السوريون والحوار المفقود: قراءة علمية

التواصل “communication” وما يمكن أن ينتج عنه من حوار Dialogue بين الناس في المجتمع الواحد يتم عبر تبادل الكلمات التي من المفروض أن تحدث قيمة مضافة مشتركة بين كل من المتحدث والسامع (المرسل والمستقبل) عن طريق تغذية العواطف والتفهّم لدى الطرفين ذهاباً وإياباً، وتضخيمهما. لكن ماذا لو “أطفأ” كل طرف قناة الاستقبال لديه في كل تواصل واستشرس في الإرسال؟ ماذا سيحصل عندها للعواطف وتفهّم الآخر؟ أليس هذا حال مجتمعنا المأزوم في التواصل بين أفراده، إن بشكل مباشر أم عبر الإعلام أم عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

لننظر إلى مسألتي التواصل والحوار بعيون “فيزيائية” بحتة…

تفيد الدراسات والتجارب العالمية أن السبب الرئيس وراء فشل التواصل بين أفراد المجتمع هو فقدان الالتزام بالـ “التأمل” المتبادل بوجهات النظر المطروحة وبالردود عليها. إن غياب هذا الالتزام في ثقافتنا الحالية، في ظل الأزمة التي نعيشها، يشكل السبب الرئيسي وراء كوننا لا نزال نجد أنفسنا في مواجهة دائمة مع بعضنا البعض، مشلولين بفيروس الانقسام إلى “نحن” و “هم”.

لقد قام العلماء، وعلى رأسهم الفيزيائي والفيلسوف David Bohm، بمساع حثيثة لتحليل وتشخيص وتقويم هذا “الاعوجاج” في عملية التواصل في المجتمعات حتى قبل أن يتم اختراع الويب ووسائل التواصل الاجتماعي حيث سعى Bohm إلى سبر كيمياء التواصل الإنساني، وما يحول دون استماعنا إلى بعضنا البعض، وكيف يمكننا تجاوز تلك الحواجز التي تعترض التفاهم المتبادل.

تقودنا هذه المساعي إلى العودة إلى أصول التواصل بإجراء “تشريح” لكلمة “communication” لنجدها مشتقة من الجذر اليوناني Commun الذي يعني “مشترك” أو “مشاعي” وبالتالي فإن فعل التواصل “to communicate” يعني نقل معلومة أو معرفة وجعلها مشتركة بين المرسل والمستقبل. لكن هذا المعنى لا يشتمل على كل ما يدل عليه التواصل. لننظر على سبيل المثال إلى ما يجب أن يحصل في حالة الحوار بين شخصين أو طرفين: عندما يقول شخص ما شيئا، فإن الشخص الآخر لا يستجيب بشكل عام بنفس المعنى تماماً كما يراه الشخص الأول وبدلا من ذلك، تكون المعاني متشابهة Similar لكن غير متطابقة Identical. وهكذا، عندما يجيب الشخص الثاني، فإن الشخص الأول يرى فرقا بين ما كان يقصده وما يفهمه الشخص الآخر. وعند النظر في هذا الاختلاف، قد يتمكن بعد ذلك من رؤية شيء جديد، ذي صلة بكل من وجهات نظره الخاصة وآراء الشخص الآخر. وهكذا يمكن أن تتكرر العملية ذهابا وإيابا، مع بزوغ مستمر لمحتوى جديد مشترك بين كل من المرسل والمستقبل.

في الحوار إذاً، لا يحاول كل شخص تعميم أو فرض أفكاره المعروفة له. لكن بدلاً من ذلك، فإن الطرفين يصنعان شيئاً ما معاً، ويحققان قيمة مضافة جديدة. لكن هكذا تواصل يمكن أن يؤدي إلى خلق شيء جديد فقط في حال كان الطرفان قادرين على الاستماع بحرية لبعضها البعض، دون تحيز، ودون محاولة للتأثير على بعضها البعض. ويجب أن يتوخى كل منهما وبالدرجة الأولى الحقيقة والاتساق، حتى يكون مستعدا للتخلي عن أفكاره ونواياه القديمة، والذهاب إلى شيء مختلف، عندما يطلب ذلك.

