حيوانات التعلّم والطريق إلى تربيتها

“قد لا يدرك الناس أننا في جوجل، نركّز في انتقائنا لموظفينا الجدد على “حيوانات التعلم” والعموميين بدلاً من المتخصصين. والسبب الرئيسي في ذلك هو أننا نعمل في صناعة ديناميكية تتغير فيها الظروف بسرعة كبيرة، وبالتالي فإن أشياء مثل الخبرة والأدوار التي سبق للمرشح أن قام بها لم تعد بذات الأهمية كقدرته على التفكير والتعلّم السريعين”.

هكذا عبر “جوناثان روزنبرغ” نائب الرئيس الأول السابق للمنتجات لدى جوجل والمؤلف الشريك لكتاب (How Google Works) مع “إيريك شميت” الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل (الظاهر في الصورة)، وذلك في حديثه عن كيفية إدارة جوجل لمواردها البشرية وفرقها الديناميكية والإبداعية.

ولعل مصطلح “حيوانات التعلم” الذي روجته جوجل في سوق العمل العالمي يمثل، على الرغم من خشونته، التعبير الأهم في هذا التصريح المفصلي، مع الإشارة إلى أن كلمة “حيوان” هنا تستخدم بمعناها الإيجابي “الحميد” وذلك لتضخيم صفة “الإدمان” على التعلم، وإبراز أهمية التعلّم بشكل مستمر “من المهد إلى اللحد”. تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين مصطلح “حيوان التعلم” هذا و “حيوان الدراسة”، فالثاني يعدّ نقيضاً للأول وله دلالة سلبية إذ يستخدم في ثقافتنا الشعبية للإشارة إلى ذلك الطالب الذي يفتقر إلى الذكاء فيلجأ إلى الحفظ عن ظهر قلب (البصم) للتعويض عن النقص في ذكائه.   

في الواقع، بدأ أرباب العمل يدركون، أكثر من أي وقت مضى، أن الأشخاص القابلين للتعلّم ذاتياً هم أفضل العاملين أداءً، هؤلاء الذين يشار إليهم بـ “الأدمغة الجائعة” hungry brains، المهتمون حقًا بتحديث معارفهم ومهاراتهم. ازداد هذا الإدراك بعد أن أشارت الدراسات إلى أن الشركات تهدر مليارات الدولارات كل عام على برامج التدريب الداخلية دون أن تحصل منها على منفعة مستدامة. اتجه الحلّ إذاً نحو توظيف أصحاب المواهب الذين “تعلموا كيف يتعلمون”، ممن يتمتعون في الأصل بعشق طبيعي للتعلم ودافع شخصي للتطور مهنياً. لقد شكل “تعلّم كيفية التعلم” جوهر الانزياح الحاصل في التعليم للقرن الواحد والعشرين …

المدير التنفيذي لشركة مايكروسوفت عبر بدوره عن هذا الانزياح بطريقة أخرى عندما تساءل، كما في الصورة، “كيف لنا أن نبني ثقافة تَعلَّم كلَّ شيء بدلاً من اعرف كل شيء؟”.

ولفهم الملابسات والتداعيات التي أدت إلى هذا الانزياح الجوهري، قد يكون من المفيد أن نتعمق قليلاً في موضوع “المعرفة”:

  1. ففي عصر الوفرة المعرفية والتقانة الذي نعيش، فإن أية معرفة مولّدة حديثاً، مهما بلغت أهميتها، سرعان ما ستفقد من قيمتها الاقتصادية بسبب ما بات يعرف بخاصية تهالك المعرفة Obsolescence of knowledge والدوران السريع لها Knowledge turnover. فمعرفة اليوم ستصبح غير صالحة غدا عندما تأتي معرفة أحدث من الأولى، لذلك فإن امتلاك المعرفة لم يعد يضمن الفائدة منها.
  2. المعرفة متاحة وبمتناول أيدينا، ولم تعد ميزة تنافسية أو عاملاً حاسماً في اقتناص الفرص بالنسبة للمؤسسات والأفراد، وذلك بفضل الولوج السهل والسريع إلى قواعدها في عصر المعلومات والاتصالات، بل إن العامل الحاسم بات يكمن في المقدرة على التعلّم والاكتساب السريع للكفاءات الجديدة اللازمة من أجل التصدي إلى أية مشكلات طارئة أو استيعاب المعارف الجديدة التي باتت تولّد بوتيرة متزايدة. من هنا تأتي أهمية التحول الذي طال فلسفة التعليم وفرض على المؤسسات التعليمية أن تُكرّس وظيفتها لضمان تنمية القدرة عل التعلّم واكتساب المهارات الجديدة.

هذا لا يعني بالطبع أن المعرفة خفتت أهميتها، لكن من الأهمية بمكان أن ندرك أن هناك أشياء أخرى مثل “قابلية التعلم” Learnability و “التمهّر” Skillfulness أصبحت تعد أكثر أهمية في التعليم.

كمهارة مفصلية قائمة بذاتها، تعرّف “قابلية التعلّم” على أنها “الرغبة والقدرة لدى الفرد على النمو بسرعة وتكييف مجموعة مهاراته من أجل تلبية متطلبات التغير في بيئة وسوق العمل، ومن أجل أن يظل الفرد قابلاً للتوظيف طوال حياته العملية.”

وهكذا أصبحت قابلية التعلّم “أمّ المهارات” ومفتاح الاستقرار المهني في القرن الحادي والعشرين بعد أن أصبحت قابلية التوظيف Employability تعتمد بشكل أقل على ما تعرفه وبشكل أكثر على قدرتك على تعلم كل ما هو جديد.

هل أنت حيوان تعلّم؟

تتحلى “حيوانات التعلّم” بمستوىً عالٍ من قابلية التعلّم، وبصفات مميزة تمنحهم نعمة الإدمان على التعلّم: فحيوان التعلم إنسان فضولي، كثير التساؤل، جريء لا يخشى عدم اليقين ولا يهاب المخاطر، متعاون يمكنه حلّ المشكلات من خلال تبادل الأفكار والتشارك في الموارد، صبور يتفهم أن ارتكاب الأخطاء جزء من العملية التعلّمية، مبدع ومبتكِر، يركّز على العملية (Process-oriented) قبل النتيجة، يفكر بشكل نظمي Systemic ويطبق ما تعلمه ليرسّخه في عقله….

في المقابلات الوظيفية المستقبلية المصممة لتحديد مستوى قابلية التعلم لديك، يجب أن تتوقع رؤية سلسلة من الأسئلة السلوكية، لكن قبل ذلك اسأل نفسك ما يلي:

  1. هل سبق لك أن تعلمت بنفسك مهارة ما؟
  2. هل استثمرت وقتاً في تعلم شيء جديد في الأشهر الستة الماضية فقط لأنك تريد معرفة المزيد؟
  3. هل يمكنك أن تشرح بوضوح أفضل طريقة لتعلم شيء بسرعة؟
  4. منذ أن تخرجت، هل استثمرت في أي تدريب أو دورات لتتعلم شيئًا جديدًا؟
  5. في عملك السابق، هل تعلمت بشكل استباقي Proactive (أي دون أن يطلب منك) أية مهارات جديدة تجعلك أكثر قيمة في عملك؟
  6. هل سبق لك أن تعلمت مهارة جديدة بمفردك، خارج العمل، من أجل البقاء ناجحًا في عملك؟

 إذا كان جوابك بـ “نعم” عن كل ما سبق، فإن قابليتك للتعلم تبدو جيدة وواعدة، ومن الجائز أن تكون “حيوان تعلّم”. إن لم يكن الأمر كذلك، وكنت ترغب في أن تبقى قابلاً للتوظيف، فعليك إجراء اختبار أكثر دقة وتخصصاً لتحديد مستوى قابليتك للتعلم. سمي هذا الاختبار الأكثر دقة، والذي بات معروفاً الآن، اختبار تحديد “مستوى قابلية التعلم” (Learnability Quotient (LQ وذلك على نمط الاختبار التقليدي لمستوى الذكاء، والمعروف بـ (IQ).

يمثل هذا الاختبار (الذي طورته مجموعة ManpowerGroup على شكل منظومة قياس متاحة على الشبكة web-based visual) طريقة جديدة للمستخدمين لتقييم مستوى وأساليب التعلم الخاصة بهم وتلقي توصيات حول كيفية تطوير هذه المهارة. أنصح القارئ المهتم بخوض هذا الاختبار للتعرف على حيثياته، وهو متاح هنا.

