العلمنة وما أدراك ما العلمنة…

وصل الانقسام السجالي السوري المتعدد الأطراف والمتنامي، الذي يلاحظ يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وصل إلى درجة بات يستحق فيها أن يُنشأ له “ترند” يومي أو أسبوعي يعبر عن مواضيع الانقسام الأكثر تداولاً وسجالاً!!

على سبيل المثال، شكل موضوع العَلْمَنَة Secularization (التحول نحو العلمانية) خلال الأسبوع المنصرم ولا يزال، الترند الأبرز بين مواضيع الانقسام السجالي معبّراً أصدق تعبير عن حالات “التشظي” واليأس والضياع التي ركبت المجتمع السوري منذ بدء الحرب القذرة التي عصفت بالوطن الغالي.

لا أهدف بمقالتي هذه، المخصصة لموضوع العلمنة، إلى المشاركة في السجال القائم حول هذه القضية ذات الحساسية المفرطة، بقدر ما هي الرغبة في إلقاء مزيد من الضوء الموضوعي المستمد من أدبيات الملف والتجارب العالمية حول “القضية”، وذلك لإبراز حجمها الحقيقي وما تنطوي عليه من تحديات وتداعيات.  

لماذا العلمنة؟

كما هو معلوم، فإن العلمانية التي ما فتئ المفكرون والناشطون يبشّرون بها ويدعون إلى “القفز” إلى قطارها رافعين شعار فصل الدين عن السياسة كخيار “دستوري” لبناء الدولة المدنية، إنما تهدف بشكل أساسي إلى الحيلولة دون تحكّم المؤسسات الدينية بالسياسة كي لا تقف حائلاً أمام تحرر المجتمع ونزوعه نحو الحداثة السياسية التي باتت ضرورة لتحقيق السلم الأهلي وتعزيز دولة القانون.

ثمة تساؤلات جوهرية تبرز هنا حول ما تنطوي عليه العلمنة من أبعاد، وما تَعِدُ به من مجتمع حياتي…

فإذا ما عدنا بضعة قرون إلى الوراء سنرى أن الحركات العلمانية التي جاءت في أعقاب الثورة على الكنيسة في القرن السادس عشر قد أسست لبناء مدني للمجتمع منتجة “مجتمع الخلاص” الذي وُصفَ بمجتمع “ما بعد العلمنة”. ذلك لأن العلمانية الأوربية التي هدفت فيما هدفت إلى فصل الدين عن السياسة كانت، قبل كل شيء، علمانية اقتصادية وفكرية وثقافية شاملة امتلكت محركات دافعة استهدفت المجتمع وطالت مفاصله كافة، من الفن إلى التعليم إلى الأخلاق وما إلى ذلك. مع الإشارة، وهنا بيت القصيد، إلى أن هذه العلمانية الأوربية التي جاءت بعد مخاض دامٍ لم تكن في وقتها خياراً فكرياً بل وجدت كضرورة بقاء وحتمية وجود حضاري بعد أن عاش المجتمع الأوربي واقعاً أليماً تخلله صراع دموي ووجودي استمر على شكل حروب دينية متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 و 1648 م)، حروب امتدت من سويسرا إلى الدنمارك مروراً بمعظم الدول الأوربية، ووصل الحال فيها إلى مرحلة مصيرية وخطيرة.

مجتمع الخلاص العلماني

يتسم مجتمع الخلاص الغربي هذا بخصائص حياتية جمّة انطلقت بالأساس من مبدأ “عش ودع الآخر يعيش” Live and let live – Vivre et Laisser Vivre بعيداً عن الانتماء إلى عرق أو عقيدة.  

تفيد الأدبيات أن السمات البراغماتية الرئيسية لهذا المجتمع في “المدينة العلمانية الفاضلة” تتلخص بالتالي:

  1. مجتمع يَدَع الفرد يمارس معتقداته وطقوسه شريطة ألا يمسّ ذلك معتقدات الآخرين ويخلق العقبات أمامهم.
  2. مجتمع تسود فيه الاستحقاقية Meritocracy كمعيار وحيد للحصول على أية وظيفة، وليس الخلفية الدينية/الأثنية/السياسية
  3. مجتمع يضمن حرية التعبير دون أن يسمح لأحد بدسّ السم أو قول أشياء ضد أي دين أو طائفة اجتماعية أو ما شابه باسم حرية التعبير.
  4. مجتمع لا يبشّر بالتسامح بل باحترام الحقوق الفردية والقبول حتى يحترمَ الناس كلٌ منهم الآخر ويقبلَ بعضهم البعض بالطريقة التي يتصرفون بها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية/خلفيتهم الأثنية بدلاً من التسامح مع بعضهم البعض لأن التسامح غالباً ما يتم بين الأضداد ويأتي في سياق السكوت على العيوب والتجاوزات.
  5. مجتمع يضمن حق الفرد في ممارسة معتقدات أو اعتناقها أو تغييرها بحرية دون خوف من أي شخص (أو من الدولة)
  6. مجتمع يطمئن إلى أن الحكومة تسمح للناس وتدعمهم في تنمية لغاتهم وثقافاتهم لضمان التعددية الثقافية
  7. مجتمع يتكئ على حيادية وسائل الإعلام وعدم تحيزها ضد أو لصالح مجتمع طائفي أو أثني معين
  8. مجتمع يعي أن جميع الأحزاب السياسية في البلاد تعمل لتحقيق أجندة الوطن بدلاً من السعي لتحقيق مجتمع لغوي أو ديني أو عرقي معين، وبالتالي يجب ألا يكون هناك حزب سياسي يمارس السياسة على أساس ديني أو أثني أو طبقي أو لغوي أو ما إلى ذلك، الأمر الذي لن يفيد إلا بزرع بذور الانقسام بين الناس فقط. وبدلاً من ذلك، يجب على الأحزاب السياسية معالجة القضايا التي يواجهها عامة الناس مثل الأمية والفقر والبطالة وما إلى ذلك.
  9. مجتمع لا يعترف بنظام “المحاصصة” وإن كان لا بد من ذلك، فيجب أن تكون المحاصصة على أساس مستويات الدخل أو التخلف الاجتماعي/الاقتصادي وبشفافية مطلقة، بدلاً من الدين أو اللغة أو الطائفة. علماً أن أشد أنواع المحاصصة خطراً على السلم الأهلي ذلك الذي يتجسد في المحاصصة “الباطنية”.

باختصار، هو مجتمع يكرّس الحياديّة الدينية واحترام الحقوق الفردية، ويعتمد على العقلانية والمنظور العلمي. مع الإشارة إلى أن مسؤولية تحقيق هكذا مجتمع وصيانته والسهر على حمايته تعود إلى الدولة، دولة القانون واحترام الدستور.

علمنة القيم: مخاض مستمر

أثبتت التجارب أن العلمنة عملية لا تنتهي Never-ending Process ولا تتوقف عند سقف إنجازي محدد، لما لها من امتدادات Spillovers وتأثيرات جانبية اجتماعية وإنسانية تمثلت بما سمى بـ “علمنة القيم” التي نشأت ونمت تحت شعار احترام الحقوق الفردية (الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العلماني)، الأمر الذي فرض على المجتمع الغربي نوعاً من القبول أو “التسامح القسري” مع قضايا لا تزال تشكل خطوطاً حمراء لدى العديد من المجتمعات العلمانية المتدينة كقضايا المثلية الجنسية وزواج المثليين والمتحولين جنسياً والهوية الجنسية المهددة بالطمس، والإجهاض، الخ.

بالأمس فقط أصدر الفاتيكان وثيقة إرشادية لمعلمي المدارس ينتقد فيها الأفكار المعاصرة حول الهوية الجنسية حملت العنوان “خلقنا الله ذكورا وإناثا” مما أثار غضب مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً!!

وبالأمس أيضاً أصدرت المحكمة العليا في البرازيل حكماً بتجريم رهاب المثلية (الهوموفوبيا) بعد أن تفاقم العنف المضاد لانتشار ظاهرة المثلية حيث شهد العام 2017 وحده 387 جريمة قتل و58 عملية انتحار بسبب رهاب المثليين والمتحولين جنسيا، وذلك نتيجة لعدم تقبل المجتمع لكلا الظاهرتين في هذا البلد العلماني المتدين!! جاء ذلك خلافاً للوعود الانتخابية الني كان الرئيس البرازيلي المنتخب حديثاً قد أطلقها وتعهد فيها بكبح التوجه الليبرالي المتعلق بهذه القضايا الدينية والأخلاقية. 