لنلاحظ أن هذا النوع من آليات التواصل الهادفة إلى خلق شيء جديد، لا يحدث بين الناس فحسب بل داخل عقول الناس. لنأخذ مثلاً حالة الباحث الذي يشارك خلال بحثه العلمي في “حوار” مماثل مع الطبيعة عندما يكون لدى هذا الباحث فكرة مسبقة أو فرضية ويريد اختبارها عن طريق الملاحظة. ما يحدث في غالب الأحيان أن ما يلاحظه يكون مشابهاً فقط لما هو في عقله لكنه غير مطابق تماماً. وبالنظر في أوجه الشبه والاختلافات يحصل الباحث على فكرة جديدة أو معدلة مع البزوغ المستمر لأشياء جديدة، وهكذا إلى أن يتوصل الباحث إلى قناعة نهائية.

إن هذه القابلية الذهنية لدى الفرد للتفاعل مع الآراء والأفكار الجديدة البازغة خلال التواصل والحوار تشكل المفتاح الأساسي لأي حوار خلاق. وعلى العكس من ذلك، فإن الميل إلى التمسك بآرائنا الحالية والتمترس حولها لا يزيد عن كونه نوعاً من إحاطة عقولنا بكتل حماية شبيهة بتلك الكتل البيتونية (البلوكات) التي توضع حول المؤسسات الأمنية والحكومية الحساسة لحمايتها من الهجمات الإرهابية لكنها في حالة العقول تكون، كما يفيد علماء النفس، بهدف الحماية الذاتية من حالة عدم اليقين التي نعيشها، دون أن ندري أن هذا الـ “بلوك” المحيط بعقلنا من شأنه أن يعطل مقدرتنا على الاستماع للآخر. لذلك فإن الحوار الخصيب والمنتج، يتطلب منا أن ننتبه أولا إلى “بلوكاتنا” الخاصة بنا، ثم أن نكون مستعدين للتغلب عليها.

وباستئناف التشريح اللغوي للكلمات وبما يخص هذه المرة كلمة حوار Dialogue نرى أنها تأتي من الأصل اليوناني dialogos وهي كلمة مركبة من Logos وتعني “الكلمة”، أو بالأحرى “معنى الكلمة”. أما dia فتعني “من خلال” وليس “اثنان” فالحوار يمكن أن يكون بين أي عدد من الناس، وليس اثنين فقط كما هو معتقد. حتى أن شخصاً واحداً يمكن أن يكون لديه شعور بالحوار داخل نفسه، إذا كانت روح الحوار موجودة لديه.

الصورة التي يقترحها هذا التحليل هي إذاً تيار من المعاني والتفاهمات التلقائية ينساب بين المتحاورين وعبرهم، ومن رحم هذا الانسياب بالمعاني تولد التفاهمات الجديدة. إن هذه المعاني والتفاهمات الوليدة شيء إبداعي ومشترك، وتمثل “الصمغ” أو “الإسمنت” الذي يجعل المجتمع متماسكاً.

الحوار ليس مناقشة أو مناظرة أو “منازلة” أو “مماحكة” فهذه الأنماط من التواصل غالباً ما تكون أشبه بلعبة “بينغ بونغ”، حيث يضرب الناس الأفكار/الكرة ذهابا وإيابا بهدف الفوز أو تسجيل النقاط…

في الحوار، لا أحد يحاول الفوز فالجميع يفوز عندما يفوز أي شخص. انها حالة لطالما عرفت في العلاقات الإنسانية تحت مسمى “رابح – رابح” بينما في “حوار الطرشان” الذي يتم بين أفراد المجتمع السوري (إن تم) تكون الحالة “خاسر – خاسر”، والبلد بالطبع هي الخاسر والمجتمع خاسر وجميعنا خاسرون، دون أن يعي أحد ذلك أو يتعظ….

إن بعض الافتراضات والأحكام المسبقة باتت وكأنها خوارزميات (برامج كمبيوتر) مزروعة في أذهاننا كي تتصدى لأية نية حسنة قد تراودنا، بل أن هذه البرامج باتت تنتج نواياها الخاصة بها. لذلك فإن الحوار الحقيقي والمنتج الذي نفتقده كسوريين لا يقودنا إلى ضرورة التشكيك في الافتراضات السلبية التي بنيت عليها آراؤنا المسبقة فحسب، بل يدعونا إلى إجراء مراجعة ذاتية مستمرة على مستوى عملية التفكير ذاتها، وهي العملية التي تمثل آراؤنا منتجاً لها. وعلى هذه المراجعة الذاتية أن تجري على المستوى الفردي كما على المستوى الجمعي.

