التعلّم في مكان العمل ــ النموذج 10/20/70

هل أتاكم حديث النموذج 10/20/70 حول التعلّم في مكان العمل؟

يعد نموذج 10/20/70 الذي تم تطويره في ثمانينيات القرن الماضي إطار عمل للتعلّم قائم بذاته، وهو نموذج للتعلم والتطوير مستمد من دراسة تجريبية اعتمدت على الموظفين/العمال في الإبلاغ ذاتياً عن كيفية تعلمهم في مكان العمل.

يحدد النموذج الأنماط الرئيسية الثلاثة الأكثر أهمية للتعلّم والتطوير الشخصي في مكان العمل، وأهميتها النسبية التي تأتي على الشكل التالي:

  • ·      70 ٪ – بالتعلّم الخبراتي/التجريبي Experiential learning، حيث يتم تعلم المهارات في مكان العمل أثناء تأدية العمل اليومي On the Job Training. في هذا النمط، يتم تحدي الموظف بإسناد مهام صعبة له ويعد ذلك أساسياً لضمان تطوّره المستمر، ولو أدى ذلك إلى فشله في تنفيذها فهذا الأخير يعد الوسيلة الأسرع والأثبت للتعلّم. يتوافق هذا النمط من التعلّم مع المثل الشعبي القائل: “ما حدا بتعلّم إلّا من كيسو”، مع الفارق هنا بوجود منصة مناسبة يتم من خلالها تسجيل التعلم وتقييم تطوّره.    
  • ·      20 ٪ – بالتعلّم الاجتماعي Social Learning الذي يتم بشكل غير رسمي Informal، حيث يتم الحصول على المهارات من خلال التفاعل والتعاون مع الآخرين. يمثل هذا النمط نوعاً من التطور الشخصي الذي يجب أن يحدث بشكل طبيعي وتلقائي في أي مكان عمل، وذلك من خلال التعاون الوثيق بين الزملاء. يعد وجود منصة مرنة لإدارة التعلم والتطوير أمراً أساسياً لتحقيق ذلك، مما يسمح بتشارك فعال للمعارف الحيوية.
  • 10 ٪ – بالتعلّم الرسمي Formal Learning، بما في ذلك الدورات التدريبية المنظمة Training Courses التي تتطلب مشاركة الأفراد أو الفرق. على الرغم من أن نموذج 10/20/70 يولي اهتماماً ضعيفاً بهذا النمط على برامج التعليم الرسمية، إلا أن الاستثمار في جودة التدريب المقدم، على حساب الكم يعدّ من الممارسات الفعالة في هذا النمط وعامل نجاح له.

أظهرت الدراسات أن نموذج 10/20/70 يمكن أن يكون فعالاً للغاية إذا ما تم دمجه بشكل صحيح في الشركات والمؤسسات. وفقًا لتقرير حديث صادر عن مؤسسة “نحو النضج” للتعلم والتطوير ومنتدى 10/20/70، فإن الشركات التي تستخدم 10/20/70 يُرجَّح أن يكون موظفوها قادرين على الاستجابة بشكل أسرع لتغيير الأعمال أكثر بأربعة أضعاف من الشركات التي لا تستخدم هذا النموذج – مما يدل على الأثر الإيجابي لهذا النموذج.

كما ووجدت دراسة أخرى من Docebo أن نموذج 10/20/70 يسمح للموظفين بتطبيق ما يتعلمونه في الممارسة بشكل أسرع، وأن الشركات التي تقوم بدمج النموذج في خطة التعلم والتطوير الخاصة بهم لاحظت حدوث تغيير إيجابي في سلوك الموظفين حيث وجد التقرير أيضًا أن الشركات التي تستخدم نموذج 10/20/70 كانت أكثر عرضة لجذب المواهب العليا بخمسة أضعاف، وبضعفين فيما يتعلق برضا العملاء بفضل التعلم التجريبي أثناء العمل.

نموذج 70/20/10 الأكثر نجاحاً في المؤسسات/الشركات الصغيرة

في حين تعتمد بعض الشركات على نظام تعليمي/تدريبي رسمي واسع النطاق، يتضمن منهجًا محددًا يُفصّل على مقاس كل موظف، وتُنفق عليه أموالاً ضخمة، فإن نموذج التعلم غير الرسمي القائم على صيغة 10/20/70 يمكن أن يكون مساوياً، إن لم يكن متفوقاً، لجهة الفعالية في تحفيز التعلّم في مكان العمل.

يفيد نموذج 10/20/70 الشركات الصغيرة بشكل خاص لأنه يركز على التعلم التجريبي والاجتماعي، حيث يتطور أعضاء فريق العمل من خلال قيامهم بمهام يومية والعمل مع بعضهم عن قرب. ونظرًا لأن هذا النموذج يولي اهتماماً أقل بالتدريب الرسمي، فهو حل تعليمي وتطويري فعال من حيث التكلفة Cost effective، بالإضافة إلى تميزه بالمرونة، وإمكانية تقديم المساعدة للموظفين على تحسين مهاراتهم المتعلقة بالوظيفة واتخاذ القرارات بشأن التعلّم والتطوير المستمرين.

يتطلب نموذج 10/20/70 توفير ثقافة تمكن الأفراد من التعلم من خلال تجارب جديدة دون خوف من الفشل، والقدرة على الإبلاغ الذاتي عن تطورهم وحلقة تعليقات مستمرة مع المديرين حتى يتمكنوا من تقييم الأداء وعرض ردود الفعل البناءة. يتيح الوصول إلى نظام إدارة التعلم إلى جانب 10/20/70 للموظفين تحديد مسار التعلم الخاص بهم، والوصول إلى الموارد ذات الصلة بعملهم المحدد.

عوامل النجاح في تطبيق نموذج 10/20/70 في المؤسسة/الشركة

يعتمد نجاح نموذج 10/20/70 في المؤسسات والشركات على مدى فعالية تطبيقه. فيما يلي بعض النصائح العملية حول كيفية دمج 10/20/70 في استراتيجية التعلم والتطوير الخاصة بالمؤسسة:

  • رفع مستوى الوعي بـ 10/20/70 في مجالات الأعمال كافة

يتوقف نجاح النموذج على مدى دراية المديرين والموظفين بهذا النموذج وفوائده. يجب توخي الوضوح حول سبب تطبيق 10/20/70، والتأكد من أن الجميع – من المديرين التنفيذيين إلى أعضاء الفريق – يدركون أن التعلم والتطوير المستقبليين سيتم تسهيلهما بشكل أقل عن طريق التعليم والتدريب الرسمي، وبشكل أكبر بكثير من خلال التعلم التجريبي والاجتماعي اللذين يتمّا في مكان العمل. يحتاج كل من المديرين والموظفين إلى أن يكونوا على دراية بالدور الذي يلعبونه في تنمية أنفسهم، لذلك يجب التحدث إليهم كـ “فريق” وتشجيعهم على المحادثة فيما بينهم للشروع استعداداً لإطلاق “عملية” 10/20/70.

  • الاستفادة من المواد المتاحة

يعدّ التوفر المتنامي للمواد التعليمية أحد الأسباب الرئيسية وراء زيادة شعبية نموذج 10/20/70 بين المؤسسات/الشركات العامة والخاصة. فبفضل منصات التعلم ومشاركة البيانات على شبكة الإنترنت، أصبح الآن بإمكان الشركات من جميع الأحجام الوصول الفعال إلى مواد تعليمية عالية الجودة وبأسعار معقولة، إن لم تكن مجانية وذلك عبر بوابات التعلم القائمة على الويب بالإضافة إلى القنوات العامة مثل YouTube، وسلسلة TED Talk الممتازة، إلى غير ذلك من المواد المتاحة. تتيح المنصات الاجتماعية ومنتديات الأعمال التجارية والمهنية عبر الإنترنت مشاركة أفضل الممارسات والحصول على المشورة وإقامة الشبكات بسهولة أكبر. يمكن أن يساعد ذلك جميع مجالات العمل على تطوير استراتيجيات وممارسات العمل ومساعدة الموظفين على التعلم.

  • التركيز على التعلّم التجريبي

نظرًا لأن 70٪ من التعلم يأتي من العمل، فمن الضروري أن يتم تزويد الموظفين بمنصة لتطوير مهاراتهم في العمل. يعود تيسير التعلم التجريبي في مكان العمل إلى منح الموظفين مزيداً من المسؤوليات والتحديات، لذلك يقومون باستمرار بتطوير مهارات جديدة واكتساب خبرة جديدة. ابدأ بتفويض المهام الأكثر تحديًا لأفراد الفريق ، ومنحهم قدرة أكبر على اتخاذ القرارات والتحكم. يمكنك دفع جانب التعلم الاجتماعي هنا أيضًا، من خلال تشجيع الموظفين على بناء علاقات مع أشخاص خارج قسمهم. من الأهمية بمكان أيضاً أن يتم تقديم تغذية راجعة عند اللزوم، دون التدخل في الأمور التفصيلية.

  • القبول بتدني نسبي في الكفاءة والإنتاجية لصالح تسهيل العملية التعلّمية

عندما يوضع الأفراد أمام تحديات ويُحمّلون مسؤوليات أكبر، يمكن أن يحدث انخفاض طفيف في الكفاءة والإنتاجية بانتظار أن يتعودوا على أساليب العمل الجديدة التي تعلموها. من المهم قبول هذا كحل وسط في سبيل دعم التعلم التجريبي، والسماح للموظفين بحرية التعلم بالممارسة ومن أخطاء الماضي. سوف يهون هذا التدني العابر في الكفاءة عندما يتم النظر إلى هذا التدني من خلال التحسن في المنحنى التعلّمي على مستوى المؤسسة ورأس مالها البشري.

الصورة الرئيسية مأخوذة من الرابط https://tesseractlearning.com/blog/70-20-10-model-performance-and-training-revisited.html

الإعلانات

حيوانات التعلّم والطريق إلى تربيتها

“قد لا يدرك الناس أننا في جوجل، نركّز في انتقائنا لموظفينا الجدد على “حيوانات التعلم” والعموميين بدلاً من المتخصصين. والسبب الرئيسي في ذلك هو أننا نعمل في صناعة ديناميكية تتغير فيها الظروف بسرعة كبيرة، وبالتالي فإن أشياء مثل الخبرة والأدوار التي سبق للمرشح أن قام بها لم تعد بذات الأهمية كقدرته على التفكير والتعلّم السريعين”.

هكذا عبر “جوناثان روزنبرغ” نائب الرئيس الأول السابق للمنتجات لدى جوجل والمؤلف الشريك لكتاب (How Google Works) مع “إيريك شميت” الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل (الظاهر في الصورة)، وذلك في حديثه عن كيفية إدارة جوجل لمواردها البشرية وفرقها الديناميكية والإبداعية.

ولعل مصطلح “حيوانات التعلم” الذي روجته جوجل في سوق العمل العالمي يمثل، على الرغم من خشونته، التعبير الأهم في هذا التصريح المفصلي، مع الإشارة إلى أن كلمة “حيوان” هنا تستخدم بمعناها الإيجابي “الحميد” وذلك لتضخيم صفة “الإدمان” على التعلم، وإبراز أهمية التعلّم بشكل مستمر “من المهد إلى اللحد”. تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين مصطلح “حيوان التعلم” هذا و “حيوان الدراسة”، فالثاني يعدّ نقيضاً للأول وله دلالة سلبية إذ يستخدم في ثقافتنا الشعبية للإشارة إلى ذلك الطالب الذي يفتقر إلى الذكاء فيلجأ إلى الحفظ عن ظهر قلب (البصم) للتعويض عن النقص في ذكائه.   

