القَضْيَنَةُ بين الأمس واليوم …

اسمحوا لي أولاً أن أبتكر هذا المصطلح الجديد، “القَضْيَنَة”، وأعني به تحويلَ المشكلة أو الانتهاك أو المَظْلَمَة إلى قضية، وليس أيّ قضية، “قضية رأي عام”….

لطالما اعتدنا في ثقافتنا الاجتماعية عندما نودّ أن نُثْنِيَ أحداً عن إشهار (أو تضخيم) مشكلة نعتقد أنها “صغيرة” أو نريد تصغيرها، أن نحاول “ردعه” باستخدام مقولة “لا تعمل منها قضية”. أما الآن، في هذا الزمن الحافل بالتجاوزات والانتهاكات والمظالم والفساد، و الزاخر بفنون وأساليب طمس الحقائق (بل وقلبها)، والالتفاف على القانون، لم يعد هناك من سلاح لفضح التجاوزات وكشف المظالم والفساد غير القَضْيَنَة وتشكيل الرأي الجمعي الصادق حولها، انطلاقاً من قناعة ترسّخت لدى الجميع مفادها أن الحقيقة، ومعها الحق، ستُدفَن إن لم تُقَضْيَن…

ما يدفع إلى القَضْيَنَةِ في كل كبيرة وصغيرة أنها باتت، كما سنرى، عملية سهلة وسريعة وفعالة بفضل الأدوات المُمَكِّنة التي وُضعت بمتناول الجميع، شريطة أن يُحسَنَ استخدامُها، وإلا اتخذت منحى آخر وشكلاً آخر…

القَضْيَنَةُ بالأمس …

حتى الأمس، وقبل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وبالأخص “فيسبوك” و “تويتر”، كان مصطلح “قضيّة رأي عام” يعني الكثير في عالم الصحافة: هي قضية تجتمع حولها آراء مجموعة أو طبقة أو شريحة مجتمعية معينة، غالباً ما كانت تطفو على السطح وتسود مكتسبة إجماعاً شعبياً أو جماهيرياً، حتى لو أحدثت مع بداية ظهورها جدلًا على أرض الواقع ….

فما أن كانت الواقعة تظهر للعلن حتى يتهافت الجميع على متابعة تفاصيلها في الصحافة، وتستمر عالقة في الأذهان حتى تنتهي أحداثها على وجه ما، بعد أن تصبح حديث الشارع.

من سماتها أنها حقيقية وصادقة…

تدخل في صلب العلاقة المجتمعية بين المواطنين ومؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية المعنية…

كما وتكشف قدرة النظام السياسي أو ضعفه في التعامل مع هذا النوع من القضايا…

وغالباً ما كانت تنطلق من جانب أحد الكتَّاب أو الصحف بصورة “سبق صحفي” أو “فضيحة”….

ولا بد أن تنتهي إلى نتيجة واضحة ومنطقية ُتحسَم من خلالها، مهما طال زمنها …

ولعل من أشهر قضايا الرأي العام في التاريخ العربي المعاصر، قضية الأسلحة الفاسدة في مصر (أيام حرب فلسطين) التي استمرت (القضية) أربع سنوات، منذ عام 1950 وحتى 1954، بعد أن أطلقها في سنتها الأولى الكاتب إحسان عبد القدوس في “روز اليوسف”، واستمرت إلى أن أحيلت إلى المحكمة بعد الثورة على الملك فاروق وصدرت الأحكام الخاصة بها.

وفي السنوات القليلة الماضية برزت قضية عقد شراء الأردن للغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني (2014) كقضية رأي عام هزت البلاد وتكللت في آخر المطاف بانتصار الجهود المناهضة لهذا العقد…..

والأمثلة عن قضايا أخرى عديدة، سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية… 

ما كان يميز قضايا الرأي الكبرى الحقيقية أيضاً ويزيد من تجذّرها في ذاكرة الشعوب ذلك التأثير المتبادل مع الفن، لدرجة أنها كانت تستلهم منه قصصًا وتُحوّلها إلى أعمال فنية أو يحدث العكس وتتحول مناقشات الفن إلى قضايا كبرى في المجتمع، والأمثلة عديدة في أفلام مثل “أريد حلًا، 1975”، “ملف سامية شعراوي، 1988“، “قضية سميحة بدران، 1990“، أو مسلسل “قضية رأي عام، 2007” ومسلسل “قضية معالي الوزيرة، 2012” وغيرها …

القَضْيَنَةُ اليوم …

أما اليوم فقد انقلب الوضع رأساً على عقب…

تلاشت القَضْيَنَةُ بمعناها التقليدي ولم تعد قضايا الرأي العام كالسابق من حيث الصفات والآليات التي كانت تميزها بعد أن أصبحت “السوشيال ميديا” هي من يطرح القضايا، وأصبحت غالبية الصحف التقليدية “متلقية” لما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي….

والأهم من ذلك أن هذه المواقع جُهِّزَت بسلاح “ديمقراطي شعبي”، ذكي وفعّال، هو ذلك الوسم السحري “#” المسمى بالـ “هاشتاغ”، الذي انطلق في البداية من موقع التغريد “تويتر” وما لبث أن عمّ مواقع التواصل الأخرى وبات الأداة الأكثر شعبية لقنص الانتباه وتحريض حوار ذي وجهات نظر متعددة حول موضوع معين يتطلع صاحبه إلى قَضْيَنَتِهِ.

وازدادت “تعبئة” وتنظيم هذا السلاح الفعال فأصبحت له “بورصة” تمثلت في كل مجتمع وبلد بما بات يعرف بالـ “ترند” (نسبة إلى الكلمة الإنجليزية Trend)، وهي عبارة عن قائمة تتضمن أعلى 10 “هاشتاغات” تداولاً في المواقع في لحظة ما، والتي تتناول قضايا سياسية واجتماعية.  توجد هذه القائمة بشكل دائم على يسار صفحة موقع “تويتر” حيث تقوم المواقع الإخبارية ووكالات الأنباء برصد “الترندات”، ونشر الأخبار والتقارير التي تحملها، حتى أن العديد من القنوات التلفزيونية الرسمية بدأت تتناول أخبارها وما يدور داخلها، الأمر الذي زاد من قوتها الإعلامية.

