظاهر التضخم الأكاديمي.

وماذا عن منظومتنا التعليمية؟؟

على الرغم من أن منظومتنا التعليمية حققت خلال العقود الثلاث الأخيرة من القرن الفائت إنجازات ملموسة، وزوّدت النموذج التنموي الوطني بحاجته من الأطر ضمن أولويات تلك الحقبة التي تمثلت بمركزية الدولة في عملية التنمية، إلا أنها لم تكن بمنأى عن أي من مسببات ومظاهر ومفاعيل التضخم سابقة الذكر.

وقد يطول الحديث في هذا المجال، خاصة وأن المقال الحالي ليس بصدد اقتراح خارطة طريق للقضاء على التضخم الأكاديمي، بل يهدف إلى إجراء تشخيص عام للتضخم الأكاديمي وآثاره. ما تجدر الإشارة إليه هنا أن إصلاح التعليم لجعله يستجيب إلى التحول المستمر في المتطلبات التعليمية لسوق العمل (الذي هو الآخر بحاجة إلى إصلاح)، بدءً من سياسات القبول، مروراً بالمناهج وطرق التدريس وانتهاءً بالأنظمة التدريسية، أصبح قضية وطنية مشتركة لا تنحصر في التعليم العالي وحده، وأن من غير الممكن حل التناقض بين مخرجات التعليم وسوق العمل دون تطوير البنية الإنتاجية وإصلاحها كي تستوعب الخريجين. عندها فقط ستزول أسباب ومفاعيل التضخم الأكاديمي، ومعها التضخم الاقتصادي.

لكن ماذا عن الطلاب، وهم المعنيون الأساسيون بالتضخم والمتضررون به من جراء هذا الواقع الذي يكاد أن يكون مستعصياً في المدى المنظور؟ ربما يكمن الحل، بعيداً عن الإبداع المنتظر من القائمين على التعليم، في يد الطالب الذي عليه هو أن يصيغ أهدافه الشخصية ويوجد الطريق الصحيح لنفسه، يبحث عن اهتماماته ونقاط قوته، يعمل على تطويرها بشكل دائم دون أن يضع حدوداً لتعلّمه، يكتسب خبرة في ميادين مختلفة كي يحافظ على وضعه التنافسي، يحرص على تعلم اللغات الأجنبية، ويتعلّم التغلب على الفشل والانتكاسات، وحل المشاكل بدلاً من الهرب منها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s