التصنيف العالمي للجامعات: شهادة على العصر

خلال عملي في وزارة التعليم العالي في دمشق، أتيحت لي فرصة المشاركة في المنتدى العالمي الذي نظمه اليونسكو حول “الترتيب والمساءلة في التعليم العالي: الاستخدام وإساءة الاستخدام”Rankings and Accountability in Higher Education: Uses and Misuses والذي عقد في باريس، 16-17 أيار 2011. وأدرج فيما يلي التقرير المفصل الذي كنت قد رفعته إلى الوزارة عن هذا المنتدى الذي بات يعدّ مفصلياً و”تاريخياً” بالنظر إلى ما نتج عنه فيما بعد من “انعطاف” هام على مستوى منظومات التصنيف العالمية والمعايير التي تحكمها، انعطاف فتح مزيداً من الفرص أمام جامعات البلدان النامية للدخول إلى ميدان المنافسة العالمية:

 أولاً – المنتدى: ألأهمية، السياق والأهداف:

اكتسب موضوع ترتيب الجامعات، سواءً على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي، أهمية كبرى منذ بداية التسعينات، إذ أصبح له تأثير متنام على المستوى الاجتماعي بعد أن بات يشكل حيزاً في الرأي العام المؤثر في صنع سياسات التعليم العالي. لقد بدأ ترتيب الجامعات في أصله بمراكز الاستطلاعات العائدة لبعض المؤسسات الإعلامية التجارية التي كانت تقدم نتائج ترتيبها للجامعات على المستوى الوطني كسلعة إستهلاكية إعلامية تهدف إلى إشباع الطلب من الرأي العام على الشفافية فيما يخص الجامعات، وسرعان ما تنبهت الحكومات ووكالات الاعتماد إلى هذه الأداة الجديدة، أي الترتيب، وراحت تطور منظومات للترتيب خاصة بها كأداة لضمان الجودة.

وفي عصرنا هذا، عصر العولمة، تعولم التعليم العالي وتعولمت معه مؤسسات ومنظومات الترتيب، ووجدت مؤسسات التعليم العالي نفسها في تنافس شديد لكسب ترتيب لائق على هذه القائمة أو تلك. ونتيجة لهذه “الحمى” الجديدة، حمى الترتيب، التي راحث تؤثر على قرارات المؤسسات المتسابقة وقرارات طلابها وأكاديمييها وباحثيها، تحول الترتيب ومجال استخدام نتائجه من مفهوم السلعة الاستهلاكية المنورة للرأي العام إلى مفهوم أداة للمساءلة ذات تأئير واسع الطيف على التعليم العالي. هدف هذا المنتدى إذاً إلى:

  1. تحسين الفهم لموضوع الترتيب والمؤسسات القائمة عليه، وانتشاره السريع والنفوذ القوي الذي بات يمتلكه
  2. دراسة التداعيات السياساتية للترتيب لجهة مؤسسات التعليم العالي والحكومات.
  3. الوقوف على مرحلة ما بعد الترتيب، وسبر/تطوير الأدوات المحاسبية الأخرى التي من شأنها تنوير صانعي السياسات ومساعدة الطلبة في اختياراتهم.
  4. تطوير دور المنظمات العالمية ذات الصلة مثل اليونسكو والبنك الدولي ومنظمة الأمن والاقتصاد OECD في الوصول إلى معلومات أكثر شفافية حول الترتيب.

ضمن هذا الإطار، وبهدف نقل الصورة الواضحة حول عملية ترتيب الجامعات والملابسات المحيطة بها إلى المعنيين بهذه القضية في جامعاتنا، نجد من المناسب التعرف أولاً على الواقع الحالي لهذه العملية في العالم، كما ورد من خلال العروض والمداولات التي قدمت في المنتدى.

ثانياً – الواقع الحالي لترتيب الجامعات:

المؤسسات القائمة على الترتيب:

على المستوى الوطني يوجد في العالم اليوم أكثر من 50 دولة تمتلك منظومة وطنية لترتيب جامعاتها، أما على المستوى العالمي، وهو ما يهم هنا، فتوجد على الأقل عشرة مؤسسات ترتيب عالمية ذات تأثير كبير تتزاحم عليها الجامعات العالمية لحجز مكان لها على قائمة أفضل مئة جامعة تصدرها كل عام. فإذا اعتبرنا وجود أكثر من 15 ألف مؤسسة تعليم عالي في العالم معنية بالترتيب لأدركنا مستوى التنافسية المرافق لعملية الترتيب ومدى “الهوس” الذي يمكن أن يرافق هذه العملية.

يلخص الجدول التالي مؤسسات الترتيب العالمية العشرة، الأكثر شهرة في العالم:

المؤسسة المرتِّبة Ranking Institution

الدولة Country

(Academic Ranking of World Universities (2003 Shanghai Jiao Tong University, China
(The QS World University Rankings (2004-2009 UK
(Webometrics (2004 Spain

   Performance Ranking of Scientific Papers for Research Universities (2007

Taiwan
Leiden Ranking (2008 Netherlands
SCImago Institutions Rankings (2009 Spain
QS World University Rankings (2010 UK
The Thomson Reuters World Ranking of Universities (2010 UK
U-Multirank (2011 EU
Green Metric World University Ranking (2011 Universitas Indonesia

يضاف إلى مؤسسات الترتيب العالمية هذه، بعض المؤسسات الأخرى الشهيرة  (وأغلبها صحفية) تعمل على المستوى الوطني كتلك المدرجة في الجدول الآتي:

المؤسسة المرتِّبة Ranking Institution

الدولة Country

Das CHE-HochschulRanking Germany
US News and World Report US
Guardian UK

(Times (THE

UK
Sunday Times UK and Ireland
Asahi Shimbun Japan
Washington Monthly College Guide US
AsiaWeek Asia
(Financial Times (for Business Schools UK
(Business Week (for Business Schools EU

منهجية ومعايير الترتيب:

تتبع حميع مؤسسات الترتيب المنهجية ذاتها لكن باتباع معايير ترتيب مختلفة:

  • يضع مصممو النظام في كل مؤسسة ترتيب مجموعة من المؤشرات ويتم تثقيل كل مؤشر بوزن مختلف عن وزن المؤشر الآخر.
  • غالباً ما تقيس هذه المؤشرات (وهذا مشترك بالنسبة لجميع مؤسسات الترتيب) ما يلي وبصورة كمية:
    1. البحوث الطبية والحيوية
    2. البحوث المنشورة في مجلتي Nature و Science
    3. مواصفات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس (الإنتاجية – معايير القبول – نسبة المدرسين إلى الطلبة …الخ)
    4. عالمية المؤسسة Internationalization
    5. سمعة المؤسسة لدى كل من النظراء وأرباب العمل والطلبة
  • يتم إعطاء درجة رقمية نهائية لكل مؤسسة وفقاً للنقاط الممنوحة لكل مؤشر على حدى بعد إعطاء الوزن المقرر لكل مؤشر
  • يتم أخيراً ترتيب المؤسسات تنازلياً وفق درجاتهم النهائية.