وهكذا تحولت القضايا إلى “ترندات” واختُزِلت معها إجراءات القَضْيَنَة إلى مجرد العبور السريع إلى قائمة الترند محولةً المواضيع المتداولَة على المواقع إلى تتابع الـ “ترندات” قد يُنسي بعضها بعضاً، وهنا تكمن سلبية هذا التحول ذلك لأن الترند طويلُهُ الزمني يوم واحد أو يومان، والقليل منه يخرج من دائرة “الترند” إلى دائرة القَضْيَنَة “المنتجة” والهادفة إلى وضع القضية المنشودة بتصرف مؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية. يضاف إلى ذلك أن “الترندات” لم تعد تستهوي الفن، ولم يعد الفن ينساق وراءها، لقصر عمرها الزمني الذي يحول دون التفكير في استغلالها.

لكن ذلك لم يمنع الهاشتاغات “الخاطفة” ذات الأثر “الآني”، التي سرعان ما يتجاوز أثرها حدود الفضاء الافتراضي ليتجسّد ميدانياً على أرض الواقع (وهنا تكمن قوة وروعة السوشيال ميديا)، والأمثلة على ذلك عديدة:

  • فالكل يذكر كيف أُجبِرَ وزير العدل المصري صابر محفوظ على الاستقالة من منصبه سريعاً وتحت تأثير هاشتاغ “#أقيلوا_وزير_العدل”، على أثر تصريحاته المسيئة في حق عمال النظافة، التي اعتبر فيها أن أبناءهم غير مؤهلين لولوج سلك القضاء،
  • وكيف أثّر هاشتاغ “#غرق_طفل_سوري” (الطفل إيلان) الذي احتل مركزا متقدما في قائمة الترندات على مستوى العالم، إذ ظهر في أكثر من 30 ألف تغريدة في أقل من خمس ساعات، مما حدا بالسلطات الكندية إلى منح والده المكلوم حق اللجوء في بلادها.
  • وكيف أن محكمة هنغارية قضت بسجن المصورة بيترا لازلو التي قامت بركل طفلة لاجئة، وأسقطت لاجئا سوريا وطفله على الأرض أثناء هروبهم من الشرطة على الحدود الهنغارية الصربية عام 2015، وذلك بفعل الهاشتاغات العالمية التي انهالت عليها وعلى قناتها التلفزيونية، والتي دفعت الأخيرة إلى تسريحها مباشرةً من وظيفتها.
  • وكيف أثارت قضية مشفى الشهيد صالح عبد الهادي حيدر في بلدة سلحب، والذي بني من تبرعات أهل المنطقة، حميّة المجتمع الأهلي على “فيسبوك” إثر إعلان وزارة الصحة عدم قدرتها على استلام المشفى وتشغيله، فما كان من الناشطين إلا أن أطلقوا الهاشتاغ المدوّي “#حملة_دعم_مشفى_الشهيد_صالح_حيدر_سلحب” عبر صفحاتهم في “فيسبوك”، فاندفع العديد من مختلف المشارب والاختصاصات، بشكل عفوي وسريع، إلى التطوع للعمل في المشفى مجاناً.
  • والأمثلة عديدة….

وأصبحت “الهشتقة” علماً قائماً بذاته، وتقانة وفناً….

تشير أدبيات “الهشتقة”، وتعني تصميم الهاشتاغ ووضع استراتيجية وخطة لنشره ومتابعته، إلى أن الهاشتاغ الناجح الذي يفرض ذاته على الساحة هو ذلك الوسم الموجز والواضح والمباشر الذي يعني شيئا مهماً للكثيرين ويؤثر على حياتهم، فأكثر الهاشتاغات نجاحا وانتشاراً هي تلك التي:

  • تتكون من كلمة أو كلمتين أو ثلاثة كحد أقصى،
  • تحمل رسالة وتلامس اهتماما شعبيا عبر تناولها لقضايا إنسانية، اجتماعية أو سياسية.
  • تنبع من صلب الثقافة الشعبية وبلغة يفهمها الجميع، ويحسن أن تمتلك نوعاً من الدعابة والحماسة. من منا لا يذكر على سبيل المثال هاشتاغ “#طلعت_ريحتكن” الذي انطلق من واقع “الهضامة” اللبنانية خلال أزمة النفايات فجاء في المرتبة الأولى، ناهيك عن هاشتاغ “#كلن_يعني_كلن” الذي أصبح الشعار المميز للحراك اللبناني الحالي.
  • تقتصر على هاشتاغ واحد لا أكثر في المنشور الواحد أو التغريدة الواحدة وإلا فإن الفكرة الأساسية سوف تضيع، وستبدو “الهشتقة” عندئذ أقرب إلى “الهرطقة” كما هو ملاحظ في العديد من منشورات الفيسبوك التي تتضمن “تشكيلة” من الهاشتاغات الطويلة التي لن تساهم إلا في تشتيت القضية المنشودة.

وسيكون من المفيد بالنسبة لمستخدمي فيسبوك ربط منشوراتهم (بما فيها الهاشتاغ) بحساباتهم في تويتر (وبالعكس)، وذلك لإتاحة الفرصة للنفاذ إلى قائمة “الترند” وكسب المزيد من الانتشارية.

يمكن معرفة المزيد عن كيفية ربط حساب على فيسبوك مع آخر على تويتر (لذات المشترك) بالضغط هنا.

ما يساعد أيضاً في خروج الهاشتاغ من ذهن مُطْلِقِه إلى العَلَن ثم إلى التداول على نطاق واسع أن يكون لمُطْلِقِه متابعون كثر، أي أن يكون ممن باتوا يعرفون بـ “المؤثرون” Influencers الذين لا يمكن إهمال دورهم المفصلي في إنجاح العملية، على الرغم من أن قسماً كبيراً منهم بات مطمعاً لشركات “التسويق”.

لمعرفة المزيد عن “المؤثرون”، يمكن مراجعة مقالي المنشور سابقاً على هذا الموقع تحت عنوان “المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…” بالضغط هنا.