في الواقع، بدأ أرباب العمل يدركون، أكثر من أي وقت مضى، أن الأشخاص القابلين للتعلّم ذاتياً هم أفضل العاملين أداءً، هؤلاء الذين يشار إليهم بـ “الأدمغة الجائعة” hungry brains، المهتمون حقًا بتحديث معارفهم ومهاراتهم. ازداد هذا الإدراك بعد أن أشارت الدراسات إلى أن الشركات تهدر مليارات الدولارات كل عام على برامج التدريب الداخلية دون أن تحصل منها على منفعة مستدامة. اتجه الحلّ إذاً نحو توظيف أصحاب المواهب الذين “تعلموا كيف يتعلمون”، ممن يتمتعون في الأصل بعشق طبيعي للتعلم ودافع شخصي للتطور مهنياً. لقد شكل “تعلّم كيفية التعلم” جوهر الانزياح الحاصل في التعليم للقرن الواحد والعشرين …

المدير التنفيذي لشركة مايكروسوفت عبر بدوره عن هذا الانزياح بطريقة أخرى عندما تساءل، كما في الصورة، “كيف لنا أن نبني ثقافة تَعلَّم كلَّ شيء بدلاً من اعرف كل شيء؟”.

ولفهم الملابسات والتداعيات التي أدت إلى هذا الانزياح الجوهري، قد يكون من المفيد أن نتعمق قليلاً في موضوع “المعرفة”:

  1. ففي عصر الوفرة المعرفية والتقانة الذي نعيش، فإن أية معرفة مولّدة حديثاً، مهما بلغت أهميتها، سرعان ما ستفقد من قيمتها الاقتصادية بسبب ما بات يعرف بخاصية تهالك المعرفة Obsolescence of knowledge والدوران السريع لها Knowledge turnover. فمعرفة اليوم ستصبح غير صالحة غدا عندما تأتي معرفة أحدث من الأولى، لذلك فإن امتلاك المعرفة لم يعد يضمن الفائدة منها.
  2. المعرفة متاحة وبمتناول أيدينا، ولم تعد ميزة تنافسية أو عاملاً حاسماً في اقتناص الفرص بالنسبة للمؤسسات والأفراد، وذلك بفضل الولوج السهل والسريع إلى قواعدها في عصر المعلومات والاتصالات، بل إن العامل الحاسم بات يكمن في المقدرة على التعلّم والاكتساب السريع للكفاءات الجديدة اللازمة من أجل التصدي إلى أية مشكلات طارئة أو استيعاب المعارف الجديدة التي باتت تولّد بوتيرة متزايدة. من هنا تأتي أهمية التحول الذي طال فلسفة التعليم وفرض على المؤسسات التعليمية أن تُكرّس وظيفتها لضمان تنمية القدرة عل التعلّم واكتساب المهارات الجديدة.

هذا لا يعني بالطبع أن المعرفة خفتت أهميتها، لكن من الأهمية بمكان أن ندرك أن هناك أشياء أخرى مثل “قابلية التعلم” Learnability و “التمهّر” Skillfulness أصبحت تعد أكثر أهمية في التعليم.

كمهارة مفصلية قائمة بذاتها، تعرّف “قابلية التعلّم” على أنها “الرغبة والقدرة لدى الفرد على النمو بسرعة وتكييف مجموعة مهاراته من أجل تلبية متطلبات التغير في بيئة وسوق العمل، ومن أجل أن يظل الفرد قابلاً للتوظيف طوال حياته العملية.”

وهكذا أصبحت قابلية التعلّم “أمّ المهارات” ومفتاح الاستقرار المهني في القرن الحادي والعشرين بعد أن أصبحت قابلية التوظيف Employability تعتمد بشكل أقل على ما تعرفه وبشكل أكثر على قدرتك على تعلم كل ما هو جديد.

هل أنت حيوان تعلّم؟

تتحلى “حيوانات التعلّم” بمستوىً عالٍ من قابلية التعلّم، وبصفات مميزة تمنحهم نعمة الإدمان على التعلّم: فحيوان التعلم إنسان فضولي، كثير التساؤل، جريء لا يخشى عدم اليقين ولا يهاب المخاطر، متعاون يمكنه حلّ المشكلات من خلال تبادل الأفكار والتشارك في الموارد، صبور يتفهم أن ارتكاب الأخطاء جزء من العملية التعلّمية، مبدع ومبتكِر، يركّز على العملية (Process-oriented) قبل النتيجة، يفكر بشكل نظمي Systemic ويطبق ما تعلمه ليرسّخه في عقله….

في المقابلات الوظيفية المستقبلية المصممة لتحديد مستوى قابلية التعلم لديك، يجب أن تتوقع رؤية سلسلة من الأسئلة السلوكية، لكن قبل ذلك اسأل نفسك ما يلي:

  1. هل سبق لك أن تعلمت بنفسك مهارة ما؟
  2. هل استثمرت وقتاً في تعلم شيء جديد في الأشهر الستة الماضية فقط لأنك تريد معرفة المزيد؟
  3. هل يمكنك أن تشرح بوضوح أفضل طريقة لتعلم شيء بسرعة؟
  4. منذ أن تخرجت، هل استثمرت في أي تدريب أو دورات لتتعلم شيئًا جديدًا؟
  5. في عملك السابق، هل تعلمت بشكل استباقي Proactive (أي دون أن يطلب منك) أية مهارات جديدة تجعلك أكثر قيمة في عملك؟
  6. هل سبق لك أن تعلمت مهارة جديدة بمفردك، خارج العمل، من أجل البقاء ناجحًا في عملك؟

 إذا كان جوابك بـ “نعم” عن كل ما سبق، فإن قابليتك للتعلم تبدو جيدة وواعدة، ومن الجائز أن تكون “حيوان تعلّم”. إن لم يكن الأمر كذلك، وكنت ترغب في أن تبقى قابلاً للتوظيف، فعليك إجراء اختبار أكثر دقة وتخصصاً لتحديد مستوى قابليتك للتعلم. سمي هذا الاختبار الأكثر دقة، والذي بات معروفاً الآن، اختبار تحديد “مستوى قابلية التعلم” (Learnability Quotient (LQ وذلك على نمط الاختبار التقليدي لمستوى الذكاء، والمعروف بـ (IQ).

يمثل هذا الاختبار (الذي طورته مجموعة ManpowerGroup على شكل منظومة قياس متاحة على الشبكة web-based visual) طريقة جديدة للمستخدمين لتقييم مستوى وأساليب التعلم الخاصة بهم وتلقي توصيات حول كيفية تطوير هذه المهارة. أنصح القارئ المهتم بخوض هذا الاختبار للتعرف على حيثياته، وهو متاح هنا.

في ها الاختبار يُعبَّر عن النتائج وفق محاور ثلاث: محور “المغامرة” ويعبر عن الرغبة المتأصلة في الاستكشاف؛ المحور “الفكري” ويعبر عن الدوافع للتعلم؛ والمحور “غير المألوف” ويعبر عن القدرة على مساءلة ونقد الوضع القائم. يعكس مستوى LQ قابليتك للتعلم ورغبتك وقدرتك على النمو والتكيف مع الظروف والتحديات طوال حياتك العملية.

هل تساعد منظوماتنا التعليمية على تنمية مهارة “قابلية التعلم” وتخريج “حيوانات تعلم”؟

يمكن تلمس الإجابة على هذا التساؤل من خلال ما ذكره أحد التربويين عندما وصف منظوماتنا التعليمية بأنها “بنيت بالأساس لغرض “توفير المعرفة” للطلاب، وبالتالي فإننا في الواقع نغذي طلابنا في المدارس بالمعلومات ونتوقع منهم أن يحفظوها عن ظهر قلب ويجترّوها، ثم نمتحنهم في ذلك كما لو أننا نربي “موسوعات تمشي على الأرض” (walking encyclopaedias)”!

وقد لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات، فما آل إليه الوضع الميداني لا يمت بصلة إلى التعلّم لا من قريب ولا من بعيد، ولعل ما يدلي به الزملاء من شهادات على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً يعطي فكرة عن الوضع القائم على الأرض. أحد الأساتذة المرموقين في إحدى كليات العلوم الطبية (الصيدلة) لخّص الواقع الحالي عندما كتب في منشور له على فيسبوك:

“بين السنة الأولى والسنة الخامسة، سقوط مدوّ في شخصية الطالب الطامحة للتعلّم وفشل ذريع للمؤسسة الأكاديمية في الحفاظ على طموح وآمال الطالب. ومن جهة أخرى، انقياد أعمى من قبل الطالب لثقافة القطيع المهترئة التي يكرسها “بزنس” أطرافه حفنة من الطلاب الحاضرين “المؤلفين” ومكتبات ربحية، ومبادرات طلابية تظن أنها تشارك في تأمين مادة علمية “لائقة” بالنجاح، وهي في الواقع مادة علمية معدومة الرؤية، بلا روح وبلا هدف”

ما قصده هذا الأستاذ بـ “البزنس” هو بالطبع، تلك “الملخصات” التي يكتبها “نخبة” من الطلبة الذين يحضرون المحاضرة (الحضور لا يتجاوز بأفضل الحالات 5 إلى 10% من عدد الطلاب) ويلخصونها لتطبع لاحقاً وتباع في الأكشاك والمكتبات المنتشرة في محيط الجامعة!!  

ما العمل إذاً وأبناؤنا الذين لم يصلوا بعد إلى الشهادة الثانوية سوف يعملون مستقبلاً، كما تشير الدراسات الاستشرافية، في مهن لا يعرفونها ولم توجد بعد، وسيحتاجون إلى تعلّم مهارات جديدة كلما دعت الحاجة، وبشكل سريع؟ ما العمل إذا كان متوسط زمن فقدان نصف التحصيل الجامعي (halving period) للخريجين في مختلف الاختصاصات بعد تخرجهم يقدر، وفق دراسات ألمانية، بثماني سنوات ويصل إلى سنة واحدة بالنسبة لاختصاص الهندسة المعلوماتية!

هناك العديد من الطرق التربوية الحديثة في التعليم الفعّال، البعيد عن التلقين، نحن بحاجة إلى استخدامها عملياً مع أطفالنا وطلبتنا من جميع المستويات لقدح شرارة قابلية التعلم الدائم في أذهانهم. فتعليم قابلية التعلم لن ينجح إلا بتطبيق ما يمكن تسميته “الممارسات التربوية الجيدة” (Good Pedagogical Practices) التي يُنصح المعلمون بتبنيها. كأن يتم، على سبيل المثال، استحداث أنشطة لتدريب الطلاب على الفهم والاستيعاب عن طريق الاستماع الفعال (Active Listening)، وتشجيعهم على طرح الأسئلة باستمرار (طرح السؤال الصحيح وطرحه بشكل صحيح)، وحثهم على القراءة والمراقبة والقياس والاستماع بشكل نقدي، وتدريبهم على المحاكمة والتحليل والتصنيف والتفكير النظمي، وعلى الاستنتاج والتفسير، وعلى التعاون والتواصل الواضح، وتجنيبهم كل ما يمكن أن يقيِّد إبداعاتهم …. إلى غير ذلك من الأساليب “التكتيكية” التي تحرِّض الطلاب على تنمية مهارة التعلم لديهم.

