التعلّم في مكان العمل ــ النموذج 10/20/70

هل أتاكم حديث النموذج 10/20/70 حول التعلّم في مكان العمل؟

يعد نموذج 10/20/70 الذي تم تطويره في ثمانينيات القرن الماضي إطار عمل للتعلّم قائم بذاته، وهو نموذج للتعلم والتطوير مستمد من دراسة تجريبية اعتمدت على الموظفين/العمال في الإبلاغ ذاتياً عن كيفية تعلمهم في مكان العمل.

يحدد النموذج الأنماط الرئيسية الثلاثة الأكثر أهمية للتعلّم والتطوير الشخصي في مكان العمل، وأهميتها النسبية التي تأتي على الشكل التالي:

  • ·      70 ٪ – بالتعلّم الخبراتي/التجريبي Experiential learning، حيث يتم تعلم المهارات في مكان العمل أثناء تأدية العمل اليومي On the Job Training. في هذا النمط، يتم تحدي الموظف بإسناد مهام صعبة له ويعد ذلك أساسياً لضمان تطوّره المستمر، ولو أدى ذلك إلى فشله في تنفيذها فهذا الأخير يعد الوسيلة الأسرع والأثبت للتعلّم. يتوافق هذا النمط من التعلّم مع المثل الشعبي القائل: “ما حدا بتعلّم إلّا من كيسو”، مع الفارق هنا بوجود منصة مناسبة يتم من خلالها تسجيل التعلم وتقييم تطوّره.    
  • ·      20 ٪ – بالتعلّم الاجتماعي Social Learning الذي يتم بشكل غير رسمي Informal، حيث يتم الحصول على المهارات من خلال التفاعل والتعاون مع الآخرين. يمثل هذا النمط نوعاً من التطور الشخصي الذي يجب أن يحدث بشكل طبيعي وتلقائي في أي مكان عمل، وذلك من خلال التعاون الوثيق بين الزملاء. يعد وجود منصة مرنة لإدارة التعلم والتطوير أمراً أساسياً لتحقيق ذلك، مما يسمح بتشارك فعال للمعارف الحيوية.
  • 10 ٪ – بالتعلّم الرسمي Formal Learning، بما في ذلك الدورات التدريبية المنظمة Training Courses التي تتطلب مشاركة الأفراد أو الفرق. على الرغم من أن نموذج 10/20/70 يولي اهتماماً ضعيفاً بهذا النمط على برامج التعليم الرسمية، إلا أن الاستثمار في جودة التدريب المقدم، على حساب الكم يعدّ من الممارسات الفعالة في هذا النمط وعامل نجاح له.

أظهرت الدراسات أن نموذج 10/20/70 يمكن أن يكون فعالاً للغاية إذا ما تم دمجه بشكل صحيح في الشركات والمؤسسات. وفقًا لتقرير حديث صادر عن مؤسسة “نحو النضج” للتعلم والتطوير ومنتدى 10/20/70، فإن الشركات التي تستخدم 10/20/70 يُرجَّح أن يكون موظفوها قادرين على الاستجابة بشكل أسرع لتغيير الأعمال أكثر بأربعة أضعاف من الشركات التي لا تستخدم هذا النموذج – مما يدل على الأثر الإيجابي لهذا النموذج.

كما ووجدت دراسة أخرى من Docebo أن نموذج 10/20/70 يسمح للموظفين بتطبيق ما يتعلمونه في الممارسة بشكل أسرع، وأن الشركات التي تقوم بدمج النموذج في خطة التعلم والتطوير الخاصة بهم لاحظت حدوث تغيير إيجابي في سلوك الموظفين حيث وجد التقرير أيضًا أن الشركات التي تستخدم نموذج 10/20/70 كانت أكثر عرضة لجذب المواهب العليا بخمسة أضعاف، وبضعفين فيما يتعلق برضا العملاء بفضل التعلم التجريبي أثناء العمل.

نموذج 70/20/10 الأكثر نجاحاً في المؤسسات/الشركات الصغيرة

في حين تعتمد بعض الشركات على نظام تعليمي/تدريبي رسمي واسع النطاق، يتضمن منهجًا محددًا يُفصّل على مقاس كل موظف، وتُنفق عليه أموالاً ضخمة، فإن نموذج التعلم غير الرسمي القائم على صيغة 10/20/70 يمكن أن يكون مساوياً، إن لم يكن متفوقاً، لجهة الفعالية في تحفيز التعلّم في مكان العمل.

يفيد نموذج 10/20/70 الشركات الصغيرة بشكل خاص لأنه يركز على التعلم التجريبي والاجتماعي، حيث يتطور أعضاء فريق العمل من خلال قيامهم بمهام يومية والعمل مع بعضهم عن قرب. ونظرًا لأن هذا النموذج يولي اهتماماً أقل بالتدريب الرسمي، فهو حل تعليمي وتطويري فعال من حيث التكلفة Cost effective، بالإضافة إلى تميزه بالمرونة، وإمكانية تقديم المساعدة للموظفين على تحسين مهاراتهم المتعلقة بالوظيفة واتخاذ القرارات بشأن التعلّم والتطوير المستمرين.

يتطلب نموذج 10/20/70 توفير ثقافة تمكن الأفراد من التعلم من خلال تجارب جديدة دون خوف من الفشل، والقدرة على الإبلاغ الذاتي عن تطورهم وحلقة تعليقات مستمرة مع المديرين حتى يتمكنوا من تقييم الأداء وعرض ردود الفعل البناءة. يتيح الوصول إلى نظام إدارة التعلم إلى جانب 10/20/70 للموظفين تحديد مسار التعلم الخاص بهم، والوصول إلى الموارد ذات الصلة بعملهم المحدد.

عوامل النجاح في تطبيق نموذج 10/20/70 في المؤسسة/الشركة

يعتمد نجاح نموذج 10/20/70 في المؤسسات والشركات على مدى فعالية تطبيقه. فيما يلي بعض النصائح العملية حول كيفية دمج 10/20/70 في استراتيجية التعلم والتطوير الخاصة بالمؤسسة:

  • رفع مستوى الوعي بـ 10/20/70 في مجالات الأعمال كافة

يتوقف نجاح النموذج على مدى دراية المديرين والموظفين بهذا النموذج وفوائده. يجب توخي الوضوح حول سبب تطبيق 10/20/70، والتأكد من أن الجميع – من المديرين التنفيذيين إلى أعضاء الفريق – يدركون أن التعلم والتطوير المستقبليين سيتم تسهيلهما بشكل أقل عن طريق التعليم والتدريب الرسمي، وبشكل أكبر بكثير من خلال التعلم التجريبي والاجتماعي اللذين يتمّا في مكان العمل. يحتاج كل من المديرين والموظفين إلى أن يكونوا على دراية بالدور الذي يلعبونه في تنمية أنفسهم، لذلك يجب التحدث إليهم كـ “فريق” وتشجيعهم على المحادثة فيما بينهم للشروع استعداداً لإطلاق “عملية” 10/20/70.

  • الاستفادة من المواد المتاحة

يعدّ التوفر المتنامي للمواد التعليمية أحد الأسباب الرئيسية وراء زيادة شعبية نموذج 10/20/70 بين المؤسسات/الشركات العامة والخاصة. فبفضل منصات التعلم ومشاركة البيانات على شبكة الإنترنت، أصبح الآن بإمكان الشركات من جميع الأحجام الوصول الفعال إلى مواد تعليمية عالية الجودة وبأسعار معقولة، إن لم تكن مجانية وذلك عبر بوابات التعلم القائمة على الويب بالإضافة إلى القنوات العامة مثل YouTube، وسلسلة TED Talk الممتازة، إلى غير ذلك من المواد المتاحة. تتيح المنصات الاجتماعية ومنتديات الأعمال التجارية والمهنية عبر الإنترنت مشاركة أفضل الممارسات والحصول على المشورة وإقامة الشبكات بسهولة أكبر. يمكن أن يساعد ذلك جميع مجالات العمل على تطوير استراتيجيات وممارسات العمل ومساعدة الموظفين على التعلم.

  • التركيز على التعلّم التجريبي

نظرًا لأن 70٪ من التعلم يأتي من العمل، فمن الضروري أن يتم تزويد الموظفين بمنصة لتطوير مهاراتهم في العمل. يعود تيسير التعلم التجريبي في مكان العمل إلى منح الموظفين مزيداً من المسؤوليات والتحديات، لذلك يقومون باستمرار بتطوير مهارات جديدة واكتساب خبرة جديدة. ابدأ بتفويض المهام الأكثر تحديًا لأفراد الفريق ، ومنحهم قدرة أكبر على اتخاذ القرارات والتحكم. يمكنك دفع جانب التعلم الاجتماعي هنا أيضًا، من خلال تشجيع الموظفين على بناء علاقات مع أشخاص خارج قسمهم. من الأهمية بمكان أيضاً أن يتم تقديم تغذية راجعة عند اللزوم، دون التدخل في الأمور التفصيلية.

  • القبول بتدني نسبي في الكفاءة والإنتاجية لصالح تسهيل العملية التعلّمية

عندما يوضع الأفراد أمام تحديات ويُحمّلون مسؤوليات أكبر، يمكن أن يحدث انخفاض طفيف في الكفاءة والإنتاجية بانتظار أن يتعودوا على أساليب العمل الجديدة التي تعلموها. من المهم قبول هذا كحل وسط في سبيل دعم التعلم التجريبي، والسماح للموظفين بحرية التعلم بالممارسة ومن أخطاء الماضي. سوف يهون هذا التدني العابر في الكفاءة عندما يتم النظر إلى هذا التدني من خلال التحسن في المنحنى التعلّمي على مستوى المؤسسة ورأس مالها البشري.

الصورة الرئيسية مأخوذة من الرابط https://tesseractlearning.com/blog/70-20-10-model-performance-and-training-revisited.html

الإعلانات

العلمنة وما أدراك ما العلمنة…

وصل الانقسام السجالي السوري المتعدد الأطراف والمتنامي، الذي يلاحظ يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وصل إلى درجة بات يستحق فيها أن يُنشأ له “ترند” يومي أو أسبوعي يعبر عن مواضيع الانقسام الأكثر تداولاً وسجالاً!!

على سبيل المثال، شكل موضوع العَلْمَنَة Secularization (التحول نحو العلمانية) خلال الأسبوع المنصرم ولا يزال، الترند الأبرز بين مواضيع الانقسام السجالي معبّراً أصدق تعبير عن حالات “التشظي” واليأس والضياع التي ركبت المجتمع السوري منذ بدء الحرب القذرة التي عصفت بالوطن الغالي.

لا أهدف بمقالتي هذه، المخصصة لموضوع العلمنة، إلى المشاركة في السجال القائم حول هذه القضية ذات الحساسية المفرطة، بقدر ما هي الرغبة في إلقاء مزيد من الضوء الموضوعي المستمد من أدبيات الملف والتجارب العالمية حول “القضية”، وذلك لإبراز حجمها الحقيقي وما تنطوي عليه من تحديات وتداعيات.  

لماذا العلمنة؟

كما هو معلوم، فإن العلمانية التي ما فتئ المفكرون والناشطون يبشّرون بها ويدعون إلى “القفز” إلى قطارها رافعين شعار فصل الدين عن السياسة كخيار “دستوري” لبناء الدولة المدنية، إنما تهدف بشكل أساسي إلى الحيلولة دون تحكّم المؤسسات الدينية بالسياسة كي لا تقف حائلاً أمام تحرر المجتمع ونزوعه نحو الحداثة السياسية التي باتت ضرورة لتحقيق السلم الأهلي وتعزيز دولة القانون.