توسعت الدائرة وأصبحت أكثر عرضة للتلاعب، فحذار…

على الرغم من مرونة وسرعة وفعالية مواقع التواصل الاجتماعي والفائدة الكبرى للهاشتاغات و “الترندات” في لفت انتباه الناس وتحفيزهم على التحرك لمتابعة أو مواجهة قضية ما، إلا أن القضايا الكبرى (مثل قضايا الفساد والقضايا السياسية) لا زالت تتطلب التأني والمتابعة والانتظار أوقاتًا طويلة حتى تنضج وتنتهي. كما أن الأمر لا يخلو من سلبيات و “مطبات” وأساليب خاصة بسوء الاستخدام، ولعل من أبرزها:

  • تلاعب العديد من الشبكات المجهولة (أو الوهمية) عبر الويب لوضع بعض القضايا الهامشية في بؤرة الاهتمام بعد أن أصبح بالإمكان “فبركة الأهمية” باستخدام العديد من تقانات التلاعب مثل اللايكات والشير والهاشتاغات المدفوعة الثمن.
  • المؤثرون الذين يمتلكون اليوم مئات الآلاف من المتابعين، أصبحوا قادرين على تسويق قضايا ربما لا تستحق الأهمية، الأمر الذي زاد من دور شبكات نفوذهم على حساب دور الحقيقة.
  • ولعل المشكلة الأكبر ستكون مع انتشار التقانات الجديدة القادمة (كالذكاء الاصطناعي المعتمد على التعلم الآلي والعميق، وتحليل “البيانات الضخمة” للمستخدمين) وما يمكن أن يتبعها من حسابات وهمية “ذكية” ومتفاعلة يصعب تتبعها، والتي ربما تتفوق على الحسابات الحقيقية في المستقبل، وهنا تكمن الطامة الكبرى: أن تُستخدم هذه التقانات للتحكم في تفكير الشعوب وغسل أدمغتها، وللتحريض والتحشيد المسيّس. لقد بدأت هذه المخاوف تتجسد بالفعل من قبل الحكومات وبمساعدة الشركات الوسيطة التي تدير الحسابات الوهمية وترسل أسراباً مما بات يعرف بـ “الذباب الإلكتروني” حسب الطلب. إنها حروب اليوم “الناعمة” التي لا تقل بقذارتها عن الحروب التقليدية….

وتبقى “القَضْيَنَةُ” الصادقة الطريق الأسلم لإظهار الحقيقة والتصدي للمظالم والمفاسد…

وتبقى مواقع التواصل الاجتماعي منصة حوار فعال لتشكيل الرأي العام الصادق…

في الذكرى الثلاثين لسقوط جدار برلين، ماذا عن جدراننا؟

لطالما اعتُبرَ سقوط هذا الجدار رمزاً لسقوط النظام الشيوعي وبداية الطور الثاني والنهائي لمسيرة إفلاسه بعد أن نخره الفساد والاستبداد…

للأديب الأمريكي أرنست هيمنجواي مقولة شهيرة عن الإفلاس: الإفلاس يحدث تدريجياً ومن ثم بشكل مفاجئ “Bankruptcy happens gradually and then suddenly”.

تنطبق هذه المقولة على مسيرة سقوط هذا الجدار وإفلاس الشيوعية كأكبر نظام شمولي عالمي، فالإفلاس كما هو معلوم لا يقتصر على الجانب المالي بل ويتعداه إلى الإيديولوجيات والأنظمة الحاكمة.

الطور التدريجي (أو الخطي) من إفلاس هذا النظام جاء على شكل ظروف وأحداث كبرى منها وثانوية: المتظاهرون في ألمانيا الشرقية عام 1953، في المجر عام 1956، في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 (كنت يومها شاهد عيان على إخماد “ربيع براغ” حيث شاهدت بأم عيني دبابات الجيش السوفييتي التي أُنزلت ليلاً في مدينة برنو )، وفي بولندا عام 1981؛ اتفاقيات هلسنكي لعام 1975؛ بالإضافة إلى ظهور زعيم جديد على رأس الاتحاد السوفياتي عام 1985 (ميخائيل غورباتشوف، صاحب برنامج البروسترايكا والغلاسنوست)، الذي كان له الفضل في “ترخية” قبضة موسكو على بلدان المنظومة السوفيتية، مما أدى إلى إحداث فتحات متتالية في هياكلها الاستبدادية كالتبني التدريجي لمؤسسات سياسية شبه ديمقراطية، والتطور التدريجي لاقتصادات السوق القائمة على سيادة القانون في كل من بولندا، المجر، ألمانيا الشرقية، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، بلغاريا، وألبانيا. يضاف إلى ذلك الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية الغربية – ليس أقلها تصعيد الرئيس رونالد ريغان لسباق التسلح في الحرب الباردة ونداؤه الشهير للسيد غورباتشوف بأن “يهدم هذا الجدار! “. كل ذلك ساهم بشكل كبير في زيادة الضغط على طول خط الصدع الجيوسياسي للستار الحديدي.  

أما الطور المفاجئ (اللاخطي) فقد انطلق في وقت مبكر من مساء يوم 9 نوفمبر 1989، عندما أدلى عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الألماني الشرقي ببيان على الملأ مفاده أن الألمان الشرقيين سيسمح لهم على الفور بالسفر إلى الخارج!

تلقّف المواطنون في برلين الشرقية هذه “الشرارة” وتجمهروا أمام الجدار عند المعبر، وما هي إلا ساعات قليلة (حوالي الساعة 11:30 من مساء اليوم ذاته) حتى أمر ضابط أمن كبير من الستازي (الأمن الألماني الشرقي) اثنين من حراس المعبر بفتح “القفص” البرليني الشرقي من البوابة الرئيسية فاجتاحت الجماهير المبتهجة الجدار وأخذ الآلاف من الناس الفؤوس والمطارق في تلك الليلة بالذات وبدأوا في تحطيم ما استطاعوا من هذا الجدار.