من الأهمية بمكان تسليط الضوء على ما لا تقيسه مؤشرات الترتيب:

  • لا تهتم المؤشرات بالتعليم والتعلم ولا تقيس المحصلات التعليمية ولا تهتم بأئر البحث على التعليم
  • لا تهتم ببحوث العلوم الانسانية والاجتماعية والفنون
  • لا تهتم بنشر المعرفة ونقل التكنولوجيا ولا بالفائدة المجنية من البحوث المنتجة
  • لا تهتم بالشعور بالمواطنة والانتماء لدى الطلبة
  • لا تهتم بالخبرة العملية للطلبة

وكمثال على هذه المؤشرات نورد في الجدول التالي جملة المعاييرالمتبعة من قبل أشهر مؤسسات الترتيب (جامعة شنغهاي):

المعيار

المؤشر

الوزن

جودة التعليم

عدد الخريجين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات مرموقة

10%

جودة أعضاء هيئة التدريس

عدد المدرسين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات مرموقة

20%

الاستشهادات للباحثين من الجامعة في 21 مجال بحثي محدد

20%

الإنتاج البحثي

عدد البحوث المنشورة في مجلتي Nature و Science

20%

عدد البحوث المصنفة في قاعدة بيانات SCI و SSCI

20%

الأداء الأكاديمي الوسطي

الأداء الأكاديمي للمؤسسة موزعاً على عدد أفرادها

10%

المواصفات العامة للجامعات “المؤهلة” للفوز بالترتيب:

دلت نتائج الترتيب وفق المعايير السابقة أن الجامعات التي تحصد الترتيب المتقدم ضمن المئة جامعة الأولى في العالم هي جامعات عريقة وضخمة وغنية، غالباً ما تتمتع بالمواصفات العامة التالية:

  • عمر أكثر من 200 عام
  • تضم ما لا يقل عن 2500 عضو هيئة تدريس
  • لا يزيد عدد طلابها عن 25 ألف طالب
  • شروط القبول فيها قاسية
  • تمتلك وديعة مالية (وقف) لا تقل عن مليار دولار أمريكي
  • ميزانيتها السنوية لا تقل عن 2 مليار دولار أمريكي
  • ناطقة باللغة الإنكليزية

ولتأكيد هذه المواصفات نورد في الجدول التالي نتائج الترتيب العالمي لبعض السنوات الأخيرة ممثلاً بعدد الجامعات الفائزة بالترتيب من كل كتلة جغرافية، والذي أجرى من قبل أربعة من أشهر مؤسسات الترتيب العالمية:

Thomson Reuters QS Academic Ranking of World Universities (Shanghai) The QS World University Rankings Top 100

Universities

2010 2010 2010 2009 2008 2007 2009 2008 2007
54 31 54 55 54 53 32 37 37 US
28 42 33 32 34 34 38 36 35 Europe
5 8 3 3 3 2 9 8 9 Australia/New Zealand
 

10

 

15

 

6

 

6

 

5

 

7

 

16

 

14

 

13

Asia Pacific

(No Arab Country)

3 4 4 4 4 4 4 5 6 Canada
 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

Latin America/ Africa

يدل هذا الجدول ايضاً على طبيعة المنافسة العالمية و”التهميش” الذي أصاب جامعات الدول النامية (أفريقيا – أمريكا اللاتينية – الدول العربية) من جراء معايير الترتيب المتبناة، ومدى الجدل المرافق والذي تفجر على أشدّه خلال جلسات المنتدى.

ثالثاً – الانتقادات الموجهة في المنتدى إلى أنظمة ومعايير الترتيب العالمية الحالية:   

لقد شكل هذا المنتدى الذي شارك فيه ممثلون عن جميع الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو وممثلون عن مؤسسات الترتيب العالمية والمنظمات الأخرى المعنية، فرصةً مناسبة لكشف الإرهاصات المرافقة لعمليات الترتيب وتسليط الضوء على مكامن الخلل في منهجيات ومعايير الترتيب التي استعرضناها سابقاً.

  • فتحديد المؤشرات وأوزانها خاضع لأولويات كل مؤسسة ترتيب.
  • ونادراً ما تقيس هذه المؤشرات المعايير المستهدفة بشكل مباشر فجودة التعليم يعبر عنها مثلاً بجوائز نوبل التي يحصل عليها قدماء الخريجين أو بعدد مرات الاستشهاد بالبحوث التي يجريها أعضاء هيئة التدريس، كما أن جودة البنية التحتية يعبر عنها بالميزانيات المصروفة ..الخ.
  • المؤشرات تركز على الأداء في الفترة الماضية دون اعتبار لكمون الجامعة وأفاقها المستقبلية.
  • المؤشرات تركز على المهمة البحثية للجامعة وتهمل المهام الأخرى التعليمية والتنموية وخدمة المجتمع
  • بالنتيجة، فإن المؤشرات التي تتسم بكونها ترتكز على المدخلات (Input-based) تحصر الترتيب بجامعات الدول الغنية. فعلى سبيل المثال أجرت نيجيريا دراسة للمستلزمات المالية لوضع جامعة نيجيرية واحدة ضمن قائمة أفضل 200 جامعة في العالم فتبين أن الموضوع يتطلب رصد ميزانية قدرها 31 مليون دولار أمريكي كل عام ولمدة 10 سنوات على الأقل!!!

كل ذلك يشير إلى أن جامعاتنا، شأنها شأن باقي الجامعات في الدول النامية، ستبقى، وإلى حين، خارج دائرة المنافسة ضمن معايير الترتيب هذه.