من الضرورة بمكان أن يدرك الجميع بأن الخروج من المشهد التعليمي البائس الذي تعيشه منظوماتنا التربوية والتعليمية لا يعني اعتماد “حزمة” جديدة من المناهج والموضوعات والتقنيات الحديثة، وتطبيقها ببساطة وبذات الذهنية المهيمنة والإمكانات المتاحة حالياً، بل يتطلب أولاً إجراء “فرمتة” Formatting حقيقية لهذه الذهنية وإحداث انزياح مفاهيمي Paradigm Shift في فلسفة التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، وهذا يتطلب رسم خارطة طريق بعيدة المدى انطلاقاً من استراتيجيات وآليات تدرجية.

طريق الإصلاح والتطوير شاقة وطويلة، ومحفوفة بالمصاعب والتحديات لكن طريق الألف خطوة يبدأ بالخطوة الأولى كما يقال.

التعليم النخبوي صمام أمان استراتيجي: دروس من التاريخ

في الرابع من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1957 فاجأ الاتحاد السوفيتي العالم بإطلاقه بنجاح أول قمر صناعي “سبوتنك-1” وٌضع في مدار حول الأرض فكان وقعه على الولايات المتحدة وقع الزلزال، مسبباً سخطاً شعبياً و “استنفاراً سياسياً” دفعا الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات عديدة وحاسمة…

نظرة تاريخية سريعة إلى “ارتدادات” هذا الزلزال في الأوساط الأمريكية كفيلة بأن تدل على شدته وأثره فيما يخص السباق العلمي بين قطبي الحرب الباردة آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي:

  • أيقظ هذا الحدث الجمهور الأمريكي إلى حقيقة أن مكانة هذا البلد المتقدمة في البحث العلمي والإنجاز التكنولوجي أصبحت مفتوحة للتحدي الفعال من قبل منافستها الرئيسية، الاتحاد السوفييتي، بالنظر لما يمتلك هذا الأخير من كفاءات علمية وتكنولوجية يفوق عددها ما هو متوفر في الولايات المتحدة.
  • قادت هذه الحالة من الهلع الرئيس الأمريكي أيزنهاور إلى أن ينبّه بوضوح في خطاب متلفز موجه إلى الأمة، إلى العلاقة الوثيقة بين التعليم الفعّال ومعركة البقاء الوطني، ويحذّر من أن الولايات المتحدة سوف تتخلف عن الاتحاد السوفيتي ما لم تصحح بعض أوجه القصور في نظامها التعليمي، وأهمها الفشل في إعطاء أولوية عالية بما يكفي لتعليم العلوم، موضحاً: “أن المسألة لم تعد مقتصرة على أن لدى الاتحاد السوفييتي عدد أكبر من العلماء والمهندسين، لكن لم يعد بالإمكان الاستهانة بهذا التفوق العددي بذريعة افتقارهم للجودة كما كنا نعتقد”.
  • في ذات الوقت، شدّد قائد القوات البحرية الأمريكية على أن على هذا “السبوتنيك” أن يفعل للتعليم الأمريكي ما فعلته ضربة بيرل هاربر (غارة الكاميكاز اليابانية الشهيرة على القاعدة البحرية الأمريكية) للصناعة العسكرية الأمريكية: “كما حدث وحققنا معجزات تصنيعية في حالة الطوارئ الوطنية، نستطيع الآن اتخاذ إجراءات مماثلة ونحقق معجزات تعليمية”.
  • وبعد شهر واحد من الحدث، نشر مكتب التعليم الأمريكي (بناءً على طلب الرئيس آيزنهاور) تقريرًا من 226 صفحة حول نظام التعليم السوفيتي الذي كان يشدد على “الجرعة” الدراسية القوية، ومعايير الإنجاز العالية، والضوابط التأديبية الصارمة التي تميّز العقيدة السوفييتية، في الوقت الذي بدا فيه تعليم الشباب الأمريكي بسيطًا، متساهلاً، بل ومتراخياً. وعلى الرغم من تأكيده على أن “الاستبداد السوفيتي” لم يكن ولن يكون له مكان في التعليم الأمريكي، إلا أن التقرير سلّم بأن التقدم العلمي لروسيا يرتبط مباشرة بدقة وصرامة برنامجها التعليمي الذي من شأنه أن يحصد أقصى جهد من شبابها الأكثر ذكاءً (مع التشديد هنا على هذه العبارة الأخيرة التي تشكل أساس التعليم النخبوي).
  • ولعل النقطة الفارقة والأهم التي أشار إليها التقرير، والتي ميزت التعليم السوفييتي عن الأمريكي وأشعلت فتيل الإصلاح في هذا الأخير تكمن في ذلك النهج النخبوي في النظام الروسي، مقابل نهج “التساوي” Equalitarianism (التساوي في الجرعة التدريسية المقدمة إلى الطلبة) الذي كان سائداً في نظام التعليم ما قبل الجامعي الأمريكي لمدة نصف قرن، واشتهر على أنه “الأكثر ديمقراطية” في العالم كونه يقدم للجميع فرصاً متساوية لاكتساب المعرفة من خلال مسار مؤسسي موحد. بالمقابل، يمتلك الروس نظامًا تعليميًا نخبوياً يوفر حملاً تدريسياً متقدماً ومثقّلاً لمن يثبت تفوقهم في مجالات مفيدة للدولة فيُكافَؤون بعد تخرجهم بوظائف مرتفعة الأجور نسبيًا. أما باقي الطلبة فيعمد النظام إلى فرزهم وفق مسارين أساسيين: مسار “بروليتاري” من الطلبة ذوي “العيار الخفيف” الذين يزوّدون الوطن بالقوة العاملة الصناعية، والمسار الآخر مكوَّن من الطلبة متوسطي المستوى الذين يفرزون إلى التعليم الفني.

وهكذا كرّس هذا “السبوتنيك” السوفييتي بداية منعطف حاد في المنظومة التعليمية والتكنولوجية الأمريكية التي شهدت تحولاً نحو نهج التعليم النخبوي. فقد أقرّ الكونجرس بعد ثلاثة أشهر من الحدث برنامجاً للمساعدات الفيدرالية بميزانية سخية لتعزيز المرافق التعليمية وتعزيز التدريس في الرياضيات والعلوم بإيقاع أكثر سرعة وكثافة للطلاب الأكثر قدرة (أطلق عليهم عبارة “الموهوبون” Gifted)، بعد أن استُحدث لهم برنامج خاص بهم تحت هذا الاسم، وهُيئت لهم فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي. كما وتضمن هذا المنعطف إحداث وكالة الفضاء الأمريكية NASA لتشكل فيما بعد “القوة الضاربة” الأمريكية في السباق نحو الفضاء.

الهند ومعجزة التعليم النخبوي …

مثل التعليم النخبوي في الهند خياراً إسعافياً واستراتيجياً بامتياز. فما أن نال هذا البلد الذي أنهكه الاستعمار البريطاني (الذي دام قرناً ونصف قرن) استقلاله عام 1947 حتى اتخذ البرلمان الهندي قراراً استراتيجياً (في عهد الرئيس نهرو) بإنشاء المعاهد الهندية للتكنولوجيا Indian Institutes of Technology (IITs)) بهدف تدريب العلماء والمهندسين ضمن خطة شاملة لتطوير القوة العاملة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الهند بعد استقلالها.

انتشرت هذه المعاهد، التي تتمتع اليوم بسمعة عريقة في العالم، كونها تعد من أفضل معاهد العالم في التخصصات الهندسية، على سبعة مراكز متعددة في البلاد. تقوم هذه المعاهد بشكل مستقل بإعداد مناهجها الخاصة وتربطها علاقات وطيدة مع العديد من الجامعات في أوروبا وآسيا وأمريكا حيث تنشط في مجال التبادل الأكاديمي للطلبة والمختصين مع هذه الجامعات.

وقد شجع نجاح هذه المعاهد على إنشاء المعاهد الهندية لتكنولوجيا المعلوماتIIITs  في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. تعد هذه الأخيرة قصة نجاح أخرى للتعليم النخبوي قائمة بذاتها فلهذه المعاهد بالذات يعود الفضل في تخريج كفاءات هندية رفيعة المستوى انتشرت في وادي السيليكون بالولايات المتحدة وتمكنت من “استنساخه” وتصديره إلى الهند من خلال بناء نظام بيئي Ecosystem لشركات تكنولوجيا المعلومات في الهند يوظف الآن نحو 3.5 مليون هندي وتمثل منتجاته حصة كبيرة من صادرات الهند من البرمجيات وملحقاتها.

وللتعرف على رفاعة مستوى هذه المعاهد النخبوية بعيون الخبراء الأمريكان بالذات لا بد من مشاهدة هذا الشريط الفيديو الذي يعبر أحسن تعبير عن المعجزة الهندية في التعليم النخبوي.

سياسات فارقة تُعِدّ للمستقبل …

تتسابق الدول في التخطيط لإنتاج علماء المستقبل من الخريجين النخبويين. ولملاحظة ذلك، يكفي النظر إلى المخطط التالي الذي يمثل ما تخططه الدول وعلى رأسها روسيا والصين لإنتاج علماء المستقبل من الخريجين للعام 2030 في المجالات الواقعة ضمن ما يسمى باختصاصات STEM في إشارة إلى العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (Science, Technology, Engineering, Mathematics). الملفت للنظر (والمخيف أيضاً) في هذا المخطط، ما يجهِّز له الماردان الصيني والهندي، والذي يفوق الوزن السكاني الذي يتمتعان به.  فالصين تخرّج سنوياً حوالي 2.5 مليون خريج و 30,000 دكتوراه PhD في هذه الاختصاصات، ناهيك عن تمكنها من استعادة 4000 عالم صيني من الولايات المتحدة خلال الفترة من 2008 إلى 2014 ضمن برنامج  “Thousand Talents” الذي أطلقته متضمناً العديد من الحوافز والإغراءات. أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تعد تخشى هذا السباق طالما أنها اعتادت أن “تستنخب” من النخب العالمية ما تحتاجه من بين الصفوة من العلماء والمهندسين في العالم معتمدة على جاذبية “الحلم الأمريكي” لهم. كما لا بد من الإشارة أيضاً إلى ذلك الطموح الواضح في المخطط للعديد من اللاعبين الجدد السائرين في طريق الحشد العلمي والتكنولوجي كإندونيسيا والسعودية (إن صدقت رؤيتها) والمكسيك والبرازيل وتركيا، وجميعها تسبق ما خططت له الاقتصادات العريقة وبخاصة الأوربية منها كبريطانيا وألمانيا وفرنسا!

Source: OECD (2015). Education Indicators in Focus, n.31

في سوريا الحبيبة، تجربة نخبوية رائدة أثبتت جدواها ولا تزال تؤتي أكلها …

في بداية الثمانينات من القرن الماضي، عندما اشتدت الحاجة إلى إعداد ممنهج لأطر متميزة مؤهّلة للبحث العلمي والتطوير التقاني في ميادين العلوم التطبيقية لتساهم بفعاليّة في عمليّة التنمية العلميّة والاقتصاديّة في القطر، برزت فكرة إقامة تعليم نخبوي مستقل ومختلف كليةً عن التعليم الجماهيري Mass Education القائم في الجامعات. ضمن هذا السياق، تم في عام 1983.إحدِاث المعهد العالي للعلوم التطبيقيّة والتكنولوجيا الذي ابتدأ في مرحلة التأهيل الهندسي باستقبال الطلاب السوريين المتفوقين من الشريحة الحاصلة على معدّل نجاح مرتفع في الثانويّة العلميّة السوريّة، بعد إخضاعهم لمعايير انتقاء علمية، دقيقة وصارمة. ولم تعد هذه التجربة النخبوية تقتصر على المرحلة الجامعية بل ويتيح المعهد فرصاً جيّدة للتقدّم في مجالات البحوث التطبيقيّة من خلال دراسة الماجستير والدكتوراه.