في ها الاختبار يُعبَّر عن النتائج وفق محاور ثلاث: محور “المغامرة” ويعبر عن الرغبة المتأصلة في الاستكشاف؛ المحور “الفكري” ويعبر عن الدوافع للتعلم؛ والمحور “غير المألوف” ويعبر عن القدرة على مساءلة ونقد الوضع القائم. يعكس مستوى LQ قابليتك للتعلم ورغبتك وقدرتك على النمو والتكيف مع الظروف والتحديات طوال حياتك العملية.

هل تساعد منظوماتنا التعليمية على تنمية مهارة “قابلية التعلم” وتخريج “حيوانات تعلم”؟

يمكن تلمس الإجابة على هذا التساؤل من خلال ما ذكره أحد التربويين عندما وصف منظوماتنا التعليمية بأنها “بنيت بالأساس لغرض “توفير المعرفة” للطلاب، وبالتالي فإننا في الواقع نغذي طلابنا في المدارس بالمعلومات ونتوقع منهم أن يحفظوها عن ظهر قلب ويجترّوها، ثم نمتحنهم في ذلك كما لو أننا نربي “موسوعات تمشي على الأرض” (walking encyclopaedias)”!

وقد لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات، فما آل إليه الوضع الميداني لا يمت بصلة إلى التعلّم لا من قريب ولا من بعيد، ولعل ما يدلي به الزملاء من شهادات على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً يعطي فكرة عن الوضع القائم على الأرض. أحد الأساتذة المرموقين في إحدى كليات العلوم الطبية (الصيدلة) لخّص الواقع الحالي عندما كتب في منشور له على فيسبوك:

“بين السنة الأولى والسنة الخامسة، سقوط مدوّ في شخصية الطالب الطامحة للتعلّم وفشل ذريع للمؤسسة الأكاديمية في الحفاظ على طموح وآمال الطالب. ومن جهة أخرى، انقياد أعمى من قبل الطالب لثقافة القطيع المهترئة التي يكرسها “بزنس” أطرافه حفنة من الطلاب الحاضرين “المؤلفين” ومكتبات ربحية، ومبادرات طلابية تظن أنها تشارك في تأمين مادة علمية “لائقة” بالنجاح، وهي في الواقع مادة علمية معدومة الرؤية، بلا روح وبلا هدف”

ما قصده هذا الأستاذ بـ “البزنس” هو بالطبع، تلك “الملخصات” التي يكتبها “نخبة” من الطلبة الذين يحضرون المحاضرة (الحضور لا يتجاوز بأفضل الحالات 5 إلى 10% من عدد الطلاب) ويلخصونها لتطبع لاحقاً وتباع في الأكشاك والمكتبات المنتشرة في محيط الجامعة!!  

ما العمل إذاً وأبناؤنا الذين لم يصلوا بعد إلى الشهادة الثانوية سوف يعملون مستقبلاً، كما تشير الدراسات الاستشرافية، في مهن لا يعرفونها ولم توجد بعد، وسيحتاجون إلى تعلّم مهارات جديدة كلما دعت الحاجة، وبشكل سريع؟ ما العمل إذا كان متوسط زمن فقدان نصف التحصيل الجامعي (halving period) للخريجين في مختلف الاختصاصات بعد تخرجهم يقدر، وفق دراسات ألمانية، بثماني سنوات ويصل إلى سنة واحدة بالنسبة لاختصاص الهندسة المعلوماتية!

هناك العديد من الطرق التربوية الحديثة في التعليم الفعّال، البعيد عن التلقين، نحن بحاجة إلى استخدامها عملياً مع أطفالنا وطلبتنا من جميع المستويات لقدح شرارة قابلية التعلم الدائم في أذهانهم. فتعليم قابلية التعلم لن ينجح إلا بتطبيق ما يمكن تسميته “الممارسات التربوية الجيدة” (Good Pedagogical Practices) التي يُنصح المعلمون بتبنيها. كأن يتم، على سبيل المثال، استحداث أنشطة لتدريب الطلاب على الفهم والاستيعاب عن طريق الاستماع الفعال (Active Listening)، وتشجيعهم على طرح الأسئلة باستمرار (طرح السؤال الصحيح وطرحه بشكل صحيح)، وحثهم على القراءة والمراقبة والقياس والاستماع بشكل نقدي، وتدريبهم على المحاكمة والتحليل والتصنيف والتفكير النظمي، وعلى الاستنتاج والتفسير، وعلى التعاون والتواصل الواضح، وتجنيبهم كل ما يمكن أن يقيِّد إبداعاتهم …. إلى غير ذلك من الأساليب “التكتيكية” التي تحرِّض الطلاب على تنمية مهارة التعلم لديهم.

من الضرورة بمكان أن يدرك الجميع بأن الخروج من المشهد التعليمي البائس الذي تعيشه منظوماتنا التربوية والتعليمية لا يعني اعتماد “حزمة” جديدة من المناهج والموضوعات والتقنيات الحديثة، وتطبيقها ببساطة وبذات الذهنية المهيمنة والإمكانات المتاحة حالياً، بل يتطلب أولاً إجراء “فرمتة” Formatting حقيقية لهذه الذهنية وإحداث انزياح مفاهيمي Paradigm Shift في فلسفة التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، وهذا يتطلب رسم خارطة طريق بعيدة المدى انطلاقاً من استراتيجيات وآليات تدرجية.

طريق الإصلاح والتطوير شاقة وطويلة، ومحفوفة بالمصاعب والتحديات لكن طريق الألف خطوة يبدأ بالخطوة الأولى كما يقال.

الوقف: تلك الحلقة المفقودة في منظوماتنا التعليمية

في شهر تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أعلن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن خطة جريئة لإعادة هندسة برامجه الأكاديمية حول التقانة في ظل التقدم المتسارع لتطبيقات الحوسبة والذكاء الصنعي وتحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي، وما إلى ذلك من التقانات الرائدة والقائدة للثورة الصناعية الرابعة التي يقف العالم على أبوابها. تضمنت هذه الخطة بشكل أساسي إنشاء أول كلية للذكاء الصنعي سميت باسم ممولها في إعلان تأسيسها: “كلية شوارزمان للحوسبة” Schwarzman College of Computing

ما يهمنا من هذا الخبر أن التمويل الذي حصل عليه المعهد لإنشاء الكلية الجديدة وتشغيلها، والبالغ 350 مليون دولار، جاء على شكل وقف من رجل أعمال ثري اسمه “ستيفن شوارزمان”، متبصر ومستبشر بمستقبل الذكاء الصنعي، ويمتلك سجلاً حافلاً بمنح مليارات الدولارات للمؤسسات الأكاديمية المعنية بهذا المجال التقاني الواعد، بالإضافة إلى تمويله لبرنامج منح بحثية في المجال ذاته معروف باسم “Schwartzman Scholars “. سوف تفتح الكلية الجديدة أبوابها للطلبة في أيلول القادم مؤقتاً داخل مباني المعهد بعد أن يتم تأمين المستلزمات من الهيئة التدريسية المقدر عددها بخمسين أكاديمياً جديداً هم حالياً قيد التعيين، على أن يُستكمل البناء الجديد بحلول العام 2022.

لم يكن هذا الوقف الجامعي سابقة بحد ذاته فخلال العقود الماضية زاد انتشار “الوقف” الخيري لصالح العديد من جامعات العالم متّسماً بأحد النمطين الأساسيين: الوقف الجامعي University Foundation، وهو وقف يوقف لصالح جامعة ما موجودة على أرض الواقع، يُمنح إليها على شكل وديعة Endowment لبناء مختبر أو كلية (كما هو الحال بالنسبة لكلية شوارزمان آنفة الذكر) أو لإطلاق برنامج بحثي أو برنامج منح دراسية أو بحثية، الخ، والنمط الثاني، وقف لإنشاء ما يسمى “جامعة وقفية” Foundation University تُؤَسَّس بشكل كلي بناءً على تمويل وقفي يغطي نفقات تأسيسها وتشغيليها بشكل دائم كما هو الحال في أغلب الجامعات الأمريكية كهارفارد وستانفورد وكارنجي ميلون، التي تم تأسيسها لتكون وقفية. تعمل هذه الجامعات الوقفية وفق نظام المؤسسات غير الربحية وتتقاضى بذلك رسوما معتدلة من الطلبة بالإضافة إلى توفيرها لبرامج منح دراسية سخية للطلبة.   