إن دلّ هذان الحدثان على شيء فيدلان على أن العلمنة التي أدت إلى فصل الدين عن السياسة وإقامة حكم القانون لم تؤدِّ بأي شكل إلى فصل الدين عن المجتمع، وهنا يكمن جوهر الموضوع: لا تَعارضَ بين العلمانية والتدين، إنها العلمانية “المؤمنة” كما يسميها البعض تجاوزاً. مع الإشارة إلى أنه، مهما شهدنا من ظواهر شاذة، فليس هناك من علمانية ملحدة وعلمانية مؤمنة، إنما علمانية واحدة تقف على مسافة واحدة من الأديان كافة، وهذه العلمانية تصب في مصلحة كل من الدين والدولة لأنها تحمي الدين (الصحيح الذي لا يتعدى على غيره) من تدخل الدولة وتحصّن الدولة من هيمنة الدين.

هل نحن جاهزون؟

قد تصعب الإجابة بهذا الخصوص…. فالعلمنة ليست بنزهة إصلاح عبر تشريعات وقوانين كما يتبين من الاستعراض السابق لمخاض التجربة الغربية، آخذين بالاعتبار ما نحن عليه من حال، وما يحيط بنا من أخطار، وما تتطلبه العلمنة من إجراءات جذرية تطال النظام الحوكمي في الدولة والثقافة السائدة في المجتمع.  وربما لم ننضج بعد لهكذا تحول مصيري محفوف بالمخاطر والتحديات. من المفيد في جميع الأحوال استعراض بعض الدروس المستفادة مما سبق:  

  • كل دعوة إلى العلمانية لا تلحظ علمنة المفاصل الحياتية للمجتمع من اقتصادية وعلمية وفكرية وأخلاقية وثقافية تبقى خطوة شكلية وقاصرة وغير مجدية
  • وكل دعوة إلى العلمانية لا تأخذ بالاعتبار حيادها الديني وتؤكد عليه وعلى حرية ممارسة المعتقدات، لن تكون علمانية صادقة ولا حرة ولا عقلانية، ويخشى أن تكون دعوة حق يراد بها باطل.
  • وكل دعوة إلى استنساخ التجربة العلمانية الغربية ستعرّضنا إلى الوقوع في مطب علمنة القيم على الطريقة الغربية
  • الطائفية والنفاق شيطانان لصيقان بالعلمانية واجتثاثهما يمثل التحدي الأكبر للعلمنة الصادقة ويحتاج إلى فترات من الإعداد والتوعية.

فهل نحن جاهزون لعلمنة نفصّلها بأيدينا وعلى مقاسنا وبشكل تدرجي لنأتي بعلمانية “وسطية” إن جاز التعبير؟

الأمر منوط بعقلائنا وحكمائنا ومفكرينا وأولي أمرنا ….  

وفي الليلة الظلماء يفتقد الابتكار …

عندما يُطبِقُ الحصار وتشتد الأزمات الاقتصادية والمعيشية ينتظر المجتمع مبادرات وحلولاً مبتكرة تأتي من رحم المعاناة، من “خارج الصندوق”، يتبناها رواد أعمال اجتماعيون وتنفّذ في بيئة أعمال جديدة يغلب عليها الطابع الاجتماعي التنموي والإنساني….

هكذا منطق الأمور… والأدبيات تزخر بقصص النجاح المعبرة عن هذا المنطق…

هل أتاكم حديث “بنك الفقراء” الذي نجح في مساعدة الملايين على الخروج من مظلة الفقر في بنغلاديش على يد مؤسسه رائد الأعمال الاقتصادي الاجتماعي، الدكتور محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006 تقديراً لجهوده في تحقيق هذا المشروع المبتكر؟

كان ذلك عام 1974 عندما اشتد الفقر واجتاحت بنغلادش (باكستان الشرقية سابقاً) مجاعة ذهب ضحيتها ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان، وكان الدكتور يونس آنذاك قد عُيِّن رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج في بنغلاديش بعد عودته من تحضير الدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية.

وبسبب هذا الوضع المتفاقم في بلاده، مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، مما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، لكنه بقي مصمماً على فكرته، وأن الفقراء جديرون بالاقتراض، واستطاع في عام 1979 أن يؤسس بنكاً مبتكراً لإقراضهم فكانت النتيجة أن قدم البنك منذ تأسيسه حتى العام المنصرم نحو 11 مليون قرض، وصلت نسبة تسديدها إلى 99٪!

تعتمد فكرة هذا البنك المسمى بنك غرامين Grameen Bank (وتعني القرية باللغة البنغلادشية) على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها نساء، وتقوم فلسفته المبتكرة على أن الائتمان يجب أن يُقبل كحق من حقوق الإنسان، وعلى أساسه يكون للشخص الذي لا يملك شيئا الأولوية في الحصول على قرض. فمنهجية غرامين في الإقراض لم تتأسس إذاً على تقييم الملكية المادية للفرد، وإنما على الدافعية التي يملكها، فبنك غرامين يعتقد أن كل البشر بمن فيهم الأكثر فقرا موهوبون ويملكون دافعية لا حدود لها. يعطي البنك الأولوية للنساء اللاتي يشكلن اليوم ما نسبته 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن في أسرهن بإعطائهن القدرة على التملك. يتعامل البنك اليوم مع سبعة ملايين شخص في أكثر من 71 ألف قرية حيث تنتشر فروعه في المناطق الريفية، فهو يعمل على أساس أن الفقير لا ينبغي أن يذهب إلى البنك، وإنما على البنك أن يذهب إليه.

وإلى جانب القروض، أطلق البنك مشروعات تنموية شملت التعليم والرعاية الصحية حيث أسس البنك بالتعاون مع اليونسكو في إطار مبادرة التعليم للجميع “مؤسسة غرامين للتعليم” التي تستهدف التعليم المستمر للنساء الفقيرات والأميات من عميلات البنك، ودمجهن اجتماعياً وتحسين نوعية حياتهن من خلال محو أمية القراءة والكتابة والحساب. كما قام بتحسين الوضع الصحي للمجتمع عبر تحسين الحالة الصحية للأسرة، وزراعة الخضراوات. كما يتناول البنك المدخل البيئي والسلوكي في الصحة، مثل بناء المراحيض الصحية، والعمل على شرب الماء النظيف، الخ.

أثبتت الدراسات أن مقترضي غرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من مجمل المقترضين سنويا خارج دائرة الفقر.

ابتكار وريادة أعمال، وبيئة أعمال حاضنة لهما، والكل في ملكوت اجتماعي واحد…

ما رأيناه هو ابتكار من النوع الاجتماعي Social Innovation، اجتماعي في وسائله وغاياته، تَمثَّل بتلك الفكرة غير المألوفة لآلية التمويل المتناهي الصغر Microfinance وبعملية تنظيمه ووضعه بتصرف المهمشين خلافاً للروتين المتعارف عليه في أنظمة الإقراض المتبعة في المصارف التقليدية. قد لا يتسع المجال هنا للتعريف بالابتكار الاجتماعي وطيفه الواسع والمتجدد لكن يكفي القول إنه يتمحور حول تحدي المعايير السائدة وإيجاد حلول جديدة تؤدي إلى تحويل الهياكل والعلاقات الاجتماعية لتصبح أفضل من سابقتها، من خلال تمكين المستفيدين وتحسين وصولهم إلى النفوذ والموارد.

لم يكن لهذا المشروع المبتكَر أن يرى النور لو لم تتوفر له ذهنية وحماسة رواد أعمال اجتماعيين بقيادة الدكتور محمد يونس، فهو الذي أسس البنك وابتدع الفكرة وهيأ لها الموارد (مساهمات محلية بالإضافة إلى منحة من مؤسسة فورد الأمريكية) ووجهها لخدمة أهداف اجتماعية. وكان من الاختراقات الجانبية لهذا المشروع أنه أسس لتنظيمات جديدة سميت لاحقاً بـ “المؤسسات الاجتماعية” Social Enterprise وصفها الدكتور يونس بأنها “مؤسسات لا توزع أرباحاً لمساهميها (Non-dividend)، وتبدو كمزيج لمؤسسة غير حكومية NGO لجهة امتلاكها رسالة اجتماعية محددة، وشركة تجارية Business لجهة استخدامها أدوات وأساليب إدارة الأعمال وقوانين السوق لتحقيق ما يلزم من أرباح لتغطية تكاليفها وتأمين استمراريتها لتحقيق رسالتها.