يثبتون تميزهم أينما حلّوا، ويصنعون الفارق ….

لا يتوفر تقييم كمي ودقيق لتجربة المعهد العالي كمؤسسة تعليم نخبوي وطنية، أو للأثر التنموي العلمي والاقتصادي الذي أحدثه، إلا أنه يمكن   تلمس النجاح الذي حققه هذا المعهد من خلال حقائق واعتبارات عديدة أبرزت عطاء وتميز غالبية خريجيه في الأماكن التي وضعوا فيها:

  • من خلال تفوق خريجيه في التحصيل العلمي لدى أفضل الجامعات التي أوفدوا اليها في أوروبا وروسيا الاتحادية ودول شرق آسيا للحصول على شهادات عالية،
  • من خلال المشاريع البحثية ذات السوية العلمية العالية، التي عملوا بها، والمشاريع التطويرية والهندسية التي تمت استجابة لمتطلبات مختلف القطاعات الإنتاجية والإدارية في القطر،
  • من خلال المساهمات الأكاديمية المتميزة في التدريس والبحث العلمي داخل المعهد لأولئك الذين أوفدوا لصالحه أو تعينوا فيه بعد التخرج،
  • من خلال المشاريع المشتركة التي ساهم المعهد بتنفيذها على المستويين الإقليمي والدولي بهدف نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات،
  • وأخيراً وليس آخراً من خلال الأثر التداعياتي Spillover effect الذي أحدثه قدامى خريجيه، من الذين تبوؤوا مناصب علمية وإدارية مرموقة في مراكز البحث والوزارات والجامعات العامة والخاصة، وحتى في بعض مراكز البحث والجامعات والمنظمات الدولية خارج القطر. على سبيل المثال لا الحصر: في الجامعة الافتراضية السورية – في كليات الهندسة المعلوماتية – في الأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية – في وزارة الاتصالات والتقانة – في هيئة تخطيط الدولة –في الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية – في معاهد التدريب الأهلية – في منظمة الإسكوا …، الخ.

وتجربة أخرى بازغة وواعدة…

ولعل التجربة الناشئة، المتمثلة في “هيئة التميز والإبداع” تحمل أملاً جديداً واعداً بمزيد من العطاء والتميز، كونها تعمل، وفق مرسوم إحداثها الذي تم تحديثه مؤخراً، على رصد ورعاية وتنمية مكامن التميز على مستوى القطر بدءً من الجذور وحتى الثمار عبر طيف واسع من “جبهات” العمل التي تمت مأسستها على شكل إدارات داخلية تعمل على مواكبة مستجدات عصر المعرفة الذي نعيش والثورات التكنولوجية التي نقف على أعتابها. هذه الإدارات هي: إدارة المركز الوطني للمتميزين – إدارة الأولمبياد العالمي – إدارة البرامج الأكاديمية حيث صممت الأخيرة لتكون نواة لـ “واحات أكاديمية” داخل الجامعات وتغطي حالياً برامج العلوم الطبية الحيوية في جامعة دمشق، والميكاترونيك في جامعة تشرين، والمعلوماتية في “واحة” المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، مع الأمل بأن تمتد التجربة إلى برامج أخرى وجامعات أخرى. قد يكون من المبكر إجراء تقييم لفعالية هذه التجربة الناشئة التي يشتد زخمها (شملت الإيفادات الخارجية حتى الآن ثلاثة أجيال من خريجي البرامج الأكاديمية من مخرجات المركز الوطني للمتميزين)، لكن ثمة اعتبارات مميزة لهذه الهيئة تَعِدٌ بأن تجعل منها صرحاً مبشِّراً بنجاحات تنموية للمستقبل:

  • التركيز في رصد الإمكانات الإبداعية المتميزة على فئات اليافعين الناشئة والشباب بدءً من المراحل التعليمية المبكرة بهدف احتضانها ورعايتها.
  • التركيز على بناء منظومة مستقلة للتعليم والتدريب الإبداعي الذي يساعد على استكشاف المواهب وتنمية كمونها الابتكاري. تشكل هذه “الاستقلالية” عن قوانين وممارسات التعليم الجماهيري القائم حالياً عامل نجاح حاسم سبق لنا بحثه في مقالة سابقة خصصت للحديث بشكل عام عن إيجابيات الاستقلالية الإدارية والمالية والأكاديمية للجامعات ضمن الضوابط الوطنية المسؤولة.     
  • التركيز على خلق دينامية تنافسية هادفة إلى إطلاق الطاقات المبدعة لدى الطلبة المتميزين (عبر تنظيم المسابقات المتخصصة والمشاركة الفعالة في الأولمبيادات العالمية وتقديم الجوائز في مجالات الموهبة والإبداع).
  • التركيز على خلق وتفعيل علاقة تشاركية تشبيكيه مع المنظومة الوطنية للتعليم والبحث العلمي والابتكار من خلال “مجلس أمناء” للهيئة مصمم ليكون بمثابة “بوصلة” تشاركية شاملة لأصحاب المصلحة (Stakeholders) في التميز وللمستفيدين المفترضين من هذه النخب المستقبلية (التعليم العالي – التربية – المراكز البحثية الرئيسية – الهيئة العليا للبحث العلمي – قطاع الأعمال – قطاع الطلبة…، الخ).

خلاصة ودروس…

  • التعليم ملاذ آمن وطوق نجاة للأمم في الخروج من أزماتها ونكساتها. في الحالة السورية، لا يوجد شيء أكثر أهمية من توفير نظام تعليم عالي الجودة قادر على المساهمة في تعافي البلد وإعادة بنائه، وتلافي ما حصل فيه من تآكل في رأس ماله البشري وتراجع في منظوماته التعليمية. الأدبيات العالمية تزخر بالشواهد الحية على الدور الحاسم للتعليم في توفير القدرات المتقدمة اللازمة لعملية التعافي، والحالة السورية ليست باستثناء.
  • يشكل التعليم النخبوي أحد الآليات التي تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إصلاح التعليم الجماهيري عندما يترهل هذا الأخير، ويتعذر أو يطول أمد إصلاحه وتجويده. تعتمد “العقيدة” النخبوية في التعليم (نخبوية العقل القائمة على الجدارة والاستحقاقية وليس على الثروة أو العرق أو الدين) على فكرة أن الأشخاص النخبويين، مهما قلّت نسبتهم، يمكنهم أن يساهموا بفعالية في إحداث التغيير المنشود في مفاصل الدولة والمجتمع (إن أحسن توظيفهم والاستفادة منهم)، وفي ذهنية القائمين على هذه المفاصل.
  • التركيز على النخبوية لا يحمل أي استهانة بالتعليم الجماهيري أو يقلّل من شأن هذا التعليم الذي كان له، بفضل احتوائيته Inclusion وديمقراطيته ومجانيته، الأثر الأكبر في تكوين رأس المال البشري اللازم لبناء الدولة السورية الحديثة في القرن الماضي. ومن رحم هذا التعليم الجماهيري خرج آلاف النخبويين السوريين من أدباء ومفكرين وأصحاب كفاءات علمية ومهنية ليدهشوا العالم بنجاحاتهم.
  • وماذا عن نخبنا السورية وبراعمنا المنتشرين في أنحاء المعمورة؟ لقد بات من الضروري التنقيب عنهم وإيجاد طريقة لجذبهم أو الاستفادة منهم في أمكنتهم (وهذا أضعف الإيمان)، في وقت تحفل فيه التجارب العالمية بقصص النجاح المبهرة للعديد من البلدان التي استفادت أحسن استفادة من شتاتها المعرفي. الوصفات والممارسات الفضلى Best Practices والأدوات المساعدة في هذا المجال باتت معروفة ومتاحة، ولم يبق إلا الإرادة والعمل الجاد. لقد سبق وعرضنا في بحث منفصل رؤية شاملة حول الموضوع وسبل الاستفادة من المخزون المعرفي في الشتات، مع إطار عمل بإمكانه أن يُرشد أي جهد يراد بذله بهذا الاتجاه .

الوقف: تلك الحلقة المفقودة في منظوماتنا التعليمية

في شهر تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أعلن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن خطة جريئة لإعادة هندسة برامجه الأكاديمية حول التقانة في ظل التقدم المتسارع لتطبيقات الحوسبة والذكاء الصنعي وتحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي، وما إلى ذلك من التقانات الرائدة والقائدة للثورة الصناعية الرابعة التي يقف العالم على أبوابها. تضمنت هذه الخطة بشكل أساسي إنشاء أول كلية للذكاء الصنعي سميت باسم ممولها في إعلان تأسيسها: “كلية شوارزمان للحوسبة” Schwarzman College of Computing

ما يهمنا من هذا الخبر أن التمويل الذي حصل عليه المعهد لإنشاء الكلية الجديدة وتشغيلها، والبالغ 350 مليون دولار، جاء على شكل وقف من رجل أعمال ثري اسمه “ستيفن شوارزمان”، متبصر ومستبشر بمستقبل الذكاء الصنعي، ويمتلك سجلاً حافلاً بمنح مليارات الدولارات للمؤسسات الأكاديمية المعنية بهذا المجال التقاني الواعد، بالإضافة إلى تمويله لبرنامج منح بحثية في المجال ذاته معروف باسم “Schwartzman Scholars “. سوف تفتح الكلية الجديدة أبوابها للطلبة في أيلول القادم مؤقتاً داخل مباني المعهد بعد أن يتم تأمين المستلزمات من الهيئة التدريسية المقدر عددها بخمسين أكاديمياً جديداً هم حالياً قيد التعيين، على أن يُستكمل البناء الجديد بحلول العام 2022.

لم يكن هذا الوقف الجامعي سابقة بحد ذاته فخلال العقود الماضية زاد انتشار “الوقف” الخيري لصالح العديد من جامعات العالم متّسماً بأحد النمطين الأساسيين: الوقف الجامعي University Foundation، وهو وقف يوقف لصالح جامعة ما موجودة على أرض الواقع، يُمنح إليها على شكل وديعة Endowment لبناء مختبر أو كلية (كما هو الحال بالنسبة لكلية شوارزمان آنفة الذكر) أو لإطلاق برنامج بحثي أو برنامج منح دراسية أو بحثية، الخ، والنمط الثاني، وقف لإنشاء ما يسمى “جامعة وقفية” Foundation University تُؤَسَّس بشكل كلي بناءً على تمويل وقفي يغطي نفقات تأسيسها وتشغيليها بشكل دائم كما هو الحال في أغلب الجامعات الأمريكية كهارفارد وستانفورد وكارنجي ميلون، التي تم تأسيسها لتكون وقفية. تعمل هذه الجامعات الوقفية وفق نظام المؤسسات غير الربحية وتتقاضى بذلك رسوما معتدلة من الطلبة بالإضافة إلى توفيرها لبرامج منح دراسية سخية للطلبة.   