وهكذا فمن الضروري التواصل والتفاهم والتشارك في المعاني الأساسية للحياة في المجتمع الواحد كمعنى الدولة والمجتمع والحرية والمواطنة والعلمانية والدين، وبالطبع، الإرهاب… الخ، حتى يتمكن الناس من العيش معا، وإلا فإن التعاطف بين الناس سوف يتلاشى نهائياً …

وإن تمكنا من التواصل فعلاً، سنرى قيم التعاطف والتشارك والصداقة والحب تتنامى وتتنامى…

وسيكون ذلك هو الطريق …

Advertisements

بين الدِغاجية الفرنسية والعربية “Le dégagisme”

 

يعود أصل هذا المصطلح مع “ملكيته الفكرية” إلى الهتاف الشهير الذي انطلق ضد الرئيس المخلوع “بن علي” خلال الربيع التونسي الذي أعقب انتفاضة البوعزيزي عندما ظلت الجموع تهتف “Dégage” أي “ارحل” حتى رحل مرغماً…

في فرنسا انتعش هذا المصطلح مجدداً عندما أحياه السياسي اليساري جان لوك ملانشون بإظهاره على شكل نَزعة برزت خلال زلزال الانتخابات الرئاسية الأخيرة الذي شهد إزاحة القواعد الشعبية في الجولة التمهيدية من هذه الانتخابات لرموز السياسة التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، والإطاحة بأحزابهم، مما ساعد في بلورة الدغاجية كتيار فكري أو عقيدة سياسية خيمت على المشهد السياسي الفرنسي.

ودرج هذا المصطلح (الدغاجية) على لسان الجميع في النقاشات والتحاليل السياسية، في إشارة إلى رفض الناخبين المحبَطين لسياسييهم والرغبة في إزاحتهم عن الأمكنة التي يتبوؤونها، مع فارق جوهري من حيث المفهوم بين الدغاجية الفرنسية والدغاجية العربية وهو أن إزاحة القادة في الديغاجية الفرنسية تتم باستخدام القوة الناعمة والأدوات الديمقراطية المتاحة، وبالتزامن مع “مبايعة” زعماء جدد يحلون محل القدامى بفضل ما يحملونه من أفكار جديدة وآمال جديدة للناخبين المحبطين.

بعض المحللين السياسيين الفرنسيين ذهب به الإعجاب بهذه العقيدة السياسية الجديدة إلى الربط بين دغاجية اليوم ودغاجية الأمس حين كانت المقصلة تمثل بامتياز الأداة الفعالة للديغاجية أيام الثورة الفرنسية.

وهناك من ذهب بعيداً في مخيلته ليوسع مفهوم الدغاجية لتشمل الإزاحة “الوقائية” لمن تستبشر الجماهير به خيراً حتى قبل أن يترشح أو يُرشح للزعامة، أي “حرقه” مسبقاً بتشويه سمعته بطريقة ما، وهنا تلتقي الدغاجية الفرنسية مع نظيرتها العربية فالديغاجية الوقائية العربية القائمة على الحرق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي لإنسان عليه علامات الزعامة (لشغل أي منصب) يعدّ كما هو معلوم من شيمنا الكبرى ومن أكثر الممارسات شيوعاً في مجتمعنا، هذا إلى جانب الديغاجية التي تمارس بكثافة على المستوى الفردي عندما “يحفر” الإنسان لأخيه الإنسان الناجح ليوقعه بدافع من الغيرة والحسد. أما أشد أنواع الدغاجية ضرراً وقذراً فهو ذلك الفكر التكفيري والتخويني الذي تسلل إلى مجتمعنا السوري خلال أزمته وعاث فيه ما عاث من فساد وإرهاب.

ويبقى صندوق الاقتراع النزيه والشفاف أجمل وأضمن الأسلحة لممارسة الديغاجية بأفضل أساليبها الديمقراطية، ودون منازع….

من مخلفات الأزمة: الضرب بناقص واحد

تعلمنا من الرياضيات والجبر أن عملية الضرب بالعدد (-١) من شأنها أن تعكس إشارة العدد المضروب فإن كان موجباً يصبح سالباً وبالعكس.