ما الذي يمكن للوقف أن يحمله لمنظومة التعليم العالي؟

لا يمكن النظر إلى الوقف الجامعي على أنه مجرد وسيلة تمويلية تخفف من أعباء الميزانية الحكومية المخصصة لتمويل قطاع التعليم العالي. لقد أظهرت التجارب العالمية أن نمط الجامعات الوقفية هذا يوفر العديد من المزايا قياساً بالأنماط الأخرى كالحكومية والخاصة:

  • فالوقف الجامعي حمّال طبيعي للجودة والتميز، ومولّد لدينامية تنافس صحي وخلّاق داخل المنظومة الوطنية للتعليم العالي، وذلك انطلاقاً مما ينشده أصحاب الوقف من رسالة إنسانية ودَوْرٍ تنموي علمي واجتماعي وثقافي للكيانات التعليمية/البحثية التي ينشئونها (كما هو واضح من مثال كلية الذكاء الصنعي)، وكذلك من الطبيعة غير الربحية لهذه الجامعات، ناهيك عن أن الوقف بحد ذاته يوفر للجامعات بيئة مثالية من الأمن الاقتصادي المستدام كما ويساعد على نقل مفهوم الوقف من الملكوت الديني إلى الملكوت العلمي الخيري، 
  • توفر أموال الوقف الجامعي استقلالية تامة عن القوى الاقتصادية والسياسية في البلد، ويمكن بفضلها استقطاب كوادر تعليمية وبحثية وإدارات خاصة بها على قدر كبير من الكفاءة والتميز (دون الاعتماد على الجامعات الحكومية)، مما يمكّنها من تزويد المجتمع بمخرجات تعليمية أفضل. هذا الأسلوب يقلل من مخاطر الاعتماد على التمويل الحكومي الذي يتّسم بعدم الثبات ويعتمد في حجمه على الموارد المتاحة وتغيّر الأولويات من سنة إلى أخرى،
  • وبمنظور أوسع، يمكن القول أن العلاقة بين الوقف والتنمية علاقة وثيقة ومطردة عبر الزمن، فالوقف يمثل آلية تعمل على تمويل المشاريع والمساهمة في الحياة الاقتصادية من خلال توفير فرص العمل واستغلال الثروات المحلية، وبالتالي زيادة دخول الافراد.  
  • من شأن الإدارة الاقتصادية السليمة لأصول الأوقاف داخل الجامعة أن تحقق أقصى منفعة ممكنة من الوقف بالنسبة للواقف والموقوف عليه (الجامعة)، مما يؤدي إلى دوام تحقيق مفهوم الصدقة الجارية بالنسبة للواقف ودوام الانتفاع بالوقف بالنسبة للجامعة.
  • بات الوقف مؤشر تميز للجامعات وحفازاً لارتقائها في مسار التصنيف الدولي حيث أن أغلب الجامعات الغربية العريقة التي عملت – وما زالت – منذ قرون على دعم الوقف التعليمي، تفوقت واحتل أغلبها المكون الرئيسي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم.
  • وبحكم كونها مؤسسات تعليمية غير ربحية تتقاضى من الطلبة أقساطاً دراسية معتدلة وتؤمن منحاً دراسية للمتفوقين منهم، فإن الجامعات الوقفية تعدّ اليوم النموذج المنافس بامتياز للجامعات الخاصة الربحية التي باتت ترهق الطلبة بأقساطها المرتفعة.

المشهد العالمي للوقف التعليمي بين الماضي والحاضر: سبق شرقي وتفوق غربي

في منطقتنا العربية: شكل الوقف منذ غابر الأزمان بؤرة النهضة العلمية والفكرية على مدار قرون عديدة، وإليه يعود الفضل في كل ما عرفته المنطقة من نهضة علمية وثقافية في حضارتنا العربية والإسلامية. ولم يكن الوقف حينها مجرد تصرف ديني أو قانوني بل كان أيضا حافزاً علمياً وتنموياً، وثقافة روحية مؤثرة في المجتمع، مما أدى إلى انفتاح الأوقاف على التعليم حتى بات إنشاء أي مدرسة أو مؤسسة تعليمية مرتبطاً بوقف ثابت يفي بمتطلباته.

أدى هذا النموذج الحضاري إلى ازدهار مئات المدارس الوقفية في بغداد ودمشق والقاهرة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات، كجامعة القرويين في المغرب وجامعة الزيتونة في تونس والأزهر في مصر، ناهيك عن جامعات الأندلس التي أصبحت قبلة لطالبي العلم في أوربا العصور الوسطى. حتى في صقلية الإسلامية (آنذاك)، بلغ عدد المدارس الوقفية 300 مدرسة تتكفل بنفقات الدراسة والإعاشة للطلاب المحليين والوافدين من أقطار أخرى.

إلا أن هذه الصلة الوثيقة بين الوقف والعلم، والتي جعلت الأول مصدرا اساسيا لتمويل العلم والتعليم والبحث العلمي، تلاشت بشكل شبه تام في عالمنا المعاصر لأسباب لا زالت تشكل موضع بحث وتساؤل:

  • أهي سياسة مجانية التعليم بمختلف مستوياته، وما شمل ذلك من تكفّل الدولة بإنشاء المدارس والجامعات التي تمثل أولى رهانات قطاعات التعليم والبحث العلمي؟
  • أم هو تراجع لثقافة الوقف في ضمير المجتمع مما أدى إلى حصرها في نطاق الفعل التعبدي والوظيفة الدينية؟
  • أم هي تلك السياسة التي أدت إلى إقامة جدران عازلة بين قطاع الأوقاف والمنظومة التعليمية والتربوية، وانحسار أدوارهما ضمن سياسات قطاعية تفصل بين الوقف والتعليم؟
  • أم هو تآكل رسالة المجتمع باتجاه الفردية وغياب المسؤولية الاجتماعية؟

تساؤلات مفصلية ومشروعة تحتاج الإجابة عنها إلى بحوث تنير الطريق إذا ما أردنا توجيه الأنظار ثانيةً إلى الوقف التعليمي لاستعادة دوره كاستثمار خيري مستدام وبذرة صحيحة لبداية نهضة تعليمية شاملة.

أما الغرب، فقد استنسخ الوقف في مضمونه الإسلامي ضمن صيغ ونماذج تشبه الوقف أو تقترب من مفهومه فكرا وتطبيقا ليطوِّرَه فيما بعد ويجعل منه مؤسسات مانحة وجامعات ومراكز بحثية أنشئت من منطلق الصدقة الجارية ونزعة الخير التي لا يمكن حصرها في قالب ديني أو عرقي واحد، مما جعلها تتفوق على تجربة الوقف العلمي في الفكر الإسلامي. بالفعل، فقد أجمع الباحثون في الغرب على أن قانون الوقف الإسلامي كان له أكبر الأثر في تطوّر المؤسسات الوقفية في بلادهم بعد القرن السادس عشر، فالأوقاف في الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت في البداية شكل مؤسسات دينية أو تعليمية مستقلة في نمط الإدارة والتسيير المالي وباتت تتغذى من تبرعات الواقفين من أبناء الطوائف في شكل أموال نقدية أو أملاك عقارية توقف على الكنائس والمدارس والجامعات مما جعلها نماذج ناجحة بامتياز تحمل حقيقة مضمون الوقف في فكرته الإسلامية في نفس الوقت الذي تخلصت فيه من الروتين الإداري الحكومي.

ريادة أمريكية…

تُعَدّ التجربة الأمريكية في هذا المجال نموذجا قائماً بذاته، فجامعة هارفرد باتت نموذجاً رائداً في إسهام الاستثمارات الخيرية في تطوير التعليم الجامعي والبحث العلمي حيث كرست منذ تأسيسها عام 1636 تقليدا يقضي بدخول الوقف كلاعب رئيس في مجال التعليم العالي، وحققت بذلك معادلة تجعل من التبرع أحد الأسس الصلبة لبناء تعليم متميز لا يخضع لقوانين العرض والطلب ولا يتكئ كليا على الميزانيات الحكومية. وعلى غرار هارفرد رخصت الجامعات الوقفية الأمريكية علاقة وطيدة بين ثقافة التبرع من ناحية، والميادين الأكاديمية وبرامج البحث العلمي من ناحية أخرى، بحيث لم يعد هناك تصور لوجود بنية تحتية علمية بدون الوقف.   

تجدر الإشارة إلى أن النموذج الأمريكي في تمويل الجامعات يعد انعكاساً للبنية الاقتصادية الأمريكية التي يغلب عليها التنافس النابع من آليات السوق (في مقابل نموذج أوروبي ساد فيه الدعم الحكومي للجامعات بدرجات متفاوتة). تضم الولايات المتحدة الأميركية أكبر عدد من الجامعات الوقفية في العالم، حيث يصل حجم الوقف في مؤسسات التعليم العالي الأميركية إلى أكثر من 119 مليار دولار، بينما يصل وقف الجامعات الكندية إلى 5 مليارات دولار، ويتخطى الوقف في 10 جامعات بريطانية نحو 30 مليار دولار.