ما الذي يمكن للوقف أن يحمله لمنظومة التعليم العالي؟

لا يمكن النظر إلى الوقف الجامعي على أنه مجرد وسيلة تمويلية تخفف من أعباء الميزانية الحكومية المخصصة لتمويل قطاع التعليم العالي. لقد أظهرت التجارب العالمية أن نمط الجامعات الوقفية هذا يوفر العديد من المزايا قياساً بالأنماط الأخرى كالحكومية والخاصة:

  • فالوقف الجامعي حمّال طبيعي للجودة والتميز، ومولّد لدينامية تنافس صحي وخلّاق داخل المنظومة الوطنية للتعليم العالي، وذلك انطلاقاً مما ينشده أصحاب الوقف من رسالة إنسانية ودَوْرٍ تنموي علمي واجتماعي وثقافي للكيانات التعليمية/البحثية التي ينشئونها (كما هو واضح من مثال كلية الذكاء الصنعي)، وكذلك من الطبيعة غير الربحية لهذه الجامعات، ناهيك عن أن الوقف بحد ذاته يوفر للجامعات بيئة مثالية من الأمن الاقتصادي المستدام كما ويساعد على نقل مفهوم الوقف من الملكوت الديني إلى الملكوت العلمي الخيري، 
  • توفر أموال الوقف الجامعي استقلالية تامة عن القوى الاقتصادية والسياسية في البلد، ويمكن بفضلها استقطاب كوادر تعليمية وبحثية وإدارات خاصة بها على قدر كبير من الكفاءة والتميز (دون الاعتماد على الجامعات الحكومية)، مما يمكّنها من تزويد المجتمع بمخرجات تعليمية أفضل. هذا الأسلوب يقلل من مخاطر الاعتماد على التمويل الحكومي الذي يتّسم بعدم الثبات ويعتمد في حجمه على الموارد المتاحة وتغيّر الأولويات من سنة إلى أخرى،
  • وبمنظور أوسع، يمكن القول أن العلاقة بين الوقف والتنمية علاقة وثيقة ومطردة عبر الزمن، فالوقف يمثل آلية تعمل على تمويل المشاريع والمساهمة في الحياة الاقتصادية من خلال توفير فرص العمل واستغلال الثروات المحلية، وبالتالي زيادة دخول الافراد.  
  • من شأن الإدارة الاقتصادية السليمة لأصول الأوقاف داخل الجامعة أن تحقق أقصى منفعة ممكنة من الوقف بالنسبة للواقف والموقوف عليه (الجامعة)، مما يؤدي إلى دوام تحقيق مفهوم الصدقة الجارية بالنسبة للواقف ودوام الانتفاع بالوقف بالنسبة للجامعة.
  • بات الوقف مؤشر تميز للجامعات وحفازاً لارتقائها في مسار التصنيف الدولي حيث أن أغلب الجامعات الغربية العريقة التي عملت – وما زالت – منذ قرون على دعم الوقف التعليمي، تفوقت واحتل أغلبها المكون الرئيسي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم.
  • وبحكم كونها مؤسسات تعليمية غير ربحية تتقاضى من الطلبة أقساطاً دراسية معتدلة وتؤمن منحاً دراسية للمتفوقين منهم، فإن الجامعات الوقفية تعدّ اليوم النموذج المنافس بامتياز للجامعات الخاصة الربحية التي باتت ترهق الطلبة بأقساطها المرتفعة.

المشهد العالمي للوقف التعليمي بين الماضي والحاضر: سبق شرقي وتفوق غربي

في منطقتنا العربية: شكل الوقف منذ غابر الأزمان بؤرة النهضة العلمية والفكرية على مدار قرون عديدة، وإليه يعود الفضل في كل ما عرفته المنطقة من نهضة علمية وثقافية في حضارتنا العربية والإسلامية. ولم يكن الوقف حينها مجرد تصرف ديني أو قانوني بل كان أيضا حافزاً علمياً وتنموياً، وثقافة روحية مؤثرة في المجتمع، مما أدى إلى انفتاح الأوقاف على التعليم حتى بات إنشاء أي مدرسة أو مؤسسة تعليمية مرتبطاً بوقف ثابت يفي بمتطلباته.

أدى هذا النموذج الحضاري إلى ازدهار مئات المدارس الوقفية في بغداد ودمشق والقاهرة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات، كجامعة القرويين في المغرب وجامعة الزيتونة في تونس والأزهر في مصر، ناهيك عن جامعات الأندلس التي أصبحت قبلة لطالبي العلم في أوربا العصور الوسطى. حتى في صقلية الإسلامية (آنذاك)، بلغ عدد المدارس الوقفية 300 مدرسة تتكفل بنفقات الدراسة والإعاشة للطلاب المحليين والوافدين من أقطار أخرى.

إلا أن هذه الصلة الوثيقة بين الوقف والعلم، والتي جعلت الأول مصدرا اساسيا لتمويل العلم والتعليم والبحث العلمي، تلاشت بشكل شبه تام في عالمنا المعاصر لأسباب لا زالت تشكل موضع بحث وتساؤل:

  • أهي سياسة مجانية التعليم بمختلف مستوياته، وما شمل ذلك من تكفّل الدولة بإنشاء المدارس والجامعات التي تمثل أولى رهانات قطاعات التعليم والبحث العلمي؟
  • أم هو تراجع لثقافة الوقف في ضمير المجتمع مما أدى إلى حصرها في نطاق الفعل التعبدي والوظيفة الدينية؟
  • أم هي تلك السياسة التي أدت إلى إقامة جدران عازلة بين قطاع الأوقاف والمنظومة التعليمية والتربوية، وانحسار أدوارهما ضمن سياسات قطاعية تفصل بين الوقف والتعليم؟
  • أم هو تآكل رسالة المجتمع باتجاه الفردية وغياب المسؤولية الاجتماعية؟

تساؤلات مفصلية ومشروعة تحتاج الإجابة عنها إلى بحوث تنير الطريق إذا ما أردنا توجيه الأنظار ثانيةً إلى الوقف التعليمي لاستعادة دوره كاستثمار خيري مستدام وبذرة صحيحة لبداية نهضة تعليمية شاملة.

أما الغرب، فقد استنسخ الوقف في مضمونه الإسلامي ضمن صيغ ونماذج تشبه الوقف أو تقترب من مفهومه فكرا وتطبيقا ليطوِّرَه فيما بعد ويجعل منه مؤسسات مانحة وجامعات ومراكز بحثية أنشئت من منطلق الصدقة الجارية ونزعة الخير التي لا يمكن حصرها في قالب ديني أو عرقي واحد، مما جعلها تتفوق على تجربة الوقف العلمي في الفكر الإسلامي. بالفعل، فقد أجمع الباحثون في الغرب على أن قانون الوقف الإسلامي كان له أكبر الأثر في تطوّر المؤسسات الوقفية في بلادهم بعد القرن السادس عشر، فالأوقاف في الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت في البداية شكل مؤسسات دينية أو تعليمية مستقلة في نمط الإدارة والتسيير المالي وباتت تتغذى من تبرعات الواقفين من أبناء الطوائف في شكل أموال نقدية أو أملاك عقارية توقف على الكنائس والمدارس والجامعات مما جعلها نماذج ناجحة بامتياز تحمل حقيقة مضمون الوقف في فكرته الإسلامية في نفس الوقت الذي تخلصت فيه من الروتين الإداري الحكومي.

ريادة أمريكية…

تُعَدّ التجربة الأمريكية في هذا المجال نموذجا قائماً بذاته، فجامعة هارفرد باتت نموذجاً رائداً في إسهام الاستثمارات الخيرية في تطوير التعليم الجامعي والبحث العلمي حيث كرست منذ تأسيسها عام 1636 تقليدا يقضي بدخول الوقف كلاعب رئيس في مجال التعليم العالي، وحققت بذلك معادلة تجعل من التبرع أحد الأسس الصلبة لبناء تعليم متميز لا يخضع لقوانين العرض والطلب ولا يتكئ كليا على الميزانيات الحكومية. وعلى غرار هارفرد رخصت الجامعات الوقفية الأمريكية علاقة وطيدة بين ثقافة التبرع من ناحية، والميادين الأكاديمية وبرامج البحث العلمي من ناحية أخرى، بحيث لم يعد هناك تصور لوجود بنية تحتية علمية بدون الوقف.   

تجدر الإشارة إلى أن النموذج الأمريكي في تمويل الجامعات يعد انعكاساً للبنية الاقتصادية الأمريكية التي يغلب عليها التنافس النابع من آليات السوق (في مقابل نموذج أوروبي ساد فيه الدعم الحكومي للجامعات بدرجات متفاوتة). تضم الولايات المتحدة الأميركية أكبر عدد من الجامعات الوقفية في العالم، حيث يصل حجم الوقف في مؤسسات التعليم العالي الأميركية إلى أكثر من 119 مليار دولار، بينما يصل وقف الجامعات الكندية إلى 5 مليارات دولار، ويتخطى الوقف في 10 جامعات بريطانية نحو 30 مليار دولار.

استفاقة تركية….

أما تركيا التي تُعدّ تجربتها نموذجية في إعادة تسخير الوقف لصالح التعليم فقد تمكنت من إعادة إحياء الصلة بين الوقف والتعليم بحلّة “مدنية وليس دينية” حيث شُرِعَ في تأسيس الجامعات الوقفية بدءً من ثمانينات القرن الماضي، واشتد زخمها بعد توفير إطار قانوني مدني نظم تبعيتها إلى مجلس التعليم العالي وشجع على أعمال الوقف من خلال العديد من الحوافز الضريبية التي تضمنها. مثلت جامعة بيلكنت التي تأسست في عام 1984(تحت حكم العسكر آنذاك) باكورة هذه الجامعات، إلى أن وصل عددها اليوم إلى 63 جامعة وقفية، إضافة إلى سبعة معاهد تقانية وقفية، وذلك مقابل 104 جامعة حكومية (القانون يمنع الترخيص للجامعات الخاصة الربحية). تتنوع المؤسسات الوقفية المنشئة لهذه الجامعات الوقفية فهناك المؤسسات الخيرية والمؤسسات الوقفية الأهلية والشركات العائلية الثرية والنقابات المهنية، الخ. تجدر الإشارة إلى أن الجامعات الثلاث التي تقدمت ترتيب الجامعات التركية ضمن التصنيف الأخير لصحيفة التايمز البريطانية “Times Higher Education”، هي جامعات وقفية!!

هل من سبيل إلى إحياء الوقف التعليمي في بلدنا؟

ما سبق يُظهر أهمية الوقف ككمون واعد لدعم منظوماتنا التعليمية والبحثية في وقت تشهد فيه هذه المنظومات غياباً شبه تام لنمط الجامعات الوقفية، شأنه شأن أي شكل آخر من أشكال الوقف داخل الجامعات الحكومية. بالفعل، يقتصر المشهد الوقفي السوري في مجال التعليم العالي على “جامعة وقفية” يتيمة (جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية) بحكم تبعيتها لوزارة الأوقاف وليس للتعليم العالي، وفقاً لما يقتضيه قانون الأوقاف (السابق والجديد) الذي حصر التعليم الديني بهذه الوزارة. أما فيما يتعلق بالوقف للجامعات الحكومية فالأمر يقتصر أيضاً على “شبه وقف” يتيم تمثل بمركز جامعة دمشق للمؤتمرات (مركز رضا سعيد) الذي كان له أكبر الأثر في إكساب هذه الجامعة العريقة واجهة حضارية جديدة. تجدر الإشارة إلى أن قانون تنظيم الجامعات النافذ حالياً، ولائحته التنفيذية، لم ينصا على أي شكل من أشكال الوقف واكتفيا بتوفير الإمكانية للجامعات لقبول الهدايا والهبات والمساعدات.