ازدهرت هذه المؤسسات لاحقاً وبشكل قوي بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث اشتدت الحاجة إلى الابتكارات الاجتماعية ووجد رواد الأعمال الاجتماعيون في هذه التنظيمات بيئة عمل وأعمال مثالية شكلت قطاعا اقتصاديا قائماً بذاته بات يعرف بالقطاع المستقل أو “قطاع المواطن” مشغِّلاته الرئيسية، كما يبينه الشكل أدناه: الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال الاجتماعية والمؤسسات أو الشركات الاجتماعية.

المشغّلات الرئيسية لقطاع الأعمال الاجتماعي
(من دراسة قيد النشر نفذت بالتعاون مع الإسكوا حول المقاربات الجديدة في الابتكار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة)

تجدر الإشارة إلى أن تجربة بنك “الفقراء” أوحت بابتكارات اجتماعية لبنوك أخرى في العالم أُحدثت لأهداف اجتماعية/بيئية متنوعة تصب أغلبها في تنمية المجتمعات المحلية والحد من التهميش وتشجيع الاقتصاد التشاركي، الخ. من هذه البنوك نجد بنوك الوقت (أكثر من 290 بنك في بريطانيا و 200 في الولايات المتحدة) وبنوك الطعام المنتشرة في العالم والتي وزعت لفقراء العالم ما يزيد عن 3 مليارات وجبة (في الولايات المتحدة وحدها يوجد ٢٠٠ فرع لهذا البنك). أما في مصر فقد نتج مؤخراً عن بنك الطعام المصري الذي تأسس منذ العام 2006 ابتكار بنوك أخرى مثل بنك الشفاء المصري وبنك الكساء المصري وبنك الأمل المصري… وفي سورية كان هناك تجربة على مقياس أصغر لابتكار بنك للأقمشة في مدينة السويداء قامت به تحت شعار “نساء يُعِدْن الحياة” مجموعة من النساء للتخفيف من آثار الأزمة في هذه المدينة.  

القطاع البلسم للجرح السوري؟

كم يلزم المجتمع السوري من رواد أعمال ومبتكرين اجتماعيين من عيار محمد يونس لمرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع المكلوم؟  

رواد أعمال اجتماعيون مبدعون يملكون المال أو التمويل ويتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلّاقة في مجال التغيير الاجتماعي….

مستثمرون ورجال أعمال لا يشغلهم المال والربح والمشروعات إلا بقدر ما يؤمّن لهم الاستدامة المالية لمؤسساتهم والأفراد العاملين بها….

وكم يلزمنا من تمكين ومأسسة وإنعاش لهكذا قطاع وهكذا سلطة، قطاع المواطن وسلطة الأفكار والعمل الاجتماعي التشاركي والخلاق؟

سلطة يحمل لواءها رواد اجتماعيون يرفعون شعار المنفعة العامة ويَتْبعون أفكارهم بالعمل الاجتماعي التشاركي والفعال…

 وستبلغ هذه السلطة أسمى مراتب الأداء والإبداع والكفاءة في إبراء الجرح السوري عندما تشرَّع لها بيئة العمل اللازمة ضمن نظام وطني للابتكار يحتل البعد الاجتماعي فيه مكان الصدارة…

هل تعلمون أن في بريطانيا اليوم (وليس بنغلادش) هناك ما يزيد عن 14 ألف شركة اجتماعية تم تأسيسها من قبل المجتمعات المحلية ولخدمتها تحت اسم “الشركات ذات المصلحة المجتمعية” Community Interest Companies (CIC)؟  وهي حالياً في تكاثر مستمر وتبلو بلاءً حسناً في كافة مجالات الخدمة العامة، بعيداً عن سلبيات السوق التقليدية؟

مسؤولية مشتركة وتوجهات مطلوبة …

ضمن هذا الإطار، يتعين على الحكومة أن تضع الأطر والأنظمة القانونية والمالية للشركات الاجتماعية بما يتناسب مع الدور المناط بها في العمل الاجتماعي،

وأن تعمل على بناء الثقافة والوعي حول الابتكار الاجتماعي والشركات الاجتماعية لدى جميع المعنيين بهذا القطاع،

وأن تهيئ المنظومة البيئية Ecosystem اللازمة في سبيل أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع وبين رجال الأعمال، وتمنح هؤلاء ثقتها وما يحتاجونه من تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي،

وعلى أصحاب الشركات والاستثمارات أن يستشعروا دورهم في المشاركة المجتمعية والمسؤولية تجاه تنمية المجتمع وأفراده ودعم أصحاب الأفكار الرائدة، وأن يَعٌدّوا أنفسهم جزأً من منظومة اجتماعية تنتظر الإنصاف والإسعاف. ومن غير المعقول أن يبقوا منفصلين عن واقع مجتمعهم المنكوب اقتصادياً واجتماعياً.

ليس المطلوب منهم أن يتخلوا عن أعمالهم أو ينذروا أنفسهم وثرواتهم لصالح العمل الاجتماعي الخيري كما فعل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي أو مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك، لكن عليهم أن يعلموا أن السوق، في ظل اقتصاديات السوق التي اعتادوا عليها لم ولن تلعب أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن هذه السوق ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية.

من شأن ذلك كله أن ينقل العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية، ويقطع الطريق على الأحاديين من “رجال الأعمال” الذين لم ولن يشبعوا من تجارة الأزمة وتقاسم الغنائم…

كي لا يبقى في الميدان أيُّ حيتان، وفي القطاع الخاص أيُّ قناص،

ابحثوا عن العقول النيّرة،

دعوهم يفكّرون خارج الصندوق،

دعوهم يبتكرون ويتعاضدون،

وليَسودَ في المجتمع نظام جديد،

نظام “دعه يبتكر، دعه يمرّ”… Laissez innover, laissez passer

التوفيق بين مشاكل نهاية الشهر ونهاية العالم

 

أطلق هذا الشعار نيكولا هيلو، الكاتب والناشط البيئي الفرنسي في إشارة إلى روح التنمية المستدامة التي تحتّم تكامل المسار الاقتصادي – الاجتماعي للمواطن (امتلاك دخل يوصلك إلى نهاية الشهر بأمان وراحة اجتماعية ونفسية) مع المسار البيئي (ممارسات تجنبك نهاية العالم الذي بات يحتضر بيئياً).

عمل هيلو وزيراً للبيئة في عهد الرئيس ماكرون قبل أن يعلن استقالته المدوّية منذ حوالي ثلاثة أشهر بسبب فشله في إقناع الحكومة بهذا المبدأ. والآن نرى هذه الحكومة تقع في شرّ عنادها بعد أن فرضت ما ملكت أيمانها من ضرائب ذات توجه بيئي (بشكل رئيسي على المحروقات) دون أي اعتبار لـ “نهاية شهر” المواطن ذي الدخل المحدود، وها هي تصطدم اليوم بأعنف انتفاضة من أصحاب “السترات الصفراء” الذين يرون قوتهم الشرائية وقد باتت “وقوداً” للجهود الرامية إلى تجنّب “نهاية العالم”…
هذا في فرنسا التي حملت مشعل إنقاذ الأرض من كوارث التغيّر المناخي الناتجة عن الاحتباس الحراري والانبعاثات الغازية حين حشدت في باريس، نهاية ٢٠١٥ أقوى إجماع وزخم دوليين على التحرك في هذا المجال (مؤتمر COP21 حيث كان الناشط نيكولا هيلو يومها نجم المؤتمر بامتياز)،

لكن ما بال بلادنا التي لا يكاد الراتب فيها يوصل صاحبه إلى آخر الأسبوع وليس آخر الشهر؟؟ ناهيك عن حال البيئة التي يعجز أعتى العطارين عن أن يصلح مقدار ذرة فيها بعدما أفسدها الدهر والمفسدون في الأرض؟ 

فقط للتذكير: عندما أطلقت الأمم المتحدة عام ٢٠١٥ أجندة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ المتمثلة بأهدافها السبعة عشر، اتخذت لها شعاراً واعداً ومبشراً للدول الفقيرة نص على أن “لا أحد سيُترك خلف الرّكْب” No one will be left behind، وأن الجهود سوف تنصبّ على إيصال من هم في الخلف أولاً!