استفاقة تركية….

أما تركيا التي تُعدّ تجربتها نموذجية في إعادة تسخير الوقف لصالح التعليم فقد تمكنت من إعادة إحياء الصلة بين الوقف والتعليم بحلّة “مدنية وليس دينية” حيث شُرِعَ في تأسيس الجامعات الوقفية بدءً من ثمانينات القرن الماضي، واشتد زخمها بعد توفير إطار قانوني مدني نظم تبعيتها إلى مجلس التعليم العالي وشجع على أعمال الوقف من خلال العديد من الحوافز الضريبية التي تضمنها. مثلت جامعة بيلكنت التي تأسست في عام 1984(تحت حكم العسكر آنذاك) باكورة هذه الجامعات، إلى أن وصل عددها اليوم إلى 63 جامعة وقفية، إضافة إلى سبعة معاهد تقانية وقفية، وذلك مقابل 104 جامعة حكومية (القانون يمنع الترخيص للجامعات الخاصة الربحية). تتنوع المؤسسات الوقفية المنشئة لهذه الجامعات الوقفية فهناك المؤسسات الخيرية والمؤسسات الوقفية الأهلية والشركات العائلية الثرية والنقابات المهنية، الخ. تجدر الإشارة إلى أن الجامعات الثلاث التي تقدمت ترتيب الجامعات التركية ضمن التصنيف الأخير لصحيفة التايمز البريطانية “Times Higher Education”، هي جامعات وقفية!!

هل من سبيل إلى إحياء الوقف التعليمي في بلدنا؟

ما سبق يُظهر أهمية الوقف ككمون واعد لدعم منظوماتنا التعليمية والبحثية في وقت تشهد فيه هذه المنظومات غياباً شبه تام لنمط الجامعات الوقفية، شأنه شأن أي شكل آخر من أشكال الوقف داخل الجامعات الحكومية. بالفعل، يقتصر المشهد الوقفي السوري في مجال التعليم العالي على “جامعة وقفية” يتيمة (جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية) بحكم تبعيتها لوزارة الأوقاف وليس للتعليم العالي، وفقاً لما يقتضيه قانون الأوقاف (السابق والجديد) الذي حصر التعليم الديني بهذه الوزارة. أما فيما يتعلق بالوقف للجامعات الحكومية فالأمر يقتصر أيضاً على “شبه وقف” يتيم تمثل بمركز جامعة دمشق للمؤتمرات (مركز رضا سعيد) الذي كان له أكبر الأثر في إكساب هذه الجامعة العريقة واجهة حضارية جديدة. تجدر الإشارة إلى أن قانون تنظيم الجامعات النافذ حالياً، ولائحته التنفيذية، لم ينصا على أي شكل من أشكال الوقف واكتفيا بتوفير الإمكانية للجامعات لقبول الهدايا والهبات والمساعدات.

كيف يمكننا إذاً، استناداً لما سبق استعراضه من تجارب عالمية، أن نستنهض ظاهرة الوقف على العلم والتعليم في ظل ما نشهده من سلعنة متنامية للتعليم؟ لسنا هنا بصدد رسم خارطة طريق لأوقاف تعليمية جامعية لكن من المفيد طرح بعض الأفكار المستوحاة من تجارب الغير لعلها ترشد أي مسعاً بهذا الاتجاه يمكن للجهات المعنية أن تقوم به:

  • ربما يصعب “القفز” مباشرة باتجاه التفكير بإنشاء جامعات وقفية، لكن العمل في البداية على تشجيع الأعمال الوقفية داخل الجامعات الحكومية من شأنه أن ينعش الذهنية الوقفية ويروج للوقف “الأكبر” المتمثل بإنشاء جامعات وقفية…
  • يكمن المفتاح بتأمين إطار قانوني غائب بشكل كلي عن منظومتنا. إطار “مدني” يتيح للجامعات الحكومية تلقي الأوقاف التعليمية/البحثية وإدارتها بمعزل عما جاء في قانون الأوقاف الجديد (القانون رقم 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف)، على أن يضمن الإطار المنشود تأسيس صندوق وقفي في كل جامعة حكومية، وإنشاء إدارة قانونية ومالية لأوقاف الجامعة، وادارة لاستثمار أوقافها.
  • من الأهمية بمكان إجراء دراسات لحصر الاحتياجات التعليمية/البحثية التي يمكن الإنفاق عليها من الأموال الوقفية (برامج لمنح دراسية/بحثية، كراسي علمية وقفية، إطلاق مشاريع بحثية وطنية، موارد مالية خاصة بالدراسات العليا البحثية، مراكز تميز بحثية، خزانات تفكير…)  وترتيبها وفق أولويات وضوابط محددة.  من شأن هكذا دراسات أن تساعد الجامعة على إنشاء برنامج خاص بها للأوقاف يتم من خلاله تشجيع القطاع الخاص والأفراد، وبخاصة الميسورين منهم، على الوقف لصالحها.
  • وزارة الأوقاف مدعوة إلى التعاون مع وزارة التعليم العالي في تخصيص جزء من ريع الأوقاف في العملية التعليمية والتربوية عن طريق تحديد نسبة من الأموال والتبرعات الوقفية التي تردها لتؤول إلى الصناديق الوقفية في الجامعات، أو الوقف المباشر على إنشاء بعض المرافق الجامعية.
  • يعدّ استصدار قانون خاص بإنشاء الجامعات الوقفية، خطوة مفصلية على الطريق نحو دعم انتشار هذا النمط الجديد من التعليم الجامعي. في مصر على سبيل المثال، ما أن صدر القانون الناظم للجامعات الأهلية (التسمية المصرية للجامعات الوقفية) عام 2009 حتى طلبت ثلاث جامعات خاصة (جامعة النيل، جامعة سنغور الفرنسية، والجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني) التحول إلى جامعات وقفية تحت هذا القانون الناظم.
  • ثمة جامعات خاصة تتميز عن غيرها بامتلاكها لميول ونكهات “أهلية” ناجمة عن انتماءاتها اللا تجارية، مما قد يجعلها قابلة للتحوّل من ذاتها إلى جامعات وقفية (أو أهلية إذا ما أريد اعتماد هذه التسمية البديلة على غرار ما هو قائم في مصر)، إذا ما توفرت لها البيئة القانونية الحاضنة. من هذه الجامعات يمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، جامعة المنارة (المنتمية إلى الأمانة السورية للتنمية، والتي أنشئت بالأصل لهدف تنموي) وجامعة الشام الخاصة (المنتمية إلى القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي) وجامعة قرطبة الخاصة (المنتمية إلى نقابة المهندسين بحلب) والأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية (المنتمية إلى جامعة الدول العربية)، الخ.  

في النهاية نرى أن الوقف يعد ثقافة قائمة بذاتها، ومن الخطأ اختزال هذه الثقافة في بناء المساجد والكنائس، ومدّها بالخدمة، إذ لا بدّ من ابتكار آلية وقفية مدنية وتسخيرها لصالح عملية تنموية تعليمية وثقافية لبلد مكلوم في أمس الحاجة إليها. إن ما يمكن أن تحمله الصناديق الوقفية في الجامعات الحكومية، و/أو ما قد يستحدث من جامعات وقفية، يأتي في صميم هذه العملية التنموية المنشودة. ومن هنا تأتي أهمية نشر الوعي بين أفراد المجتمع عامة والميسورين خاصة، لتعريفهم بأّن الوقف على التعليم شكلٌ من أشكال الصدقة الجارية التي تقربهم إلى الله وإلى الشعب.  

وفي الليلة الظلماء يفتقد الابتكار …

عندما يُطبِقُ الحصار وتشتد الأزمات الاقتصادية والمعيشية ينتظر المجتمع مبادرات وحلولاً مبتكرة تأتي من رحم المعاناة، من “خارج الصندوق”، يتبناها رواد أعمال اجتماعيون وتنفّذ في بيئة أعمال جديدة يغلب عليها الطابع الاجتماعي التنموي والإنساني….