رابعاً – التوجهات السياساتية المنبثقة عن المنتدى:

لقد أدى الحراك النشط الذي انبثق خلال جلسات المنتدى إلى ظهور العديد من التيارات والتوجهات السياساتية التي من شأنها إدخال تعديلات جذرية على منهجيات ومعايير الترتيب لصالح المؤسسات التعليمية للدول النامية التي تمتلك منظومات تعليمية نامية وواعدة، والتي أصبحث منظومات الترتيب الحالية تشكل مصدر إحباط لها. ونوجز فيما يلي أهم هذه التوجهات:

  1. على الحكومات أن تخفف مما سمي “بهوس” الترتيب العالمي للجامعات
  2. ضرورة التوصل إلى أنظمة ومعايير أخرى لترتيب الجامعات يتم فيها توسيع طيف المعايير والمؤشرات لتشمل الأوجه والوظائف الأخرى للجامعة كالوظيفة التعليمية والوظيفة الاجتماعية، وبالتالي يمكن أن يكون هناك ترتيب متعدد الوظائف يتم فيه “مفاضلة” الجامعات البحثية مع بعضها والجامعات التعليمية مع بعضها وهكذا، مع تثقيل الجانب التنموي والاجتماعي المحلي للجامعات.
  3. ضرورة التفكير بمنهجيات ترتيب جديدة كتلك التي ترتب منظومات التعليم العالي الوطنية بدلاً من النظر إلى جامعة منفردة
  4. التشجيع على تبني القياس النسبي Benchmarking بدلاً عن الترتيب كأداة تحفيزية/قياسية للجامعات لتطور نفسها وتحسن من ترتيبها.
  5. الإقرار بضرورة إعطاء صوت للطلاب في عملية الترتيب والمعايير المحددة لها
  6. منح الشرعية اللازمة لمنظمة اليونسكو للإشراف على عملية الترتيب وإصدار دلائل إرشادية تتضمن الممارسات الجيدة لهذه العملية

خامساً – مقترحات خاصة بجامعاتنا:

  1. إقامة منظومة وطنية لترتيب المؤسسات التعليمية السورية فيما بينها كخطة مرحلية لتوطين منهجية و”ثقافة” الترتيب على المستوى الوطني، ولخلق دينامية تنافس وطنية تساعد على الوصول إلى العالمية.
  2. وضع مؤشرات أداء رئيسية (Key Performance Indicators (KPIs للتعليم العالي على المستوى الوطني تحاكي المعايير المتبعة من قبل منظومات الترتيب العالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب التنموي والاجتماعي المحلي للجامعات.
  3. دعوة الجامعات إلى وضع خطة استراتيجية للبحث العلمي والنشر وتسويق البحوث، تتقاطع مع التحدي البحثي المقترن بأنظمة الترتيب العالمي التي من المؤمل أن “تلين” معاييرها وتتوسّع لصالح مزيد من الاحتواء والإنصاف لجامعات البلدان النامية.

الصورة البارزة مأخوذة من المقال على الرابط:

http://www.studyinchina.com.my/web/page/brics-emerging-economies-rankings-2015/

 

الإسهال الفيسبوكي… الأنواع، الأعراض، المسببات، والعلاج

الفيسبوك أداة رائعة للتواصل الاجتماعي وتنمية “الشعبية”، أو ما يسمى بالعلامة التجارية الشخصية. وعندما ابتكر مارك زوكربيرغ هذه الأداة الرائعة لم يخطر بباله يومًا أن ابتكاره هذا سينتشر انتشار “وبائياً” في كوكب الأرض ليشكل فضاءً من الحرية التعبيرية قائماً بذاته، وربما يمتد في المستقبل ليشمل كواكب أخرى.
لكن البعض راح يفرط في استخدام هذا الفضاء بشكل غير متحكم به… فمن منا لا تتضمن قائمة أصدقائه الفيسبوكيين أصدقاءً يمطرون صفحته يومياً بوابل من المنشورات المحدودة الفائدة؟ لقد باتت هذه الظاهرة تشكل عَرَضاً رئيسياً (إلى جانب أعراض جانبية أخرى مرافقة) ومؤشراً للإصابة بما يمكن تسميته بـ “متلازمة الإسهال الفيسبوكي”!
سوف نحاول هنا تحليل هذه المتلازمة من خلال النظر إليها بعدسة “طبية” سعياً إلى المساعدة في “تشخيص” هذا الداء.
لنميز أولاً بين نوعين من الإسهال الفيسبوكي: إسهال من النوع “الحميد” المحبّب، وإسهال من النوع “الخبيث” المستهجن الذي يشكل موضوع بحثنا “الطبي” الحالي. ما يميز النوعين عن بعضهما نوعية المحتوى والقيمة المضافة التي يحملها والرسالة التي يريد إيصالها، وأمور أخرى تتعلق بسلوك المستخدم لهذا الفضاء الواسع.

أما ما يخص جملة الأعراض المقترنة بهذه المتلازمة فتعتمد على بعض المؤشرات التي يمكنك كمستخدم أن تحدد بنفسك درجة إصابتك بها وفقاً لتراكم واحدة أو أكثر منها لديك. من أهم هذه المؤشرات:
• حين يزيد معدل نشرك عن خمسة بوستات في اليوم (رقم تأشيري وليس حدّي).
• حين تغيب القيمة المضافة عن كل ما تنشر (هناك تناسب عكسي حتمي بين عدد البوستات المنشورة في اليوم ونوعية المحتوى).
• حين تشعر بانخفاض شديد ومستمر في عدد اللايكات والمشاركات التي تحصدها عن كل بوست.
• حين تشعر بانخفاض حاد في عدد المتابعين لصفحتك.
• حين توزع اللايكات بسخاء على بوستات الآخرين وتطلب منهم الإعجاب ببوستك الشخصي أو صفحتك.
• حين تتردد على بوستك مرات عديدة بعد نشره لتطمئن على عدد اللايكات التي تأتيك، وربما تضع عليه لايكاً شخصياً من عندك.
• حين تضيف المزيد والمزيد من الأصدقاء الجدد دون النظر إلى بروفايلاتهم أو منشوراتهم أو “حالتهم الصحية الفيسبوكية”
• حين تنشئ صفحات ومجموعات فيسبوكية عديمة الفائدة وبدون معنى، وتدعو قائمة أصدقائك إلى الانضمام إليها أو تقحمهم فيها دون استشارتهم.
• حين تضع علامات (Tags) لكل من هو موجود في قائمة أصدقائك على أية صورة تحصل عليها، مما قد يتسبب بمتاعب فيسبوكية لهم.
• حين تسارع في إطلاق دردشة مع أي صديق دون رغبة منه، بمجرد ظهوره على الخط (Online)، وتبادره بأسئلة لا معنى لها ولمجرد الثرثرة.
• حين تنسخ محتوى منشورك من مصدر ثان دون أن تشير إليه (أو تكتب عليه كلمة “منقول”) وفقاً لما تقتضيه الأمانة العلمية.
• حين تنكز الناس (Poke) باستمرار وبحماسة مستخدماً لغة الرموز (Emoji).
• حين تتحيّن الفرص لتنبري بتعليقات خارج السياق على بوستات الغير، إما بغرض الظهور أو الاستفزاز أو تنفيذ أجندة محددة، دون النظر إلى الفكرة والهدف اللذين جاء البوست من أجلهما.