الآن، وبعد أن وصلت الأوضاع لما وصلت إليه، وانتشرت النزعات الشعبوية والقومية في العالم وانسحب من اتفاقية باريس الملوَّث الأكبر “ترامب” صاحب شعار “أمريكا أولاً” ليزيد في الطنبور نغماً، واقتنعت الدول الفقيرة بأنها ستبقى خلف الركب، ألا ترون معي أن التنمية المستدامة باتت أمام طريق مسدود؟ وأن نهاية العالم، المتقدم والمتخلف معاً، قادمة لا محال، وهذه المرة بالفعل، لن يتخلف أحد عن ركب الفناء مع نهاية العالم…
المفارقة هنا أن أغلب البلدان العربية لا تزال كعادتها مفعمة بالحماس، تسطّر الاستراتيجيات والخطط وتبحث عن التمويل اللازم لتلحق ولو نظرياً بركب التنمية المستدامة، فمنذ أيام قليلة فقط صدر تقرير “تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية” عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (AFED 2018)، الذي يؤكد أن الدول العربية تحتاج إلى أكثر من ٢٣٠ مليار دولار إضافية سنوياً وحتى العام ٢٠٣٠ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية، وأن هذه الفاتورة قابلة للارتفاع إلى مبالغ أعلى بكثير بسبب الحروب والنزاعات في المنطقة!

فتصوروا…

الصورة البارزة مأخوذة من الرابط: https://www.mominoun.com/articles/دور-الوقف-الإسلامي–في-عملية-التنمية-المستدامة-3782

 

الإسهال الفيسبوكي… الأنواع، الأعراض، المسببات، والعلاج

الفيسبوك أداة رائعة للتواصل الاجتماعي وتنمية “الشعبية”، أو ما يسمى بالعلامة التجارية الشخصية. وعندما ابتكر مارك زوكربيرغ هذه الأداة الرائعة لم يخطر بباله يومًا أن ابتكاره هذا سينتشر انتشار “وبائياً” في كوكب الأرض ليشكل فضاءً من الحرية التعبيرية قائماً بذاته، وربما يمتد في المستقبل ليشمل كواكب أخرى.
لكن البعض راح يفرط في استخدام هذا الفضاء بشكل غير متحكم به… فمن منا لا تتضمن قائمة أصدقائه الفيسبوكيين أصدقاءً يمطرون صفحته يومياً بوابل من المنشورات المحدودة الفائدة؟ لقد باتت هذه الظاهرة تشكل عَرَضاً رئيسياً (إلى جانب أعراض جانبية أخرى مرافقة) ومؤشراً للإصابة بما يمكن تسميته بـ “متلازمة الإسهال الفيسبوكي”!
سوف نحاول هنا تحليل هذه المتلازمة من خلال النظر إليها بعدسة “طبية” سعياً إلى المساعدة في “تشخيص” هذا الداء.
لنميز أولاً بين نوعين من الإسهال الفيسبوكي: إسهال من النوع “الحميد” المحبّب، وإسهال من النوع “الخبيث” المستهجن الذي يشكل موضوع بحثنا “الطبي” الحالي. ما يميز النوعين عن بعضهما نوعية المحتوى والقيمة المضافة التي يحملها والرسالة التي يريد إيصالها، وأمور أخرى تتعلق بسلوك المستخدم لهذا الفضاء الواسع.

أما ما يخص جملة الأعراض المقترنة بهذه المتلازمة فتعتمد على بعض المؤشرات التي يمكنك كمستخدم أن تحدد بنفسك درجة إصابتك بها وفقاً لتراكم واحدة أو أكثر منها لديك. من أهم هذه المؤشرات:
• حين يزيد معدل نشرك عن خمسة بوستات في اليوم (رقم تأشيري وليس حدّي).
• حين تغيب القيمة المضافة عن كل ما تنشر (هناك تناسب عكسي حتمي بين عدد البوستات المنشورة في اليوم ونوعية المحتوى).
• حين تشعر بانخفاض شديد ومستمر في عدد اللايكات والمشاركات التي تحصدها عن كل بوست.
• حين تشعر بانخفاض حاد في عدد المتابعين لصفحتك.
• حين توزع اللايكات بسخاء على بوستات الآخرين وتطلب منهم الإعجاب ببوستك الشخصي أو صفحتك.
• حين تتردد على بوستك مرات عديدة بعد نشره لتطمئن على عدد اللايكات التي تأتيك، وربما تضع عليه لايكاً شخصياً من عندك.
• حين تضيف المزيد والمزيد من الأصدقاء الجدد دون النظر إلى بروفايلاتهم أو منشوراتهم أو “حالتهم الصحية الفيسبوكية”
• حين تنشئ صفحات ومجموعات فيسبوكية عديمة الفائدة وبدون معنى، وتدعو قائمة أصدقائك إلى الانضمام إليها أو تقحمهم فيها دون استشارتهم.
• حين تضع علامات (Tags) لكل من هو موجود في قائمة أصدقائك على أية صورة تحصل عليها، مما قد يتسبب بمتاعب فيسبوكية لهم.
• حين تسارع في إطلاق دردشة مع أي صديق دون رغبة منه، بمجرد ظهوره على الخط (Online)، وتبادره بأسئلة لا معنى لها ولمجرد الثرثرة.
• حين تنسخ محتوى منشورك من مصدر ثان دون أن تشير إليه (أو تكتب عليه كلمة “منقول”) وفقاً لما تقتضيه الأمانة العلمية.
• حين تنكز الناس (Poke) باستمرار وبحماسة مستخدماً لغة الرموز (Emoji).
• حين تتحيّن الفرص لتنبري بتعليقات خارج السياق على بوستات الغير، إما بغرض الظهور أو الاستفزاز أو تنفيذ أجندة محددة، دون النظر إلى الفكرة والهدف اللذين جاء البوست من أجلهما.

وإذا ما تساءلنا عن منشأ هذه المتلازمة ودوافعها نرى ثمة ارتباطاً وثيقاً بعوامل خطورة (Risk Factors) ترفع من احتمالية الإصابة بهذا الداء، نذكر من أهمها:
• النرجسية: وتتمثل بحبّ الظهور وتسويق الذات وبناء الشعبية، بما في ذلك البحث عن “منصب أرفع” (كما هو الحال مع بعض “المستوزرين”).
• تبنّي أجندة معينة والسعي إلى تحقيقها: يصنف هذا الدافع ضمن خانة “التشبيح الفيسبوكي” السياسي أو الديني أو غير ذلك …)

لا علاج مباشر لهذا الداء، بل هناك تعليمات “وقائية” معروفة تخص المستخدمين “الأصحاء” وتهدف إلى تجنب الأثر السلبي القادم من الأصدقاء “المسهلين”، بدءً من حجب البوستات والتعليقات، وإلغاء المتابعة، وانتهاءً بالحذف من قائمة الأصدقاء.
ولا بد أخيراً من توجيه التحية إلى أصحاب الإسهال الحميد فإسهالهم محبب، وهم يمثلون النخبة الفيسبوكية التي تهتم بغزارة العطاء وتسهر على نوعية البوستات وقيمها المضافة، وتتفاعل بموضوعية وشفافية مع الأحداث اليومية. تحترم الرأي الآخر وترحب بالتغذية الراجعة والرأي البناء من كل متفاعل رصين…

في اليوم العالمي للديمقراطية

تحتفل الأمم المتحدة في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر من كل عام بـ “اليوم العالمي للديمقراطية” International Day of Democraty واختارت أن يكون هذا العام تحت عنوان “الديمقراطية تحت الضغط: حلول لعالم متغير”.

Democracy under Strain: Solutions for a Changing World

وتنظر الأمم المتحدة إلى هذا اليوم باعتباره “فرصة للبحث عن طرق لتنشيط الديمقراطية والبحث عن إجابات للتحديات النظمية التي تواجهها، بما في ذلك معالجة عدم المساواة الاقتصادية والسياسية، وجعل الديمقراطيات أكثر احتواءً بجلب الشباب والمهمشين إلى النظام السياسي، وجعل الديمقراطيات أكثر ابتكارا واستجابة للتحديات القائمة كالنزوح والهجرة وتغير المناخ”!

نتساءل نحن العرب، ومعنا العديد من شعوب العالم المقهورة التي طالما حلمت بمحاكاة الديمقراطيات الليبرالية “العريقة” وبناء أنظمة حكم منتخبة تتولى صيانة الحريات العامة وضمان المساءلة وشفافية الأداء: هل لا زلنا معنيين بالديمقراطية أم سئمنا هذه الكلمة ونحن نرى الديمقراطيات “الراسخة” في العالم “المتحضر” تتآكل وتضمحل بنتيجة الفساد والجمود الإيديولوجي واستيلاء النخب القوية على مؤسسات الدولة؟

لعلّ من أصدق ما قيل عن الديمقراطية وممارساتها تلك المقولة المعبرة التي أثبتت صحتها في هذا الزمن المضطرب: “الديمقراطية حرب أهلية تتم بأسلوب حضاري”

نعم، هي حرب أهلية، ربما “ناعمة” و”حضارية” لكن عوراتها تتكشف يوماً بعد يوم… ولشدّ ما يدل على ذلك ما بتنا نشهده من ممارسات لم تعد تخلو من معايير مزدوجة وخدع ودسائس ومقالب وتضليل وتجييش.