ثمة تساؤلات جوهرية تبرز هنا حول ما تنطوي عليه العلمنة من أبعاد، وما تَعِدُ به من مجتمع حياتي…

فإذا ما عدنا بضعة قرون إلى الوراء سنرى أن الحركات العلمانية التي جاءت في أعقاب الثورة على الكنيسة في القرن السادس عشر قد أسست لبناء مدني للمجتمع منتجة “مجتمع الخلاص” الذي وُصفَ بمجتمع “ما بعد العلمنة”. ذلك لأن العلمانية الأوربية التي هدفت فيما هدفت إلى فصل الدين عن السياسة كانت، قبل كل شيء، علمانية اقتصادية وفكرية وثقافية شاملة امتلكت محركات دافعة استهدفت المجتمع وطالت مفاصله كافة، من الفن إلى التعليم إلى الأخلاق وما إلى ذلك. مع الإشارة، وهنا بيت القصيد، إلى أن هذه العلمانية الأوربية التي جاءت بعد مخاض دامٍ لم تكن في وقتها خياراً فكرياً بل وجدت كضرورة بقاء وحتمية وجود حضاري بعد أن عاش المجتمع الأوربي واقعاً أليماً تخلله صراع دموي ووجودي استمر على شكل حروب دينية متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 و 1648 م)، حروب امتدت من سويسرا إلى الدنمارك مروراً بمعظم الدول الأوربية، ووصل الحال فيها إلى مرحلة مصيرية وخطيرة.

مجتمع الخلاص العلماني

يتسم مجتمع الخلاص الغربي هذا بخصائص حياتية جمّة انطلقت بالأساس من مبدأ “عش ودع الآخر يعيش” Live and let live – Vivre et Laisser Vivre بعيداً عن الانتماء إلى عرق أو عقيدة.  

تفيد الأدبيات أن السمات البراغماتية الرئيسية لهذا المجتمع في “المدينة العلمانية الفاضلة” تتلخص بالتالي:

  1. مجتمع يَدَع الفرد يمارس معتقداته وطقوسه شريطة ألا يمسّ ذلك معتقدات الآخرين ويخلق العقبات أمامهم.
  2. مجتمع تسود فيه الاستحقاقية Meritocracy كمعيار وحيد للحصول على أية وظيفة، وليس الخلفية الدينية/الأثنية/السياسية
  3. مجتمع يضمن حرية التعبير دون أن يسمح لأحد بدسّ السم أو قول أشياء ضد أي دين أو طائفة اجتماعية أو ما شابه باسم حرية التعبير.
  4. مجتمع لا يبشّر بالتسامح بل باحترام الحقوق الفردية والقبول حتى يحترمَ الناس كلٌ منهم الآخر ويقبلَ بعضهم البعض بالطريقة التي يتصرفون بها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية/خلفيتهم الأثنية بدلاً من التسامح مع بعضهم البعض لأن التسامح غالباً ما يتم بين الأضداد ويأتي في سياق السكوت على العيوب والتجاوزات.
  5. مجتمع يضمن حق الفرد في ممارسة معتقدات أو اعتناقها أو تغييرها بحرية دون خوف من أي شخص (أو من الدولة)
  6. مجتمع يطمئن إلى أن الحكومة تسمح للناس وتدعمهم في تنمية لغاتهم وثقافاتهم لضمان التعددية الثقافية
  7. مجتمع يتكئ على حيادية وسائل الإعلام وعدم تحيزها ضد أو لصالح مجتمع طائفي أو أثني معين
  8. مجتمع يعي أن جميع الأحزاب السياسية في البلاد تعمل لتحقيق أجندة الوطن بدلاً من السعي لتحقيق مجتمع لغوي أو ديني أو عرقي معين، وبالتالي يجب ألا يكون هناك حزب سياسي يمارس السياسة على أساس ديني أو أثني أو طبقي أو لغوي أو ما إلى ذلك، الأمر الذي لن يفيد إلا بزرع بذور الانقسام بين الناس فقط. وبدلاً من ذلك، يجب على الأحزاب السياسية معالجة القضايا التي يواجهها عامة الناس مثل الأمية والفقر والبطالة وما إلى ذلك.
  9. مجتمع لا يعترف بنظام “المحاصصة” وإن كان لا بد من ذلك، فيجب أن تكون المحاصصة على أساس مستويات الدخل أو التخلف الاجتماعي/الاقتصادي وبشفافية مطلقة، بدلاً من الدين أو اللغة أو الطائفة. علماً أن أشد أنواع المحاصصة خطراً على السلم الأهلي ذلك الذي يتجسد في المحاصصة “الباطنية”.

باختصار، هو مجتمع يكرّس الحياديّة الدينية واحترام الحقوق الفردية، ويعتمد على العقلانية والمنظور العلمي. مع الإشارة إلى أن مسؤولية تحقيق هكذا مجتمع وصيانته والسهر على حمايته تعود إلى الدولة، دولة القانون واحترام الدستور.

علمنة القيم: مخاض مستمر

أثبتت التجارب أن العلمنة عملية لا تنتهي Never-ending Process ولا تتوقف عند سقف إنجازي محدد، لما لها من امتدادات Spillovers وتأثيرات جانبية اجتماعية وإنسانية تمثلت بما سمى بـ “علمنة القيم” التي نشأت ونمت تحت شعار احترام الحقوق الفردية (الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العلماني)، الأمر الذي فرض على المجتمع الغربي نوعاً من القبول أو “التسامح القسري” مع قضايا لا تزال تشكل خطوطاً حمراء لدى العديد من المجتمعات العلمانية المتدينة كقضايا المثلية الجنسية وزواج المثليين والمتحولين جنسياً والهوية الجنسية المهددة بالطمس، والإجهاض، الخ.

بالأمس فقط أصدر الفاتيكان وثيقة إرشادية لمعلمي المدارس ينتقد فيها الأفكار المعاصرة حول الهوية الجنسية حملت العنوان “خلقنا الله ذكورا وإناثا” مما أثار غضب مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً!!

وبالأمس أيضاً أصدرت المحكمة العليا في البرازيل حكماً بتجريم رهاب المثلية (الهوموفوبيا) بعد أن تفاقم العنف المضاد لانتشار ظاهرة المثلية حيث شهد العام 2017 وحده 387 جريمة قتل و58 عملية انتحار بسبب رهاب المثليين والمتحولين جنسيا، وذلك نتيجة لعدم تقبل المجتمع لكلا الظاهرتين في هذا البلد العلماني المتدين!! جاء ذلك خلافاً للوعود الانتخابية الني كان الرئيس البرازيلي المنتخب حديثاً قد أطلقها وتعهد فيها بكبح التوجه الليبرالي المتعلق بهذه القضايا الدينية والأخلاقية. 

إن دلّ هذان الحدثان على شيء فيدلان على أن العلمنة التي أدت إلى فصل الدين عن السياسة وإقامة حكم القانون لم تؤدِّ بأي شكل إلى فصل الدين عن المجتمع، وهنا يكمن جوهر الموضوع: لا تَعارضَ بين العلمانية والتدين، إنها العلمانية “المؤمنة” كما يسميها البعض تجاوزاً. مع الإشارة إلى أنه، مهما شهدنا من ظواهر شاذة، فليس هناك من علمانية ملحدة وعلمانية مؤمنة، إنما علمانية واحدة تقف على مسافة واحدة من الأديان كافة، وهذه العلمانية تصب في مصلحة كل من الدين والدولة لأنها تحمي الدين (الصحيح الذي لا يتعدى على غيره) من تدخل الدولة وتحصّن الدولة من هيمنة الدين.

هل نحن جاهزون؟

قد تصعب الإجابة بهذا الخصوص…. فالعلمنة ليست بنزهة إصلاح عبر تشريعات وقوانين كما يتبين من الاستعراض السابق لمخاض التجربة الغربية، آخذين بالاعتبار ما نحن عليه من حال، وما يحيط بنا من أخطار، وما تتطلبه العلمنة من إجراءات جذرية تطال النظام الحوكمي في الدولة والثقافة السائدة في المجتمع.  وربما لم ننضج بعد لهكذا تحول مصيري محفوف بالمخاطر والتحديات. من المفيد في جميع الأحوال استعراض بعض الدروس المستفادة مما سبق:  

  • كل دعوة إلى العلمانية لا تلحظ علمنة المفاصل الحياتية للمجتمع من اقتصادية وعلمية وفكرية وأخلاقية وثقافية تبقى خطوة شكلية وقاصرة وغير مجدية
  • وكل دعوة إلى العلمانية لا تأخذ بالاعتبار حيادها الديني وتؤكد عليه وعلى حرية ممارسة المعتقدات، لن تكون علمانية صادقة ولا حرة ولا عقلانية، ويخشى أن تكون دعوة حق يراد بها باطل.
  • وكل دعوة إلى استنساخ التجربة العلمانية الغربية ستعرّضنا إلى الوقوع في مطب علمنة القيم على الطريقة الغربية
  • الطائفية والنفاق شيطانان لصيقان بالعلمانية واجتثاثهما يمثل التحدي الأكبر للعلمنة الصادقة ويحتاج إلى فترات من الإعداد والتوعية.

فهل نحن جاهزون لعلمنة نفصّلها بأيدينا وعلى مقاسنا وبشكل تدرجي لنأتي بعلمانية “وسطية” إن جاز التعبير؟

الأمر منوط بعقلائنا وحكمائنا ومفكرينا وأولي أمرنا ….  

حيوانات التعلّم والطريق إلى تربيتها

“قد لا يدرك الناس أننا في جوجل، نركّز في انتقائنا لموظفينا الجدد على “حيوانات التعلم” والعموميين بدلاً من المتخصصين. والسبب الرئيسي في ذلك هو أننا نعمل في صناعة ديناميكية تتغير فيها الظروف بسرعة كبيرة، وبالتالي فإن أشياء مثل الخبرة والأدوار التي سبق للمرشح أن قام بها لم تعد بذات الأهمية كقدرته على التفكير والتعلّم السريعين”.

هكذا عبر “جوناثان روزنبرغ” نائب الرئيس الأول السابق للمنتجات لدى جوجل والمؤلف الشريك لكتاب (How Google Works) مع “إيريك شميت” الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل (الظاهر في الصورة)، وذلك في حديثه عن كيفية إدارة جوجل لمواردها البشرية وفرقها الديناميكية والإبداعية.

ولعل مصطلح “حيوانات التعلم” الذي روجته جوجل في سوق العمل العالمي يمثل، على الرغم من خشونته، التعبير الأهم في هذا التصريح المفصلي، مع الإشارة إلى أن كلمة “حيوان” هنا تستخدم بمعناها الإيجابي “الحميد” وذلك لتضخيم صفة “الإدمان” على التعلم، وإبراز أهمية التعلّم بشكل مستمر “من المهد إلى اللحد”. تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين مصطلح “حيوان التعلم” هذا و “حيوان الدراسة”، فالثاني يعدّ نقيضاً للأول وله دلالة سلبية إذ يستخدم في ثقافتنا الشعبية للإشارة إلى ذلك الطالب الذي يفتقر إلى الذكاء فيلجأ إلى الحفظ عن ظهر قلب (البصم) للتعويض عن النقص في ذكائه.   