دروس هذا الحدث التاريخي والمفصلي عديدة ومتشعبة، وقد لا يهمنا منها إلا ما يمكن أن يُلهم الحالة السورية وما نتج عن هذه الحالة من “جدران” فاصلة، منها ما بُنِيَ لنا ومنها ما بنيناه بأنفسنا، نحن السوريون:

  • جدران طائفية وعرقية …
  • جدران سياسية فَصَلت بلا رحمة بين “موالين” و “معارضين”، لا توسّط بينهما …
  • جدران جيوسياسية فصلت بين سوريي “الداخل” وسوريي “الخارج”…
  • جدران ذهنية تمترست خلفها العقول دون وعي لأثرها السلبي المعطل للحوار والممزق للنسيج المجتمعي…
  • جدران اقتصادية داخلية بين تجار الأزمة و “المٌتاجَر” بقوت عيشهم …
  • جدران اقتصادية خارجية بنتها العقوبات الخبيثة…
  • وجدران حربية حقيقية أقاموها بحجة “المساعدة” في محاربة الإرهاب وإقامة مناطق “آمنة”…
  • …..

أوجه الشبه (والمفارقات) عديدة بين ألمانيا بعد الحرب وسورية اليوم فيما يتعلق بالجدران.

ولعل أبرز هذه الأوجه أن جدار برلين أرادوا منه أن يكون رمزًا قويًا للحرب الباردة التي اشتدت بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كما أرادوا منه التذكير الدائم بأن الحرب الباردة إذا ما تحولت إلى ساخنة، فستكون ألمانيا – الشرقية والغربية – ميدان المعركة الرئيسي والأكثر فتكًا.

أما جدراننا فقد أراد جميع من ساهم في بنائها من “اللاعبين” المحليين والإقليميين والدوليين (ووكلائهم) أن يجعلوا من سورية، كما يبدو، رمزاً لـ “السلم الساخن” بين القوى الكبرى، وربما أرادوا منها أيضاً التذكير الدائم بأن هذا السلم الساخن إذا ما ازدادت سخونته وتحوّل إلى حرب، فستكون حرباً إقليمية أو عالمية شاملة وفتاكة، وستكون سورية ميدانها الرئيسي.

فأين نحن الآن من مشوار إسقاط جدراننا بكافة أنواعها؟

من المؤكد أننا في الطور الأول (التدريجي) من مسار الإفلاس للقوى الداخلية والخارجية المتربصة بهذا البلد، بما فيها قوى الإرهاب، لكن كيف لنا أن نهيئ الأرضية المناسبة للطور “اللاخطي” المنتظر والحاسم إن لم نسقط جدراننا الذهنية الذاتية، التي ستوصلنا إلى الحوار الخصب والمنتج، ومن ثم الخلاص؟

السوريون والحوار المفقود: قراءة علمية

التواصل “communication” وما يمكن أن ينتج عنه من حوار Dialogue بين الناس في المجتمع الواحد يتم عبر تبادل الكلمات التي من المفروض أن تحدث قيمة مضافة مشتركة بين كل من المتحدث والسامع (المرسل والمستقبل) عن طريق تغذية العواطف والتفهّم لدى الطرفين ذهاباً وإياباً، وتضخيمهما. لكن ماذا لو “أطفأ” كل طرف قناة الاستقبال لديه في كل تواصل واستشرس في الإرسال؟ ماذا سيحصل عندها للعواطف وتفهّم الآخر؟ أليس هذا حال مجتمعنا المأزوم في التواصل بين أفراده، إن بشكل مباشر أم عبر الإعلام أم عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

لننظر إلى مسألتي التواصل والحوار بعيون “فيزيائية” بحتة…

تفيد الدراسات والتجارب العالمية أن السبب الرئيس وراء فشل التواصل بين أفراد المجتمع هو فقدان الالتزام بالـ “التأمل” المتبادل بوجهات النظر المطروحة وبالردود عليها. إن غياب هذا الالتزام في ثقافتنا الحالية، في ظل الأزمة التي نعيشها، يشكل السبب الرئيسي وراء كوننا لا نزال نجد أنفسنا في مواجهة دائمة مع بعضنا البعض، مشلولين بفيروس الانقسام إلى “نحن” و “هم”.

لقد قام العلماء، وعلى رأسهم الفيزيائي والفيلسوف David Bohm، بمساع حثيثة لتحليل وتشخيص وتقويم هذا “الاعوجاج” في عملية التواصل في المجتمعات حتى قبل أن يتم اختراع الويب ووسائل التواصل الاجتماعي حيث سعى Bohm إلى سبر كيمياء التواصل الإنساني، وما يحول دون استماعنا إلى بعضنا البعض، وكيف يمكننا تجاوز تلك الحواجز التي تعترض التفاهم المتبادل.

تقودنا هذه المساعي إلى العودة إلى أصول التواصل بإجراء “تشريح” لكلمة “communication” لنجدها مشتقة من الجذر اليوناني Commun الذي يعني “مشترك” أو “مشاعي” وبالتالي فإن فعل التواصل “to communicate” يعني نقل معلومة أو معرفة وجعلها مشتركة بين المرسل والمستقبل. لكن هذا المعنى لا يشتمل على كل ما يدل عليه التواصل. لننظر على سبيل المثال إلى ما يجب أن يحصل في حالة الحوار بين شخصين أو طرفين: عندما يقول شخص ما شيئا، فإن الشخص الآخر لا يستجيب بشكل عام بنفس المعنى تماماً كما يراه الشخص الأول وبدلا من ذلك، تكون المعاني متشابهة Similar لكن غير متطابقة Identical. وهكذا، عندما يجيب الشخص الثاني، فإن الشخص الأول يرى فرقا بين ما كان يقصده وما يفهمه الشخص الآخر. وعند النظر في هذا الاختلاف، قد يتمكن بعد ذلك من رؤية شيء جديد، ذي صلة بكل من وجهات نظره الخاصة وآراء الشخص الآخر. وهكذا يمكن أن تتكرر العملية ذهابا وإيابا، مع بزوغ مستمر لمحتوى جديد مشترك بين كل من المرسل والمستقبل.

في الحوار إذاً، لا يحاول كل شخص تعميم أو فرض أفكاره المعروفة له. لكن بدلاً من ذلك، فإن الطرفين يصنعان شيئاً ما معاً، ويحققان قيمة مضافة جديدة. لكن هكذا تواصل يمكن أن يؤدي إلى خلق شيء جديد فقط في حال كان الطرفان قادرين على الاستماع بحرية لبعضها البعض، دون تحيز، ودون محاولة للتأثير على بعضها البعض. ويجب أن يتوخى كل منهما وبالدرجة الأولى الحقيقة والاتساق، حتى يكون مستعدا للتخلي عن أفكاره ونواياه القديمة، والذهاب إلى شيء مختلف، عندما يطلب ذلك.