من المفيد رغم ذلك، ونحن “نحتفل” بهذا اليوم العالمي، أن نتأمل فيما يفصلنا نحن العرب عن هذه “الحرب الأهلية الحضارية” من خلال استعراض ما هو متوفر في الأدبيات من مستلزمات نجاح الديمقراطية “الصحيحة” التي تناسب مقاسنا:

فالديمقراطية تتطلب أولاً خلوّ النظام من الفساد فأين نحن من ذلك والفساد ينخر فينا؟

والديمقراطية تتطلب وجود طبقة متوسطة (برجوازية وطنية)تطالب بإحلال حكم القانون لحمايتها، كما وتطالب بالمشاركة في الحياة السياسية لتحافظ على وضعها الاجتماعي، فأين طبقتنا المتوسطة بعد أن أُفقرت وتلاشت أمام برجوازية نشأت في أحضان السلطة، لا يعتمد عليها في بناء الديمقراطية؟

والديمقراطية تتطلب وجود دولة قوية بمؤسساتها وقوانينها، حيث لا يمكن للديمقراطية، إن انطلقت أولاً أن تبني دولة قوية، وبخاصة إذا انطلقت من وضع مأزوم كما في “ربيعنا العربي”.

وأخيراً، وليس آخراً، الديمقراطية تتطلب وجود إرث سياسي وثقافة تعايش وتداول للسلطة، لا ثقافة هيمنة واحتكار لسلطة اتخاذ القرار وتغييب كامل للقوى الاجتماعية الأخرى في المجتمع، ولعل هذا الشرط الأخير (الإرث السياسي) إن توفر، يمكن أن يساهم في التخفيف من وطأة الشروط الأخرى، ولنا في الحالة الهندية خير مثال.

لقد نجحت الهند في تأسيس نظام ديمقراطي في ظل مجتمع فقير وأمّي وطبقي. فالديمقراطية الهندية التي سميت بـ “ديمقراطية الفقراء” ذات سجل حافل لا مثيل له خارج نطاق الديمقراطيات الراسخة. لقد أجمع الخبراء والمحللون أن نجاح وترسيخ التجربة الديمقراطية في الهند يعودان إلى أسباب عديدة من أهمها أن الثقافة الغالبة للنخب الهندية ارتبطت بديمقراطية المستعمر البريطاني وورثتها عنه بعد الاستقلال، مدركة أهمية ثقافة التعايش من خلال تطبيق ممارسات وآليات الديمقراطية البريطانية. لقد كانت رؤية وقناعة هذه النخب الحكيمة أن لا انقاذ للهند ولا طوق نجاة الا بالديمقراطية، وبمزيد من الديمقراطية كلما اصطدمت بعقبات أو خلافات أو صراعات، وأن ممارسات الاستبداد، هي التي تؤدى الى مزيد من الاحتقان لا يخفف وطأته غير الانفراج الديمقراطي تحت مظلة القانون.

فيا أيها الحالمون بـ “القفز” إلى الديمقراطية، رويداً رويداً… خفّضوا الحواجز ولا تعلّوا السقوف، فالتحديات جسام …

السوريون والحوار المفقود: قراءة علمية

التواصل “communication” وما يمكن أن ينتج عنه من حوار Dialogue بين الناس في المجتمع الواحد يتم عبر تبادل الكلمات التي من المفروض أن تحدث قيمة مضافة مشتركة بين كل من المتحدث والسامع (المرسل والمستقبل) عن طريق تغذية العواطف والتفهّم لدى الطرفين ذهاباً وإياباً، وتضخيمهما. لكن ماذا لو “أطفأ” كل طرف قناة الاستقبال لديه في كل تواصل واستشرس في الإرسال؟ ماذا سيحصل عندها للعواطف وتفهّم الآخر؟ أليس هذا حال مجتمعنا المأزوم في التواصل بين أفراده، إن بشكل مباشر أم عبر الإعلام أم عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

لننظر إلى مسألتي التواصل والحوار بعيون “فيزيائية” بحتة…

تفيد الدراسات والتجارب العالمية أن السبب الرئيس وراء فشل التواصل بين أفراد المجتمع هو فقدان الالتزام بالـ “التأمل” المتبادل بوجهات النظر المطروحة وبالردود عليها. إن غياب هذا الالتزام في ثقافتنا الحالية، في ظل الأزمة التي نعيشها، يشكل السبب الرئيسي وراء كوننا لا نزال نجد أنفسنا في مواجهة دائمة مع بعضنا البعض، مشلولين بفيروس الانقسام إلى “نحن” و “هم”.

لقد قام العلماء، وعلى رأسهم الفيزيائي والفيلسوف David Bohm، بمساع حثيثة لتحليل وتشخيص وتقويم هذا “الاعوجاج” في عملية التواصل في المجتمعات حتى قبل أن يتم اختراع الويب ووسائل التواصل الاجتماعي حيث سعى Bohm إلى سبر كيمياء التواصل الإنساني، وما يحول دون استماعنا إلى بعضنا البعض، وكيف يمكننا تجاوز تلك الحواجز التي تعترض التفاهم المتبادل.

تقودنا هذه المساعي إلى العودة إلى أصول التواصل بإجراء “تشريح” لكلمة “communication” لنجدها مشتقة من الجذر اليوناني Commun الذي يعني “مشترك” أو “مشاعي” وبالتالي فإن فعل التواصل “to communicate” يعني نقل معلومة أو معرفة وجعلها مشتركة بين المرسل والمستقبل. لكن هذا المعنى لا يشتمل على كل ما يدل عليه التواصل. لننظر على سبيل المثال إلى ما يجب أن يحصل في حالة الحوار بين شخصين أو طرفين: عندما يقول شخص ما شيئا، فإن الشخص الآخر لا يستجيب بشكل عام بنفس المعنى تماماً كما يراه الشخص الأول وبدلا من ذلك، تكون المعاني متشابهة Similar لكن غير متطابقة Identical. وهكذا، عندما يجيب الشخص الثاني، فإن الشخص الأول يرى فرقا بين ما كان يقصده وما يفهمه الشخص الآخر. وعند النظر في هذا الاختلاف، قد يتمكن بعد ذلك من رؤية شيء جديد، ذي صلة بكل من وجهات نظره الخاصة وآراء الشخص الآخر. وهكذا يمكن أن تتكرر العملية ذهابا وإيابا، مع بزوغ مستمر لمحتوى جديد مشترك بين كل من المرسل والمستقبل.

في الحوار إذاً، لا يحاول كل شخص تعميم أو فرض أفكاره المعروفة له. لكن بدلاً من ذلك، فإن الطرفين يصنعان شيئاً ما معاً، ويحققان قيمة مضافة جديدة. لكن هكذا تواصل يمكن أن يؤدي إلى خلق شيء جديد فقط في حال كان الطرفان قادرين على الاستماع بحرية لبعضها البعض، دون تحيز، ودون محاولة للتأثير على بعضها البعض. ويجب أن يتوخى كل منهما وبالدرجة الأولى الحقيقة والاتساق، حتى يكون مستعدا للتخلي عن أفكاره ونواياه القديمة، والذهاب إلى شيء مختلف، عندما يطلب ذلك.

لنلاحظ أن هذا النوع من آليات التواصل الهادفة إلى خلق شيء جديد، لا يحدث بين الناس فحسب بل داخل عقول الناس. لنأخذ مثلاً حالة الباحث الذي يشارك خلال بحثه العلمي في “حوار” مماثل مع الطبيعة عندما يكون لدى هذا الباحث فكرة مسبقة أو فرضية ويريد اختبارها عن طريق الملاحظة. ما يحدث في غالب الأحيان أن ما يلاحظه يكون مشابهاً فقط لما هو في عقله لكنه غير مطابق تماماً. وبالنظر في أوجه الشبه والاختلافات يحصل الباحث على فكرة جديدة أو معدلة مع البزوغ المستمر لأشياء جديدة، وهكذا إلى أن يتوصل الباحث إلى قناعة نهائية.