وإذا ما تساءلنا عن منشأ هذه المتلازمة ودوافعها نرى ثمة ارتباطاً وثيقاً بعوامل خطورة (Risk Factors) ترفع من احتمالية الإصابة بهذا الداء، نذكر من أهمها:
• النرجسية: وتتمثل بحبّ الظهور وتسويق الذات وبناء الشعبية، بما في ذلك البحث عن “منصب أرفع” (كما هو الحال مع بعض “المستوزرين”).
• تبنّي أجندة معينة والسعي إلى تحقيقها: يصنف هذا الدافع ضمن خانة “التشبيح الفيسبوكي” السياسي أو الديني أو غير ذلك …)

لا علاج مباشر لهذا الداء، بل هناك تعليمات “وقائية” معروفة تخص المستخدمين “الأصحاء” وتهدف إلى تجنب الأثر السلبي القادم من الأصدقاء “المسهلين”، بدءً من حجب البوستات والتعليقات، وإلغاء المتابعة، وانتهاءً بالحذف من قائمة الأصدقاء.
ولا بد أخيراً من توجيه التحية إلى أصحاب الإسهال الحميد فإسهالهم محبب، وهم يمثلون النخبة الفيسبوكية التي تهتم بغزارة العطاء وتسهر على نوعية البوستات وقيمها المضافة، وتتفاعل بموضوعية وشفافية مع الأحداث اليومية. تحترم الرأي الآخر وترحب بالتغذية الراجعة والرأي البناء من كل متفاعل رصين…

ما بعد “السلعنة” إلّا “الملعنة”..

تسلعن التعليم العالي… بات سلعة تباع وتشترى بالرسوم الباهظة التي يدفعها الطالب في غالبية جامعات العالم (على الأخص في الجامعات الخاصة) لقاء التزود بالتعليم “الجيد” اللازم لتمكينه من النفاذ لاحقاً إلى سوق العمل، ولن ينفذ إلا بسلطان ما ينفقه من مال ويكتسبه من معارف ومهارات جديدة ومتجددة.
وهذا ما دفع الجامعات إلى التسابق في ابتكار اختصاصات تواكب احتياجات “السوق” حتى وصل بها الأمر إلى استهداف مهن حساسة كانت وما زالت من التابوهات كمهنة “الجاسوس” التي تبنتها جامعة باكنغهام البريطانية، والتي عادة ما تُلقَّن فنونها ومهاراتها تحت أقسى درجات السرية.
سوف يشجع إعلان جامعة باكنغهام البريطانية عن هذا البرنامج الجريء الذي يمنح درجة علمية في “التجسس الدولي” جامعات أخرى على استهداف المزيد من المهن العصرية “المبطّنة”، وما أكثرها هذه الأيام…
هل يمكننا مثلاً، وعلى المنوال ذاته، أن نرى في الأيام القادمة ولادة هندسة جديدة باختصاص “هندسة الفساد” يٌمنح طلابها شهادة “مهندس فساد” بعد أن ضرب الفساد أطنابه في المجتمعات والطبقات السياسية في بلدان العالم، وبلداننا العربية ليست باستثناء؟
ومن ذا الذي يمكنه أن يشكك في حجم “سوق العمل” الذي ينتظر خريجي هذا الاختصاص على المستويين العالمي والمحلي، ومن يعلم؟ ربما تكون هذه المهنة/السوق في طريقها إلى “الشرعنة” بحكم الأمر الواقع وبدفع من التكنولوجيا؟
ألم نألف رؤية هذه المهنة “شبه الهندسية” الجديدة القديمة تُمارس منذ زمن على أرض الواقع لكن في الظلام وعلى ارتفاع منخفض، بعيداً عن مجال عمل “الرادارات”؟ ألم نراها تتجذر في مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة؟
سوف تفتح هندسة الفساد مجالات عمل خصبة أمام “مهندس الفساد” حيث سيكون بإمكانه العمل (في الوجه الحميد للمهنة) في دوائر القطاع العام كـ “مكافح فساد” إذا ما أرادت الدولة مكافحة الفساد بشكل علمي ومنهجي، أو في السلطة المركزية لمكافحة الفساد (الرقابة والتفتيش)، أو يعمل في “مكتبه الخاص” كـ “ميسِّر فساد” تحت أي “مسمّى” يختاره، وهذا هو الوجه الخبيث للمهنة، الذي سوف “يطبع” يوماً ما.

قد يبدو هذا الطرح مثيراً للجدل، إلا أن نظرة استشرافية واقعية إلى مآ آلت إليه القيم في بلادنا، بعد أن “ضربت بناقص واحد” وسادت ازدواجية المعايير في النظام العالمي (المضروب بدوره بناقص واحد)، كفيلة بأن تعزز احتمالية حدوث ما تخشاه الشعوب، بأن يصبح الفساد المتجه إلى التطبيع مهنة معترف بها، لها إعدادها العلمي والمهني، وتمارس تحت مسميات مختلفة.

في الولايات المتحدة (الديمقراطية)، يكثر “ميسرو الفساد” المعروفون بلوبيات التأثير (Lobyists) لكنهم، وبهدف التخفي ولمزيد من “الظلامية”، راحوا يتبنّون لمهنتهم تسميات رسمية أخرى أكثر “براءة” كـ “مستشار استراتيجي” أو “خبير بالشؤن الحكومية”. وتجاوباً مع هذا التوجه قررت “الرابطة الأمريكية لسماسرة النفوذ” American League of Lobyists تغيير تسميتها إلى “جمعية مهنيي العلاقات الحكومية” Association of Government Relations Professionals!

ممارسات هؤلاء “الميسرين” على أرض الواقع تتلخص في البحث عن تصميم لخطة استراتيجية أو “عملية” ما Process أو “صفقة” تضمن بنتيجتها تحقيق هدف محدد (كتوقيع عقد أو الحصول على مناقصة أو تمرير قانون أو تمويل حملة انتخابية أو التأثير على مجموعة من الناخبين…الخ) مع الأخذ بالاعتبار جملة من القيود   Constraints مثل شرعية العملية ـ سرية منفذيها ـ عدم المساءلة لاحقاً…الخ.