في الواقع، بدأ أرباب العمل يدركون، أكثر من أي وقت مضى، أن الأشخاص القابلين للتعلّم ذاتياً هم أفضل العاملين أداءً، هؤلاء الذين يشار إليهم بـ “الأدمغة الجائعة” hungry brains، المهتمون حقًا بتحديث معارفهم ومهاراتهم. ازداد هذا الإدراك بعد أن أشارت الدراسات إلى أن الشركات تهدر مليارات الدولارات كل عام على برامج التدريب الداخلية دون أن تحصل منها على منفعة مستدامة. اتجه الحلّ إذاً نحو توظيف أصحاب المواهب الذين “تعلموا كيف يتعلمون”، ممن يتمتعون في الأصل بعشق طبيعي للتعلم ودافع شخصي للتطور مهنياً. لقد شكل “تعلّم كيفية التعلم” جوهر الانزياح الحاصل في التعليم للقرن الواحد والعشرين …

المدير التنفيذي لشركة مايكروسوفت عبر بدوره عن هذا الانزياح بطريقة أخرى عندما تساءل، كما في الصورة، “كيف لنا أن نبني ثقافة تَعلَّم كلَّ شيء بدلاً من اعرف كل شيء؟”.

ولفهم الملابسات والتداعيات التي أدت إلى هذا الانزياح الجوهري، قد يكون من المفيد أن نتعمق قليلاً في موضوع “المعرفة”:

  1. ففي عصر الوفرة المعرفية والتقانة الذي نعيش، فإن أية معرفة مولّدة حديثاً، مهما بلغت أهميتها، سرعان ما ستفقد من قيمتها الاقتصادية بسبب ما بات يعرف بخاصية تهالك المعرفة Obsolescence of knowledge والدوران السريع لها Knowledge turnover. فمعرفة اليوم ستصبح غير صالحة غدا عندما تأتي معرفة أحدث من الأولى، لذلك فإن امتلاك المعرفة لم يعد يضمن الفائدة منها.
  2. المعرفة متاحة وبمتناول أيدينا، ولم تعد ميزة تنافسية أو عاملاً حاسماً في اقتناص الفرص بالنسبة للمؤسسات والأفراد، وذلك بفضل الولوج السهل والسريع إلى قواعدها في عصر المعلومات والاتصالات، بل إن العامل الحاسم بات يكمن في المقدرة على التعلّم والاكتساب السريع للكفاءات الجديدة اللازمة من أجل التصدي إلى أية مشكلات طارئة أو استيعاب المعارف الجديدة التي باتت تولّد بوتيرة متزايدة. من هنا تأتي أهمية التحول الذي طال فلسفة التعليم وفرض على المؤسسات التعليمية أن تُكرّس وظيفتها لضمان تنمية القدرة عل التعلّم واكتساب المهارات الجديدة.

هذا لا يعني بالطبع أن المعرفة خفتت أهميتها، لكن من الأهمية بمكان أن ندرك أن هناك أشياء أخرى مثل “قابلية التعلم” Learnability و “التمهّر” Skillfulness أصبحت تعد أكثر أهمية في التعليم.

كمهارة مفصلية قائمة بذاتها، تعرّف “قابلية التعلّم” على أنها “الرغبة والقدرة لدى الفرد على النمو بسرعة وتكييف مجموعة مهاراته من أجل تلبية متطلبات التغير في بيئة وسوق العمل، ومن أجل أن يظل الفرد قابلاً للتوظيف طوال حياته العملية.”

وهكذا أصبحت قابلية التعلّم “أمّ المهارات” ومفتاح الاستقرار المهني في القرن الحادي والعشرين بعد أن أصبحت قابلية التوظيف Employability تعتمد بشكل أقل على ما تعرفه وبشكل أكثر على قدرتك على تعلم كل ما هو جديد.

هل أنت حيوان تعلّم؟

تتحلى “حيوانات التعلّم” بمستوىً عالٍ من قابلية التعلّم، وبصفات مميزة تمنحهم نعمة الإدمان على التعلّم: فحيوان التعلم إنسان فضولي، كثير التساؤل، جريء لا يخشى عدم اليقين ولا يهاب المخاطر، متعاون يمكنه حلّ المشكلات من خلال تبادل الأفكار والتشارك في الموارد، صبور يتفهم أن ارتكاب الأخطاء جزء من العملية التعلّمية، مبدع ومبتكِر، يركّز على العملية (Process-oriented) قبل النتيجة، يفكر بشكل نظمي Systemic ويطبق ما تعلمه ليرسّخه في عقله….

في المقابلات الوظيفية المستقبلية المصممة لتحديد مستوى قابلية التعلم لديك، يجب أن تتوقع رؤية سلسلة من الأسئلة السلوكية، لكن قبل ذلك اسأل نفسك ما يلي:

  1. هل سبق لك أن تعلمت بنفسك مهارة ما؟
  2. هل استثمرت وقتاً في تعلم شيء جديد في الأشهر الستة الماضية فقط لأنك تريد معرفة المزيد؟
  3. هل يمكنك أن تشرح بوضوح أفضل طريقة لتعلم شيء بسرعة؟
  4. منذ أن تخرجت، هل استثمرت في أي تدريب أو دورات لتتعلم شيئًا جديدًا؟
  5. في عملك السابق، هل تعلمت بشكل استباقي Proactive (أي دون أن يطلب منك) أية مهارات جديدة تجعلك أكثر قيمة في عملك؟
  6. هل سبق لك أن تعلمت مهارة جديدة بمفردك، خارج العمل، من أجل البقاء ناجحًا في عملك؟

 إذا كان جوابك بـ “نعم” عن كل ما سبق، فإن قابليتك للتعلم تبدو جيدة وواعدة، ومن الجائز أن تكون “حيوان تعلّم”. إن لم يكن الأمر كذلك، وكنت ترغب في أن تبقى قابلاً للتوظيف، فعليك إجراء اختبار أكثر دقة وتخصصاً لتحديد مستوى قابليتك للتعلم. سمي هذا الاختبار الأكثر دقة، والذي بات معروفاً الآن، اختبار تحديد “مستوى قابلية التعلم” (Learnability Quotient (LQ وذلك على نمط الاختبار التقليدي لمستوى الذكاء، والمعروف بـ (IQ).

يمثل هذا الاختبار (الذي طورته مجموعة ManpowerGroup على شكل منظومة قياس متاحة على الشبكة web-based visual) طريقة جديدة للمستخدمين لتقييم مستوى وأساليب التعلم الخاصة بهم وتلقي توصيات حول كيفية تطوير هذه المهارة. أنصح القارئ المهتم بخوض هذا الاختبار للتعرف على حيثياته، وهو متاح هنا.

في ها الاختبار يُعبَّر عن النتائج وفق محاور ثلاث: محور “المغامرة” ويعبر عن الرغبة المتأصلة في الاستكشاف؛ المحور “الفكري” ويعبر عن الدوافع للتعلم؛ والمحور “غير المألوف” ويعبر عن القدرة على مساءلة ونقد الوضع القائم. يعكس مستوى LQ قابليتك للتعلم ورغبتك وقدرتك على النمو والتكيف مع الظروف والتحديات طوال حياتك العملية.

هل تساعد منظوماتنا التعليمية على تنمية مهارة “قابلية التعلم” وتخريج “حيوانات تعلم”؟

يمكن تلمس الإجابة على هذا التساؤل من خلال ما ذكره أحد التربويين عندما وصف منظوماتنا التعليمية بأنها “بنيت بالأساس لغرض “توفير المعرفة” للطلاب، وبالتالي فإننا في الواقع نغذي طلابنا في المدارس بالمعلومات ونتوقع منهم أن يحفظوها عن ظهر قلب ويجترّوها، ثم نمتحنهم في ذلك كما لو أننا نربي “موسوعات تمشي على الأرض” (walking encyclopaedias)”!

وقد لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات، فما آل إليه الوضع الميداني لا يمت بصلة إلى التعلّم لا من قريب ولا من بعيد، ولعل ما يدلي به الزملاء من شهادات على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً يعطي فكرة عن الوضع القائم على الأرض. أحد الأساتذة المرموقين في إحدى كليات العلوم الطبية (الصيدلة) لخّص الواقع الحالي عندما كتب في منشور له على فيسبوك:

“بين السنة الأولى والسنة الخامسة، سقوط مدوّ في شخصية الطالب الطامحة للتعلّم وفشل ذريع للمؤسسة الأكاديمية في الحفاظ على طموح وآمال الطالب. ومن جهة أخرى، انقياد أعمى من قبل الطالب لثقافة القطيع المهترئة التي يكرسها “بزنس” أطرافه حفنة من الطلاب الحاضرين “المؤلفين” ومكتبات ربحية، ومبادرات طلابية تظن أنها تشارك في تأمين مادة علمية “لائقة” بالنجاح، وهي في الواقع مادة علمية معدومة الرؤية، بلا روح وبلا هدف”

ما قصده هذا الأستاذ بـ “البزنس” هو بالطبع، تلك “الملخصات” التي يكتبها “نخبة” من الطلبة الذين يحضرون المحاضرة (الحضور لا يتجاوز بأفضل الحالات 5 إلى 10% من عدد الطلاب) ويلخصونها لتطبع لاحقاً وتباع في الأكشاك والمكتبات المنتشرة في محيط الجامعة!!  

ما العمل إذاً وأبناؤنا الذين لم يصلوا بعد إلى الشهادة الثانوية سوف يعملون مستقبلاً، كما تشير الدراسات الاستشرافية، في مهن لا يعرفونها ولم توجد بعد، وسيحتاجون إلى تعلّم مهارات جديدة كلما دعت الحاجة، وبشكل سريع؟ ما العمل إذا كان متوسط زمن فقدان نصف التحصيل الجامعي (halving period) للخريجين في مختلف الاختصاصات بعد تخرجهم يقدر، وفق دراسات ألمانية، بثماني سنوات ويصل إلى سنة واحدة بالنسبة لاختصاص الهندسة المعلوماتية!

هناك العديد من الطرق التربوية الحديثة في التعليم الفعّال، البعيد عن التلقين، نحن بحاجة إلى استخدامها عملياً مع أطفالنا وطلبتنا من جميع المستويات لقدح شرارة قابلية التعلم الدائم في أذهانهم. فتعليم قابلية التعلم لن ينجح إلا بتطبيق ما يمكن تسميته “الممارسات التربوية الجيدة” (Good Pedagogical Practices) التي يُنصح المعلمون بتبنيها. كأن يتم، على سبيل المثال، استحداث أنشطة لتدريب الطلاب على الفهم والاستيعاب عن طريق الاستماع الفعال (Active Listening)، وتشجيعهم على طرح الأسئلة باستمرار (طرح السؤال الصحيح وطرحه بشكل صحيح)، وحثهم على القراءة والمراقبة والقياس والاستماع بشكل نقدي، وتدريبهم على المحاكمة والتحليل والتصنيف والتفكير النظمي، وعلى الاستنتاج والتفسير، وعلى التعاون والتواصل الواضح، وتجنيبهم كل ما يمكن أن يقيِّد إبداعاتهم …. إلى غير ذلك من الأساليب “التكتيكية” التي تحرِّض الطلاب على تنمية مهارة التعلم لديهم.

من الضرورة بمكان أن يدرك الجميع بأن الخروج من المشهد التعليمي البائس الذي تعيشه منظوماتنا التربوية والتعليمية لا يعني اعتماد “حزمة” جديدة من المناهج والموضوعات والتقنيات الحديثة، وتطبيقها ببساطة وبذات الذهنية المهيمنة والإمكانات المتاحة حالياً، بل يتطلب أولاً إجراء “فرمتة” Formatting حقيقية لهذه الذهنية وإحداث انزياح مفاهيمي Paradigm Shift في فلسفة التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، وهذا يتطلب رسم خارطة طريق بعيدة المدى انطلاقاً من استراتيجيات وآليات تدرجية.