لنلاحظ أن هذا النوع من آليات التواصل الهادفة إلى خلق شيء جديد، لا يحدث بين الناس فحسب بل داخل عقول الناس. لنأخذ مثلاً حالة الباحث الذي يشارك خلال بحثه العلمي في “حوار” مماثل مع الطبيعة عندما يكون لدى هذا الباحث فكرة مسبقة أو فرضية ويريد اختبارها عن طريق الملاحظة. ما يحدث في غالب الأحيان أن ما يلاحظه يكون مشابهاً فقط لما هو في عقله لكنه غير مطابق تماماً. وبالنظر في أوجه الشبه والاختلافات يحصل الباحث على فكرة جديدة أو معدلة مع البزوغ المستمر لأشياء جديدة، وهكذا إلى أن يتوصل الباحث إلى قناعة نهائية.

إن هذه القابلية الذهنية لدى الفرد للتفاعل مع الآراء والأفكار الجديدة البازغة خلال التواصل والحوار تشكل المفتاح الأساسي لأي حوار خلاق. وعلى العكس من ذلك، فإن الميل إلى التمسك بآرائنا الحالية والتمترس حولها لا يزيد عن كونه نوعاً من إحاطة عقولنا بكتل حماية شبيهة بتلك الكتل البيتونية (البلوكات) التي توضع حول المؤسسات الأمنية والحكومية الحساسة لحمايتها من الهجمات الإرهابية لكنها في حالة العقول تكون، كما يفيد علماء النفس، بهدف الحماية الذاتية من حالة عدم اليقين التي نعيشها، دون أن ندري أن هذا الـ “بلوك” المحيط بعقلنا من شأنه أن يعطل مقدرتنا على الاستماع للآخر. لذلك فإن الحوار الخصيب والمنتج، يتطلب منا أن ننتبه أولا إلى “بلوكاتنا” الخاصة بنا، ثم أن نكون مستعدين للتغلب عليها.

وباستئناف التشريح اللغوي للكلمات وبما يخص هذه المرة كلمة حوار Dialogue نرى أنها تأتي من الأصل اليوناني dialogos وهي كلمة مركبة من Logos وتعني “الكلمة”، أو بالأحرى “معنى الكلمة”. أما dia فتعني “من خلال” وليس “اثنان” فالحوار يمكن أن يكون بين أي عدد من الناس، وليس اثنين فقط كما هو معتقد. حتى أن شخصاً واحداً يمكن أن يكون لديه شعور بالحوار داخل نفسه، إذا كانت روح الحوار موجودة لديه.

الصورة التي يقترحها هذا التحليل هي إذاً تيار من المعاني والتفاهمات التلقائية ينساب بين المتحاورين وعبرهم، ومن رحم هذا الانسياب بالمعاني تولد التفاهمات الجديدة. إن هذه المعاني والتفاهمات الوليدة شيء إبداعي ومشترك، وتمثل “الصمغ” أو “الإسمنت” الذي يجعل المجتمع متماسكاً.

الحوار ليس مناقشة أو مناظرة أو “منازلة” أو “مماحكة” فهذه الأنماط من التواصل غالباً ما تكون أشبه بلعبة “بينغ بونغ”، حيث يضرب الناس الأفكار/الكرة ذهابا وإيابا بهدف الفوز أو تسجيل النقاط…

في الحوار، لا أحد يحاول الفوز فالجميع يفوز عندما يفوز أي شخص. انها حالة لطالما عرفت في العلاقات الإنسانية تحت مسمى “رابح – رابح” بينما في “حوار الطرشان” الذي يتم بين أفراد المجتمع السوري (إن تم) تكون الحالة “خاسر – خاسر”، والبلد بالطبع هي الخاسر والمجتمع خاسر وجميعنا خاسرون، دون أن يعي أحد ذلك أو يتعظ….

إن بعض الافتراضات والأحكام المسبقة باتت وكأنها خوارزميات (برامج كمبيوتر) مزروعة في أذهاننا كي تتصدى لأية نية حسنة قد تراودنا، بل أن هذه البرامج باتت تنتج نواياها الخاصة بها. لذلك فإن الحوار الحقيقي والمنتج الذي نفتقده كسوريين لا يقودنا إلى ضرورة التشكيك في الافتراضات السلبية التي بنيت عليها آراؤنا المسبقة فحسب، بل يدعونا إلى إجراء مراجعة ذاتية مستمرة على مستوى عملية التفكير ذاتها، وهي العملية التي تمثل آراؤنا منتجاً لها. وعلى هذه المراجعة الذاتية أن تجري على المستوى الفردي كما على المستوى الجمعي.

وهكذا فمن الضروري التواصل والتفاهم والتشارك في المعاني الأساسية للحياة في المجتمع الواحد كمعنى الدولة والمجتمع والحرية والمواطنة والعلمانية والدين، وبالطبع، الإرهاب… الخ، حتى يتمكن الناس من العيش معا، وإلا فإن التعاطف بين الناس سوف يتلاشى نهائياً …

وإن تمكنا من التواصل فعلاً، سنرى قيم التعاطف والتشارك والصداقة والحب تتنامى وتتنامى…

وسيكون ذلك هو الطريق …

بين الدِغاجية الفرنسية والعربية “Le dégagisme”

 

يعود أصل هذا المصطلح مع “ملكيته الفكرية” إلى الهتاف الشهير الذي انطلق ضد الرئيس المخلوع “بن علي” خلال الربيع التونسي الذي أعقب انتفاضة البوعزيزي عندما ظلت الجموع تهتف “Dégage” أي “ارحل” حتى رحل مرغماً…

في فرنسا انتعش هذا المصطلح مجدداً عندما أحياه السياسي اليساري جان لوك ملانشون بإظهاره على شكل نَزعة برزت خلال زلزال الانتخابات الرئاسية الأخيرة الذي شهد إزاحة القواعد الشعبية في الجولة التمهيدية من هذه الانتخابات لرموز السياسة التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، والإطاحة بأحزابهم، مما ساعد في بلورة الدغاجية كتيار فكري أو عقيدة سياسية خيمت على المشهد السياسي الفرنسي.