الصورة مأخوذة من الرابط: https://www.speakertv.com/education/knowledge-for-a-price-should-higher-education-be-free-in-australia/

 

تزاوج الاختصاصات: ثراء معرفي ومهني

عندما كنت عضواً في مجلس التعليم العالي ومسؤولاً عن لجنة تعادل الشهادات الأجنبية الوافدة من خارج مؤسسات التعليم العالي الوطنية، كان الزملاء يلقبونني بـ “المأذون” لأن جزءاً من عملي كان يتطلب البحث في “تزويج” الاختصاصات الأكاديمية التقليدية القابلة لـ “التلاقح” فيما بينها بهدف الخروج باختصاصات وليدة، وبالتالي تمكين المجلس من “شرعنة” التعادل لشهادات أجنبية حَمَلَها خريجون سوريون من جامعات أجنبية طالبين الاعتراف بها كمؤهل أكاديمي أو مهني، أو شرعنة اختصاصات جديدة يراد إحداثها في إحدى الجامعات.  وكثيراً ما كانت هذه الاختصاصات الوافدة إلينا أو المراد إحداثها تشكل تحدياً للقوانين والأنظمة التقليدية السائدة.

المنهج التخصصي للعلوم

لأكثر من قرن مضى، اعتمدت الجامعات والكليات في جميع أنحاء العالم على التنظيم التخصصي للمعرفة في تصميم برامجها الأكاديمية وتقديمها كمنصات لتوليد المعارف الجديدة ونشرها، واقترن تطور التخصصات بنمو الجامعات الذي ارتبط بدوره بتطور المجتمع فتبلورت العلوم بمجموعاتها التخصصية من أساسية (كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا..) وتطبيقية (كالزراعة والطب والهندسة) وإنسانية (كالفنون والأدب والتاريخ والفلسفة والدين والمسرح والموسيقى) واجتماعية (كعلم النفس والاجتماع والقانون والاقتصاد والسياسة..). ولعل من أبرز الفوائد التي اكتسبها العلم بنتيجة الأخذ بهذا المنهج التخصصي تركيز القدرات العقلية للإنسان ضمن مجال معرفي محدد وإبعاد العلم عن خطر السطحية وشبح الغموض، إلى جانب مساعدة العلماء على تعميق أبحاثهم عبر الاهتمام بأدق تفاصيلها. إلا أن التجربة أثبتت في ذات الوقت أن العمل بهذا المنهج قد أفرز لدى الكثير ميلا إلى الانغلاق داخل جزئيات علمية ضيقة، وأنساهم أن ما درسوه ويعلّمونه لطلابهم ليس إلا جزءاً مقتطعا من كل، وهذا ما صرفهم عن البحث في علاقة تخصصهم بالتخصصات الأخرى. والأهم من ذلك أن الإفراط في التخصص تسبب بعديد من الإشكالات المتعلقة بسوق العمل، إشكالات لا زلنا نلمسها في مجتمعنا، سواءً بالنسبة للخريجين الباحثين عن العمل في عصر تكاملت فيه المعارف وتعددت المهارات، أم بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص التي تعاني من وحدة التخصص لدى الخريجين المتقدمين للعمل فيها.

إلا أن انعطافاً جذرياً برز نتيجة لثورة المعلومات والاتصالات التي فرضت على عالمنا منذ منتصف القرن الماضي متغيرات وتوجهات نتيجة لارتشاح التقنيات المعلوماتية في أجسام العلوم كافة مما أدى إلى اضمحلال الحواجز فيما بينها وساعد على انتقال الباحثين والمناهج والمفاهيم النظرية من تخصص إلى آخر، ومن ميدان بحثي إلى آخر، إلى درجة أن العمل بمبدأ التخصص المغلق لم يعد مبررا إلا إذا سعى كل تخصص إلى الانفتاح على ما يجري خارجه وسلـّم أصحابه بعلاقاته العضوية مع التخصصات الأخرى. وما زاد في هذا التوجه ذلك التعقيد الذي طرأ على قضايا العصر الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والفلسفية، والتي استحال فهمها من منظور معرفي واحد.

وهكذا فقد أصبح التآثر والتداخل والتلاقح والتمازج بين التخصصات المختلفة سمة لعصرنا المعرفي ما لبثت معظم الجامعات والمراكز البحثية في الدول المتقدمة أن تفاعلت معها مما دفع القائمين على التعليم العالي والبحث العلمي في هذه الدول إلى إعادة النظر في تنظيم مؤسساتها الجامعية والبحثية بغرض استيعاب هذه الظاهرة، وتأسيس أقسام ذات تخصصات متزاوجة بغرض تأهيل علماء المستقبل ليكونوا “عابرين للتخصصات”. كما أقدمت معظم الجامعات على استحداث برامج رائدة تستوعب بشكل أفضل ظاهرة تزاوج التخصصات تحت مسمى “الدراسات البينية” interdisciplinary التي تمتد في أكثر من قسم علمي وأحيانا في أكثر من كلية.

منهج الدراسات البينية

يقصد ببرامج الدراسات البينية تلك الحقول المعرفية الجديدة الناشئة من تزاوج عدة تخصصات أكاديمية تقليدية تفرضها طبيعة ومتطلبات المهن المستحدثة والقضايا المطروحة. ولهذه البرامج أهداف يصعب تحقيقها فيما لو اقتصرت على تخصص واحد كتعظيم الاستفادة من التوجهات الفكرية للتخصصات المشاركة وتحقيق الإبداع في طرق التفكير والتكامل في المعرفة (وليس وحدتها). إن الأمثلة على ذلك عديدة وتشمل العلوم كافة فمنذ عقدين من الزمن وقائمة البرامج البينية في جامعات العالم في نمو مضطرد ومجالاتها باتساع متنام وتشمل، على سبيل المثال لا الحصر، السلوك التنظيمي، والإدارة، والعلوم السياسية، والصحة العامة، والدراسات الدولية والتنمية الدولية، وإدارة الموارد البشرية، والتاريخ، والموسيقى، والدراسات البيئية، والعلوم الطبية الحيوية، والكيمياء الغذائية، والتنمية الريفية والزراعية والطاقية…الخ.