إن هذه القابلية الذهنية لدى الفرد للتفاعل مع الآراء والأفكار الجديدة البازغة خلال التواصل والحوار تشكل المفتاح الأساسي لأي حوار خلاق. وعلى العكس من ذلك، فإن الميل إلى التمسك بآرائنا الحالية والتمترس حولها لا يزيد عن كونه نوعاً من إحاطة عقولنا بكتل حماية شبيهة بتلك الكتل البيتونية (البلوكات) التي توضع حول المؤسسات الأمنية والحكومية الحساسة لحمايتها من الهجمات الإرهابية لكنها في حالة العقول تكون، كما يفيد علماء النفس، بهدف الحماية الذاتية من حالة عدم اليقين التي نعيشها، دون أن ندري أن هذا الـ “بلوك” المحيط بعقلنا من شأنه أن يعطل مقدرتنا على الاستماع للآخر. لذلك فإن الحوار الخصيب والمنتج، يتطلب منا أن ننتبه أولا إلى “بلوكاتنا” الخاصة بنا، ثم أن نكون مستعدين للتغلب عليها.

وباستئناف التشريح اللغوي للكلمات وبما يخص هذه المرة كلمة حوار Dialogue نرى أنها تأتي من الأصل اليوناني dialogos وهي كلمة مركبة من Logos وتعني “الكلمة”، أو بالأحرى “معنى الكلمة”. أما dia فتعني “من خلال” وليس “اثنان” فالحوار يمكن أن يكون بين أي عدد من الناس، وليس اثنين فقط كما هو معتقد. حتى أن شخصاً واحداً يمكن أن يكون لديه شعور بالحوار داخل نفسه، إذا كانت روح الحوار موجودة لديه.

الصورة التي يقترحها هذا التحليل هي إذاً تيار من المعاني والتفاهمات التلقائية ينساب بين المتحاورين وعبرهم، ومن رحم هذا الانسياب بالمعاني تولد التفاهمات الجديدة. إن هذه المعاني والتفاهمات الوليدة شيء إبداعي ومشترك، وتمثل “الصمغ” أو “الإسمنت” الذي يجعل المجتمع متماسكاً.

الحوار ليس مناقشة أو مناظرة أو “منازلة” أو “مماحكة” فهذه الأنماط من التواصل غالباً ما تكون أشبه بلعبة “بينغ بونغ”، حيث يضرب الناس الأفكار/الكرة ذهابا وإيابا بهدف الفوز أو تسجيل النقاط…

في الحوار، لا أحد يحاول الفوز فالجميع يفوز عندما يفوز أي شخص. انها حالة لطالما عرفت في العلاقات الإنسانية تحت مسمى “رابح – رابح” بينما في “حوار الطرشان” الذي يتم بين أفراد المجتمع السوري (إن تم) تكون الحالة “خاسر – خاسر”، والبلد بالطبع هي الخاسر والمجتمع خاسر وجميعنا خاسرون، دون أن يعي أحد ذلك أو يتعظ….

إن بعض الافتراضات والأحكام المسبقة باتت وكأنها خوارزميات (برامج كمبيوتر) مزروعة في أذهاننا كي تتصدى لأية نية حسنة قد تراودنا، بل أن هذه البرامج باتت تنتج نواياها الخاصة بها. لذلك فإن الحوار الحقيقي والمنتج الذي نفتقده كسوريين لا يقودنا إلى ضرورة التشكيك في الافتراضات السلبية التي بنيت عليها آراؤنا المسبقة فحسب، بل يدعونا إلى إجراء مراجعة ذاتية مستمرة على مستوى عملية التفكير ذاتها، وهي العملية التي تمثل آراؤنا منتجاً لها. وعلى هذه المراجعة الذاتية أن تجري على المستوى الفردي كما على المستوى الجمعي.

وهكذا فمن الضروري التواصل والتفاهم والتشارك في المعاني الأساسية للحياة في المجتمع الواحد كمعنى الدولة والمجتمع والحرية والمواطنة والعلمانية والدين، وبالطبع، الإرهاب… الخ، حتى يتمكن الناس من العيش معا، وإلا فإن التعاطف بين الناس سوف يتلاشى نهائياً …

وإن تمكنا من التواصل فعلاً، سنرى قيم التعاطف والتشارك والصداقة والحب تتنامى وتتنامى…

وسيكون ذلك هو الطريق …

بين الدِغاجية الفرنسية والعربية “Le dégagisme”

 

يعود أصل هذا المصطلح مع “ملكيته الفكرية” إلى الهتاف الشهير الذي انطلق ضد الرئيس المخلوع “بن علي” خلال الربيع التونسي الذي أعقب انتفاضة البوعزيزي عندما ظلت الجموع تهتف “Dégage” أي “ارحل” حتى رحل مرغماً…

في فرنسا انتعش هذا المصطلح مجدداً عندما أحياه السياسي اليساري جان لوك ملانشون بإظهاره على شكل نَزعة برزت خلال زلزال الانتخابات الرئاسية الأخيرة الذي شهد إزاحة القواعد الشعبية في الجولة التمهيدية من هذه الانتخابات لرموز السياسة التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، والإطاحة بأحزابهم، مما ساعد في بلورة الدغاجية كتيار فكري أو عقيدة سياسية خيمت على المشهد السياسي الفرنسي.

ودرج هذا المصطلح (الدغاجية) على لسان الجميع في النقاشات والتحاليل السياسية، في إشارة إلى رفض الناخبين المحبَطين لسياسييهم والرغبة في إزاحتهم عن الأمكنة التي يتبوؤونها، مع فارق جوهري من حيث المفهوم بين الدغاجية الفرنسية والدغاجية العربية وهو أن إزاحة القادة في الديغاجية الفرنسية تتم باستخدام القوة الناعمة والأدوات الديمقراطية المتاحة، وبالتزامن مع “مبايعة” زعماء جدد يحلون محل القدامى بفضل ما يحملونه من أفكار جديدة وآمال جديدة للناخبين المحبطين.

بعض المحللين السياسيين الفرنسيين ذهب به الإعجاب بهذه العقيدة السياسية الجديدة إلى الربط بين دغاجية اليوم ودغاجية الأمس حين كانت المقصلة تمثل بامتياز الأداة الفعالة للديغاجية أيام الثورة الفرنسية.

وهناك من ذهب بعيداً في مخيلته ليوسع مفهوم الدغاجية لتشمل الإزاحة “الوقائية” لمن تستبشر الجماهير به خيراً حتى قبل أن يترشح أو يُرشح للزعامة، أي “حرقه” مسبقاً بتشويه سمعته بطريقة ما، وهنا تلتقي الدغاجية الفرنسية مع نظيرتها العربية فالديغاجية الوقائية العربية القائمة على الحرق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي لإنسان عليه علامات الزعامة (لشغل أي منصب) يعدّ كما هو معلوم من شيمنا الكبرى ومن أكثر الممارسات شيوعاً في مجتمعنا، هذا إلى جانب الديغاجية التي تمارس بكثافة على المستوى الفردي عندما “يحفر” الإنسان لأخيه الإنسان الناجح ليوقعه بدافع من الغيرة والحسد. أما أشد أنواع الدغاجية ضرراً وقذراً فهو ذلك الفكر التكفيري والتخويني الذي تسلل إلى مجتمعنا السوري خلال أزمته وعاث فيه ما عاث من فساد وإرهاب.

ويبقى صندوق الاقتراع النزيه والشفاف أجمل وأضمن الأسلحة لممارسة الديغاجية بأفضل أساليبها الديمقراطية، ودون منازع….

من الزمن الحلبي الجميل

في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، وبينما كنت متوقفا في سيارتي البيجو ٣٠٥ وراء سيارة شاحنة بانتظار الاشارة الضوئية عند دوار جامع الرحمن صدمتني من الخلف سيارة هائجة من سيارات التكسي القديمة كانت فاقدة للفرامل. كان يومها فاجعة كبيرة أودت بالجزء الخلفي من سيارتي بالكامل بما في ذلك المقعد الخلفي والأرضية والسقف، وحمدت ربي يومها أن أحدا من أطفالي الذين اعتادوا الركوب في المقعد الخلفي من السيارة لم يكن معي. أما أنا فكانت إصابتي طفيفة والحمد لله، واقتصرت على بعض الرضوض بعد أن ذهبتُ شاطراً ومشطوراً بين السيارة التي صدمتني من الخلف والسيارة الشاحنة التي كانت متوقفة أمامي.