طريق الإصلاح والتطوير شاقة وطويلة، ومحفوفة بالمصاعب والتحديات لكن طريق الألف خطوة يبدأ بالخطوة الأولى كما يقال.

التعليم النخبوي صمام أمان استراتيجي: دروس من التاريخ

في الرابع من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1957 فاجأ الاتحاد السوفيتي العالم بإطلاقه بنجاح أول قمر صناعي “سبوتنك-1” وٌضع في مدار حول الأرض فكان وقعه على الولايات المتحدة وقع الزلزال، مسبباً سخطاً شعبياً و “استنفاراً سياسياً” دفعا الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات عديدة وحاسمة…

نظرة تاريخية سريعة إلى “ارتدادات” هذا الزلزال في الأوساط الأمريكية كفيلة بأن تدل على شدته وأثره فيما يخص السباق العلمي بين قطبي الحرب الباردة آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي:

  • أيقظ هذا الحدث الجمهور الأمريكي إلى حقيقة أن مكانة هذا البلد المتقدمة في البحث العلمي والإنجاز التكنولوجي أصبحت مفتوحة للتحدي الفعال من قبل منافستها الرئيسية، الاتحاد السوفييتي، بالنظر لما يمتلك هذا الأخير من كفاءات علمية وتكنولوجية يفوق عددها ما هو متوفر في الولايات المتحدة.
  • قادت هذه الحالة من الهلع الرئيس الأمريكي أيزنهاور إلى أن ينبّه بوضوح في خطاب متلفز موجه إلى الأمة، إلى العلاقة الوثيقة بين التعليم الفعّال ومعركة البقاء الوطني، ويحذّر من أن الولايات المتحدة سوف تتخلف عن الاتحاد السوفيتي ما لم تصحح بعض أوجه القصور في نظامها التعليمي، وأهمها الفشل في إعطاء أولوية عالية بما يكفي لتعليم العلوم، موضحاً: “أن المسألة لم تعد مقتصرة على أن لدى الاتحاد السوفييتي عدد أكبر من العلماء والمهندسين، لكن لم يعد بالإمكان الاستهانة بهذا التفوق العددي بذريعة افتقارهم للجودة كما كنا نعتقد”.
  • في ذات الوقت، شدّد قائد القوات البحرية الأمريكية على أن على هذا “السبوتنيك” أن يفعل للتعليم الأمريكي ما فعلته ضربة بيرل هاربر (غارة الكاميكاز اليابانية الشهيرة على القاعدة البحرية الأمريكية) للصناعة العسكرية الأمريكية: “كما حدث وحققنا معجزات تصنيعية في حالة الطوارئ الوطنية، نستطيع الآن اتخاذ إجراءات مماثلة ونحقق معجزات تعليمية”.
  • وبعد شهر واحد من الحدث، نشر مكتب التعليم الأمريكي (بناءً على طلب الرئيس آيزنهاور) تقريرًا من 226 صفحة حول نظام التعليم السوفيتي الذي كان يشدد على “الجرعة” الدراسية القوية، ومعايير الإنجاز العالية، والضوابط التأديبية الصارمة التي تميّز العقيدة السوفييتية، في الوقت الذي بدا فيه تعليم الشباب الأمريكي بسيطًا، متساهلاً، بل ومتراخياً. وعلى الرغم من تأكيده على أن “الاستبداد السوفيتي” لم يكن ولن يكون له مكان في التعليم الأمريكي، إلا أن التقرير سلّم بأن التقدم العلمي لروسيا يرتبط مباشرة بدقة وصرامة برنامجها التعليمي الذي من شأنه أن يحصد أقصى جهد من شبابها الأكثر ذكاءً (مع التشديد هنا على هذه العبارة الأخيرة التي تشكل أساس التعليم النخبوي).
  • ولعل النقطة الفارقة والأهم التي أشار إليها التقرير، والتي ميزت التعليم السوفييتي عن الأمريكي وأشعلت فتيل الإصلاح في هذا الأخير تكمن في ذلك النهج النخبوي في النظام الروسي، مقابل نهج “التساوي” Equalitarianism (التساوي في الجرعة التدريسية المقدمة إلى الطلبة) الذي كان سائداً في نظام التعليم ما قبل الجامعي الأمريكي لمدة نصف قرن، واشتهر على أنه “الأكثر ديمقراطية” في العالم كونه يقدم للجميع فرصاً متساوية لاكتساب المعرفة من خلال مسار مؤسسي موحد. بالمقابل، يمتلك الروس نظامًا تعليميًا نخبوياً يوفر حملاً تدريسياً متقدماً ومثقّلاً لمن يثبت تفوقهم في مجالات مفيدة للدولة فيُكافَؤون بعد تخرجهم بوظائف مرتفعة الأجور نسبيًا. أما باقي الطلبة فيعمد النظام إلى فرزهم وفق مسارين أساسيين: مسار “بروليتاري” من الطلبة ذوي “العيار الخفيف” الذين يزوّدون الوطن بالقوة العاملة الصناعية، والمسار الآخر مكوَّن من الطلبة متوسطي المستوى الذين يفرزون إلى التعليم الفني.

وهكذا كرّس هذا “السبوتنيك” السوفييتي بداية منعطف حاد في المنظومة التعليمية والتكنولوجية الأمريكية التي شهدت تحولاً نحو نهج التعليم النخبوي. فقد أقرّ الكونجرس بعد ثلاثة أشهر من الحدث برنامجاً للمساعدات الفيدرالية بميزانية سخية لتعزيز المرافق التعليمية وتعزيز التدريس في الرياضيات والعلوم بإيقاع أكثر سرعة وكثافة للطلاب الأكثر قدرة (أطلق عليهم عبارة “الموهوبون” Gifted)، بعد أن استُحدث لهم برنامج خاص بهم تحت هذا الاسم، وهُيئت لهم فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي. كما وتضمن هذا المنعطف إحداث وكالة الفضاء الأمريكية NASA لتشكل فيما بعد “القوة الضاربة” الأمريكية في السباق نحو الفضاء.

الهند ومعجزة التعليم النخبوي …

مثل التعليم النخبوي في الهند خياراً إسعافياً واستراتيجياً بامتياز. فما أن نال هذا البلد الذي أنهكه الاستعمار البريطاني (الذي دام قرناً ونصف قرن) استقلاله عام 1947 حتى اتخذ البرلمان الهندي قراراً استراتيجياً (في عهد الرئيس نهرو) بإنشاء المعاهد الهندية للتكنولوجيا Indian Institutes of Technology (IITs)) بهدف تدريب العلماء والمهندسين ضمن خطة شاملة لتطوير القوة العاملة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الهند بعد استقلالها.

انتشرت هذه المعاهد، التي تتمتع اليوم بسمعة عريقة في العالم، كونها تعد من أفضل معاهد العالم في التخصصات الهندسية، على سبعة مراكز متعددة في البلاد. تقوم هذه المعاهد بشكل مستقل بإعداد مناهجها الخاصة وتربطها علاقات وطيدة مع العديد من الجامعات في أوروبا وآسيا وأمريكا حيث تنشط في مجال التبادل الأكاديمي للطلبة والمختصين مع هذه الجامعات.

وقد شجع نجاح هذه المعاهد على إنشاء المعاهد الهندية لتكنولوجيا المعلوماتIIITs  في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. تعد هذه الأخيرة قصة نجاح أخرى للتعليم النخبوي قائمة بذاتها فلهذه المعاهد بالذات يعود الفضل في تخريج كفاءات هندية رفيعة المستوى انتشرت في وادي السيليكون بالولايات المتحدة وتمكنت من “استنساخه” وتصديره إلى الهند من خلال بناء نظام بيئي Ecosystem لشركات تكنولوجيا المعلومات في الهند يوظف الآن نحو 3.5 مليون هندي وتمثل منتجاته حصة كبيرة من صادرات الهند من البرمجيات وملحقاتها.

وللتعرف على رفاعة مستوى هذه المعاهد النخبوية بعيون الخبراء الأمريكان بالذات لا بد من مشاهدة هذا الشريط الفيديو الذي يعبر أحسن تعبير عن المعجزة الهندية في التعليم النخبوي.

سياسات فارقة تُعِدّ للمستقبل …

تتسابق الدول في التخطيط لإنتاج علماء المستقبل من الخريجين النخبويين. ولملاحظة ذلك، يكفي النظر إلى المخطط التالي الذي يمثل ما تخططه الدول وعلى رأسها روسيا والصين لإنتاج علماء المستقبل من الخريجين للعام 2030 في المجالات الواقعة ضمن ما يسمى باختصاصات STEM في إشارة إلى العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (Science, Technology, Engineering, Mathematics). الملفت للنظر (والمخيف أيضاً) في هذا المخطط، ما يجهِّز له الماردان الصيني والهندي، والذي يفوق الوزن السكاني الذي يتمتعان به.  فالصين تخرّج سنوياً حوالي 2.5 مليون خريج و 30,000 دكتوراه PhD في هذه الاختصاصات، ناهيك عن تمكنها من استعادة 4000 عالم صيني من الولايات المتحدة خلال الفترة من 2008 إلى 2014 ضمن برنامج  “Thousand Talents” الذي أطلقته متضمناً العديد من الحوافز والإغراءات. أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تعد تخشى هذا السباق طالما أنها اعتادت أن “تستنخب” من النخب العالمية ما تحتاجه من بين الصفوة من العلماء والمهندسين في العالم معتمدة على جاذبية “الحلم الأمريكي” لهم. كما لا بد من الإشارة أيضاً إلى ذلك الطموح الواضح في المخطط للعديد من اللاعبين الجدد السائرين في طريق الحشد العلمي والتكنولوجي كإندونيسيا والسعودية (إن صدقت رؤيتها) والمكسيك والبرازيل وتركيا، وجميعها تسبق ما خططت له الاقتصادات العريقة وبخاصة الأوربية منها كبريطانيا وألمانيا وفرنسا!

Source: OECD (2015). Education Indicators in Focus, n.31

في سوريا الحبيبة، تجربة نخبوية رائدة أثبتت جدواها ولا تزال تؤتي أكلها …

في بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما اشتدت الحاجة إلى إعداد ممنهج لأطر متميزة مؤهّلة للبحث العلمي والتطوير التقاني في ميادين العلوم التطبيقية لتساهم بفعاليّة في عمليّة التنمية العلميّة والاقتصاديّة في القطر، برزت فكرة إقامة تعليم نخبوي مستقل ومختلف كليةً عن التعليم الجماهيري Mass Education القائم في الجامعات. ضمن هذا السياق، تم في عام 1983.إحدِاث المعهد العالي للعلوم التطبيقيّة والتكنولوجيا الذي ابتدأ في مرحلة التأهيل الهندسي باستقبال الطلاب السوريين المتفوقين من الشريحة الحاصلة على معدّل نجاح مرتفع في الثانويّة العلميّة السوريّة، بعد إخضاعهم لمعايير انتقاء علمية، دقيقة وصارمة. ولم تعد هذه التجربة النخبوية تقتصر على المرحلة الجامعية بل ويتيح المعهد فرصاً جيّدة للتقدّم في مجالات البحوث التطبيقيّة من خلال دراسة الماجستير والدكتوراه.

يثبتون تميزهم أينما حلّوا، ويصنعون الفارق ….