هكذا منطق الأمور… والأدبيات تزخر بقصص النجاح المعبرة عن هذا المنطق…

هل أتاكم حديث “بنك الفقراء” الذي نجح في مساعدة الملايين على الخروج من مظلة الفقر في بنغلاديش على يد مؤسسه رائد الأعمال الاقتصادي الاجتماعي، الدكتور محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006 تقديراً لجهوده في تحقيق هذا المشروع المبتكر؟

كان ذلك عام 1974 عندما اشتد الفقر واجتاحت بنغلادش (باكستان الشرقية سابقاً) مجاعة ذهب ضحيتها ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان، وكان الدكتور يونس آنذاك قد عُيِّن رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج في بنغلاديش بعد عودته من تحضير الدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية.

وبسبب هذا الوضع المتفاقم في بلاده، مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، مما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، لكنه بقي مصمماً على فكرته، وأن الفقراء جديرون بالاقتراض، واستطاع في عام 1979 أن يؤسس بنكاً مبتكراً لإقراضهم فكانت النتيجة أن قدم البنك منذ تأسيسه حتى العام المنصرم نحو 11 مليون قرض، وصلت نسبة تسديدها إلى 99٪!

تعتمد فكرة هذا البنك المسمى بنك غرامين Grameen Bank (وتعني القرية باللغة البنغلادشية) على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها نساء، وتقوم فلسفته المبتكرة على أن الائتمان يجب أن يُقبل كحق من حقوق الإنسان، وعلى أساسه يكون للشخص الذي لا يملك شيئا الأولوية في الحصول على قرض. فمنهجية غرامين في الإقراض لم تتأسس إذاً على تقييم الملكية المادية للفرد، وإنما على الدافعية التي يملكها، فبنك غرامين يعتقد أن كل البشر بمن فيهم الأكثر فقرا موهوبون ويملكون دافعية لا حدود لها. يعطي البنك الأولوية للنساء اللاتي يشكلن اليوم ما نسبته 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن في أسرهن بإعطائهن القدرة على التملك. يتعامل البنك اليوم مع سبعة ملايين شخص في أكثر من 71 ألف قرية حيث تنتشر فروعه في المناطق الريفية، فهو يعمل على أساس أن الفقير لا ينبغي أن يذهب إلى البنك، وإنما على البنك أن يذهب إليه.

وإلى جانب القروض، أطلق البنك مشروعات تنموية شملت التعليم والرعاية الصحية حيث أسس البنك بالتعاون مع اليونسكو في إطار مبادرة التعليم للجميع “مؤسسة غرامين للتعليم” التي تستهدف التعليم المستمر للنساء الفقيرات والأميات من عميلات البنك، ودمجهن اجتماعياً وتحسين نوعية حياتهن من خلال محو أمية القراءة والكتابة والحساب. كما قام بتحسين الوضع الصحي للمجتمع عبر تحسين الحالة الصحية للأسرة، وزراعة الخضراوات. كما يتناول البنك المدخل البيئي والسلوكي في الصحة، مثل بناء المراحيض الصحية، والعمل على شرب الماء النظيف، الخ.

أثبتت الدراسات أن مقترضي غرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من مجمل المقترضين سنويا خارج دائرة الفقر.

ابتكار وريادة أعمال، وبيئة أعمال حاضنة لهما، والكل في ملكوت اجتماعي واحد…

ما رأيناه هو ابتكار من النوع الاجتماعي Social Innovation، اجتماعي في وسائله وغاياته، تَمثَّل بتلك الفكرة غير المألوفة لآلية التمويل المتناهي الصغر Microfinance وبعملية تنظيمه ووضعه بتصرف المهمشين خلافاً للروتين المتعارف عليه في أنظمة الإقراض المتبعة في المصارف التقليدية. قد لا يتسع المجال هنا للتعريف بالابتكار الاجتماعي وطيفه الواسع والمتجدد لكن يكفي القول إنه يتمحور حول تحدي المعايير السائدة وإيجاد حلول جديدة تؤدي إلى تحويل الهياكل والعلاقات الاجتماعية لتصبح أفضل من سابقتها، من خلال تمكين المستفيدين وتحسين وصولهم إلى النفوذ والموارد.

لم يكن لهذا المشروع المبتكَر أن يرى النور لو لم تتوفر له ذهنية وحماسة رواد أعمال اجتماعيين بقيادة الدكتور محمد يونس، فهو الذي أسس البنك وابتدع الفكرة وهيأ لها الموارد (مساهمات محلية بالإضافة إلى منحة من مؤسسة فورد الأمريكية) ووجهها لخدمة أهداف اجتماعية. وكان من الاختراقات الجانبية لهذا المشروع أنه أسس لتنظيمات جديدة سميت لاحقاً بـ “المؤسسات الاجتماعية” Social Enterprise وصفها الدكتور يونس بأنها “مؤسسات لا توزع أرباحاً لمساهميها (Non-dividend)، وتبدو كمزيج لمؤسسة غير حكومية NGO لجهة امتلاكها رسالة اجتماعية محددة، وشركة تجارية Business لجهة استخدامها أدوات وأساليب إدارة الأعمال وقوانين السوق لتحقيق ما يلزم من أرباح لتغطية تكاليفها وتأمين استمراريتها لتحقيق رسالتها.

ازدهرت هذه المؤسسات لاحقاً وبشكل قوي بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث اشتدت الحاجة إلى الابتكارات الاجتماعية ووجد رواد الأعمال الاجتماعيون في هذه التنظيمات بيئة عمل وأعمال مثالية شكلت قطاعا اقتصاديا قائماً بذاته بات يعرف بالقطاع المستقل أو “قطاع المواطن” مشغِّلاته الرئيسية، كما يبينه الشكل أدناه: الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال الاجتماعية والمؤسسات أو الشركات الاجتماعية.

المشغّلات الرئيسية لقطاع الأعمال الاجتماعي
(من دراسة قيد النشر نفذت بالتعاون مع الإسكوا حول المقاربات الجديدة في الابتكار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة)

تجدر الإشارة إلى أن تجربة بنك “الفقراء” أوحت بابتكارات اجتماعية لبنوك أخرى في العالم أُحدثت لأهداف اجتماعية/بيئية متنوعة تصب أغلبها في تنمية المجتمعات المحلية والحد من التهميش وتشجيع الاقتصاد التشاركي، الخ. من هذه البنوك نجد بنوك الوقت (أكثر من 290 بنك في بريطانيا و 200 في الولايات المتحدة) وبنوك الطعام المنتشرة في العالم والتي وزعت لفقراء العالم ما يزيد عن 3 مليارات وجبة (في الولايات المتحدة وحدها يوجد ٢٠٠ فرع لهذا البنك). أما في مصر فقد نتج مؤخراً عن بنك الطعام المصري الذي تأسس منذ العام 2006 ابتكار بنوك أخرى مثل بنك الشفاء المصري وبنك الكساء المصري وبنك الأمل المصري… وفي سورية كان هناك تجربة على مقياس أصغر لابتكار بنك للأقمشة في مدينة السويداء قامت به تحت شعار “نساء يُعِدْن الحياة” مجموعة من النساء للتخفيف من آثار الأزمة في هذه المدينة.  

القطاع البلسم للجرح السوري؟

كم يلزم المجتمع السوري من رواد أعمال ومبتكرين اجتماعيين من عيار محمد يونس لمرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع المكلوم؟  

رواد أعمال اجتماعيون مبدعون يملكون المال أو التمويل ويتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلّاقة في مجال التغيير الاجتماعي….

مستثمرون ورجال أعمال لا يشغلهم المال والربح والمشروعات إلا بقدر ما يؤمّن لهم الاستدامة المالية لمؤسساتهم والأفراد العاملين بها….