إن استحداث برنامج للدراسات البينية في حقل المياه مثلاً يتطلب مشاركة أقسام من كليات العلوم والهندسة الصحية والإدارة، واستحداث برنامج للتصدي أكاديمياً لمشكلة التطرف الديني والإرهاب يتطلب تضافراً من قبل أقسام علم الاجتماع وعلم النفس والشريعة والقانون والعلوم السياسية والتاريخ، وهكذا بالنسبة للعديد من برامج الدراسات البينية التي برزت في الآونة الأخيرة كالتخطيط العمراني والطاقات المتجددة والميكانيك الحيوي والمعلوماتية الحيوية ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد وعلوم السكان والعلوم الصحية وغيرها من البرامج البينية المفيدة ذات التأثير الإيجابي والمباشر باتجاه إثراء سوق العمل وتلبية احتياجاته، فضلاً عن زيادة القدرة التنافسية للجامعات الرائدة في اعتماد هذا النمط من البرامج. إن ذلك لا يعني بالطبع اضمحلال أو ذوبان التخصُّصات الأكاديمية الأساسية فستبقى هذه حجر زاوية تستند إليه البيئة الأكاديمية في تسهيل تشكيل المجموعات الأكاديمية المبدعة وضمان الصرامة الفكرية، فالبرامج البينية لن تتمكَّن من تأدية مهامها بغياب أكاديميين “مرجعيين” متمكِّنين من تخصصاتهم. أما في مجال البحث العلمي فالمشهد يبدو أشد زخماً لجهة التفاعل مع مفهوم التخصصات البينية حيث أثبتت التجربة أن أسلوب الفرق البحثية البينية يمنح فرصاً أكبر ويهيئ الأرضية للابتكار وتمازج الأفكار البحثية وتلاقحها مما يؤدي إلى نتائج مثلى ويفتح آفاقاً جديدة لبحوث مستقبلية.

وماذا عن جامعاتنا؟

لم تكن بغائبة عن هذا التوجه الاستراتيجي العالمي فعوامل عدة ساهمت في تحريك الذهنية باتجاه التأثر به ومحاولة العمل به. على رأس هذه العوامل تأتي مشاريع التعاون الدولي (المستمدة معظمها من البرامج الأوربية كتيمبوس وإيراسموس موندوس)، حيث تمخض العديد منها عن إطلاق برامج أكاديمية مشتركة. يضاف إلى ذلك صعود الجامعات الخاصة التي ساعدت في إطلاق بعض البرامج الجديدة والمطلوبة في سوق العمل. من العوامل الهامة الأخرى ذلك الأثر الإيجابي للتقنيات التعليمية الحديثة التي “ألّفت” بين المدرسين من حقول مختلفة من خلال تعاونهم في الوصول إلى مقاربات تدريسية مشتركة سواءً كانت على الخط On line أو باستخدام البيئة التعليمية المخلّطة Blended. ثم لا ننس الدور الذي لعبته المساقات الجماعية الالكترونية مفتوحة المصادر (MOOCs) في خلق ديناميات بينية جديدة من خلال تجميعها لشرائح طلابية من انتماءات تخصصية متنوعة لا تستهدف الحصول على درجة أكاديمية بل اكتساب مهارات جديدة أو معرفة جديدة.

إلا أن الطبيعة التقليدية للبنى التنظيمية والثقافة السائدة بقيتا وللأسف تشكلان عائقاً أمام بلوغ المبادرات البينية لأهدافها المرجوة. فمعايير التمويل والتعيين والتثبيت والترقية، وحتى القبول في الدراسات العليا، لا زالت تكرّس التقسيمات التخصصية التقليدية في الإدارات الجامعية وتكرس ما يسمى بثقافة “الصوامع” Silos السائدة في الأقسام العلمية. هناك إذاً حاجة ملحة لإحداث انزياح مفهومي حقيقي Paradigm Shift في نظمنا التعليمية باتجاه القناعة العملية الراسخة بأن التخصصات البينية وما توفره من معارف ومهارات باتت الضامن الأفضل لتلبية الاحتياجات الحيوية لطلبة التعليم العالي في هذا الزمن السريع التقلب. ثمة سياسات من شأنها المساعدة في الوصول إلى الانزياح المأمول:

  1. إعادة النظر في البنية التنظيمية للبرامج الأكاديمية بهدف تعزيز التخصصات البينية، وبخاصة برامج الحلقة الجامعية الأولى بعد أن أصبحت التخصصات البينية مطلباً أساسياً للعديد من المهن في سوق العمل.
  2. اعتماد مبدأ الفريق التعليمي Team teaching لتدريس المقرر الواحد لما لذلك من أثر إيجابي في إغناء القدرات التعلّمية للطلاب من خلال انكشافهم على وجهات نظر متنوعة للمدرسين.
  3. تطعيم الأقسام العلمية بشريحة من الأكاديميين “البينيين” Interdisciplinarian والاستعانة بهم في بناء “القدرات البينية” و “التزاوجية” بين التخصصات لباقي زملائهم الأكاديميين.
  4. فرملة النزعة الفردية لدى الأكاديميين من خلال إعادة النظر في معايير النشر والترفيع وتمويل البحوث العلمية
  5. توجيه رسائل الدراسات العليا نحو الدراسات البينية وإشراك طلبتها في الفرق البحثية البينية التي تتناول قضايا المجتمع من مختلف الجوانب.

الصورة مأخوذة من المقال على الرابط http://www.eoht.info/page/Interdisciplinarity

الابتكار والتديّن Innovation and Religiosity

قد يبدو هذا العنوان غريباً إلا أنه موضوع بحث علمي كانت قد أجرته إحدى الجامعات الأمريكية المرموقة (برينستون) بالتعاون مع المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية حول أثر التدين في البلدان على إنتاجها من الاختراعات والابتكارات. النتيجة المركزية المثيرة لهذا البحث الذي استند إلى استقصاءات ونماذج رياضية معقدة تتلخص في المخطط البياني المرفق، الذي نشرته منذ عامين مجلة الإيكونوميست، والذي يشير إلى وجود علاقة ارتباطية (Correlation) عكسية قوية بين الناتج الابتكاري للبلد (مقاساً باللوغاريتم الطبيعي لعدد براءات الاختراع لكل فرد من السكان) والنسبة المئوية لتديّن السكان (مقاسةً بالتقديرات الذاتية للتدين لكل فرد من السكان) في هذا البلد!! وهذا يعني ببساطة أن البلدان المتديّنة “معميٌّ على قلبها” بسبب الدين، وأن التديّن يفرمل الاختراع والابتكار عند البشر!!. غني عن الاشارة هنا إلى أن المعني الأول ضمنياً بهذه النتيجة هو كتلة الدول العربية الإسلامية (المشار إليها في المخطط بالكتلة الحمراء المسماة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا).