لا يتوفر تقييم كمي ودقيق لتجربة المعهد العالي كمؤسسة تعليم نخبوي وطنية، أو للأثر التنموي العلمي والاقتصادي الذي أحدثه، إلا أنه يمكن   تلمس النجاح الذي حققه هذا المعهد من خلال حقائق واعتبارات عديدة أبرزت عطاء وتميز غالبية خريجيه في الأماكن التي وضعوا فيها:

  • من خلال تفوق خريجيه في التحصيل العلمي لدى أفضل الجامعات التي أوفدوا اليها في أوروبا وروسيا الاتحادية ودول شرق آسيا للحصول على شهادات عالية،
  • من خلال المشاريع البحثية ذات السوية العلمية العالية، التي عملوا بها، والمشاريع التطويرية والهندسية التي تمت استجابة لمتطلبات مختلف القطاعات الإنتاجية والإدارية في القطر،
  • من خلال المساهمات الأكاديمية المتميزة في التدريس والبحث العلمي داخل المعهد لأولئك الذين أوفدوا لصالحه أو تعينوا فيه بعد التخرج،
  • من خلال المشاريع المشتركة التي ساهم المعهد بتنفيذها على المستويين الإقليمي والدولي بهدف نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات،
  • وأخيراً وليس آخراً من خلال الأثر التداعياتي Spillover effect الذي أحدثه قدامى خريجيه، من الذين تبوؤوا مناصب علمية وإدارية مرموقة في مراكز البحث والوزارات والجامعات العامة والخاصة، وحتى في بعض مراكز البحث والجامعات والمنظمات الدولية خارج القطر. على سبيل المثال لا الحصر: في الجامعة الافتراضية السورية – في كليات الهندسة المعلوماتية – في الأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية – في وزارة الاتصالات والتقانة – في هيئة تخطيط الدولة –في الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية – في معاهد التدريب الأهلية – في منظمة الإسكوا …، الخ.

وتجربة أخرى بازغة وواعدة…

ولعل التجربة الناشئة، المتمثلة في “هيئة التميز والإبداع” تحمل أملاً جديداً واعداً بمزيد من العطاء والتميز، كونها تعمل، وفق مرسوم إحداثها الذي تم تحديثه مؤخراً، على رصد ورعاية وتنمية مكامن التميز على مستوى القطر بدءً من الجذور وحتى الثمار عبر طيف واسع من “جبهات” العمل التي تمت مأسستها على شكل إدارات داخلية تعمل على مواكبة مستجدات عصر المعرفة الذي نعيش والثورات التكنولوجية التي نقف على أعتابها. هذه الإدارات هي: إدارة المركز الوطني للمتميزين – إدارة الأولمبياد العالمي – إدارة البرامج الأكاديمية حيث صممت الأخيرة لتكون نواة لـ “واحات أكاديمية” داخل الجامعات وتغطي حالياً برامج العلوم الطبية الحيوية في جامعة دمشق، والميكاترونيك في جامعة تشرين، والمعلوماتية في “واحة” المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، مع الأمل بأن تمتد التجربة إلى برامج أخرى وجامعات أخرى. قد يكون من المبكر إجراء تقييم لفعالية هذه التجربة الناشئة التي يشتد زخمها (شملت الإيفادات الخارجية حتى الآن ثلاثة أجيال من خريجي البرامج الأكاديمية من مخرجات المركز الوطني للمتميزين)، لكن ثمة اعتبارات مميزة لهذه الهيئة تَعِدٌ بأن تجعل منها صرحاً مبشِّراً بنجاحات تنموية للمستقبل:

  • التركيز في رصد الإمكانات الإبداعية المتميزة على فئات اليافعين الناشئة والشباب بدءً من المراحل التعليمية المبكرة بهدف احتضانها ورعايتها.
  • التركيز على بناء منظومة مستقلة للتعليم والتدريب الإبداعي الذي يساعد على استكشاف المواهب وتنمية كمونها الابتكاري. تشكل هذه “الاستقلالية” عن قوانين وممارسات التعليم الجماهيري القائم حالياً عامل نجاح حاسم سبق لنا بحثه في مقالة سابقة خصصت للحديث بشكل عام عن إيجابيات الاستقلالية الإدارية والمالية والأكاديمية للجامعات ضمن الضوابط الوطنية المسؤولة.     
  • التركيز على خلق دينامية تنافسية هادفة إلى إطلاق الطاقات المبدعة لدى الطلبة المتميزين (عبر تنظيم المسابقات المتخصصة والمشاركة الفعالة في الأولمبيادات العالمية وتقديم الجوائز في مجالات الموهبة والإبداع).
  • التركيز على خلق وتفعيل علاقة تشاركية تشبيكيه مع المنظومة الوطنية للتعليم والبحث العلمي والابتكار من خلال “مجلس أمناء” للهيئة مصمم ليكون بمثابة “بوصلة” تشاركية شاملة لأصحاب المصلحة (Stakeholders) في التميز وللمستفيدين المفترضين من هذه النخب المستقبلية (التعليم العالي – التربية – المراكز البحثية الرئيسية – الهيئة العليا للبحث العلمي – قطاع الأعمال – قطاع الطلبة…، الخ).

خلاصة ودروس…

  • التعليم ملاذ آمن وطوق نجاة للأمم في الخروج من أزماتها ونكساتها. في الحالة السورية، لا يوجد شيء أكثر أهمية من توفير نظام تعليم عالي الجودة قادر على المساهمة في تعافي البلد وإعادة بنائه، وتلافي ما حصل فيه من تآكل في رأس ماله البشري وتراجع في منظوماته التعليمية. الأدبيات العالمية تزخر بالشواهد الحية على الدور الحاسم للتعليم في توفير القدرات المتقدمة اللازمة لعملية التعافي، والحالة السورية ليست باستثناء.
  • يشكل التعليم النخبوي أحد الآليات التي تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إصلاح التعليم الجماهيري عندما يترهل هذا الأخير، ويتعذر أو يطول أمد إصلاحه وتجويده. تعتمد “العقيدة” النخبوية في التعليم (نخبوية العقل القائمة على الجدارة والاستحقاقية وليس على الثروة أو العرق أو الدين) على فكرة أن الأشخاص النخبويين، مهما قلّت نسبتهم، يمكنهم أن يساهموا بفعالية في إحداث التغيير المنشود في مفاصل الدولة والمجتمع (إن أحسن توظيفهم والاستفادة منهم)، وفي ذهنية القائمين على هذه المفاصل.
  • التركيز على النخبوية لا يحمل أي استهانة بالتعليم الجماهيري أو يقلّل من شأن هذا التعليم الذي كان له، بفضل احتوائيته Inclusion وديمقراطيته ومجانيته، الأثر الأكبر في تكوين رأس المال البشري اللازم لبناء الدولة السورية الحديثة في القرن الماضي. ومن رحم هذا التعليم الجماهيري خرج آلاف النخبويين السوريين من أدباء ومفكرين وأصحاب كفاءات علمية ومهنية ليدهشوا العالم بنجاحاتهم.
  • وماذا عن نخبنا السورية وبراعمنا المنتشرين في أنحاء المعمورة؟ لقد بات من الضروري التنقيب عنهم وإيجاد طريقة لجذبهم أو الاستفادة منهم في أمكنتهم (وهذا أضعف الإيمان)، في وقت تحفل فيه التجارب العالمية بقصص النجاح المبهرة للعديد من البلدان التي استفادت أحسن استفادة من شتاتها المعرفي. الوصفات والممارسات الفضلى Best Practices والأدوات المساعدة في هذا المجال باتت معروفة ومتاحة، ولم يبق إلا الإرادة والعمل الجاد. لقد سبق وعرضنا في بحث منفصل رؤية شاملة حول الموضوع وسبل الاستفادة من المخزون المعرفي في الشتات، مع إطار عمل بإمكانه أن يُرشد أي جهد يراد بذله بهذا الاتجاه .

وفي الليلة الظلماء يفتقد الابتكار …

عندما يُطبِقُ الحصار وتشتد الأزمات الاقتصادية والمعيشية ينتظر المجتمع مبادرات وحلولاً مبتكرة تأتي من رحم المعاناة، من “خارج الصندوق”، يتبناها رواد أعمال اجتماعيون وتنفّذ في بيئة أعمال جديدة يغلب عليها الطابع الاجتماعي التنموي والإنساني….

هكذا منطق الأمور… والأدبيات تزخر بقصص النجاح المعبرة عن هذا المنطق…

هل أتاكم حديث “بنك الفقراء” الذي نجح في مساعدة الملايين على الخروج من مظلة الفقر في بنغلاديش على يد مؤسسه رائد الأعمال الاقتصادي الاجتماعي، الدكتور محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006 تقديراً لجهوده في تحقيق هذا المشروع المبتكر؟

كان ذلك عام 1974 عندما اشتد الفقر واجتاحت بنغلادش (باكستان الشرقية سابقاً) مجاعة ذهب ضحيتها ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان، وكان الدكتور يونس آنذاك قد عُيِّن رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج في بنغلاديش بعد عودته من تحضير الدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية.

وبسبب هذا الوضع المتفاقم في بلاده، مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، مما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، لكنه بقي مصمماً على فكرته، وأن الفقراء جديرون بالاقتراض، واستطاع في عام 1979 أن يؤسس بنكاً مبتكراً لإقراضهم فكانت النتيجة أن قدم البنك منذ تأسيسه حتى العام المنصرم نحو 11 مليون قرض، وصلت نسبة تسديدها إلى 99٪!

تعتمد فكرة هذا البنك المسمى بنك غرامين Grameen Bank (وتعني القرية باللغة البنغلادشية) على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها نساء، وتقوم فلسفته المبتكرة على أن الائتمان يجب أن يُقبل كحق من حقوق الإنسان، وعلى أساسه يكون للشخص الذي لا يملك شيئا الأولوية في الحصول على قرض. فمنهجية غرامين في الإقراض لم تتأسس إذاً على تقييم الملكية المادية للفرد، وإنما على الدافعية التي يملكها، فبنك غرامين يعتقد أن كل البشر بمن فيهم الأكثر فقرا موهوبون ويملكون دافعية لا حدود لها. يعطي البنك الأولوية للنساء اللاتي يشكلن اليوم ما نسبته 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن في أسرهن بإعطائهن القدرة على التملك. يتعامل البنك اليوم مع سبعة ملايين شخص في أكثر من 71 ألف قرية حيث تنتشر فروعه في المناطق الريفية، فهو يعمل على أساس أن الفقير لا ينبغي أن يذهب إلى البنك، وإنما على البنك أن يذهب إليه.

وإلى جانب القروض، أطلق البنك مشروعات تنموية شملت التعليم والرعاية الصحية حيث أسس البنك بالتعاون مع اليونسكو في إطار مبادرة التعليم للجميع “مؤسسة غرامين للتعليم” التي تستهدف التعليم المستمر للنساء الفقيرات والأميات من عميلات البنك، ودمجهن اجتماعياً وتحسين نوعية حياتهن من خلال محو أمية القراءة والكتابة والحساب. كما قام بتحسين الوضع الصحي للمجتمع عبر تحسين الحالة الصحية للأسرة، وزراعة الخضراوات. كما يتناول البنك المدخل البيئي والسلوكي في الصحة، مثل بناء المراحيض الصحية، والعمل على شرب الماء النظيف، الخ.

أثبتت الدراسات أن مقترضي غرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من مجمل المقترضين سنويا خارج دائرة الفقر.