ودرج هذا المصطلح (الدغاجية) على لسان الجميع في النقاشات والتحاليل السياسية، في إشارة إلى رفض الناخبين المحبَطين لسياسييهم والرغبة في إزاحتهم عن الأمكنة التي يتبوؤونها، مع فارق جوهري من حيث المفهوم بين الدغاجية الفرنسية والدغاجية العربية وهو أن إزاحة القادة في الديغاجية الفرنسية تتم باستخدام القوة الناعمة والأدوات الديمقراطية المتاحة، وبالتزامن مع “مبايعة” زعماء جدد يحلون محل القدامى بفضل ما يحملونه من أفكار جديدة وآمال جديدة للناخبين المحبطين.

بعض المحللين السياسيين الفرنسيين ذهب به الإعجاب بهذه العقيدة السياسية الجديدة إلى الربط بين دغاجية اليوم ودغاجية الأمس حين كانت المقصلة تمثل بامتياز الأداة الفعالة للديغاجية أيام الثورة الفرنسية.

وهناك من ذهب بعيداً في مخيلته ليوسع مفهوم الدغاجية لتشمل الإزاحة “الوقائية” لمن تستبشر الجماهير به خيراً حتى قبل أن يترشح أو يُرشح للزعامة، أي “حرقه” مسبقاً بتشويه سمعته بطريقة ما، وهنا تلتقي الدغاجية الفرنسية مع نظيرتها العربية فالديغاجية الوقائية العربية القائمة على الحرق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي لإنسان عليه علامات الزعامة (لشغل أي منصب) يعدّ كما هو معلوم من شيمنا الكبرى ومن أكثر الممارسات شيوعاً في مجتمعنا، هذا إلى جانب الديغاجية التي تمارس بكثافة على المستوى الفردي عندما “يحفر” الإنسان لأخيه الإنسان الناجح ليوقعه بدافع من الغيرة والحسد. أما أشد أنواع الدغاجية ضرراً وقذراً فهو ذلك الفكر التكفيري والتخويني الذي تسلل إلى مجتمعنا السوري خلال أزمته وعاث فيه ما عاث من فساد وإرهاب.

ويبقى صندوق الاقتراع النزيه والشفاف أجمل وأضمن الأسلحة لممارسة الديغاجية بأفضل أساليبها الديمقراطية، ودون منازع….

من مخلفات الأزمة: الضرب بناقص واحد

تعلمنا من الرياضيات والجبر أن عملية الضرب بالعدد (-١) من شأنها أن تعكس إشارة العدد المضروب فإن كان موجباً يصبح سالباً وبالعكس.

وينسحب هذا المفهوم على علوم الفيزياء حيث يؤدي الضرب بناقص واحد إلى عكس الحالة الفيزيائية التي يمثلها الرقم فالسخونة مثلاً تصبح برودة والقوة ينعكس اتجاهها وكذلك الحقل الكهربائي والمغناطيسي وهكذا…

وإذا انتقلنا إلى الأشخاص نجد مثلاً أن مزاج الشخص سرعان ما ينقلب متحولاً من الفرح إلى الحزن نتيجة تعرضه لمصيبة أو سماعه خبراً سيئاً، وهذا الانقلاب في النفسية أو المزاج، بالمفهوم الرياضي، ليس إلا “انضراباً” بناقص واحد. وربما تكون مقولة “انضرب على رأسه أو قلبه” الشائعة قد جاءت من هنا!!

وإذا كان الأشخاص قابلين للإنضراب نفسياً بناقص واحد فهذا يعني أن مصفوفة القيم الأخلاقية لديهم قابلة للانضراب أيضاً، فالشريف قد ينقلب إلى فاسد والصادق إلى كاذب والوطني إلى خائن والمواطن الصالح إلى مخرّب وربما إلى إرهابي وهكذا…

المرعب في الأمر هنا عندما تصبح هذه القيم “المضروبة” هي الطبيعية والسائدة وينام أصحابها قريري العين مرتاحي الضمير، يجمعون الثروات ولا يترددون في شيطنة وتخوين الآخرين ممن آثروا المحافظة على قيمهم (حتى لو كانوا أكثرية) إلى أن “ينضرب” المجتمع بأكمله، وهنا الطامة الكبرى ….

ولعل ذلك ينقلنا إلى مستوى البلدان، فهل يمكن لبلد ما أن يُضرب بأكمله بناقص واحد؟

نعم، وللأسف… أليست غالبية دولنا العربية مضروبة بناقص واحد لما تتسم به من تخلّف اجتماعي واقتصادي وسياسي؟ إن ضرب أي بلد بناقص واحد يمكن أن يتم إما بـمؤامرة خارجية أو بانقلاب عسكري لتغيير سياسته، أو حتى بعملية “ديمقراطية” ينتخب فيها رئيس مضروبة قيمُه تأتي به أغلبية من الناخبين بعد ضربهم بناقص واحد من خلال حملة انتخابية تقوم على قلب الحقائق واحتقار الأفكار والقيم الأخرى السائدة (ترامب نموذجاً)…..

وبالإسقاط على المشهد السوري نجد، بعيداً عن الانقسامات السياسية، أن الفاجعة التي ألمّت بهذا البلد الآمن قد أفرزت نمطين أساسيين من الانضراب بهذا الناقص واحد اللعين. النمط الأول، انضراب “حميد”  نسبياً وشامل على المستوى الإنساني والوجداني. شامل لأن من النادر أن نرى سورياً في الداخل أو الخارج إلّا وفقد عزيزاً أو نزح عن دياره التي هُدمت أو هاجر من وطنه أو فقد سبل عيشه. وحميد نظراً لطبيعته القابلة للشفاء بإذن الله بفضل فطرة الإيمان والتعلق بالوطن والتسامح التي زرعها الله في نفوس هذا الشعب الطيب الأبي، فيما لو توفر له القليل من “جبر الخواطر”…

أما النمط الثاني، فهو ذلك النمط “الخبيث” الذي طال منظومة القيم لدى كل من اندفع للاستفادة من هذه الأزمة بممارسة وفرض شريعة الفساد واللا قانون فكانت النتيجة أن ارتشح الفاسدون والمخربون وأمراء الحرب و “المعفِّشون”، في مفاصل المجتمع وراحوا يعيثون فيها فساداً وتخريباً للّحمة الوطنية وقيم المواطنة الصالحة.