كيف يمكننا إذاً، استناداً لما سبق استعراضه من تجارب عالمية، أن نستنهض ظاهرة الوقف على العلم والتعليم في ظل ما نشهده من سلعنة متنامية للتعليم؟ لسنا هنا بصدد رسم خارطة طريق لأوقاف تعليمية جامعية لكن من المفيد طرح بعض الأفكار المستوحاة من تجارب الغير لعلها ترشد أي مسعاً بهذا الاتجاه يمكن للجهات المعنية أن تقوم به:

  • ربما يصعب “القفز” مباشرة باتجاه التفكير بإنشاء جامعات وقفية، لكن العمل في البداية على تشجيع الأعمال الوقفية داخل الجامعات الحكومية من شأنه أن ينعش الذهنية الوقفية ويروج للوقف “الأكبر” المتمثل بإنشاء جامعات وقفية…
  • يكمن المفتاح بتأمين إطار قانوني غائب بشكل كلي عن منظومتنا. إطار “مدني” يتيح للجامعات الحكومية تلقي الأوقاف التعليمية/البحثية وإدارتها بمعزل عما جاء في قانون الأوقاف الجديد (القانون رقم 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف)، على أن يضمن الإطار المنشود تأسيس صندوق وقفي في كل جامعة حكومية، وإنشاء إدارة قانونية ومالية لأوقاف الجامعة، وادارة لاستثمار أوقافها.
  • من الأهمية بمكان إجراء دراسات لحصر الاحتياجات التعليمية/البحثية التي يمكن الإنفاق عليها من الأموال الوقفية (برامج لمنح دراسية/بحثية، كراسي علمية وقفية، إطلاق مشاريع بحثية وطنية، موارد مالية خاصة بالدراسات العليا البحثية، مراكز تميز بحثية، خزانات تفكير…)  وترتيبها وفق أولويات وضوابط محددة.  من شأن هكذا دراسات أن تساعد الجامعة على إنشاء برنامج خاص بها للأوقاف يتم من خلاله تشجيع القطاع الخاص والأفراد، وبخاصة الميسورين منهم، على الوقف لصالحها.
  • وزارة الأوقاف مدعوة إلى التعاون مع وزارة التعليم العالي في تخصيص جزء من ريع الأوقاف في العملية التعليمية والتربوية عن طريق تحديد نسبة من الأموال والتبرعات الوقفية التي تردها لتؤول إلى الصناديق الوقفية في الجامعات، أو الوقف المباشر على إنشاء بعض المرافق الجامعية.
  • يعدّ استصدار قانون خاص بإنشاء الجامعات الوقفية، خطوة مفصلية على الطريق نحو دعم انتشار هذا النمط الجديد من التعليم الجامعي. في مصر على سبيل المثال، ما أن صدر القانون الناظم للجامعات الأهلية (التسمية المصرية للجامعات الوقفية) عام 2009 حتى طلبت ثلاث جامعات خاصة (جامعة النيل، جامعة سنغور الفرنسية، والجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني) التحول إلى جامعات وقفية تحت هذا القانون الناظم.
  • ثمة جامعات خاصة تتميز عن غيرها بامتلاكها لميول ونكهات “أهلية” ناجمة عن انتماءاتها اللا تجارية، مما قد يجعلها قابلة للتحوّل من ذاتها إلى جامعات وقفية (أو أهلية إذا ما أريد اعتماد هذه التسمية البديلة على غرار ما هو قائم في مصر)، إذا ما توفرت لها البيئة القانونية الحاضنة. من هذه الجامعات يمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، جامعة المنارة (المنتمية إلى الأمانة السورية للتنمية، والتي أنشئت بالأصل لهدف تنموي) وجامعة الشام الخاصة (المنتمية إلى القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي) وجامعة قرطبة الخاصة (المنتمية إلى نقابة المهندسين بحلب) والأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية (المنتمية إلى جامعة الدول العربية)، الخ.  

في النهاية نرى أن الوقف يعد ثقافة قائمة بذاتها، ومن الخطأ اختزال هذه الثقافة في بناء المساجد والكنائس، ومدّها بالخدمة، إذ لا بدّ من ابتكار آلية وقفية مدنية وتسخيرها لصالح عملية تنموية تعليمية وثقافية لبلد مكلوم في أمس الحاجة إليها. إن ما يمكن أن تحمله الصناديق الوقفية في الجامعات الحكومية، و/أو ما قد يستحدث من جامعات وقفية، يأتي في صميم هذه العملية التنموية المنشودة. ومن هنا تأتي أهمية نشر الوعي بين أفراد المجتمع عامة والميسورين خاصة، لتعريفهم بأّن الوقف على التعليم شكلٌ من أشكال الصدقة الجارية التي تقربهم إلى الله وإلى الشعب.  

استقلالية الجامعات: ما لها وما عليها

روى ” Sansom Melton” في كتابه الصادر مؤخراً: “التعليم العالي والتعافي بعد الصراع” Higher Education and Post-Conflict Recovery، روى الحادثة التالية في محفل الحديث عن حَوْكَمة الجامعات في الدول الخارجة من الحروب:

في اجتماع تم في بغداد وجمع رؤساء الجامعات العراقية منتصف العام 2003 بناءً على دعوة من “أندرو إيردمان”، المستشار العلمي للمندوب السامي الأمريكي سيء السمعة “بول بريمر”، صاحب القرار الشهير بحل الجيش العراقي عندما كان مشرفاً على “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قام إيردمان بإبلاغ رؤساء الجامعات الحكومية “أن جامعاتهم سوف تصبح مستقلة تماما وتتحكم لوحدها في تعيين الأساتذة وقبول الطلاب، وأن وزارة التعليم العالي العراقية سوف تُحلّ، وأن هذا هو النظام المعمول به في الجامعات العالمية الرائدة في الولايات المتحدة حيث لا وجود لوزارة تعليم عالي فيدرالية (علماً أن هذا الادعاء ليس دقيقاً حيث يوجد في أمريكا ما يسمى بـ  US Department of Education يُعنى بجميع مستويات التعليم واستراتيجياته، بما في ذلك الجامعات لكنه يحترم استقلاليتها)، وبالتالي فإن من المتوقع للجامعات العراقية، إن قبلت بهذا العرض، أن تزدهر في ظل ذات الظروف”. لكن النتيجة كانت أن رفض رؤساء الجامعات هذا الإجراء بإجماع وإصرار، مشيرين إلى أن الجامعات العراقية تفتقر بأكملها إلى الكفاءة والخبرة للقيام بهذا الدور الجديد، وأنه ينبغي الحفاظ على الوزارة، أسوة بباقي الدول العربية”.

لقد أراد المؤلف في روايته لهذه الحادثة أن يوجّه رسالتين أساسيتين: أولهما، أن استقلالية الجامعات، على الرغم من كونها قيمة متجذرة في أنظمة التعليم العالي المتقدمة، وبخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتشكل توجهاً “لا مركزياً” مغرياً في فترات ما بعد الحرب، إلا أن تطبيقها “غير المقيد” في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات من شأنه أن يؤدي إلى تشظي القطّاع بأكمله ويمكن أن يؤثر على سمعة واعتمادية الشهادات الصادرة عن هذه الجامعات، ويؤدي بالتالي إلى نتائج عكسية كما حصل تماماً في البوسنة التي “تورطت” في تبني النموذج الأنجلو – أمريكي في حَوْكَمة الجامعات، والذي كان قد فُرِض عليها من قبل الجهات الغربية المانحة. وثاني هذه الرسائل أن منح الاستقلالية للجامعات في بيئة اعتادت على مركزية القرار لا يتم باستنساخ نماذج عالمية وتطبيقها بين ليلة وضحاها، بل يحتاج أولاً إلى مرحلة “إعادة تأهيل” وإنضاج داخل النسيج الأكاديمي، وإلى مقومات نجاح أقلها تأمين بيئة تمكينية، مادية وتشريعية وذهنية، مواتية لخصوصيات البلد واحتياجاته التنموية. 

ما الذي يعنيه استقلال الجامعات؟

تشير الأدبيات الموصّفة للتوجه العالمي نحو استقلال الجامعات إلى أن هذا الاستقلال يتعلق بشكل أساسي بالبنية الإدارية والمالية للجامعات وهيكليتها، والعلاقات التي تربطها بالدولة وقوى المجتمع، ويرتكز بالتالي على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: الاستقلال الإداري والهيكلي: أن تختار الجامعة الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسنّ القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية.
  • أما الركيزة الثانية فهي الاستقلال المالي: أن يكون للجامعة مصادرها المالية الخاصة التي يأتي جزء منها من التمويل الحكومي وفقاً لمعايير محددة، وجزء من القطاع الخاص والأهلي والوقف والهبات الخيرية، بالإضافة إلى ما يأتي من الموارد الذاتية والخدمات التي تقدمها الجامعة للمجتمع. وللجامعة الحرية في تحديد أولوياتها في الصرف وتوزيع تلك المبالغ في ظل المساءلة والشفافية التامة من قبل الجهات الرقابية، دون تدخل في مواطن وسياسات الصرف.

ولعل الأهمية الفائقة لهاتين الركيزتين تكمن في أنهما يضمنان المناخ الملائم لاستقلال مكمّل من نوع آخر، يعبّر عنه بما يعرف بالحرية الأكاديمية: أن يتمتع منتسبو المؤسسة الأكاديمية (طلاب وأساتذة وباحثون) بالحرية في تداول المعرفة من خلال التدريس والبحث والنقاش والابتكار والنشر للمعرفة والمعلومات التي بين أيديهم دون حواجز أو قيود سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. وبالرغم من أن الحرية الأكاديمية لا تنفصل عن حرية الإنسان وحقه في التعليم والتعلم والتعبير عن الرأي ونشر المعرفة، إلا أنها تتمايز، بحكم ارتباطها بالفضاء الأكاديمي، بحساسية خاصة ودور بالغ التأثير كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات وبدورها التنموي والتنويري الهادف إلى إحداث التغيير المجتمعي المنشود، إذ ليس هناك من مجتمع استطاع أن يتطور بشكل ملموس وكانت الحريات الأكاديمية فيه مقموعة. يقول اينشتاين في مفهومه للحرية الأكاديمية: “أفهم من الحرية الأكاديمية ذلك الحق في البحث عن الحقيقة ونشر وتعليم ما يعتقده المرء أنه حقيقة”، ويضيف قائلاً: “لكن هذا الحق ينطوي على واجب أيضًا: ألا يخفي المرء أي جزء من هذه الحقيقة، حيث من الواضح أن أي تقييد على الحرية الأكاديمية سيؤدي إلى إعاقة نشر المعرفة بين الناس أو تشويهها، وبالتالي إعاقة منظومة التفكير والعمل الوطنيين”.