وكم يلزمنا من تمكين ومأسسة وإنعاش لهكذا قطاع وهكذا سلطة، قطاع المواطن وسلطة الأفكار والعمل الاجتماعي التشاركي والخلاق؟

سلطة يحمل لواءها رواد اجتماعيون يرفعون شعار المنفعة العامة ويَتْبعون أفكارهم بالعمل الاجتماعي التشاركي والفعال…

 وستبلغ هذه السلطة أسمى مراتب الأداء والإبداع والكفاءة في إبراء الجرح السوري عندما تشرَّع لها بيئة العمل اللازمة ضمن نظام وطني للابتكار يحتل البعد الاجتماعي فيه مكان الصدارة…

هل تعلمون أن في بريطانيا اليوم (وليس بنغلادش) هناك ما يزيد عن 14 ألف شركة اجتماعية تم تأسيسها من قبل المجتمعات المحلية ولخدمتها تحت اسم “الشركات ذات المصلحة المجتمعية” Community Interest Companies (CIC)؟  وهي حالياً في تكاثر مستمر وتبلو بلاءً حسناً في كافة مجالات الخدمة العامة، بعيداً عن سلبيات السوق التقليدية؟

مسؤولية مشتركة وتوجهات مطلوبة …

ضمن هذا الإطار، يتعين على الحكومة أن تضع الأطر والأنظمة القانونية والمالية للشركات الاجتماعية بما يتناسب مع الدور المناط بها في العمل الاجتماعي،

وأن تعمل على بناء الثقافة والوعي حول الابتكار الاجتماعي والشركات الاجتماعية لدى جميع المعنيين بهذا القطاع،

وأن تهيئ المنظومة البيئية Ecosystem اللازمة في سبيل أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع وبين رجال الأعمال، وتمنح هؤلاء ثقتها وما يحتاجونه من تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي،

وعلى أصحاب الشركات والاستثمارات أن يستشعروا دورهم في المشاركة المجتمعية والمسؤولية تجاه تنمية المجتمع وأفراده ودعم أصحاب الأفكار الرائدة، وأن يَعٌدّوا أنفسهم جزأً من منظومة اجتماعية تنتظر الإنصاف والإسعاف. ومن غير المعقول أن يبقوا منفصلين عن واقع مجتمعهم المنكوب اقتصادياً واجتماعياً.

ليس المطلوب منهم أن يتخلوا عن أعمالهم أو ينذروا أنفسهم وثرواتهم لصالح العمل الاجتماعي الخيري كما فعل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي أو مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك، لكن عليهم أن يعلموا أن السوق، في ظل اقتصاديات السوق التي اعتادوا عليها لم ولن تلعب أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن هذه السوق ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية.

من شأن ذلك كله أن ينقل العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية، ويقطع الطريق على الأحاديين من “رجال الأعمال” الذين لم ولن يشبعوا من تجارة الأزمة وتقاسم الغنائم…

كي لا يبقى في الميدان أيُّ حيتان، وفي القطاع الخاص أيُّ قناص،

ابحثوا عن العقول النيّرة،

دعوهم يفكّرون خارج الصندوق،

دعوهم يبتكرون ويتعاضدون،

وليَسودَ في المجتمع نظام جديد،

نظام “دعه يبتكر، دعه يمرّ”… Laissez innover, laissez passer

استقلالية الجامعات: ما لها وما عليها

روى ” Sansom Melton” في كتابه الصادر مؤخراً: “التعليم العالي والتعافي بعد الصراع” Higher Education and Post-Conflict Recovery، روى الحادثة التالية في محفل الحديث عن حَوْكَمة الجامعات في الدول الخارجة من الحروب:

في اجتماع تم في بغداد وجمع رؤساء الجامعات العراقية منتصف العام 2003 بناءً على دعوة من “أندرو إيردمان”، المستشار العلمي للمندوب السامي الأمريكي سيء السمعة “بول بريمر”، صاحب القرار الشهير بحل الجيش العراقي عندما كان مشرفاً على “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قام إيردمان بإبلاغ رؤساء الجامعات الحكومية “أن جامعاتهم سوف تصبح مستقلة تماما وتتحكم لوحدها في تعيين الأساتذة وقبول الطلاب، وأن وزارة التعليم العالي العراقية سوف تُحلّ، وأن هذا هو النظام المعمول به في الجامعات العالمية الرائدة في الولايات المتحدة حيث لا وجود لوزارة تعليم عالي فيدرالية (علماً أن هذا الادعاء ليس دقيقاً حيث يوجد في أمريكا ما يسمى بـ  US Department of Education يُعنى بجميع مستويات التعليم واستراتيجياته، بما في ذلك الجامعات لكنه يحترم استقلاليتها)، وبالتالي فإن من المتوقع للجامعات العراقية، إن قبلت بهذا العرض، أن تزدهر في ظل ذات الظروف”. لكن النتيجة كانت أن رفض رؤساء الجامعات هذا الإجراء بإجماع وإصرار، مشيرين إلى أن الجامعات العراقية تفتقر بأكملها إلى الكفاءة والخبرة للقيام بهذا الدور الجديد، وأنه ينبغي الحفاظ على الوزارة، أسوة بباقي الدول العربية”.

لقد أراد المؤلف في روايته لهذه الحادثة أن يوجّه رسالتين أساسيتين: أولهما، أن استقلالية الجامعات، على الرغم من كونها قيمة متجذرة في أنظمة التعليم العالي المتقدمة، وبخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتشكل توجهاً “لا مركزياً” مغرياً في فترات ما بعد الحرب، إلا أن تطبيقها “غير المقيد” في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات من شأنه أن يؤدي إلى تشظي القطّاع بأكمله ويمكن أن يؤثر على سمعة واعتمادية الشهادات الصادرة عن هذه الجامعات، ويؤدي بالتالي إلى نتائج عكسية كما حصل تماماً في البوسنة التي “تورطت” في تبني النموذج الأنجلو – أمريكي في حَوْكَمة الجامعات، والذي كان قد فُرِض عليها من قبل الجهات الغربية المانحة. وثاني هذه الرسائل أن منح الاستقلالية للجامعات في بيئة اعتادت على مركزية القرار لا يتم باستنساخ نماذج عالمية وتطبيقها بين ليلة وضحاها، بل يحتاج أولاً إلى مرحلة “إعادة تأهيل” وإنضاج داخل النسيج الأكاديمي، وإلى مقومات نجاح أقلها تأمين بيئة تمكينية، مادية وتشريعية وذهنية، مواتية لخصوصيات البلد واحتياجاته التنموية. 

ما الذي يعنيه استقلال الجامعات؟

تشير الأدبيات الموصّفة للتوجه العالمي نحو استقلال الجامعات إلى أن هذا الاستقلال يتعلق بشكل أساسي بالبنية الإدارية والمالية للجامعات وهيكليتها، والعلاقات التي تربطها بالدولة وقوى المجتمع، ويرتكز بالتالي على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: الاستقلال الإداري والهيكلي: أن تختار الجامعة الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسنّ القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية.
  • أما الركيزة الثانية فهي الاستقلال المالي: أن يكون للجامعة مصادرها المالية الخاصة التي يأتي جزء منها من التمويل الحكومي وفقاً لمعايير محددة، وجزء من القطاع الخاص والأهلي والوقف والهبات الخيرية، بالإضافة إلى ما يأتي من الموارد الذاتية والخدمات التي تقدمها الجامعة للمجتمع. وللجامعة الحرية في تحديد أولوياتها في الصرف وتوزيع تلك المبالغ في ظل المساءلة والشفافية التامة من قبل الجهات الرقابية، دون تدخل في مواطن وسياسات الصرف.

ولعل الأهمية الفائقة لهاتين الركيزتين تكمن في أنهما يضمنان المناخ الملائم لاستقلال مكمّل من نوع آخر، يعبّر عنه بما يعرف بالحرية الأكاديمية: أن يتمتع منتسبو المؤسسة الأكاديمية (طلاب وأساتذة وباحثون) بالحرية في تداول المعرفة من خلال التدريس والبحث والنقاش والابتكار والنشر للمعرفة والمعلومات التي بين أيديهم دون حواجز أو قيود سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. وبالرغم من أن الحرية الأكاديمية لا تنفصل عن حرية الإنسان وحقه في التعليم والتعلم والتعبير عن الرأي ونشر المعرفة، إلا أنها تتمايز، بحكم ارتباطها بالفضاء الأكاديمي، بحساسية خاصة ودور بالغ التأثير كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات وبدورها التنموي والتنويري الهادف إلى إحداث التغيير المجتمعي المنشود، إذ ليس هناك من مجتمع استطاع أن يتطور بشكل ملموس وكانت الحريات الأكاديمية فيه مقموعة. يقول اينشتاين في مفهومه للحرية الأكاديمية: “أفهم من الحرية الأكاديمية ذلك الحق في البحث عن الحقيقة ونشر وتعليم ما يعتقده المرء أنه حقيقة”، ويضيف قائلاً: “لكن هذا الحق ينطوي على واجب أيضًا: ألا يخفي المرء أي جزء من هذه الحقيقة، حيث من الواضح أن أي تقييد على الحرية الأكاديمية سيؤدي إلى إعاقة نشر المعرفة بين الناس أو تشويهها، وبالتالي إعاقة منظومة التفكير والعمل الوطنيين”.