وينسحب هذا المفهوم على علوم الفيزياء حيث يؤدي الضرب بناقص واحد إلى عكس الحالة الفيزيائية التي يمثلها الرقم فالسخونة مثلاً تصبح برودة والقوة ينعكس اتجاهها وكذلك الحقل الكهربائي والمغناطيسي وهكذا…

وإذا انتقلنا إلى الأشخاص نجد مثلاً أن مزاج الشخص سرعان ما ينقلب متحولاً من الفرح إلى الحزن نتيجة تعرضه لمصيبة أو سماعه خبراً سيئاً، وهذا الانقلاب في النفسية أو المزاج، بالمفهوم الرياضي، ليس إلا “انضراباً” بناقص واحد. وربما تكون مقولة “انضرب على قلبه” الشائعة قد جاءت من هنا!!

وإذا كان الأشخاص قابلين للإنضراب نفسياً بناقص واحد فهذا يعني أن مصفوفة القيم الأخلاقية لديهم قابلة للانضراب أيضاً، فالشريف قد ينقلب إلى فاسد والصادق إلى كاذب والوطني إلى خائن والمواطن الصالح إلى مخرّب وربما إلى إرهابي وهكذا…

المرعب في الأمر هنا عندما تصبح هذه القيم الشريرة “المضروبة” هي الطبيعية والسائدة وينام أصحابها قريري العين مرتاحي الضمير، يجمعون الثروات ولا يترددون في شيطنة وتخوين الآخرين ممن آثروا المحافظة على قيمهم (ولو كانوا أكثرية) إلى أن “ينضرب” المجتمع بأكمله، وهنا الطامة الكبرى ….

ولعل ذلك ينقلنا إلى مستوى البلدان، فهل يمكن لبلد ما أن يُضرب بأكمله بناقص واحد؟

نعم، وللأسف… أليست غالبية دولنا العربية مضروبة بناقص واحد لما تتسم به من تخلّف اجتماعي واقتصادي وسياسي؟ إن ضرب أي بلد بناقص واحد يمكن أن يتم إما بـمؤامرة خارجية أو بانقلاب عسكري لتغيير سياسته، أو حتى بعملية “ديمقراطية” ينتخب فيها رئيس مضروبة قيمُه تأتي به أغلبية من الناخبين بعد ضربهم بناقص واحد من خلال حملة انتخابية تقوم على قلب الحقائق واحتقار الأفكار والقيم الأخرى السائدة، وهذا بالضبط ما فعله ترامب في حملته الانتخابية للوصول إلى سدة الرئاسة، وما أراد فعله الزعيم اليميني المتطرف خيرت فيلدرز مؤخراً في هولندا، وما تريد أن تفعله مارين لوبن بفرنسا، والحبل على الجرار.

وبالإسقاط على المشهد السوري نجد، بعيداً عن الانقسامات السياسية، أن الفاجعة التي ألمّت بهذا البلد الآمن قد أفرزت نمطين أساسيين من الانضراب بهذا الناقص واحد اللعين. النمط الأول، انضراب “حميد”  نسبياً وشامل على المستوى الإنساني والوجداني. شامل لأن من النادر أن نرى سورياً في الداخل أو الخارج إلّا وفقد عزيزاً أو نزح عن دياره التي هُدمت أو هاجر من وطنه أو فقد سبل عيشه. وحميد نظراً لطبيعته القابلة للشفاء بإذن الله بفضل فطرة الإيمان والتعلق بالوطن والتسامح التي زرعها الله في نفوس هذا الشعب الطيب الأبي، فيما لو توفر له القليل من “جبر الخواطر”…

أما النمط الثاني، فهو ذلك النمط “الخبيث” الذي طال منظومة القيم لدى كل من فضل الاستفادة من هذه الأزمة بممارسة وفرض شريعة الفساد واللا قانون فكانت النتيجة أن ارتشح الفاسدون والمخربون وأمراء الحرب، ممن أجمع المواطنون على تسميتهم بـ “دواعش الداخل”، في مفاصل المجتمع وراحوا يعيثون فيها فساداً وتخريباً للّحمة الوطنية وقيم المواطنة الصالحة.