ما أهمية استقلال الجامعات وما الذي يمكن أن يحمله لجامعاتنا؟

يعدّ استقلال الجامعات معيارًا مؤثرًا في جودة أداء مؤسسات التعليم العالي. وأحد مقومات النجاح الأساسية لتعزيز قدراتها الإبداعية والابتكارية، وتأكيد دورها البحثي وتعظيم أثرها المجتمعي. وقد استحوذ هذا الموضوع في الفترة الأخيرة على تركيز كبير تجلّى في الحراك الذي نشأ في الساحة الأكاديمية السورية وبالأخص في شبكات التواصل الاجتماعي، على وقع فقدان جامعاتنا لمواقعها في منظومات التصنيف العالمي، واتضاح ضعف مخرجاتها مقارنة بالمستويات العالمية، إلى درجة أن البعض اعتبر الأسلوب المتبع في حوكمة الجامعات نوعاً من “الوصاية” المفروضة من الوزارة ومجلس التعليم العالي على الجامعات، متخذاً من “انعدام الاستقلالية” أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع المتأصل حتى منذ سنوات ما قبل الأزمة.

من الناحية النظرية، وبغض النظر عن وجود هذه الوصاية من عدمه، فإن الجامعات تحتاج، وبلا أدنى شك، إلى استقلال حقيقي عن جميع السلطات الموجودة خارجها لتخلد إلى بناء منظوماتها الأكاديمية والإدارية، وتتمكن من إعمالها وفقاً لما تمليه عليها الخبرة والمهارة والمعرفة القيادية المتوفرة لدى نخبها الأكاديمية، إذ لا يمكن لأية جامعة، حكومية كانت أم خاصة، ان تنطلق في تحقيق رسالتها وتميّزها، ولا أن تساهم في التنمية الحقيقية وإبداء الرأي العلمي المتخصص إن لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي، والحرية الأكاديمية، بعيداً عن كل أنواع الضغوطات.

في منظومات التعليم العالي “الفاضلة”، تَعِد الاستقلالية الجامعات بتحقيق جوّ من الإبداع والابتكار بداخلها، والمنافسة فيما بينها، وتوفير فرص التميز والتفرد في مجال علمي أو أكثر، مما يوفر لها إمكانية الانعتاق من النمطية واستنساخ البرامج، والانتقال إلى التنوّعية والتخصصية عبر جامعات ذات هوية واضحة، كجامعات العلوم والتكنولوجيا والجامعات الطبية والجامعات الهندسية والتطبيقية والجامعات البحثية وغيرها، الأمر الذي من شأنه التأثير إيجابياً في تشكيل وتلبية سوق العمل المحلي وتوجيه التنمية على المستوى المحلي والوطني نحو مجالات جديدة ومبتكرة.

هذا بالإضافة إلى أن توفير الحرية الأكاديمية المسؤولة والمنضبطة بوجهها الصحيح من شأنه أن يوجه أنظار الدولة والمجتمع إلى المعنى الحقيقي للحرية الاكاديمية، الذي يتعلق بشكل أساسي بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات، والمرتبطة بحرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منها (أي الحرية الأكاديمية) حفازاً (Catalyst) للتماسك المجتمعي ومحركاً للسلم الأهلي عوضا عن بقائها “تابوهاً” مرتبطاً بقضايا الحريات السياسية الأخرى.

هل الاستقلالية بعيدة المنال عن جامعاتنا؟ وما المعيقات والتحديات؟

من المفيد أولاً تلمس ما يفصل جامعاتنا عن هذه الاستقلالية، وما المطلوب عمله لإعادة تأهيلها باتجاه الاستقلالية إذا ما أريد نفخ الروح في الجسم الأكاديمي وتمكين جامعاتنا من تأدية دورها المرتقب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد. ثمة حقائق واعتبارات أساسية يتوجب إدراكها أولاً، كمنطلقات أولية:

  • أن استقلالية الجامعات ليست مجرد رغبة أو شعار يتم رفعه، إنما هي إرادة وتنظيم وممارسة تحفظها ضمانات وضوابط، كما أنها ليست مطلقة من دون حدود، فلها ما لها وعليها ما عليها.
  • أن استقلالية الجامعات، وما يمكن أن توفره من حرية أكاديمية، لم تكن يوماً، ولا في أي دولة، هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف الجامعات في البحث والتعليم والمشاركة المجتمعية.
  • وأن الحرية الأكاديمية بالذات تُمثِّل في حقيقتها جملة من الحقوق والواجبات التي تحتّم على الأكاديميين تحمل المسؤولية نحو جامعاتهم ومجتمعاتهم، وقبول المساءلة في حال الإخلال بثوابت المجتمع وقيمه.
  • ليس هناك من استقلالية إدارية أو مالية أو أكاديمية مطلقة، ولا بد بالتالي من جسم مركزي يؤدي دور “البوصلة” على المستوى الوطني (وزارة و/أو مجلس للتعليم العالي) ويتولى رسم السياسات والتوجهات الاستراتيجية الوطنية بالتوازي مع ضمان ما يلزم من استقلالية وحرية أكاديمية.

ولعل الإطار الذي رسمته منظمة اليونسكو في المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته عام ١٩٩٨ حول استقلال الجامعات والحرية الأكاديمية يعبر أحسن تعبير عن الهواجس التي لا زالت ترافق استقلالية الجامعات حيث كان من أهم التوصيات الواردة في وثيقة العمل الصادرة عنه، تلك التي تقول: “يجب أن يتم تأطير استقلال مؤسسات التعليم العالي، وأن يقترن هذا الاستقلال بمستوى رفيع من المسؤولية والخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية، مع إفساح أكبر قدر ممكن من المشاركة أمام الطلاب والمدرسين في عملية اتخاذ القرارات”.

وبالعودة إلى جامعاتنا نجد أنه، وبالرغم من أن القوانين الناظمة لحوكمتها (قانون تنظيم الجامعات لعام ٢٠٠٦ ولائحته التنظيمية، والتعديلات الطارئة عليهما) تحمل في نصوصها بعضاً من نفحات الاستقلالية حيث نصت المادة (١٠) من هذا القانون على أن “الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكل منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي على الوجه المبين في هذا القانون ولائحته التنفيذية، وترتبط بالوزير ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة التنفيذية”، إلا أن ‏ثمة أمور هيكلية متأصلة في صلب هذا القانون ومتمثلة بـ “شيطان التفاصيل”، بالإضافة إلى قصور في آليات التطبيق وضعف القدرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي، جميعها لا زالت تحول دون تمتّع  الجامعات بالحد الأدنى من الاستقلالية اللازمة لانطلاقها نحو آفاق رحبة من الإنجاز والتميز والمشاركة الفعالة في تحقيق التنمية لهذا الوطن الغالي. من أهم هذه المعوقات التي تحتاج إلى وقفة مراجعة: 

  1. تمركز السلطة والقرار في يد مجلس التعليم العالي، مما جعله يقوم بأدوار متعددة، تشريعية وتنفيذية ورقابية في آن واحد وهذا من شأنه أن يخلق تضارباً في المصالح، فالجهات المرخِّصة والمشرِّعة للجامعات لا يجوز لها، وفقاً للممارسات العالمية الفضلى (Best Practices) للجودة والحوكمة الرشيدة للجامعات (الحكومية والخاصة)، أن تقوم بعملية الرقابة والتقييم ناهيك عن عمليات اتخاذ العقوبات وفرضها (في الجامعات الخاصة) كإيقاف للبرامج أو تجميد لقبول الطلبة، الخ، في الوقت الذي من المفترض أن تقوم بهذه الأدوار، من مراقبة ومراجعة وتقويم للجامعات،هيئات وطنية مستقلة ومحايدة (هيئات ضمان جودة التعليم)، وأن تكون التقارير الصادرة عن هذه الهيئات محصنة من جميع أنواع التدخلات، وتكون قراراتها ملزمة لمجلس التعليم العالي.
  2. إخضاع الفئات العاملة في الجامعات، وبخاصة أعضاء الهيئة التعليمية لأنظمة الوظيفة العامة وآلياتها، مما يقيد من حريتها من حيث الهيكلة والتعيينات والرواتب والترفيعات، ويخضعها لذات القوانين السائدة في وزارات الدولة وأجهزتها، تلك القوانين التي تختلف في مهامها ووظيفتها وطبيعة عملها عن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تتمتع بما يكفي من خصوصية وأدوار تعليمية وبحثية وتنموية عديدة تستدعي الانفراد بأنظمة تراعي خصوصيتها وتمكنها من تحقيق أدوارها. تحتاج هذه الأدوار إلى مرونة وحرية في الحركة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس متميزين في تخصصاتهم وإنعاش الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار وتطوير مواردهما.
  3. ربط ميزانيات الجامعات بوزارة المالية، مما يفقدها حرية التصرف بمواردها الذاتية ويجعل الصرف تحت شروط وأنظمة وقوانين تحدّ إلى درجة كبيرة من الاستقلال المالي للجامعات (بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بآليات وبنود الصرف على البحث العلمي) وتفقدها الحماسة والدافعية نحو تحصيل المزيد من الموارد الذاتية المستقلة عن مخصصات الدولة.
  4. معيقات متأصلة في الثقافة والذهنية التي تميل إلى مقاومة التغيير: ثمة خوف من التغيير لدى البعض على الرغم من المناداة المتنامية بالاستقلالية من قبل البعض الآخر. ربما تعود أسباب هذا التخوف إلى عدم القدرة على نقد نظام الحوكمة الحالي، أو أن البعض يرى أن هذا المفهوم وإن كان ناجحًا في الدول المتقدمة، إلا أنه غير مضمون النجاح في البيئات الشمولية، وبالتالي من الأفضل المحافظة على الوضع الحالي وتركه يسير وفق مبدأ (Business as Usual) خوفًا من المجهول، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، أو استمراءً لثقافة الممالأة الأكاديمية والثقافية.

ما العمل إذاً؟

لسنا بصدد رسم خارطة طريق شاملة نحو الاستقلالية والحرية الأكاديمية لكن من المفيد أن نتلمس بعض الخطوط الإرشادية (Guidelines) والمنطلقات الأساسية لوضع الجامعات على طريق الاستقلالية بشكلها الجزئي المتدرج، بأمل أن تشكل هذه الخطوط والمنطلقات العمود الفقري لأي برنامج إصلاحي شامل يسعى من ضمن أهدافه الرئيسة إلى تحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عبر ردم ما أمكن من الفجوة التي تفصل جامعاتنا عن ذلك الإطار الاستقلالي “المثالي”:

  • يُعدّ التوجه نحو الاستقلالية الجزئية المتدرجة أحد الحلول الناجعة حيث يتم تطبيق الاستقلالية بشكل متدرج على مجموعة مختارة من الجامعات بعد أن تثبت “أهليتها” للاستقلالية من خلال تحقيق معايير الجودة من قبل هيئة وطنية مستقلة لضمان الجودة والاعتماد تتبنى الأساليب الحديثة للاعتماد المؤسسي والأكاديمي.
  • في هذه المرحلة الأولى يتم التركيز على الاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وذلك لصعوبة الاستقلال المالي في هذه المرحلة. كما ويجب أن يتم في هذه المرحلة:
    • إطلاق حرية الجامعات في وضع الرؤى الاستراتيجية والخطط المستقبلية فيما يخص اختيار نموذجها التعليمي والبحثي وآليةتمويله بما يضمن تحقيقها لأهداف التميز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام في إنتاج ونشر المعرفة.
    • تبنى الجامعات لمبادئ التوجه الاستراتيجي وقيامها، من خلال معايير الحوكمة وإشراك فئات المجتمع الأكاديمي، باتخاذ القرارات الخاصة بوضع السياسات العامة للجامعة، وخطط تمويلها.
    • توفير مرونة عالية للجامعات في استحداث اللوائح والأنظمة الداعمة للتميز والإبداع ودعم البحث العلمي الرصين وتحفيز المبدعين عن طريق تبني النظام التعاقدي مع موظفيها، واستحداث سلالم رواتب ومزايا منافسة، وإعادة هيكلة للتخصصات بما يلبي متطلبات التنمية ويخدم التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
    • الاهتمام بتنمية الموارد المالية للوصول إلى الاستقلالية الشاملة. يحتاج ذلك إلى دعم الدولة في المرحلة الحالية من خلال التشجيع والمساعدة على إنشاء محافظ استثمارية في الجامعات ودعمها ماليا وتنظيميا لتكون الممول لهذه الجامعات في المستقبل (بالإضافة إلى المساهمات الخيرية والوقف الجامعي)، وترسيخ فلسفة التشغيل الذاتي للجامعات وتنمية الحس الاستثماري فيها.
  • و للانطلاق فيما سبق، يتطلب الأمر إعادة النظر في الإطار المؤسسي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث المكونات وتوزيع الأدوار وعملية اتخاذ القرار الأكاديمي والبحثي والخدمي المجتمعي، وذلك في ضوء مراجعة شاملة لقانون تنظيم الجامعات والدور المنوط بمجلس التعليم العالي.
  • كما يتطلب الأمر العمل على بناء القدرات لتوفير الكفاءة الإدارية والأكاديمية القادرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي ضمن نظام محاسبي ورقابي دقيق، بما يضمن دفع الاستقلالية إلى النجاح.