Innovation
نتيجة جدلية بامتياز وتدعو إلى الاستغراب وطرح العديد من التساؤلات.
ـ هل أن النزعة الدينية المميزة لشعوب دولنا هي المسؤولة عن التخلف العلمي والمعرفي الذي نعيشه؟
ـ هل أن الإسلام هو المسؤول حقاً عن ما وصلنا إليه من تخلف في مجال الابتكار التقاني؟ نتيجةٌ سعى البحث المذكور إلى إثباتها بشكل غير مباشر وبطرق علمية ونماذج رياضية.
ولدى البحث في شبكة الأنترنت عن أصل البحث (المنبع الذي ينهل منه المروّجون) تبين أنه منشور منذ أكثر من ثلاث سنوات على صفحات الويب على الرابط:
https://www.princeton.edu/…/Religion%20December%201g_snd.pdf
إلا أن حملة الترويج الإعلامي لنتائجه، والتي ما فتأت تشتد على صفحات التواصل الاجتماعي وفي الصحف (ومن ضمنها المخطط المنشور اليوم في الإيكونوميست) جاءت متزامنةً مع النظرة النمطية الحالية للإسلام وموجة “الإسلاموفوبيا” و “العربوفوبيا” السائدة حالياً في الغرب، والتي تتغذى أيضاً وللأسف بالممارسات المشينة لمليشيات الإرهاب والتطرف والتكفير في كل مكان وباسم الإسلام.
لمزيد من التوضيح لا بد من الإشارة إلى نقاط التناقض التالية في نتائج البحث:
ـ في إطار مناقشتها لعدم انطباق نتيجة البحث على بعض الحالات “المناقضة” تورد الإيكونومست حالة أمريكا (التي تزيد نسبة التدين فيها عن 70% حسب المخطط) وتتساءل “كيف لهذه النتيجة أن تبرر حالة هذه الدولة التي تعدّ، بالرغم من تدينها، أمّ الابتكار والمسؤولة عن توليد خُمس الناتج الإجمالي في العالم؟ ” وكأن المجلة تريد أن تشير هنا إلى أن هذه النتيجة لا تنطبق على بلد متدين كأمريكا، وعلى الدولة المتدّينة أن تكون متخلفة علمياً حتى تشملها نتيجة البحث ويقال أن تدينها سبب تخلفها!
ـ يشير البحث إلى أن الإسلام بعد فتوحاته التي شملت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أوربا خلال القرنين السابع والثامن ميلادي اصطدم بالعلوم اللا عقلانية كالفلسفة والرياضيات والفلك وقاومها! رغم أن البحث يعترف بالإسهامات الإسلامية في العصور الذهبية التي تلت الفتوحات وما أنتجت من ابتكارات في شتى مجالات العلوم “اللا عقلانية” (حين كان الغرب يغطّ في ثباته العميق إبّان العصور الوسطى وراح المستنيرون منه يتهافتون على المراكز والمكتبات العلمية في الأندلس ليستقوا منها ).
ـ سعى البحث إلى إثبات فرضية أن التأثير السلبي للتدين على الابتكار يكمن في أن الأنظمة الدينية الحاكمة من شأنها أن تتأثر بفتاوى المؤسسات الدينية التي من الممكن أن تشكل عائقاً أمام التقدم العلمي فتؤثر سلباً على السياسات العامة للدولة في دعم الابتكار. ولإثبات فرضيته هذه استشهد بمثالين: الأول عندما منعت الحكومة العثمانية دخول الطباعة في أرجاء أمبراطوريتها (التي كانت تعدّ بالنسبة لنا نموذجاً للاستبداد والفساد البعيد كل البعد عن روح الإسلام) . والمثال الثاني هو القرار المثير للجدل الذي كان قد اتخذه الرئيس الأمريكي جورج دابليو بوش بعدم تمويل أبحاث الخلايا الجزعية لأسباب دينية! بالمقابل تغاضى البحث عن المثالين المناقضين لهذه الفرضية والمتمثلين بحالة كل من إيران وتركيا وما شهدتهما من تقدم مذهل في مجال الابتكار والنمو الاقتصادي في ظل أنظمتهما التي جمعت بين التديّن والسياسة العلمية والاقتصادية الحكيمة.
ـ أخيراً لا بد من التساؤل عن جدوى البحث عن العلاقة التي تربط الابتكار بالتديّن كعامل وحيد معزول وتسخير النماذج الرياضية المعقدة كالتي استخدمت في هذا البحث، في الوقت الذي يعتمد فيه الابتكار، كما هو معلوم، على العديد من من عوامل النجاح التي تفتقدها شعوب الدول المتديّنة. فأي ابتكار سيأتي من دولة، بغض النظر عن درجة تديّن شعبها، تعيش في ظل الفقر والفساد والفوضى وغياب الحكم الرشيد والحرية الأكاديمية والعدالة الاجتماعية ووو…؟ حبذا لو فكّر هؤلاء الباحثون بسبر حالة التديّن والابتكار لدى الآلاف من العلميين المغتربين من رعايا هذه الدول “المتديّنة وغير المبتكرة” كدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذين يعملون في المراكز العلمية والجامعات في أوربا وأمريكا، ومحاولة التعرف على العلاقة الارتباطية بين الابتكار والتديّن لدى هذه الجماعات، وبالتالي اختبار صلاحية نموذجهم الرياضي المعبر عنه في المخطط المعروض.

من مخلفات الأزمة: الضرب بناقص واحد

تعلمنا من الرياضيات والجبر أن عملية الضرب بالعدد (-١) من شأنها أن تعكس إشارة العدد المضروب فإن كان موجباً يصبح سالباً وبالعكس.

وينسحب هذا المفهوم على علوم الفيزياء حيث يؤدي الضرب بناقص واحد إلى عكس الحالة الفيزيائية التي يمثلها الرقم فالسخونة مثلاً تصبح برودة والقوة ينعكس اتجاهها وكذلك الحقل الكهربائي والمغناطيسي وهكذا…

وإذا انتقلنا إلى الأشخاص نجد مثلاً أن مزاج الشخص سرعان ما ينقلب متحولاً من الفرح إلى الحزن نتيجة تعرضه لمصيبة أو سماعه خبراً سيئاً، وهذا الانقلاب في النفسية أو المزاج، بالمفهوم الرياضي، ليس إلا “انضراباً” بناقص واحد. وربما تكون مقولة “انضرب على قلبه” الشائعة قد جاءت من هنا!!

وإذا كان الأشخاص قابلين للإنضراب نفسياً بناقص واحد فهذا يعني أن مصفوفة القيم الأخلاقية لديهم قابلة للانضراب أيضاً، فالشريف قد ينقلب إلى فاسد والصادق إلى كاذب والوطني إلى خائن والمواطن الصالح إلى مخرّب وربما إلى إرهابي وهكذا…

المرعب في الأمر هنا عندما تصبح هذه القيم الشريرة “المضروبة” هي الطبيعية والسائدة وينام أصحابها قريري العين مرتاحي الضمير، يجمعون الثروات ولا يترددون في شيطنة وتخوين الآخرين ممن آثروا المحافظة على قيمهم (ولو كانوا أكثرية) إلى أن “ينضرب” المجتمع بأكمله، وهنا الطامة الكبرى ….