السؤال الذي يطرح نفسه إذا ما أردنا الاستمرار في هذا “التمرين” الرياضي: كيف السبيل لضرب “المضروب” مرة أخرى بناقص واحد لإعادته إلى صوابه (على قاعدة  -١ x -١=+١)؟ وهل يمكن للرياضيات أن تساهم في استمالة العقل البشري الجمعي للوصول إلى هذا الهدف؟ من المفيد، قبل محاولة الإجابة على هذا التساؤل، التأكيد على أن دواعش الخارج وكل من دنّس الأرض السورية الطاهرة من قوى إرهابية أخرى عابرة للحدود غير مشمولين بهذا التساؤل فهؤلاء، بحكم المورثات التي يحملونها، لا علاج لهم إلا الضرب بالعدد صفر، هم وأمثالهم من المرتهنين إلى الخارج.

في الواقع وكما هو معروف، فإن العقل البشري ليس جامداً بل يمثل جملة حركية تفاعلية. ووفقاً لنظرية التحكم فإن لكل جملة حركية حالات States . هذه الحالات هي إحداثيات الجملة فيما يسمى بفضاء الحالة State Space. ولكل جملة حركية قاعدة تطور عبارة عن تابع رياضي أو خوارزمية تصف ارتباط حالة الجملة مع الزمان أو المكان (الزمكنة) وتحدد بالتالي الحالات المستقبلية للجملة اعتماداً على حالتها الراهنة.

من هنا نرى أن التأثير على العقل الجمعي “المضروب” باتجاه معين كالمذكور آنفاً يتوقف على بناء النموذج الرياضي الممثل لواقع السلوك الجمعي وكذلك تصميم الخوارزمية المناسبة للزمان والمكان وتطبيقها تدريجياً من خلال التواصل الممنهج مع هذا العقل باستخدام وسائل إرشادية تربوية متخصصة يأتي على رأسها الإعلام والتربية والتعليم والخطاب الديني.. الخ، مع الإشارة إلى أن خوارزمية التطور لهكذا حالات تكون ذات طبيعة احتمالية Probabilistic وليس حتمية Deterministic.

لا مجال للاسترسال هنا في هكذا مواضيع تخصصية ومعقدة لكن ما أردت الإشارة إليه هو أن المقاربات الرياضية تقع اليوم في صلب الأبحاث العلمية القائمة في مجال العلوم الاجتماعية المدعومة بالاختصاصات البينية الأخرى Interdisciplinary وعلى رأسها علم النفس السلوكي الذي أصبح هو أيضاً قابلاً للنمذجة الرياضية.

فهل من دور لهكذا مقاربات رياضية علمية في معالجة مخلفات الأزمة السورية؟ ومن ذا الذي يملك رفاهية الصبر والقدرة على الخوض في هكذا تجربة؟ وأي نموذج رياضي هذا القادر على توصيف حقيقة الركام الاجتماعي الناتج عن أكبر وأعقد أزمة في التاريخ الحديث؟

يتبع…

فساد فرُهاب فتطرّف فإرهاب: متى يقرّ الغرب بالمنشأ الحقيقي للإرهاب؟

إن كان لشرارات الإرهاب الوحشي والمؤسف التي تتطاير باضطراد من منطقتنا لتطال الغرب من “محاسن” فهي أنها ستسهم، عاجلاً أم آجلاً، في وضع حكامهم وصانعي قراراتهم على المحك أمام شعوبهم لجهة المنشأ الحقيقي لهذا الإرهاب الذي طالما اكتوت وتكتوي منطقتنا بناره. لا مجال هنا للافتراضات والاجتهادات فسأكتفي، على قاعدة “من فمك أدينك”، بالاستشهاد بعينات مما وصلت إليه مراكز بحوثهم وخزانات تفكيرهم من نتائج في هذا المجال. فمعهد “كارنيغي” للسلام حول العالم انتهى بنتيجة أبحاثه وندواته إلى نتيجة هامة مفادها أن الفساد الحكومي بات “محركاً للنزاعات عبر العالم نظراً لما يسببه من آثار جانبية خطيرة على الأمن الدولي بدءً من نمو شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتعاطف والتناغم مع المنظمات الإرهابية (بما في ذلك تقديم التسهيلات لها)، وصولاً إلى الاضطرابات الاقتصادية الحادة، وانتهاءً بالتشجيع على التطرف وتأجيج الخلافات العرقية أو الدينية أو اللغوية لدى قطاعات معينة من السكان”. وعلى الرغم من ذلك (والاستنتاج منسوب إلى هذه الأبحاث)، يبقى الفساد الحكومي المنظم غائباً عن أجندة التبادلات والتفاهمات الثنائية رفيعة المستوى بين الدول. ذلك لأن الحكومات الغربية وجهاتها الفاعلة الرئيسية لا زالت تغمض أعينها عن دور هذا الفساد في مفاقمة الأمن الدولي، لسبب بسيط وهو أنها تعي ضمنياً الدور الذي تقوم به هي في تمكين هذا الفساد.