بعد إجراء الضبط اللازم من قبل الشرطة نُقلت سيارتي، “المرحومة” بنظر كل من رآها، الى المرآب في مكان عملي بحلب الجديدة. إلاّ أن بعض الأصدقاء نصحوني بعد أيام بعرض السيارة على أهل الخبرة من صوّاجي السيارات (الحدادين) خاصة ونحن في حلب، معقل هذه التكنولوجيا التي وطّنها الرواد الأوائل من إخواننا الأرمن. وفعلا استجاب المعلم “فاهيه” أحد شيوخ الكار الأرمن إلى الدعوة لفحص السيارة وتقديم الاستشارة. لم يكلفه الموضوع يومها أكثر من دورة واحدة حول السيارة و”صفنة” لثواني معدودة حتى أصدر حكمه المطمئن: “هدا بصير أستاذ، ما في مشكلة.. بس بدك تيز، بدنا ندور على تيز… معلش يكون مستعمل، بركب”. فهمت قصده مباشرة لعلمي أن الإخوة الأرمن يلفظون الطاء تاءً، فالسيارة إذاً تحتاج الى عملية زرع “تيز” كاملة والجراح فاهيه جاهز لهذا التحدي! لكنني أردت ممازحته بالقول: “بس يا معلم التيز للسيارة مو إلي”!

المهم أنه بدأ اتصالاته مباشرة بمستوردي “التياز” في حي الميدان دون أن يجد واحدة لموديل سيارتي لكنه وفي اليوم التالي أخبرني أن أحد هؤلاء التجار ينتظر حاوية من قطع التبديل المستعملة ستصله قريباً من بلجيكا وأنها تحتوي على قطع لبيجو ٣٠٥، ويأمل ان يكون فيها التيز التي تلبي طلبنا. ودون إطالة للحديث، وصلت الحاوية ولحسن الحظ كانت تحتوي على التيز الموعودة وهرع المعلم فاهيه الى زفّ البشرى لي. وبعد مضي حوالي أسبوعين دعاني الى تفحص السيارة بتيزها الجديدة بعد استكمال عملية الزرع والدهان والفرش وتوصيل الكهرباء … وكانت دهشتي لا توصف شكلا ومضمونًا، وازدادت هذه الدهشة عندما ذهبنا الى تجربة قيادة للسيارة التي فاجأتني بنعومة أدائها، فكأنها خلقت من جديد! لقد كانت مع التيز الأصلية (تيز الوكالة) تعاني من اهتزاز ذاتي يظهر على سرعة ١١٠ كم/الساعة إلا أن هذا الاهتزاز اختفى تماماً في الوضع الجديد!!

هذه هي حلب بنسيجها المتنوع ومهنية شعبها وحرفيته وحماسته وقدرته على مواجهة التحديات…

حلب صدمتها الوحوش الضارية التي أتتها من كل حد وصوب، متخلية -عن سبق إصرار وتصميم- عن “فراملها” وإنسانيتها…

حلب تحتاج اليوم إلى إجراءات فعالة وقرارات جريئة وجاذبة لتتمكن من استعادة قوة عملها وكفاءاتها ومبتكريها ورواد أعمالها ليكون لهم جميعاً شرف “القيام” مع “قيامة حلب” كما أسماها مقال جريدة الأخبار الذي يصف الواقع المأساوي لهذه المدينة المنكوبة وما تحتاجه هذه القيامة. (المقال موجود على الرابط http://www.al-akhbar.com/node/275856)

سيعيد الحلبيون، أمثال المعلم فاهيه، الألق إلى مدينتهم، وبابتكاراتهم الخلاقة وسواعدهم القوية ستعود حلب كما كانت، عاصمةً اقتصادية ومنبع عطاء لهذا الوطن….

فالمستحيل ليس حلبياً…

من مخلفات الأزمة: الضرب بناقص واحد

تعلمنا من الرياضيات والجبر أن عملية الضرب بالعدد (-١) من شأنها أن تعكس إشارة العدد المضروب فإن كان موجباً يصبح سالباً وبالعكس.

وينسحب هذا المفهوم على علوم الفيزياء حيث يؤدي الضرب بناقص واحد إلى عكس الحالة الفيزيائية التي يمثلها الرقم فالسخونة مثلاً تصبح برودة والقوة ينعكس اتجاهها وكذلك الحقل الكهربائي والمغناطيسي وهكذا…

وإذا انتقلنا إلى الأشخاص نجد مثلاً أن مزاج الشخص سرعان ما ينقلب متحولاً من الفرح إلى الحزن نتيجة تعرضه لمصيبة أو سماعه خبراً سيئاً، وهذا الانقلاب في النفسية أو المزاج، بالمفهوم الرياضي، ليس إلا “انضراباً” بناقص واحد. وربما تكون مقولة “انضرب على رأسه أو قلبه” الشائعة قد جاءت من هنا!!

وإذا كان الأشخاص قابلين للإنضراب نفسياً بناقص واحد فهذا يعني أن مصفوفة القيم الأخلاقية لديهم قابلة للانضراب أيضاً، فالشريف قد ينقلب إلى فاسد والصادق إلى كاذب والوطني إلى خائن والمواطن الصالح إلى مخرّب وربما إلى إرهابي وهكذا…

المرعب في الأمر هنا عندما تصبح هذه القيم “المضروبة” هي الطبيعية والسائدة وينام أصحابها قريري العين مرتاحي الضمير، يجمعون الثروات ولا يترددون في شيطنة وتخوين الآخرين ممن آثروا المحافظة على قيمهم (حتى لو كانوا أكثرية) إلى أن “ينضرب” المجتمع بأكمله، وهنا الطامة الكبرى ….

ولعل ذلك ينقلنا إلى مستوى البلدان، فهل يمكن لبلد ما أن يُضرب بأكمله بناقص واحد؟

نعم، وللأسف… أليست غالبية دولنا العربية مضروبة بناقص واحد لما تتسم به من تخلّف اجتماعي واقتصادي وسياسي؟ إن ضرب أي بلد بناقص واحد يمكن أن يتم إما بـمؤامرة خارجية أو بانقلاب عسكري لتغيير سياسته، أو حتى بعملية “ديمقراطية” ينتخب فيها رئيس مضروبة قيمُه تأتي به أغلبية من الناخبين بعد ضربهم بناقص واحد من خلال حملة انتخابية تقوم على قلب الحقائق واحتقار الأفكار والقيم الأخرى السائدة (ترامب نموذجاً)…..

وبالإسقاط على المشهد السوري نجد، بعيداً عن الانقسامات السياسية، أن الفاجعة التي ألمّت بهذا البلد الآمن قد أفرزت نمطين أساسيين من الانضراب بهذا الناقص واحد اللعين. النمط الأول، انضراب “حميد”  نسبياً وشامل على المستوى الإنساني والوجداني. شامل لأن من النادر أن نرى سورياً في الداخل أو الخارج إلّا وفقد عزيزاً أو نزح عن دياره التي هُدمت أو هاجر من وطنه أو فقد سبل عيشه. وحميد نظراً لطبيعته القابلة للشفاء بإذن الله بفضل فطرة الإيمان والتعلق بالوطن والتسامح التي زرعها الله في نفوس هذا الشعب الطيب الأبي، فيما لو توفر له القليل من “جبر الخواطر”…

أما النمط الثاني، فهو ذلك النمط “الخبيث” الذي طال منظومة القيم لدى كل من اندفع للاستفادة من هذه الأزمة بممارسة وفرض شريعة الفساد واللا قانون فكانت النتيجة أن ارتشح الفاسدون والمخربون وأمراء الحرب و “المعفِّشون”، في مفاصل المجتمع وراحوا يعيثون فيها فساداً وتخريباً للّحمة الوطنية وقيم المواطنة الصالحة.

السؤال الذي يطرح نفسه إذا ما أردنا الاستمرار في هذا “التمرين” الرياضي: كيف السبيل لضرب “المضروب” مرة أخرى بناقص واحد لإعادته إلى صوابه (على قاعدة  -١ x -١=+١)؟ وهل يمكن للرياضيات أن تساهم في استمالة العقل البشري الجمعي للوصول إلى هذا الهدف؟ من المفيد، قبل محاولة الإجابة على هذا التساؤل، التأكيد على أن الدواعش وقوى الإرهاب، وكل من دنّس الأرض السورية الطاهرة من قوى إرهابية أخرى عابرة للحدود غير مشمولين بهذا التساؤل فهؤلاء، بحكم المورثات التي يحملونها، لا علاج لهم إلا الضرب بالعدد صفر، هم وأمثالهم من المرتهنين إلى الخارج.