التوفيق بين مشاكل نهاية الشهر ونهاية العالم

 

أطلق هذا الشعار نيكولا هيلو، الكاتب والناشط البيئي الفرنسي في إشارة إلى روح التنمية المستدامة التي تحتّم تكامل المسار الاقتصادي – الاجتماعي للمواطن (امتلاك دخل يوصلك إلى نهاية الشهر بأمان وراحة اجتماعية ونفسية) مع المسار البيئي (ممارسات تجنبك نهاية العالم الذي بات يحتضر بيئياً).

عمل هيلو وزيراً للبيئة في عهد الرئيس ماكرون قبل أن يعلن استقالته المدوّية منذ حوالي ثلاثة أشهر بسبب فشله في إقناع الحكومة بهذا المبدأ. والآن نرى هذه الحكومة تقع في شرّ عنادها بعد أن فرضت ما ملكت أيمانها من ضرائب ذات توجه بيئي (بشكل رئيسي على المحروقات) دون أي اعتبار لـ “نهاية شهر” المواطن ذي الدخل المحدود، وها هي تصطدم اليوم بأعنف انتفاضة من أصحاب “السترات الصفراء” الذين يرون قوتهم الشرائية وقد باتت “وقوداً” للجهود الرامية إلى تجنّب “نهاية العالم”…
هذا في فرنسا التي حملت مشعل إنقاذ الأرض من كوارث التغيّر المناخي الناتجة عن الاحتباس الحراري والانبعاثات الغازية حين حشدت في باريس، نهاية ٢٠١٥ أقوى إجماع وزخم دوليين على التحرك في هذا المجال (مؤتمر COP21 حيث كان الناشط نيكولا هيلو يومها نجم المؤتمر بامتياز)،

لكن ما بال بلادنا التي لا يكاد الراتب فيها يوصل صاحبه إلى آخر الأسبوع وليس آخر الشهر؟؟ ناهيك عن حال البيئة التي يعجز أعتى العطارين عن أن يصلح مقدار ذرة فيها بعدما أفسدها الدهر والمفسدون في الأرض؟ 

فقط للتذكير: عندما أطلقت الأمم المتحدة عام ٢٠١٥ أجندة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ المتمثلة بأهدافها السبعة عشر، اتخذت لها شعاراً واعداً ومبشراً للدول الفقيرة نص على أن “لا أحد سيُترك خلف الرّكْب” No one will be left behind، وأن الجهود سوف تنصبّ على إيصال من هم في الخلف أولاً!

الآن، وبعد أن وصلت الأوضاع لما وصلت إليه، وانتشرت النزعات الشعبوية والقومية في العالم وانسحب من اتفاقية باريس الملوَّث الأكبر “ترامب” صاحب شعار “أمريكا أولاً” ليزيد في الطنبور نغماً، واقتنعت الدول الفقيرة بأنها ستبقى خلف الركب، ألا ترون معي أن التنمية المستدامة باتت أمام طريق مسدود؟ وأن نهاية العالم، المتقدم والمتخلف معاً، قادمة لا محال، وهذه المرة بالفعل، لن يتخلف أحد عن ركب الفناء مع نهاية العالم…
المفارقة هنا أن أغلب البلدان العربية لا تزال كعادتها مفعمة بالحماس، تسطّر الاستراتيجيات والخطط وتبحث عن التمويل اللازم لتلحق ولو نظرياً بركب التنمية المستدامة، فمنذ أيام قليلة فقط صدر تقرير “تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية” عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (AFED 2018)، الذي يؤكد أن الدول العربية تحتاج إلى أكثر من ٢٣٠ مليار دولار إضافية سنوياً وحتى العام ٢٠٣٠ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية، وأن هذه الفاتورة قابلة للارتفاع إلى مبالغ أعلى بكثير بسبب الحروب والنزاعات في المنطقة!

فتصوروا…

الصورة البارزة مأخوذة من الرابط: https://www.mominoun.com/articles/دور-الوقف-الإسلامي–في-عملية-التنمية-المستدامة-3782

 

دروس من جامعات الشقيقة “أم الدنيا”…

الإنجاز الكبير الذي حققته الجامعات المصرية في آخر تصنيف عالمي لصحيفة التايمز تُرفع له القبّعة، وجدير بجامعاتنا أن تستفيد من دروسه….
بين 2017 و 2018، قفز عدد الجامعات المصرية الموجودة على قائمة أفضل 1200 جامعة في العالم من 9 إلى 19 جامعة!!
لم يكن وراء الموضوع من وصفة سحرية ولا “تسييس” ولا “صفقة” ولا “واسطة” فالمعايير والإنجازات والنتائج جميعها واضحة وشفافة، و”الميّه بتكدّب الغطّاس” كما يقول أشقاؤنا المصريون….
قراءة سريعة بين سطور هذا الإنجاز تمكّننا من بلورة بعض الحقائق واستنباط الدروس لعلها تلقي مزيداً من الأضواء على هذا الملف الذي بات يشكل الشغل الشاغل لجامعاتنا بعد تراجعها بل وغيابها عن قوائم التصنيفات الأخيرة.
أولاً – في الجانب الاستراتيجي: لم يكن هذا الإنجاز وليد تحرك إسعافي بل تحرك استراتيجي بدأ يؤتي أكله ضمن خطة الدولة الاستراتيجية للتنمية المستدامة 2030 التي كان من بين أهدافها “الارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات”.
ثانياً – في الجانب المتعلق بطبيعة الجامعة: غلب الطابع الإقليمي (أي المحلي) على الجامعات التي “قفزت” إلى التصنيف هذا العام، وجميعها جامعات صغيرة الحجم وحديثة العهد تبنت النموذج التنموي Developmental model المحلي في خططها البحثية. واضح أن العبرة هنا ليست بكِبَر الحجم و”العراقة” التي تآكلت بسبب التضخم في الحجم (كجامعة القاهرة والإسكندرية، والحال من بعضه بالنسبة لجامعتي دمشق وحلب) بل بالصغر و”الرشاقة”. لقد ثبت من هذه التجربة ذلك الاعتقاد الذي يفيد بأن “الأصغر أقوى Smaller is stronger” و “الأصغر أسرع Smaller is faster”. تجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن من المواصفات الأساسية المشتركة للجامعات العالمية التي اعتادت أن تكون ضمن المئة جامعة الأولى في العالم هو أن عدد الطلاب في كل منها لا يزيد عن 25 ألف طالب.
ثالثاً – في الجانب البحثي (وهو الشق المفصلي والحاسم في التصنيف): لا يكفي عدد البحوث ورسائل الماجستير والدكتوراه المنجزة، بل ما يهم أيضاً النوعية والتأثير، والارتباط بالاحتياجات المحلية والوطنية (ما تسميه التايمز في معاييرها بالـ Relevance)، وكذلك الدخل الذي تحققه هذه الأبحاث. من المفيد هنا استعراض عينة من الجامعات الفائزة بالتصنيف: جامعة سوهاج التي قدّمت مجموعة من الأبحاث المهمة التي أفادت الصناعة المصرية، ومنها بحث لتطوير أنظمة التكييف الصحراوي، ليعمل بدون مياه، بالإضافة إلى مجموعة بحوث في النباتات الطبية والعطرية، وبحث استفادت به المصانع في تحويل النفايات إلى أخشاب، فضلًا عن أبحاث في علاج الأمراض المستوطنة، وأبحاث في الهندسة الوراثية، وأبحاث عن معالجة مياه الصرف الصحي. حققت الجامعة دخلاً من هذه البحوث زاد عن 5 ملايين جنيه، هذا إلى الجانب الريادي الطلابي في مجتمع الأعمال التكنولوجية (له أيضاً حساب في المعايير)، فالجامعة لديها نادي “لريادة الأعمال التكنولوجية” يضم 120 طالبًا حصل ستة منهم على براءات اختراع.
رابعاً – في الجانب الحَوْكمي على مستوى منظومة التعليم العالي: أثبتت هذه التجربة ضرورة توفير جسم وطني يتولى “قيادة المهمة” داخل منظومة التعليم العالي. في الحالة المصرية، شكلت الوزارة لجنة باسم “لجنة مساعدة الجامعات المصرية على تحسين التصنيف الدولي”. نظمت اللجنة حتى الآن أكثر من 20 ورشة عمل بمشاركة ممثلي الجامعات والمراكز البحثية وخبراء من مختلف دول العالم.
خامساً – في الجانب الحَوْكمي على المستوى الوطني: أثبتت هذه التجربة نجاعة وأثر منهجية “التوجيه” السياسي الذي يأتي من الأعلى إلى الأسفل (Top-down approach) والمتجذرة في ثقافة المنطقة العربية. في الحالة المصرية تجلّى دور “التوجيه” (الذي يُعبّر عنه في مصر بمصطلح “التكليف”) واضحاً في تصريح وزير التعليم العالي المصري تعقيباً على ما حققته الجامعات المصرية عندما أفاد بأن “فوز الجامعات المصرية ضمن هذا التصنيف الدولي، يأتي تأكيدًا للتكليفات المستمرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي بالارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات، وما تحقق هو نتيجة تنفيذ هذه التكليفات، وأن هذا النجاح للجامعات المصرية في التصنيف الدولي يرجع إلى إصرار منظومة التعليم الجامعي في مصر على تنفيذ هذه التكليفات”. تُترجم هذه الثقافة أهمية العامل السياسي والدعم والمتابعة المقدمين من أعلى المستويات، وما يمكن أن يتبع ذلك من مساءلة ومحاسبة.

لمزيد من المعلومات:

https://www.youm7.com/story/2018/10/5/رئيس-الوزراء-يشيد-بإدراج-19-جامعة-مصرية-فى-تصنيف-التايمز/3977249?fbclid=IwAR2GkpuHqilQ47J70E7EP6qIDqga0rSHHTmY3apXZdH8nYlZ3K9SREs1DYI