السؤال الذي يطرح نفسه إذا ما أردنا الاستمرار في هذا “التمرين” الرياضي: كيف السبيل لضرب “المضروب” مرة أخرى بناقص واحد لإعادته إلى صوابه (على قاعدة  -١ x -١=+١)؟ وهل يمكن للرياضيات أن تساهم في استمالة العقل البشري الجمعي للوصول إلى هذا الهدف؟ من المفيد، قبل محاولة الإجابة على هذا التساؤل، التأكيد على أن الدواعش وقوى الإرهاب، وكل من دنّس الأرض السورية الطاهرة من قوى إرهابية أخرى عابرة للحدود غير مشمولين بهذا التساؤل فهؤلاء، بحكم المورثات التي يحملونها، لا علاج لهم إلا الضرب بالعدد صفر، هم وأمثالهم من المرتهنين إلى الخارج.

في الواقع وكما هو معروف، فإن العقل البشري ليس جامداً بل يمثل جملة حركية تفاعلية. ووفقاً لنظرية التحكم فإن لكل جملة حركية حالات States . هذه الحالات هي إحداثيات الجملة داخل ما يسمى بفضاء الحالة State Space. ولكل جملة حركية قاعدة تطور عبارة عن تابع رياضي أو خوارزمية تصف ارتباط حالة الجملة مع الزمان أو المكان (ما يسمى بالزمكنة) وتحدد بالتالي الحالات المستقبلية للجملة اعتماداً على حالتها الراهنة.

من هنا نرى أن التأثير باتجاه معين على العقل الجمعي “المضروب” يتوقف على بناء النموذج الرياضي الممثل لواقع السلوك الجمعي وكذلك تصميم الخوارزمية المناسبة للزمان والمكان وتطبيقها تدريجياً من خلال التواصل الممنهج مع هذا العقل باستخدام وسائل إرشادية تربوية متخصصة يأتي على رأسها الإعلام والتربية والتعليم والخطاب الديني.. الخ، مع الإشارة إلى أن خوارزمية التطور لهكذا حالات تكون ذات طبيعة احتمالية Probabilistic وليس حتمية Deterministic.

لا مجال للاسترسال هنا في هذه المواضيع التخصصية والمعقدة، لكن ما أردت الإشارة إليه هو أن المقاربات الرياضية (بالاعتماد على البيانات الضخمة) تقع اليوم في صلب الأبحاث العلمية القائمة في مجال العلوم الاجتماعية المدعومة بالاختصاصات البينية الأخرى Interdisciplinary وعلى رأسها علم النفس السلوكي الذي أصبح هو أيضاً قابلاً للنمذجة الرياضية.

فهل من دور لمقاربات رياضية علمية كهذه في معالجة مخلفات الأزمة السورية؟ ومن ذا الذي يملك رفاهية الصبر والقدرة على الخوض في تجربة كهذه؟ وأي نموذج رياضي هذا القادر على توصيف حقيقة الركام الاجتماعي الناتج عن أكبر وأعقد أزمة في التاريخ الحديث؟

فساد فرُهاب فتطرّف فإرهاب: متى يقرّ الغرب بالمنشأ الحقيقي للإرهاب؟

إن كان لشرارات الإرهاب الوحشي والمؤسف التي تتطاير باضطراد من منطقتنا لتطال الغرب من “محاسن” فهي أنها ستسهم، عاجلاً أم آجلاً، في وضع حكامهم وصانعي قراراتهم على المحك أمام شعوبهم لجهة المنشأ الحقيقي لهذا الإرهاب الذي طالما اكتوت وتكتوي منطقتنا بناره. لا مجال هنا للافتراضات والاجتهادات فسأكتفي، على قاعدة “من فمك أدينك”، بالاستشهاد بعينات مما وصلت إليه مراكز بحوثهم وخزانات تفكيرهم من نتائج في هذا المجال. فمعهد “كارنيغي” للسلام حول العالم انتهى بنتيجة أبحاثه وندواته إلى نتيجة هامة مفادها أن الفساد الحكومي بات “محركاً للنزاعات عبر العالم نظراً لما يسببه من آثار جانبية خطيرة على الأمن الدولي بدءً من نمو شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتعاطف والتناغم مع المنظمات الإرهابية (بما في ذلك تقديم التسهيلات لها)، وصولاً إلى الاضطرابات الاقتصادية الحادة، وانتهاءً بالتشجيع على التطرف وتأجيج الخلافات العرقية أو الدينية أو اللغوية لدى قطاعات معينة من السكان”. وعلى الرغم من ذلك (والاستنتاج منسوب إلى هذه الأبحاث)، يبقى الفساد الحكومي المنظم غائباً عن أجندة التبادلات والتفاهمات الثنائية رفيعة المستوى بين الدول. ذلك لأن الحكومات الغربية وجهاتها الفاعلة الرئيسية لا زالت تغمض أعينها عن دور هذا الفساد في مفاقمة الأمن الدولي، لسبب بسيط وهو أنها تعي ضمنياً الدور الذي تقوم به هي في تمكين هذا الفساد.

والأقوى من ذلك تلك “الصرخة” التي صدرت عن منظمة “الشفافية الدولية” غير الحكومية التي أعلنت منذ أسابيع قليلة في تقرير أعده فرعها البريطاني بعنوان: “التحول الكبير: الفساد وظهور التطرف العنيف”، أن “الحركات المتطرفة مثل تنظيم داعش تزدهر عندما يفقد الناس ثقتهم تماما بمن يتولون الحكم، وعندما يستفيد المسؤولون من بؤس الغالبية الكبرى من الناس، وعندما تستغل الشرطة بدلا من ان تحمي، وعندما تحتكر أقلية الفرص الاقتصادية”. وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن مجموعات إرهابية مثل داعش وجماعة “بوكو حرام” تستفيد من الفساد لتجنيد عناصرها، بتقديم نفسها على انها البديل عن السلطات الفاسدة. كما دعت الحكومات الغربية الى “التصدي” للفساد الذي ساهم في العراق وليبيا ونيجيريا في ظهور هذه الحركات المتطرفة. وأكدت ان “التصدي للفساد وعدم التساهل معه يجب ان يكون الاولوية المطلقة لدى الحكومات الغربية”.