ابتكار وريادة أعمال، وبيئة أعمال حاضنة لهما، والكل في ملكوت اجتماعي واحد…

ما رأيناه هو ابتكار من النوع الاجتماعي Social Innovation، اجتماعي في وسائله وغاياته، تَمثَّل بتلك الفكرة غير المألوفة لآلية التمويل المتناهي الصغر Microfinance وبعملية تنظيمه ووضعه بتصرف المهمشين خلافاً للروتين المتعارف عليه في أنظمة الإقراض المتبعة في المصارف التقليدية. قد لا يتسع المجال هنا للتعريف بالابتكار الاجتماعي وطيفه الواسع والمتجدد لكن يكفي القول إنه يتمحور حول تحدي المعايير السائدة وإيجاد حلول جديدة تؤدي إلى تحويل الهياكل والعلاقات الاجتماعية لتصبح أفضل من سابقتها، من خلال تمكين المستفيدين وتحسين وصولهم إلى النفوذ والموارد.

لم يكن لهذا المشروع المبتكَر أن يرى النور لو لم تتوفر له ذهنية وحماسة رواد أعمال اجتماعيين بقيادة الدكتور محمد يونس، فهو الذي أسس البنك وابتدع الفكرة وهيأ لها الموارد (مساهمات محلية بالإضافة إلى منحة من مؤسسة فورد الأمريكية) ووجهها لخدمة أهداف اجتماعية. وكان من الاختراقات الجانبية لهذا المشروع أنه أسس لتنظيمات جديدة سميت لاحقاً بـ “المؤسسات الاجتماعية” Social Enterprise وصفها الدكتور يونس بأنها “مؤسسات لا توزع أرباحاً لمساهميها (Non-dividend)، وتبدو كمزيج لمؤسسة غير حكومية NGO لجهة امتلاكها رسالة اجتماعية محددة، وشركة تجارية Business لجهة استخدامها أدوات وأساليب إدارة الأعمال وقوانين السوق لتحقيق ما يلزم من أرباح لتغطية تكاليفها وتأمين استمراريتها لتحقيق رسالتها.

ازدهرت هذه المؤسسات لاحقاً وبشكل قوي بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث اشتدت الحاجة إلى الابتكارات الاجتماعية ووجد رواد الأعمال الاجتماعيون في هذه التنظيمات بيئة عمل وأعمال مثالية شكلت قطاعا اقتصاديا قائماً بذاته بات يعرف بالقطاع المستقل أو “قطاع المواطن” مشغِّلاته الرئيسية، كما يبينه الشكل أدناه: الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال الاجتماعية والمؤسسات أو الشركات الاجتماعية.

المشغّلات الرئيسية لقطاع الأعمال الاجتماعي
(من دراسة قيد النشر نفذت بالتعاون مع الإسكوا حول المقاربات الجديدة في الابتكار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة)

تجدر الإشارة إلى أن تجربة بنك “الفقراء” أوحت بابتكارات اجتماعية لبنوك أخرى في العالم أُحدثت لأهداف اجتماعية/بيئية متنوعة تصب أغلبها في تنمية المجتمعات المحلية والحد من التهميش وتشجيع الاقتصاد التشاركي، الخ. من هذه البنوك نجد بنوك الوقت (أكثر من 290 بنك في بريطانيا و 200 في الولايات المتحدة) وبنوك الطعام المنتشرة في العالم والتي وزعت لفقراء العالم ما يزيد عن 3 مليارات وجبة (في الولايات المتحدة وحدها يوجد ٢٠٠ فرع لهذا البنك). أما في مصر فقد نتج مؤخراً عن بنك الطعام المصري الذي تأسس منذ العام 2006 ابتكار بنوك أخرى مثل بنك الشفاء المصري وبنك الكساء المصري وبنك الأمل المصري… وفي سورية كان هناك تجربة على مقياس أصغر لابتكار بنك للأقمشة في مدينة السويداء قامت به تحت شعار “نساء يُعِدْن الحياة” مجموعة من النساء للتخفيف من آثار الأزمة في هذه المدينة.  

القطاع البلسم للجرح السوري؟

كم يلزم المجتمع السوري من رواد أعمال ومبتكرين اجتماعيين من عيار محمد يونس لمرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع المكلوم؟  

رواد أعمال اجتماعيون مبدعون يملكون المال أو التمويل ويتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلّاقة في مجال التغيير الاجتماعي….

مستثمرون ورجال أعمال لا يشغلهم المال والربح والمشروعات إلا بقدر ما يؤمّن لهم الاستدامة المالية لمؤسساتهم والأفراد العاملين بها….

وكم يلزمنا من تمكين ومأسسة وإنعاش لهكذا قطاع وهكذا سلطة، قطاع المواطن وسلطة الأفكار والعمل الاجتماعي التشاركي والخلاق؟

سلطة يحمل لواءها رواد اجتماعيون يرفعون شعار المنفعة العامة ويَتْبعون أفكارهم بالعمل الاجتماعي التشاركي والفعال…

 وستبلغ هذه السلطة أسمى مراتب الأداء والإبداع والكفاءة في إبراء الجرح السوري عندما تشرَّع لها بيئة العمل اللازمة ضمن نظام وطني للابتكار يحتل البعد الاجتماعي فيه مكان الصدارة…

هل تعلمون أن في بريطانيا اليوم (وليس بنغلادش) هناك ما يزيد عن 14 ألف شركة اجتماعية تم تأسيسها من قبل المجتمعات المحلية ولخدمتها تحت اسم “الشركات ذات المصلحة المجتمعية” Community Interest Companies (CIC)؟  وهي حالياً في تكاثر مستمر وتبلو بلاءً حسناً في كافة مجالات الخدمة العامة، بعيداً عن سلبيات السوق التقليدية؟

مسؤولية مشتركة وتوجهات مطلوبة …

ضمن هذا الإطار، يتعين على الحكومة أن تضع الأطر والأنظمة القانونية والمالية للشركات الاجتماعية بما يتناسب مع الدور المناط بها في العمل الاجتماعي،

وأن تعمل على بناء الثقافة والوعي حول الابتكار الاجتماعي والشركات الاجتماعية لدى جميع المعنيين بهذا القطاع،

وأن تهيئ المنظومة البيئية Ecosystem اللازمة في سبيل أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع وبين رجال الأعمال، وتمنح هؤلاء ثقتها وما يحتاجونه من تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي،

وعلى أصحاب الشركات والاستثمارات أن يستشعروا دورهم في المشاركة المجتمعية والمسؤولية تجاه تنمية المجتمع وأفراده ودعم أصحاب الأفكار الرائدة، وأن يَعٌدّوا أنفسهم جزأً من منظومة اجتماعية تنتظر الإنصاف والإسعاف. ومن غير المعقول أن يبقوا منفصلين عن واقع مجتمعهم المنكوب اقتصادياً واجتماعياً.

ليس المطلوب منهم أن يتخلوا عن أعمالهم أو ينذروا أنفسهم وثرواتهم لصالح العمل الاجتماعي الخيري كما فعل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي أو مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك، لكن عليهم أن يعلموا أن السوق، في ظل اقتصاديات السوق التي اعتادوا عليها لم ولن تلعب أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن هذه السوق ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية.

من شأن ذلك كله أن ينقل العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية، ويقطع الطريق على الأحاديين من “رجال الأعمال” الذين لم ولن يشبعوا من تجارة الأزمة وتقاسم الغنائم…

كي لا يبقى في الميدان أيُّ حيتان، وفي القطاع الخاص أيُّ قناص،

ابحثوا عن العقول النيّرة،

دعوهم يفكّرون خارج الصندوق،

دعوهم يبتكرون ويتعاضدون،

وليَسودَ في المجتمع نظام جديد،

نظام “دعه يبتكر، دعه يمرّ”… Laissez innover, laissez passer

المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…

نمت شبكات التواصل الاجتماعي ولا زالت تنمو بسرعة غير مسبوقة…

ووفقًا للإحصاءات الرقمية العالمية، فإن حوالي 40٪ من سكان العالم باتوا يستخدمون هذه الشبكات المعولمة، حيث كان من أبرز الآثار لنشوء هذا المجتمع الشبكي الجديد، ذلك الانزياح الحاصل في السلطة باتجاه الفرد على حساب الدولة ومؤسساتها، وبروز طبقة من “النخب” التي كرست ما بات يعرف اليوم في عالم الشبكية بـ “المؤثرون” Influencers…

ضمن هذا السياق، وفي جو من الاستقطاب الشبكي الحاد الذي تأجج بوجود محركات الإعلان التجاري، أصبح التأثير في شبكات التواصل الاجتماعي مهنة قائمة بذاتها حيث بتنا نشاهد “الفيسبوكجي” المحترف (المختلف عن المدمن) و “اليوتيوبجي” و “الانستاغرامجي” و “التويترجي”، الخ. أما نحن، معشر المواطنين الرقميين العاديين، فقد أصبحنا هدفاً ومادة للآلة الشبكية ومنطق عملها. منطق له ما له وعليه ما عليه، فقد بين المفكر الاجتماعي الشبكي مانويل كاستلز هذا المنطق بكل وضوح في كتابه “سلطة الشبكة” Communication Power الصادر عام 2009 عندما أفاد: ” أننا نبيع خصوصياتنا لشبكات التواصل ونجعل أنفسنا هدفا إعلانيا مقابل إمكانية الدخول الى هذه الشبكات وتقديم آرائنا وأفكارنا التي تتضمن تحديا للشركات وتفكيكا لنفوذ السلطات الحكومية والمؤسسات، ومواجهة للأسس الثقافية لحضارتنا العجوز المتعبة”.

من هم بالتحديد “المؤثرون الشبكيون”؟  

هم “مواطنون رقميون” أصبحوا في عداد المشاهير Celebrities بعد أن بنى كل منهم لنفسه “عشّاً” Niche على الشبكة في مجال محدد يخصّ موهبته أو اختصاصه أو مهنته في الحياة (أو لا يخص). يتمتع المؤثر بـ “كاريزما شبكية” تكسبه شعبية لدى جمهور من المتابعين Followers أو “المريدين” على الشبكة، المنخرطين فيها بتفاعل وتأثُّر شديدين بـ “شيخهم” الذي لا يلبث أن يتحول إلى “شيخ كار” شبكي مؤثر. يُعدّ هؤلاء المتابعين بالنسبة للمؤثر رأس ماله الحقيقي (وربما الوحيد)، ويعتمد عددهم على حجم القطاع الذي ينتمي إليه المؤثر (أو يختاره) ورأس المال المعرفي الذي يمتلكه.

لقد بات هؤلاء المؤثرون ينافسون المشاهير التقليديين في تأثيرهم الاجتماعي. ففي مجال الثقافة والفن نجد في أمريكا على سبيل المثال أن مشاهير اليوتيوب أو ما يسمون بـ “You Tubers”  قد احتلوا في العام الفائت المراكز الست الأول في قائمة المشاهير العشرة الأكثر تأثيراً في المجتمع الأمريكي! وكمثال معبّر عن الدور الفعال للمؤثرين إيجابياً على الشبكة نجد في مجال الثقافة مثلاً أن إدارة متحف اللوفر في باريس لجأت إلى المؤثرين الثقافيين على اليوتيوب (من مشاهير الفن) لجذب شبيبة “الجيل الرقمي” The Digital Natives المحجم عن الاهتمام بالتراث الثقافي إلى عالم الفن والمتاحف.