ولعل ذلك ينقلنا إلى مستوى البلدان، فهل يمكن لبلد ما أن يُضرب بأكمله بناقص واحد؟

نعم، وللأسف… أليست غالبية دولنا العربية مضروبة بناقص واحد لما تتسم به من تخلّف اجتماعي واقتصادي وسياسي؟ إن ضرب أي بلد بناقص واحد يمكن أن يتم إما بـمؤامرة خارجية أو بانقلاب عسكري لتغيير سياسته، أو حتى بعملية “ديمقراطية” ينتخب فيها رئيس مضروبة قيمُه تأتي به أغلبية من الناخبين بعد ضربهم بناقص واحد من خلال حملة انتخابية تقوم على قلب الحقائق واحتقار الأفكار والقيم الأخرى السائدة، وهذا بالضبط ما فعله ترامب في حملته الانتخابية للوصول إلى سدة الرئاسة، وما أراد فعله الزعيم اليميني المتطرف خيرت فيلدرز مؤخراً في هولندا، وما تريد أن تفعله مارين لوبن بفرنسا، والحبل على الجرار.

وبالإسقاط على المشهد السوري نجد، بعيداً عن الانقسامات السياسية، أن الفاجعة التي ألمّت بهذا البلد الآمن قد أفرزت نمطين أساسيين من الانضراب بهذا الناقص واحد اللعين. النمط الأول، انضراب “حميد”  نسبياً وشامل على المستوى الإنساني والوجداني. شامل لأن من النادر أن نرى سورياً في الداخل أو الخارج إلّا وفقد عزيزاً أو نزح عن دياره التي هُدمت أو هاجر من وطنه أو فقد سبل عيشه. وحميد نظراً لطبيعته القابلة للشفاء بإذن الله بفضل فطرة الإيمان والتعلق بالوطن والتسامح التي زرعها الله في نفوس هذا الشعب الطيب الأبي، فيما لو توفر له القليل من “جبر الخواطر”…

أما النمط الثاني، فهو ذلك النمط “الخبيث” الذي طال منظومة القيم لدى كل من فضل الاستفادة من هذه الأزمة بممارسة وفرض شريعة الفساد واللا قانون فكانت النتيجة أن ارتشح الفاسدون والمخربون وأمراء الحرب، ممن أجمع المواطنون على تسميتهم بـ “دواعش الداخل”، في مفاصل المجتمع وراحوا يعيثون فيها فساداً وتخريباً للّحمة الوطنية وقيم المواطنة الصالحة.

السؤال الذي يطرح نفسه إذا ما أردنا الاستمرار في هذا “التمرين” الرياضي: كيف السبيل لضرب “المضروب” مرة أخرى بناقص واحد لإعادته إلى صوابه (على قاعدة  -١ x -١=+١)؟ وهل يمكن للرياضيات أن تساهم في استمالة العقل البشري الجمعي للوصول إلى هذا الهدف؟ من المفيد، قبل محاولة الإجابة على هذا التساؤل، التأكيد على أن دواعش الخارج وكل من دنّس الأرض السورية الطاهرة من قوى إرهابية أخرى عابرة للحدود غير مشمولين بهذا التساؤل فهؤلاء، بحكم المورثات التي يحملونها، لا علاج لهم إلا الضرب بالعدد صفر، هم وأمثالهم من المرتهنين إلى الخارج.

في الواقع وكما هو معروف، فإن العقل البشري ليس جامداً بل يمثل جملة حركية تفاعلية. ووفقاً لنظرية التحكم فإن لكل جملة حركية حالات States . هذه الحالات هي إحداثيات الجملة فيما يسمى بفضاء الحالة State Space. ولكل جملة حركية قاعدة تطور عبارة عن تابع رياضي أو خوارزمية تصف ارتباط حالة الجملة مع الزمان أو المكان (الزمكنة) وتحدد بالتالي الحالات المستقبلية للجملة اعتماداً على حالتها الراهنة.

من هنا نرى أن التأثير على العقل الجمعي “المضروب” باتجاه معين كالمذكور آنفاً يتوقف على بناء النموذج الرياضي الممثل لواقع السلوك الجمعي وكذلك تصميم الخوارزمية المناسبة للزمان والمكان وتطبيقها تدريجياً من خلال التواصل الممنهج مع هذا العقل باستخدام وسائل إرشادية تربوية متخصصة يأتي على رأسها الإعلام والتربية والتعليم والخطاب الديني.. الخ، مع الإشارة إلى أن خوارزمية التطور لهكذا حالات تكون ذات طبيعة احتمالية Probabilistic وليس حتمية Deterministic.

لا مجال للاسترسال هنا في هكذا مواضيع تخصصية ومعقدة لكن ما أردت الإشارة إليه هو أن المقاربات الرياضية تقع اليوم في صلب الأبحاث العلمية القائمة في مجال العلوم الاجتماعية المدعومة بالاختصاصات البينية الأخرى Interdisciplinary وعلى رأسها علم النفس السلوكي الذي أصبح هو أيضاً قابلاً للنمذجة الرياضية.

فهل من دور لهكذا مقاربات رياضية علمية في معالجة مخلفات الأزمة السورية؟ ومن ذا الذي يملك رفاهية الصبر والقدرة على الخوض في هكذا تجربة؟ وأي نموذج رياضي هذا القادر على توصيف حقيقة الركام الاجتماعي الناتج عن أكبر وأعقد أزمة في التاريخ الحديث؟

يتبع…

Higher Education for Post-conflict Syria: The STEM Imperative

مقالتي:
Higher Education for Post-conflict Syria: the STEM Imperative

“التعليم العالي في سورية ما بعد النزاع: حتمية الاختصاصات العلمية STEM”

المنشورة في العدد الخاص من المجلة العالمية للبحث الميداني (International Journal of Research from the Front-line)

الذي صدر عن New Research Voices في الموقع http://www.newresearchvoices.org

تحت عنوان “حلول أكاديمية للأزمة السورية” Academic Solutions for the Syria Crisis.

تسلط المقالة والمقابلة التي تليها الضوء على أهمية اعتماد منهج STEM (التعليم المتكامل للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات) والتفكير الأفقي في جميع مراحل التعليم في سورية المستقبل.

العدد موجود على الرابط:

https://newresearchvoicesdotorg.files.wordpress.com/2017/03/def-volume-iii-nrv_2017_03_132.pdf