في الواقع وكما هو معروف، فإن العقل البشري ليس جامداً بل يمثل جملة حركية تفاعلية. ووفقاً لنظرية التحكم فإن لكل جملة حركية حالات States . هذه الحالات هي إحداثيات الجملة داخل ما يسمى بفضاء الحالة State Space. ولكل جملة حركية قاعدة تطور عبارة عن تابع رياضي أو خوارزمية تصف ارتباط حالة الجملة مع الزمان أو المكان (ما يسمى بالزمكنة) وتحدد بالتالي الحالات المستقبلية للجملة اعتماداً على حالتها الراهنة.

من هنا نرى أن التأثير باتجاه معين على العقل الجمعي “المضروب” يتوقف على بناء النموذج الرياضي الممثل لواقع السلوك الجمعي وكذلك تصميم الخوارزمية المناسبة للزمان والمكان وتطبيقها تدريجياً من خلال التواصل الممنهج مع هذا العقل باستخدام وسائل إرشادية تربوية متخصصة يأتي على رأسها الإعلام والتربية والتعليم والخطاب الديني.. الخ، مع الإشارة إلى أن خوارزمية التطور لهكذا حالات تكون ذات طبيعة احتمالية Probabilistic وليس حتمية Deterministic.

لا مجال للاسترسال هنا في هذه المواضيع التخصصية والمعقدة، لكن ما أردت الإشارة إليه هو أن المقاربات الرياضية (بالاعتماد على البيانات الضخمة) تقع اليوم في صلب الأبحاث العلمية القائمة في مجال العلوم الاجتماعية المدعومة بالاختصاصات البينية الأخرى Interdisciplinary وعلى رأسها علم النفس السلوكي الذي أصبح هو أيضاً قابلاً للنمذجة الرياضية.

فهل من دور لمقاربات رياضية علمية كهذه في معالجة مخلفات الأزمة السورية؟ ومن ذا الذي يملك رفاهية الصبر والقدرة على الخوض في تجربة كهذه؟ وأي نموذج رياضي هذا القادر على توصيف حقيقة الركام الاجتماعي الناتج عن أكبر وأعقد أزمة في التاريخ الحديث؟

فساد فرُهاب فتطرّف فإرهاب: متى يقرّ الغرب بالمنشأ الحقيقي للإرهاب؟

إن كان لشرارات الإرهاب الوحشي والمؤسف التي تتطاير باضطراد من منطقتنا لتطال الغرب من “محاسن” فهي أنها ستسهم، عاجلاً أم آجلاً، في وضع حكامهم وصانعي قراراتهم على المحك أمام شعوبهم لجهة المنشأ الحقيقي لهذا الإرهاب الذي طالما اكتوت وتكتوي منطقتنا بناره. لا مجال هنا للافتراضات والاجتهادات فسأكتفي، على قاعدة “من فمك أدينك”، بالاستشهاد بعينات مما وصلت إليه مراكز بحوثهم وخزانات تفكيرهم من نتائج في هذا المجال. فمعهد “كارنيغي” للسلام حول العالم انتهى بنتيجة أبحاثه وندواته إلى نتيجة هامة مفادها أن الفساد الحكومي بات “محركاً للنزاعات عبر العالم نظراً لما يسببه من آثار جانبية خطيرة على الأمن الدولي بدءً من نمو شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتعاطف والتناغم مع المنظمات الإرهابية (بما في ذلك تقديم التسهيلات لها)، وصولاً إلى الاضطرابات الاقتصادية الحادة، وانتهاءً بالتشجيع على التطرف وتأجيج الخلافات العرقية أو الدينية أو اللغوية لدى قطاعات معينة من السكان”. وعلى الرغم من ذلك (والاستنتاج منسوب إلى هذه الأبحاث)، يبقى الفساد الحكومي المنظم غائباً عن أجندة التبادلات والتفاهمات الثنائية رفيعة المستوى بين الدول. ذلك لأن الحكومات الغربية وجهاتها الفاعلة الرئيسية لا زالت تغمض أعينها عن دور هذا الفساد في مفاقمة الأمن الدولي، لسبب بسيط وهو أنها تعي ضمنياً الدور الذي تقوم به هي في تمكين هذا الفساد.

والأقوى من ذلك تلك “الصرخة” التي صدرت عن منظمة “الشفافية الدولية” غير الحكومية التي أعلنت منذ أسابيع قليلة في تقرير أعده فرعها البريطاني بعنوان: “التحول الكبير: الفساد وظهور التطرف العنيف”، أن “الحركات المتطرفة مثل تنظيم داعش تزدهر عندما يفقد الناس ثقتهم تماما بمن يتولون الحكم، وعندما يستفيد المسؤولون من بؤس الغالبية الكبرى من الناس، وعندما تستغل الشرطة بدلا من ان تحمي، وعندما تحتكر أقلية الفرص الاقتصادية”. وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن مجموعات إرهابية مثل داعش وجماعة “بوكو حرام” تستفيد من الفساد لتجنيد عناصرها، بتقديم نفسها على انها البديل عن السلطات الفاسدة. كما دعت الحكومات الغربية الى “التصدي” للفساد الذي ساهم في العراق وليبيا ونيجيريا في ظهور هذه الحركات المتطرفة. وأكدت ان “التصدي للفساد وعدم التساهل معه يجب ان يكون الاولوية المطلقة لدى الحكومات الغربية”.

وبالإسقاط على ما يحدث في منطقتنا التي وقعت في فخ “الربيع العربي” نجد أن الفساد المتأصل فيها وجد بيئة خصبة لكسب مزيد من فرص النمو السرطاني والتناغم العضوي مع الإرهاب مشكلاً دائرة شيطانية محركاتها الإرهاب والفساد ووقودها الناس والحجارة. إلا أن الإرهاب الذي طفا على السطح شكل الكتلة المرئية من جبل جليد أو Iceberg (كما في الرسم) انبرت أمم الأرض كافة وتحالفت محلياً وإقليمياً وعالمياً لاجتثاثها غير آبهة بما يخفي هذا الجبل في جزئه “الفسادي” الغاطس من قوى ظلامية أخرى اتخذت من الفساد ومظاهر الانفلات والتسلط وغياب القانون منهجاً. مظاهر كهذه لا يمكن أن تعبّر إلا عن منظومة فساد عميق ومتخفٍّ تمثل من حيث  لا يدري الفاسدون (أو يدرون) منجم إرهاب لا ينضب.

فهل حان الوقت ليدرك حكام الغرب بعد أن “وصل البلّ إلى ذقونهم” تداعيات هذا الفساد على كل من ممارسيه وممكِّنيه، وعلى الأمن والاستقرار العالميين؟ ألم يروا كيف أن رائحة الفساد العفنة التي فاحت وتفوح في كل مكان من المستويات العليا للسلطة باتت تثير حفيظة المتظاهرين في العديد من الدول بعد أن فقدوا الثقة بحكوماتهم؟  ألم يروا أن الأمر لم يعد يتوقف في بعض الدول عند حد التظاهرات والاحتجاجات، بل بات يتمظهر في عنف مضاد متخذاً أشكالاً عديدةً أخطرها الشكل الديني المغذي لتنظيمات تكفيرية متطرفة تمارس القتل والتشريد؟ أليس تدفق المقاتلين من جميع أنحاء العالم إلى هذه التنظيمات، وخصوصاً من الفئات التي تعاني من التهميش نتيجة الفساد وضياع الهوية وفشل نموذج التعددية الثقافية والدينية، إلا دليلاً حياً وشاهداً على هذا العنف المضاد؟

إن فساد الدولة في عصر العولمة بات أشبه بداءٍ أممي عضال يرتشح عبر الدول ويتفاعل فيها بمستويات مختلفة تتدرج من الديمقراطيات الليبرالية التي تخال نفسها “نظيفة” منه، في الوقت الذي تُسهم في و/أو تتغاضى عن تمكين هذا الداء لدى الدول الضعيفة، صعوداً إلى بعض الأنظمة الكليبتوقراطية التي تتخذ من الفساد نظاماً لحوكمتها فتتحول بالنتيجة إلى مرتعٍ للعنف والتطرف والإرهاب.

آلية إنتاج الإرهاب باتت واضحة: فساد فرهاب فتطرف فإرهاب…

فالفساد يُفقد الثقة بمنظومة الحوكمة في البلد وينتج البؤس والتشرد والحقد والكراهية…

الحقد والكراهية بدورهما يولّدان التطرف والإرهاب…

وعليه فإن الفساد لم يعد إلا مطبخاً للإرهاب…

الفساد بيت الداء، ومحاربته أصل كل دواء…

يتبع ….