والأقوى من ذلك تلك “الصرخة” التي صدرت عن منظمة “الشفافية الدولية” غير الحكومية التي أعلنت منذ أسابيع قليلة في تقرير أعده فرعها البريطاني بعنوان: “التحول الكبير: الفساد وظهور التطرف العنيف”، أن “الحركات المتطرفة مثل تنظيم داعش تزدهر عندما يفقد الناس ثقتهم تماما بمن يتولون الحكم، وعندما يستفيد المسؤولون من بؤس الغالبية الكبرى من الناس، وعندما تستغل الشرطة بدلا من ان تحمي، وعندما تحتكر أقلية الفرص الاقتصادية”. وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن مجموعات إرهابية مثل داعش وجماعة “بوكو حرام” تستفيد من الفساد لتجنيد عناصرها، بتقديم نفسها على انها البديل عن السلطات الفاسدة. كما دعت الحكومات الغربية الى “التصدي” للفساد الذي ساهم في العراق وليبيا ونيجيريا في ظهور هذه الحركات المتطرفة. وأكدت ان “التصدي للفساد وعدم التساهل معه يجب ان يكون الاولوية المطلقة لدى الحكومات الغربية”.

وبالإسقاط على ما يحدث في منطقتنا التي وقعت في فخ “الربيع العربي” نجد أن الفساد المتأصل فيها وجد بيئة خصبة لكسب مزيد من فرص النمو السرطاني والتناغم العضوي مع الإرهاب مشكلاً دائرة شيطانية محركاتها الإرهاب والفساد ووقودها الناس والحجارة. إلا أن الإرهاب الذي طفا على السطح شكل الكتلة المرئية من جبل جليد أو Iceberg (كما في الرسم) انبرت أمم الأرض كافة وتحالفت محلياً وإقليمياً وعالمياً لاجتثاثها غير آبهة بما يخفي هذا الجبل في جزئه “الفسادي” الغاطس من قوى ظلامية أخرى اتخذت من الفساد ومظاهر الانفلات والتسلط وغياب القانون منهجاً. مظاهر كهذه لا يمكن أن تعبّر إلا عن منظومة فساد عميق ومتخفٍّ تمثل من حيث  لا يدري الفاسدون (أو يدرون) منجم إرهاب لا ينضب.

فهل حان الوقت ليدرك حكام الغرب بعد أن “وصل البلّ إلى ذقونهم” تداعيات هذا الفساد على كل من ممارسيه وممكِّنيه، وعلى الأمن والاستقرار العالميين؟ ألم يروا كيف أن رائحة الفساد العفنة التي فاحت وتفوح في كل مكان من المستويات العليا للسلطة باتت تثير حفيظة المتظاهرين في العديد من الدول بعد أن فقدوا الثقة بحكوماتهم؟  ألم يروا أن الأمر لم يعد يتوقف في بعض الدول عند حد التظاهرات والاحتجاجات، بل بات يتمظهر في عنف مضاد متخذاً أشكالاً عديدةً أخطرها الشكل الديني المغذي لتنظيمات تكفيرية متطرفة تمارس القتل والتشريد؟ أليس تدفق المقاتلين من جميع أنحاء العالم إلى هذه التنظيمات، وخصوصاً من الفئات التي تعاني من التهميش نتيجة الفساد وضياع الهوية وفشل نموذج التعددية الثقافية والدينية، إلا دليلاً حياً وشاهداً على هذا العنف المضاد؟

إن فساد الدولة في عصر العولمة بات أشبه بداءٍ أممي عضال يرتشح عبر الدول ويتفاعل فيها بمستويات مختلفة تتدرج من الديمقراطيات الليبرالية التي تخال نفسها “نظيفة” منه، في الوقت الذي تُسهم في و/أو تتغاضى عن تمكين هذا الداء لدى الدول الضعيفة، صعوداً إلى بعض الأنظمة الكليبتوقراطية التي تتخذ من الفساد نظاماً لحوكمتها فتتحول بالنتيجة إلى مرتعٍ للعنف والتطرف والإرهاب.