ما أهمية استقلال الجامعات وما الذي يمكن أن يحمله لجامعاتنا؟

يعدّ استقلال الجامعات معيارًا مؤثرًا في جودة أداء مؤسسات التعليم العالي. وأحد مقومات النجاح الأساسية لتعزيز قدراتها الإبداعية والابتكارية، وتأكيد دورها البحثي وتعظيم أثرها المجتمعي. وقد استحوذ هذا الموضوع في الفترة الأخيرة على تركيز كبير تجلّى في الحراك الذي نشأ في الساحة الأكاديمية السورية وبالأخص في شبكات التواصل الاجتماعي، على وقع فقدان جامعاتنا لمواقعها في منظومات التصنيف العالمي، واتضاح ضعف مخرجاتها مقارنة بالمستويات العالمية، إلى درجة أن البعض اعتبر الأسلوب المتبع في حوكمة الجامعات نوعاً من “الوصاية” المفروضة من الوزارة ومجلس التعليم العالي على الجامعات، متخذاً من “انعدام الاستقلالية” أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع المتأصل حتى منذ سنوات ما قبل الأزمة.

من الناحية النظرية، وبغض النظر عن وجود هذه الوصاية من عدمه، فإن الجامعات تحتاج، وبلا أدنى شك، إلى استقلال حقيقي عن جميع السلطات الموجودة خارجها لتخلد إلى بناء منظوماتها الأكاديمية والإدارية، وتتمكن من إعمالها وفقاً لما تمليه عليها الخبرة والمهارة والمعرفة القيادية المتوفرة لدى نخبها الأكاديمية، إذ لا يمكن لأية جامعة، حكومية كانت أم خاصة، ان تنطلق في تحقيق رسالتها وتميّزها، ولا أن تساهم في التنمية الحقيقية وإبداء الرأي العلمي المتخصص إن لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي، والحرية الأكاديمية، بعيداً عن كل أنواع الضغوطات.

في منظومات التعليم العالي “الفاضلة”، تَعِد الاستقلالية الجامعات بتحقيق جوّ من الإبداع والابتكار بداخلها، والمنافسة فيما بينها، وتوفير فرص التميز والتفرد في مجال علمي أو أكثر، مما يوفر لها إمكانية الانعتاق من النمطية واستنساخ البرامج، والانتقال إلى التنوّعية والتخصصية عبر جامعات ذات هوية واضحة، كجامعات العلوم والتكنولوجيا والجامعات الطبية والجامعات الهندسية والتطبيقية والجامعات البحثية وغيرها، الأمر الذي من شأنه التأثير إيجابياً في تشكيل وتلبية سوق العمل المحلي وتوجيه التنمية على المستوى المحلي والوطني نحو مجالات جديدة ومبتكرة.

هذا بالإضافة إلى أن توفير الحرية الأكاديمية المسؤولة والمنضبطة بوجهها الصحيح من شأنه أن يوجه أنظار الدولة والمجتمع إلى المعنى الحقيقي للحرية الاكاديمية، الذي يتعلق بشكل أساسي بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات، والمرتبطة بحرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منها (أي الحرية الأكاديمية) حفازاً (Catalyst) للتماسك المجتمعي ومحركاً للسلم الأهلي عوضا عن بقائها “تابوهاً” مرتبطاً بقضايا الحريات السياسية الأخرى.

هل الاستقلالية بعيدة المنال عن جامعاتنا؟ وما المعيقات والتحديات؟

من المفيد أولاً تلمس ما يفصل جامعاتنا عن هذه الاستقلالية، وما المطلوب عمله لإعادة تأهيلها باتجاه الاستقلالية إذا ما أريد نفخ الروح في الجسم الأكاديمي وتمكين جامعاتنا من تأدية دورها المرتقب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد. ثمة حقائق واعتبارات أساسية يتوجب إدراكها أولاً، كمنطلقات أولية:

  • أن استقلالية الجامعات ليست مجرد رغبة أو شعار يتم رفعه، إنما هي إرادة وتنظيم وممارسة تحفظها ضمانات وضوابط، كما أنها ليست مطلقة من دون حدود، فلها ما لها وعليها ما عليها.
  • أن استقلالية الجامعات، وما يمكن أن توفره من حرية أكاديمية، لم تكن يوماً، ولا في أي دولة، هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف الجامعات في البحث والتعليم والمشاركة المجتمعية.
  • وأن الحرية الأكاديمية بالذات تُمثِّل في حقيقتها جملة من الحقوق والواجبات التي تحتّم على الأكاديميين تحمل المسؤولية نحو جامعاتهم ومجتمعاتهم، وقبول المساءلة في حال الإخلال بثوابت المجتمع وقيمه.
  • ليس هناك من استقلالية إدارية أو مالية أو أكاديمية مطلقة، ولا بد بالتالي من جسم مركزي يؤدي دور “البوصلة” على المستوى الوطني (وزارة و/أو مجلس للتعليم العالي) ويتولى رسم السياسات والتوجهات الاستراتيجية الوطنية بالتوازي مع ضمان ما يلزم من استقلالية وحرية أكاديمية.

ولعل الإطار الذي رسمته منظمة اليونسكو في المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته عام ١٩٩٨ حول استقلال الجامعات والحرية الأكاديمية يعبر أحسن تعبير عن الهواجس التي لا زالت ترافق استقلالية الجامعات حيث كان من أهم التوصيات الواردة في وثيقة العمل الصادرة عنه، تلك التي تقول: “يجب أن يتم تأطير استقلال مؤسسات التعليم العالي، وأن يقترن هذا الاستقلال بمستوى رفيع من المسؤولية والخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية، مع إفساح أكبر قدر ممكن من المشاركة أمام الطلاب والمدرسين في عملية اتخاذ القرارات”.

وبالعودة إلى جامعاتنا نجد أنه، وبالرغم من أن القوانين الناظمة لحوكمتها (قانون تنظيم الجامعات لعام ٢٠٠٦ ولائحته التنظيمية، والتعديلات الطارئة عليهما) تحمل في نصوصها بعضاً من نفحات الاستقلالية حيث نصت المادة (١٠) من هذا القانون على أن “الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكل منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي على الوجه المبين في هذا القانون ولائحته التنفيذية، وترتبط بالوزير ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة التنفيذية”، إلا أن ‏ثمة أمور هيكلية متأصلة في صلب هذا القانون ومتمثلة بـ “شيطان التفاصيل”، بالإضافة إلى قصور في آليات التطبيق وضعف القدرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي، جميعها لا زالت تحول دون تمتّع  الجامعات بالحد الأدنى من الاستقلالية اللازمة لانطلاقها نحو آفاق رحبة من الإنجاز والتميز والمشاركة الفعالة في تحقيق التنمية لهذا الوطن الغالي. من أهم هذه المعوقات التي تحتاج إلى وقفة مراجعة: 

  1. تمركز السلطة والقرار في يد مجلس التعليم العالي، مما جعله يقوم بأدوار متعددة، تشريعية وتنفيذية ورقابية في آن واحد وهذا من شأنه أن يخلق تضارباً في المصالح، فالجهات المرخِّصة والمشرِّعة للجامعات لا يجوز لها، وفقاً للممارسات العالمية الفضلى (Best Practices) للجودة والحوكمة الرشيدة للجامعات (الحكومية والخاصة)، أن تقوم بعملية الرقابة والتقييم ناهيك عن عمليات اتخاذ العقوبات وفرضها (في الجامعات الخاصة) كإيقاف للبرامج أو تجميد لقبول الطلبة، الخ، في الوقت الذي من المفترض أن تقوم بهذه الأدوار، من مراقبة ومراجعة وتقويم للجامعات،هيئات وطنية مستقلة ومحايدة (هيئات ضمان جودة التعليم)، وأن تكون التقارير الصادرة عن هذه الهيئات محصنة من جميع أنواع التدخلات، وتكون قراراتها ملزمة لمجلس التعليم العالي.
  2. إخضاع الفئات العاملة في الجامعات، وبخاصة أعضاء الهيئة التعليمية لأنظمة الوظيفة العامة وآلياتها، مما يقيد من حريتها من حيث الهيكلة والتعيينات والرواتب والترفيعات، ويخضعها لذات القوانين السائدة في وزارات الدولة وأجهزتها، تلك القوانين التي تختلف في مهامها ووظيفتها وطبيعة عملها عن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تتمتع بما يكفي من خصوصية وأدوار تعليمية وبحثية وتنموية عديدة تستدعي الانفراد بأنظمة تراعي خصوصيتها وتمكنها من تحقيق أدوارها. تحتاج هذه الأدوار إلى مرونة وحرية في الحركة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس متميزين في تخصصاتهم وإنعاش الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار وتطوير مواردهما.
  3. ربط ميزانيات الجامعات بوزارة المالية، مما يفقدها حرية التصرف بمواردها الذاتية ويجعل الصرف تحت شروط وأنظمة وقوانين تحدّ إلى درجة كبيرة من الاستقلال المالي للجامعات (بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بآليات وبنود الصرف على البحث العلمي) وتفقدها الحماسة والدافعية نحو تحصيل المزيد من الموارد الذاتية المستقلة عن مخصصات الدولة.
  4. معيقات متأصلة في الثقافة والذهنية التي تميل إلى مقاومة التغيير: ثمة خوف من التغيير لدى البعض على الرغم من المناداة المتنامية بالاستقلالية من قبل البعض الآخر. ربما تعود أسباب هذا التخوف إلى عدم القدرة على نقد نظام الحوكمة الحالي، أو أن البعض يرى أن هذا المفهوم وإن كان ناجحًا في الدول المتقدمة، إلا أنه غير مضمون النجاح في البيئات الشمولية، وبالتالي من الأفضل المحافظة على الوضع الحالي وتركه يسير وفق مبدأ (Business as Usual) خوفًا من المجهول، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، أو استمراءً لثقافة الممالأة الأكاديمية والثقافية.