إلا أن السلعنة السريعة و “المخيفة” في هذا المجال جعلت من هذه المهنة هدفاً مشاعياً لكل حالم بالثراء من ورائها، لذلك فقد وجد قطاع الإعلان ضالته في هؤلاء المؤثرين، حيث سرعان ما راحت الشركات الكبرى والعلامات التجارية تتطلع إلى أن يضيف المؤثرون إلى منتجاتها بأفكارهم وسلطتهم شيئًا مختلفا، أكثر حيوية، وأقل تكلفة من الإعلانات التلفزيونية، وأكثر وصولاً للجمهور المستهدف. على سبيل المثال يحتاج “الانستاغرامجي الناشئ” إلى حوالي عشرة آلاف متابع ليصبح مؤثراً ويتمكن من البدء في تحقيق ربح من الإعلانات حيث يتناسب هذا الربح مع عدد المتابعين وعدد الإعجابات (اللايكات) التي يحصدها الإعلان.

من أشهر المؤثرين العرب تأتي امبراطورة التجميل العراقية هدى قطان، في المركز العشرين لقائمة أثرياء انستغرام، بعدد من المتابعين وصل إلى 26 مليون! تتقاضى هذه المؤثرة الحسناء، الكاريزماتية، في المتوسط 33 ألف دولار أميركي للمنشور الواحد لها، ولا عجب في ذلك حيث قد يتخطى عدد الإعجابات التي تحصدها على منشوراتها حاجز المليون ونصف مليون إعجاب خلال الساعات الأولى من نشره، مما يجعل صفحتها مثالية للإعلان عن أي منتج تجميل.

امبراطورة التجميل على الشبكة، المؤثرة العراقية هدى قطان

يسيطر يوتيوب على قائمة المنصات الاجتماعية المربحة، يليها فيسبوك، ومن بعدهما يأتي انستغرام وسناب تشات، وبالنهاية يأتي تويتر (معشوق السياسيين). وتتوقع شركة Captiv8 المتخصصة بالرصد الشبكي أن الأشخاص الأكثر متابعة على يوتيوب، من الذين تضم قنواتهم سبعة ملايين مشترك يحصلون على ثلاثمئة ألف دولار مقابل الفيديو، في حين يحقق ذات العدد من المتابعين على فيسبوك 187 ألف دولار.  

ومع السلعنة تأتي “الملعنة” كما هو معلوم…

كثيراً ما يشار إلى مهنة المؤثر على أنها “مشيخة كاذبة” وهادفة لأغراض أخرى كالتي يلجأ إليها بعض مشايخ الدين كي يتسلقوا على حساب مريديهم غير آبهين بالجوهر والمحتوى والوسيلة التي يتسلقون بها، والضرر الذي يحدثونه في المجتمع، ناهيك عن انتشار ظاهرة “المتابعون المزيفون” Fake Followers أو ما يسمى بـ “مرتزقة الشبكة”، والشركات الخاصة التي تتولى بيعهم للمؤثرين الناشئين . تتعالى اليوم أصوات في بلدان العالم قاطبة لمقاومة هذه الظاهرة، ظاهرة التأثير غير المنضبط على الثقافات والقيم الاجتماعية من خلال الامتهان غير المسؤول لسوق التأثير الشبكي ومحتواه الرقمي الرصين.

الإشكالية هنا تكمن في أن الشبكة باتت كشرّ و/أو خير لا بد منه، وأستشهد هنا بمانويل كاستلز ثانيةً عندما أوضح في كتابه الآخر (The Internet Galaxy) أنك ” إن كنت لا تهتم بالشبكات، فإن الشبكات سوف تهتم بك، على أي حال. فلطالما كنت تريد أن تعيش في المجتمع، في هذا الوقت وفي هذا المكان، سيكون عليك التعامل مع مجتمع الشبكة. لأننا نعيش جميعاً في “الإنترنت غالاكسي”.  

هي إذاً “ديمقراطية” الشبكة، كاشفة المواهب، فاتحة الفرص وملبيةٌ كلَّ مبتكر ورائد أعمال، بما فيهم الدجّال والمزعزع للقيم الاجتماعية.

استقلالية الجامعات: ما لها وما عليها

روى ” Sansom Melton” في كتابه الصادر مؤخراً: “التعليم العالي والتعافي بعد الصراع” Higher Education and Post-Conflict Recovery، روى الحادثة التالية في محفل الحديث عن حَوْكَمة الجامعات في الدول الخارجة من الحروب:

في اجتماع تم في بغداد وجمع رؤساء الجامعات العراقية منتصف العام 2003 بناءً على دعوة من “أندرو إيردمان”، المستشار العلمي للمندوب السامي الأمريكي سيء السمعة “بول بريمر”، صاحب القرار الشهير بحل الجيش العراقي عندما كان مشرفاً على “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قام إيردمان بإبلاغ رؤساء الجامعات الحكومية “أن جامعاتهم سوف تصبح مستقلة تماما وتتحكم لوحدها في تعيين الأساتذة وقبول الطلاب، وأن وزارة التعليم العالي العراقية سوف تُحلّ، وأن هذا هو النظام المعمول به في الجامعات العالمية الرائدة في الولايات المتحدة حيث لا وجود لوزارة تعليم عالي فيدرالية (علماً أن هذا الادعاء ليس دقيقاً حيث يوجد في أمريكا ما يسمى بـ  US Department of Education يُعنى بجميع مستويات التعليم واستراتيجياته، بما في ذلك الجامعات لكنه يحترم استقلاليتها)، وبالتالي فإن من المتوقع للجامعات العراقية، إن قبلت بهذا العرض، أن تزدهر في ظل ذات الظروف”. لكن النتيجة كانت أن رفض رؤساء الجامعات هذا الإجراء بإجماع وإصرار، مشيرين إلى أن الجامعات العراقية تفتقر بأكملها إلى الكفاءة والخبرة للقيام بهذا الدور الجديد، وأنه ينبغي الحفاظ على الوزارة، أسوة بباقي الدول العربية”.

لقد أراد المؤلف في روايته لهذه الحادثة أن يوجّه رسالتين أساسيتين: أولهما، أن استقلالية الجامعات، على الرغم من كونها قيمة متجذرة في أنظمة التعليم العالي المتقدمة، وبخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتشكل توجهاً “لا مركزياً” مغرياً في فترات ما بعد الحرب، إلا أن تطبيقها “غير المقيد” في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات من شأنه أن يؤدي إلى تشظي القطّاع بأكمله ويمكن أن يؤثر على سمعة واعتمادية الشهادات الصادرة عن هذه الجامعات، ويؤدي بالتالي إلى نتائج عكسية كما حصل تماماً في البوسنة التي “تورطت” في تبني النموذج الأنجلو – أمريكي في حَوْكَمة الجامعات، والذي كان قد فُرِض عليها من قبل الجهات الغربية المانحة. وثاني هذه الرسائل أن منح الاستقلالية للجامعات في بيئة اعتادت على مركزية القرار لا يتم باستنساخ نماذج عالمية وتطبيقها بين ليلة وضحاها، بل يحتاج أولاً إلى مرحلة “إعادة تأهيل” وإنضاج داخل النسيج الأكاديمي، وإلى مقومات نجاح أقلها تأمين بيئة تمكينية، مادية وتشريعية وذهنية، مواتية لخصوصيات البلد واحتياجاته التنموية. 

ما الذي يعنيه استقلال الجامعات؟

تشير الأدبيات الموصّفة للتوجه العالمي نحو استقلال الجامعات إلى أن هذا الاستقلال يتعلق بشكل أساسي بالبنية الإدارية والمالية للجامعات وهيكليتها، والعلاقات التي تربطها بالدولة وقوى المجتمع، ويرتكز بالتالي على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: الاستقلال الإداري والهيكلي: أن تختار الجامعة الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسنّ القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية.
  • أما الركيزة الثانية فهي الاستقلال المالي: أن يكون للجامعة مصادرها المالية الخاصة التي يأتي جزء منها من التمويل الحكومي وفقاً لمعايير محددة، وجزء من القطاع الخاص والأهلي والوقف والهبات الخيرية، بالإضافة إلى ما يأتي من الموارد الذاتية والخدمات التي تقدمها الجامعة للمجتمع. وللجامعة الحرية في تحديد أولوياتها في الصرف وتوزيع تلك المبالغ في ظل المساءلة والشفافية التامة من قبل الجهات الرقابية، دون تدخل في مواطن وسياسات الصرف.

ولعل الأهمية الفائقة لهاتين الركيزتين تكمن في أنهما يضمنان المناخ الملائم لاستقلال مكمّل من نوع آخر، يعبّر عنه بما يعرف بالحرية الأكاديمية: أن يتمتع منتسبو المؤسسة الأكاديمية (طلاب وأساتذة وباحثون) بالحرية في تداول المعرفة من خلال التدريس والبحث والنقاش والابتكار والنشر للمعرفة والمعلومات التي بين أيديهم دون حواجز أو قيود سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. وبالرغم من أن الحرية الأكاديمية لا تنفصل عن حرية الإنسان وحقه في التعليم والتعلم والتعبير عن الرأي ونشر المعرفة، إلا أنها تتمايز، بحكم ارتباطها بالفضاء الأكاديمي، بحساسية خاصة ودور بالغ التأثير كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات وبدورها التنموي والتنويري الهادف إلى إحداث التغيير المجتمعي المنشود، إذ ليس هناك من مجتمع استطاع أن يتطور بشكل ملموس وكانت الحريات الأكاديمية فيه مقموعة. يقول اينشتاين في مفهومه للحرية الأكاديمية: “أفهم من الحرية الأكاديمية ذلك الحق في البحث عن الحقيقة ونشر وتعليم ما يعتقده المرء أنه حقيقة”، ويضيف قائلاً: “لكن هذا الحق ينطوي على واجب أيضًا: ألا يخفي المرء أي جزء من هذه الحقيقة، حيث من الواضح أن أي تقييد على الحرية الأكاديمية سيؤدي إلى إعاقة نشر المعرفة بين الناس أو تشويهها، وبالتالي إعاقة منظومة التفكير والعمل الوطنيين”.

ما أهمية استقلال الجامعات وما الذي يمكن أن يحمله لجامعاتنا؟

يعدّ استقلال الجامعات معيارًا مؤثرًا في جودة أداء مؤسسات التعليم العالي. وأحد مقومات النجاح الأساسية لتعزيز قدراتها الإبداعية والابتكارية، وتأكيد دورها البحثي وتعظيم أثرها المجتمعي. وقد استحوذ هذا الموضوع في الفترة الأخيرة على تركيز كبير تجلّى في الحراك الذي نشأ في الساحة الأكاديمية السورية وبالأخص في شبكات التواصل الاجتماعي، على وقع فقدان جامعاتنا لمواقعها في منظومات التصنيف العالمي، واتضاح ضعف مخرجاتها مقارنة بالمستويات العالمية، إلى درجة أن البعض اعتبر الأسلوب المتبع في حوكمة الجامعات نوعاً من “الوصاية” المفروضة من الوزارة ومجلس التعليم العالي على الجامعات، متخذاً من “انعدام الاستقلالية” أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع المتأصل حتى منذ سنوات ما قبل الأزمة.

من الناحية النظرية، وبغض النظر عن وجود هذه الوصاية من عدمه، فإن الجامعات تحتاج، وبلا أدنى شك، إلى استقلال حقيقي عن جميع السلطات الموجودة خارجها لتخلد إلى بناء منظوماتها الأكاديمية والإدارية، وتتمكن من إعمالها وفقاً لما تمليه عليها الخبرة والمهارة والمعرفة القيادية المتوفرة لدى نخبها الأكاديمية، إذ لا يمكن لأية جامعة، حكومية كانت أم خاصة، ان تنطلق في تحقيق رسالتها وتميّزها، ولا أن تساهم في التنمية الحقيقية وإبداء الرأي العلمي المتخصص إن لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي، والحرية الأكاديمية، بعيداً عن كل أنواع الضغوطات.