آلية إنتاج الإرهاب باتت واضحة: فساد فرهاب فتطرف فإرهاب…

فالفساد يُفقد الثقة بمنظومة الحوكمة في البلد وينتج البؤس والتشرد والحقد والكراهية…

الحقد والكراهية بدورهما يولّدان التطرف والإرهاب…

وعليه فإن الفساد لم يعد إلا مطبخاً للإرهاب…

الفساد بيت الداء، ومحاربته أصل كل دواء…

يتبع ….

النمور الجريحة……. والإرهاب

لا شيء أخطر من نمر جريح

Nothing more dangerous than a wounded tiger

مقولة شائعة ثبتت على الألسن في جميع اللغات، وتشعبت دلالاتها لتشمل مملكتي الحيوان والبشر على حد سواء….

في مملكة الحيوان لا زلت أذكر إثباتاً واقعياً وصارخاً لصحة هذه المقولة من خلال مشهد حفر عميقاً في ذاكرتي منذ طفولتي المبكرة عندما اقتحم جمل هائج نصف مذبوح السوق الرئيسية في منبج (مسقط رأسي) هارباً من المسلخ بعد أن تمكن من الإفلات من جزّاره (الملقب بـ “أبو الكيف”) الذي لم يوفّق يومها بنحره بالضربة القاضية. وراح هذا الجمل الجريح (المتحول إلى إرهابي) يجري مزمجراً والدم يسيل منه، ناشراً الخراب والرعب في سوق هذه البلدة الوديعة التي لم تعرف الإرهاب يوماً، لا الحيواني ولا البشري. وظل “أبو الكيف” يجري خلف هذا الجمل إلى أن خارت قوى الأخير وتمت السيطرة عليه واكتمل نحره كما يجب….

هي إذاً وبكل بساطة آلية التحول الإرهابي لدى الحيوان بمجرد أن يشعر بالجرح والغدر. فما بالكم عندما يُجرح الإنسان ظلماً وهو القادر على التفكير والتنظيم والانتقام؟ لقد تعددت الجروح في مملكة الإنسان واتسع مداها لتطال شعوباً بأكملها، لا سيما في زمن الصراعات الذي نعيش. الفقر جرح والتهميش جرح والفساد جرح والقمع جرح والاستبداد جرح والحرب جرح والنزوح جرح و … و…. وجميعها عوامل تحوّل إرهابي بامتياز، تؤجج التعصب وتهيئ الفرص وتعطي الذرائع للإرهاب التكفيري للانغماس في صفوف الشعب المسكين.

لكن من العجب بمكان أن نرى جامعات الدول “الكبرى” ومراكزها البحثية و”مطابخها” الاستراتيجية مستنفرةً لا تتوقف عن البحث في منشأ الإرهاب وجذوره في منطقتنا وهي تعلم علم اليقين عدد وعمق الجروح التي سببتها حروبها القذرة في المنطقة. ماذا يمكن أن نتوقع من الجرح العراقي أو السوري أو اليمني أو الليبي غير توليد المزيد من “النمور” الجريحة المتحولة إرهابياً أو القابلة للاستغلال من قبل الجماعات التكفيرية؟

الإرهاب لا يُبرَّر مهما كانت الظروف لكن ثمة منظومة بيئية Ecosystem تحتويه لينمو بداخلها وثمة عوامل إخصاب لتسرّع هذا النمو، وكم كان من الأولى والأجدى لحكومات الدول كافة أن تنظر في هذه العوامل قبل أن تشن حروبها وتضطر بعدها إلى حشد “التحالفات الدولية” لشن حرب أخرى ضد الإرهاب الذي بات يهددها في عقر دارها؟ أم أن جميع هذه الحروب جاءت تطبيقاً لمقولة الاستراتيجي العسكري البروسي البارز في القرن التاسع عشر، كارل فون كلاوسفيتز Carl von Clausewitz   عندما قال أن “الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى”؟؟؟

ويستمر المسلسل…… وتستمر المعاناة…..