ما العمل إذاً؟

لسنا بصدد رسم خارطة طريق شاملة نحو الاستقلالية والحرية الأكاديمية لكن من المفيد أن نتلمس بعض الخطوط الإرشادية (Guidelines) والمنطلقات الأساسية لوضع الجامعات على طريق الاستقلالية بشكلها الجزئي المتدرج، بأمل أن تشكل هذه الخطوط والمنطلقات العمود الفقري لأي برنامج إصلاحي شامل يسعى من ضمن أهدافه الرئيسة إلى تحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عبر ردم ما أمكن من الفجوة التي تفصل جامعاتنا عن ذلك الإطار الاستقلالي “المثالي”:

  • يُعدّ التوجه نحو الاستقلالية الجزئية المتدرجة أحد الحلول الناجعة حيث يتم تطبيق الاستقلالية بشكل متدرج على مجموعة مختارة من الجامعات بعد أن تثبت “أهليتها” للاستقلالية من خلال تحقيق معايير الجودة من قبل هيئة وطنية مستقلة لضمان الجودة والاعتماد تتبنى الأساليب الحديثة للاعتماد المؤسسي والأكاديمي.
  • في هذه المرحلة الأولى يتم التركيز على الاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وذلك لصعوبة الاستقلال المالي في هذه المرحلة. كما ويجب أن يتم في هذه المرحلة:
    • إطلاق حرية الجامعات في وضع الرؤى الاستراتيجية والخطط المستقبلية فيما يخص اختيار نموذجها التعليمي والبحثي وآليةتمويله بما يضمن تحقيقها لأهداف التميز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام في إنتاج ونشر المعرفة.
    • تبنى الجامعات لمبادئ التوجه الاستراتيجي وقيامها، من خلال معايير الحوكمة وإشراك فئات المجتمع الأكاديمي، باتخاذ القرارات الخاصة بوضع السياسات العامة للجامعة، وخطط تمويلها.
    • توفير مرونة عالية للجامعات في استحداث اللوائح والأنظمة الداعمة للتميز والإبداع ودعم البحث العلمي الرصين وتحفيز المبدعين عن طريق تبني النظام التعاقدي مع موظفيها، واستحداث سلالم رواتب ومزايا منافسة، وإعادة هيكلة للتخصصات بما يلبي متطلبات التنمية ويخدم التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
    • الاهتمام بتنمية الموارد المالية للوصول إلى الاستقلالية الشاملة. يحتاج ذلك إلى دعم الدولة في المرحلة الحالية من خلال التشجيع والمساعدة على إنشاء محافظ استثمارية في الجامعات ودعمها ماليا وتنظيميا لتكون الممول لهذه الجامعات في المستقبل (بالإضافة إلى المساهمات الخيرية والوقف الجامعي)، وترسيخ فلسفة التشغيل الذاتي للجامعات وتنمية الحس الاستثماري فيها.
  • و للانطلاق فيما سبق، يتطلب الأمر إعادة النظر في الإطار المؤسسي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث المكونات وتوزيع الأدوار وعملية اتخاذ القرار الأكاديمي والبحثي والخدمي المجتمعي، وذلك في ضوء مراجعة شاملة لقانون تنظيم الجامعات والدور المنوط بمجلس التعليم العالي.
  • كما يتطلب الأمر العمل على بناء القدرات لتوفير الكفاءة الإدارية والأكاديمية القادرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي ضمن نظام محاسبي ورقابي دقيق، بما يضمن دفع الاستقلالية إلى النجاح.

التوفيق بين مشاكل نهاية الشهر ونهاية العالم

 

أطلق هذا الشعار نيكولا هيلو، الكاتب والناشط البيئي الفرنسي في إشارة إلى روح التنمية المستدامة التي تحتّم تكامل المسار الاقتصادي – الاجتماعي للمواطن (امتلاك دخل يوصلك إلى نهاية الشهر بأمان وراحة اجتماعية ونفسية) مع المسار البيئي (ممارسات تجنبك نهاية العالم الذي بات يحتضر بيئياً).

عمل هيلو وزيراً للبيئة في عهد الرئيس ماكرون قبل أن يعلن استقالته المدوّية منذ حوالي ثلاثة أشهر بسبب فشله في إقناع الحكومة بهذا المبدأ. والآن نرى هذه الحكومة تقع في شرّ عنادها بعد أن فرضت ما ملكت أيمانها من ضرائب ذات توجه بيئي (بشكل رئيسي على المحروقات) دون أي اعتبار لـ “نهاية شهر” المواطن ذي الدخل المحدود، وها هي تصطدم اليوم بأعنف انتفاضة من أصحاب “السترات الصفراء” الذين يرون قوتهم الشرائية وقد باتت “وقوداً” للجهود الرامية إلى تجنّب “نهاية العالم”…
هذا في فرنسا التي حملت مشعل إنقاذ الأرض من كوارث التغيّر المناخي الناتجة عن الاحتباس الحراري والانبعاثات الغازية حين حشدت في باريس، نهاية ٢٠١٥ أقوى إجماع وزخم دوليين على التحرك في هذا المجال (مؤتمر COP21 حيث كان الناشط نيكولا هيلو يومها نجم المؤتمر بامتياز)،

لكن ما بال بلادنا التي لا يكاد الراتب فيها يوصل صاحبه إلى آخر الأسبوع وليس آخر الشهر؟؟ ناهيك عن حال البيئة التي يعجز أعتى العطارين عن أن يصلح مقدار ذرة فيها بعدما أفسدها الدهر والمفسدون في الأرض؟ 

فقط للتذكير: عندما أطلقت الأمم المتحدة عام ٢٠١٥ أجندة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ المتمثلة بأهدافها السبعة عشر، اتخذت لها شعاراً واعداً ومبشراً للدول الفقيرة نص على أن “لا أحد سيُترك خلف الرّكْب” No one will be left behind، وأن الجهود سوف تنصبّ على إيصال من هم في الخلف أولاً!

الآن، وبعد أن وصلت الأوضاع لما وصلت إليه، وانتشرت النزعات الشعبوية والقومية في العالم وانسحب من اتفاقية باريس الملوَّث الأكبر “ترامب” صاحب شعار “أمريكا أولاً” ليزيد في الطنبور نغماً، واقتنعت الدول الفقيرة بأنها ستبقى خلف الركب، ألا ترون معي أن التنمية المستدامة باتت أمام طريق مسدود؟ وأن نهاية العالم، المتقدم والمتخلف معاً، قادمة لا محال، وهذه المرة بالفعل، لن يتخلف أحد عن ركب الفناء مع نهاية العالم…
المفارقة هنا أن أغلب البلدان العربية لا تزال كعادتها مفعمة بالحماس، تسطّر الاستراتيجيات والخطط وتبحث عن التمويل اللازم لتلحق ولو نظرياً بركب التنمية المستدامة، فمنذ أيام قليلة فقط صدر تقرير “تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية” عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (AFED 2018)، الذي يؤكد أن الدول العربية تحتاج إلى أكثر من ٢٣٠ مليار دولار إضافية سنوياً وحتى العام ٢٠٣٠ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية، وأن هذه الفاتورة قابلة للارتفاع إلى مبالغ أعلى بكثير بسبب الحروب والنزاعات في المنطقة!

فتصوروا…

الصورة البارزة مأخوذة من الرابط: https://www.mominoun.com/articles/دور-الوقف-الإسلامي–في-عملية-التنمية-المستدامة-3782