في منظومات التعليم العالي “الفاضلة”، تَعِد الاستقلالية الجامعات بتحقيق جوّ من الإبداع والابتكار بداخلها، والمنافسة فيما بينها، وتوفير فرص التميز والتفرد في مجال علمي أو أكثر، مما يوفر لها إمكانية الانعتاق من النمطية واستنساخ البرامج، والانتقال إلى التنوّعية والتخصصية عبر جامعات ذات هوية واضحة، كجامعات العلوم والتكنولوجيا والجامعات الطبية والجامعات الهندسية والتطبيقية والجامعات البحثية وغيرها، الأمر الذي من شأنه التأثير إيجابياً في تشكيل وتلبية سوق العمل المحلي وتوجيه التنمية على المستوى المحلي والوطني نحو مجالات جديدة ومبتكرة.

هذا بالإضافة إلى أن توفير الحرية الأكاديمية المسؤولة والمنضبطة بوجهها الصحيح من شأنه أن يوجه أنظار الدولة والمجتمع إلى المعنى الحقيقي للحرية الاكاديمية، الذي يتعلق بشكل أساسي بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات، والمرتبطة بحرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منها (أي الحرية الأكاديمية) حفازاً (Catalyst) للتماسك المجتمعي ومحركاً للسلم الأهلي عوضا عن بقائها “تابوهاً” مرتبطاً بقضايا الحريات السياسية الأخرى.

هل الاستقلالية بعيدة المنال عن جامعاتنا؟ وما المعيقات والتحديات؟

من المفيد أولاً تلمس ما يفصل جامعاتنا عن هذه الاستقلالية، وما المطلوب عمله لإعادة تأهيلها باتجاه الاستقلالية إذا ما أريد نفخ الروح في الجسم الأكاديمي وتمكين جامعاتنا من تأدية دورها المرتقب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد. ثمة حقائق واعتبارات أساسية يتوجب إدراكها أولاً، كمنطلقات أولية:

  • أن استقلالية الجامعات ليست مجرد رغبة أو شعار يتم رفعه، إنما هي إرادة وتنظيم وممارسة تحفظها ضمانات وضوابط، كما أنها ليست مطلقة من دون حدود، فلها ما لها وعليها ما عليها.
  • أن استقلالية الجامعات، وما يمكن أن توفره من حرية أكاديمية، لم تكن يوماً، ولا في أي دولة، هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف الجامعات في البحث والتعليم والمشاركة المجتمعية.
  • وأن الحرية الأكاديمية بالذات تُمثِّل في حقيقتها جملة من الحقوق والواجبات التي تحتّم على الأكاديميين تحمل المسؤولية نحو جامعاتهم ومجتمعاتهم، وقبول المساءلة في حال الإخلال بثوابت المجتمع وقيمه.
  • ليس هناك من استقلالية إدارية أو مالية أو أكاديمية مطلقة، ولا بد بالتالي من جسم مركزي يؤدي دور “البوصلة” على المستوى الوطني (وزارة و/أو مجلس للتعليم العالي) ويتولى رسم السياسات والتوجهات الاستراتيجية الوطنية بالتوازي مع ضمان ما يلزم من استقلالية وحرية أكاديمية.

ولعل الإطار الذي رسمته منظمة اليونسكو في المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته عام ١٩٩٨ حول استقلال الجامعات والحرية الأكاديمية يعبر أحسن تعبير عن الهواجس التي لا زالت ترافق استقلالية الجامعات حيث كان من أهم التوصيات الواردة في وثيقة العمل الصادرة عنه، تلك التي تقول: “يجب أن يتم تأطير استقلال مؤسسات التعليم العالي، وأن يقترن هذا الاستقلال بمستوى رفيع من المسؤولية والخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية، مع إفساح أكبر قدر ممكن من المشاركة أمام الطلاب والمدرسين في عملية اتخاذ القرارات”.

وبالعودة إلى جامعاتنا نجد أنه، وبالرغم من أن القوانين الناظمة لحوكمتها (قانون تنظيم الجامعات لعام ٢٠٠٦ ولائحته التنظيمية، والتعديلات الطارئة عليهما) تحمل في نصوصها بعضاً من نفحات الاستقلالية حيث نصت المادة (١٠) من هذا القانون على أن “الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكل منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي على الوجه المبين في هذا القانون ولائحته التنفيذية، وترتبط بالوزير ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة التنفيذية”، إلا أن ‏ثمة أمور هيكلية متأصلة في صلب هذا القانون ومتمثلة بـ “شيطان التفاصيل”، بالإضافة إلى قصور في آليات التطبيق وضعف القدرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي، جميعها لا زالت تحول دون تمتّع  الجامعات بالحد الأدنى من الاستقلالية اللازمة لانطلاقها نحو آفاق رحبة من الإنجاز والتميز والمشاركة الفعالة في تحقيق التنمية لهذا الوطن الغالي. من أهم هذه المعوقات التي تحتاج إلى وقفة مراجعة: 

  1. تمركز السلطة والقرار في يد مجلس التعليم العالي، مما جعله يقوم بأدوار متعددة، تشريعية وتنفيذية ورقابية في آن واحد وهذا من شأنه أن يخلق تضارباً في المصالح، فالجهات المرخِّصة والمشرِّعة للجامعات لا يجوز لها، وفقاً للممارسات العالمية الفضلى (Best Practices) للجودة والحوكمة الرشيدة للجامعات (الحكومية والخاصة)، أن تقوم بعملية الرقابة والتقييم ناهيك عن عمليات اتخاذ العقوبات وفرضها (في الجامعات الخاصة) كإيقاف للبرامج أو تجميد لقبول الطلبة، الخ، في الوقت الذي من المفترض أن تقوم بهذه الأدوار، من مراقبة ومراجعة وتقويم للجامعات،هيئات وطنية مستقلة ومحايدة (هيئات ضمان جودة التعليم)، وأن تكون التقارير الصادرة عن هذه الهيئات محصنة من جميع أنواع التدخلات، وتكون قراراتها ملزمة لمجلس التعليم العالي.
  2. إخضاع الفئات العاملة في الجامعات، وبخاصة أعضاء الهيئة التعليمية لأنظمة الوظيفة العامة وآلياتها، مما يقيد من حريتها من حيث الهيكلة والتعيينات والرواتب والترفيعات، ويخضعها لذات القوانين السائدة في وزارات الدولة وأجهزتها، تلك القوانين التي تختلف في مهامها ووظيفتها وطبيعة عملها عن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تتمتع بما يكفي من خصوصية وأدوار تعليمية وبحثية وتنموية عديدة تستدعي الانفراد بأنظمة تراعي خصوصيتها وتمكنها من تحقيق أدوارها. تحتاج هذه الأدوار إلى مرونة وحرية في الحركة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس متميزين في تخصصاتهم وإنعاش الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار وتطوير مواردهما.
  3. ربط ميزانيات الجامعات بوزارة المالية، مما يفقدها حرية التصرف بمواردها الذاتية ويجعل الصرف تحت شروط وأنظمة وقوانين تحدّ إلى درجة كبيرة من الاستقلال المالي للجامعات (بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بآليات وبنود الصرف على البحث العلمي) وتفقدها الحماسة والدافعية نحو تحصيل المزيد من الموارد الذاتية المستقلة عن مخصصات الدولة.
  4. معيقات متأصلة في الثقافة والذهنية التي تميل إلى مقاومة التغيير: ثمة خوف من التغيير لدى البعض على الرغم من المناداة المتنامية بالاستقلالية من قبل البعض الآخر. ربما تعود أسباب هذا التخوف إلى عدم القدرة على نقد نظام الحوكمة الحالي، أو أن البعض يرى أن هذا المفهوم وإن كان ناجحًا في الدول المتقدمة، إلا أنه غير مضمون النجاح في البيئات الشمولية، وبالتالي من الأفضل المحافظة على الوضع الحالي وتركه يسير وفق مبدأ (Business as Usual) خوفًا من المجهول، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، أو استمراءً لثقافة الممالأة الأكاديمية والثقافية.

ما العمل إذاً؟

لسنا بصدد رسم خارطة طريق شاملة نحو الاستقلالية والحرية الأكاديمية لكن من المفيد أن نتلمس بعض الخطوط الإرشادية (Guidelines) والمنطلقات الأساسية لوضع الجامعات على طريق الاستقلالية بشكلها الجزئي المتدرج، بأمل أن تشكل هذه الخطوط والمنطلقات العمود الفقري لأي برنامج إصلاحي شامل يسعى من ضمن أهدافه الرئيسة إلى تحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عبر ردم ما أمكن من الفجوة التي تفصل جامعاتنا عن ذلك الإطار الاستقلالي “المثالي”:

  • يُعدّ التوجه نحو الاستقلالية الجزئية المتدرجة أحد الحلول الناجعة حيث يتم تطبيق الاستقلالية بشكل متدرج على مجموعة مختارة من الجامعات بعد أن تثبت “أهليتها” للاستقلالية من خلال تحقيق معايير الجودة من قبل هيئة وطنية مستقلة لضمان الجودة والاعتماد تتبنى الأساليب الحديثة للاعتماد المؤسسي والأكاديمي.
  • في هذه المرحلة الأولى يتم التركيز على الاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وذلك لصعوبة الاستقلال المالي في هذه المرحلة. كما ويجب أن يتم في هذه المرحلة:
    • إطلاق حرية الجامعات في وضع الرؤى الاستراتيجية والخطط المستقبلية فيما يخص اختيار نموذجها التعليمي والبحثي وآليةتمويله بما يضمن تحقيقها لأهداف التميز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام في إنتاج ونشر المعرفة.
    • تبنى الجامعات لمبادئ التوجه الاستراتيجي وقيامها، من خلال معايير الحوكمة وإشراك فئات المجتمع الأكاديمي، باتخاذ القرارات الخاصة بوضع السياسات العامة للجامعة، وخطط تمويلها.
    • توفير مرونة عالية للجامعات في استحداث اللوائح والأنظمة الداعمة للتميز والإبداع ودعم البحث العلمي الرصين وتحفيز المبدعين عن طريق تبني النظام التعاقدي مع موظفيها، واستحداث سلالم رواتب ومزايا منافسة، وإعادة هيكلة للتخصصات بما يلبي متطلبات التنمية ويخدم التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
    • الاهتمام بتنمية الموارد المالية للوصول إلى الاستقلالية الشاملة. يحتاج ذلك إلى دعم الدولة في المرحلة الحالية من خلال التشجيع والمساعدة على إنشاء محافظ استثمارية في الجامعات ودعمها ماليا وتنظيميا لتكون الممول لهذه الجامعات في المستقبل (بالإضافة إلى المساهمات الخيرية والوقف الجامعي)، وترسيخ فلسفة التشغيل الذاتي للجامعات وتنمية الحس الاستثماري فيها.
  • و للانطلاق فيما سبق، يتطلب الأمر إعادة النظر في الإطار المؤسسي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث المكونات وتوزيع الأدوار وعملية اتخاذ القرار الأكاديمي والبحثي والخدمي المجتمعي، وذلك في ضوء مراجعة شاملة لقانون تنظيم الجامعات والدور المنوط بمجلس التعليم العالي.
  • كما يتطلب الأمر العمل على بناء القدرات لتوفير الكفاءة الإدارية والأكاديمية القادرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي ضمن نظام محاسبي ورقابي دقيق، بما يضمن دفع الاستقلالية إلى النجاح.