وبالإسقاط على ما يحدث في منطقتنا التي وقعت في فخ “الربيع العربي” نجد أن الفساد المتأصل فيها وجد بيئة خصبة لكسب مزيد من فرص النمو السرطاني والتناغم العضوي مع الإرهاب مشكلاً دائرة شيطانية محركاتها الإرهاب والفساد ووقودها الناس والحجارة. إلا أن الإرهاب الذي طفا على السطح شكل الكتلة المرئية من جبل جليد أو Iceberg (كما في الرسم) انبرت أمم الأرض كافة وتحالفت محلياً وإقليمياً وعالمياً لاجتثاثها غير آبهة بما يخفي هذا الجبل في جزئه “الفسادي” الغاطس من قوى ظلامية أخرى اتخذت من الفساد ومظاهر الانفلات والتسلط وغياب القانون منهجاً. مظاهر كهذه لا يمكن أن تعبّر إلا عن منظومة فساد عميق ومتخفٍّ تمثل من حيث  لا يدري الفاسدون (أو يدرون) منجم إرهاب لا ينضب.

فهل حان الوقت ليدرك حكام الغرب بعد أن “وصل البلّ إلى ذقونهم” تداعيات هذا الفساد على كل من ممارسيه وممكِّنيه، وعلى الأمن والاستقرار العالميين؟ ألم يروا كيف أن رائحة الفساد العفنة التي فاحت وتفوح في كل مكان من المستويات العليا للسلطة باتت تثير حفيظة المتظاهرين في العديد من الدول بعد أن فقدوا الثقة بحكوماتهم؟  ألم يروا أن الأمر لم يعد يتوقف في بعض الدول عند حد التظاهرات والاحتجاجات، بل بات يتمظهر في عنف مضاد متخذاً أشكالاً عديدةً أخطرها الشكل الديني المغذي لتنظيمات تكفيرية متطرفة تمارس القتل والتشريد؟ أليس تدفق المقاتلين من جميع أنحاء العالم إلى هذه التنظيمات، وخصوصاً من الفئات التي تعاني من التهميش نتيجة الفساد وضياع الهوية وفشل نموذج التعددية الثقافية والدينية، إلا دليلاً حياً وشاهداً على هذا العنف المضاد؟

إن فساد الدولة في عصر العولمة بات أشبه بداءٍ أممي عضال يرتشح عبر الدول ويتفاعل فيها بمستويات مختلفة تتدرج من الديمقراطيات الليبرالية التي تخال نفسها “نظيفة” منه، في الوقت الذي تُسهم في و/أو تتغاضى عن تمكين هذا الداء لدى الدول الضعيفة، صعوداً إلى بعض الأنظمة الكليبتوقراطية التي تتخذ من الفساد نظاماً لحوكمتها فتتحول بالنتيجة إلى مرتعٍ للعنف والتطرف والإرهاب.

آلية إنتاج الإرهاب باتت واضحة: فساد فرهاب فتطرف فإرهاب…

فالفساد يُفقد الثقة بمنظومة الحوكمة في البلد وينتج البؤس والتشرد والحقد والكراهية…

الحقد والكراهية بدورهما يولّدان التطرف والإرهاب…

وعليه فإن الفساد لم يعد إلا مطبخاً للإرهاب…

الفساد بيت الداء، ومحاربته أصل كل دواء…

يتبع ….

النمور الجريحة……. والإرهاب

لا شيء أخطر من نمر جريح

Nothing more dangerous than a wounded tiger

مقولة شائعة ثبتت على الألسن في جميع اللغات، وتشعبت دلالاتها لتشمل مملكتي الحيوان والبشر على حد سواء….

في مملكة الحيوان لا زلت أذكر إثباتاً واقعياً وصارخاً لصحة هذه المقولة من خلال مشهد حفر عميقاً في ذاكرتي منذ طفولتي المبكرة عندما اقتحم جمل هائج نصف مذبوح السوق الرئيسية في منبج (مسقط رأسي) هارباً من المسلخ بعد أن تمكن من الإفلات من جزّاره (الملقب بـ “أبو الكيف”) الذي لم يوفّق يومها بنحره بالضربة القاضية. وراح هذا الجمل الجريح (المتحول إلى إرهابي) يجري مزمجراً والدم يسيل منه، ناشراً الخراب والرعب في سوق هذه البلدة الوديعة التي لم تعرف الإرهاب يوماً، لا الحيواني ولا البشري. وظل “أبو الكيف” يجري خلف هذا الجمل إلى أن خارت قوى الأخير وتمت السيطرة عليه واكتمل نحره كما يجب….

هي إذاً وبكل بساطة آلية التحول الإرهابي لدى الحيوان بمجرد أن يشعر بالجرح والغدر. فما بالكم عندما يُجرح الإنسان ظلماً وهو القادر على التفكير والتنظيم والانتقام؟ لقد تعددت الجروح في مملكة الإنسان واتسع مداها لتطال شعوباً بأكملها، لا سيما في زمن الصراعات الذي نعيش. الفقر جرح والتهميش جرح والفساد جرح والقمع جرح والاستبداد جرح والحرب جرح والنزوح جرح و … و…. وجميعها عوامل تحوّل إرهابي بامتياز، تؤجج التعصب وتهيئ الفرص وتعطي الذرائع للإرهاب التكفيري للانغماس في صفوف الشعب المسكين.

لكن من العجب بمكان أن نرى جامعات الدول “الكبرى” ومراكزها البحثية و”مطابخها” الاستراتيجية مستنفرةً لا تتوقف عن البحث في منشأ الإرهاب وجذوره في منطقتنا وهي تعلم علم اليقين عدد وعمق الجروح التي سببتها حروبها القذرة في المنطقة. ماذا يمكن أن نتوقع من الجرح العراقي أو السوري أو اليمني أو الليبي غير توليد المزيد من “النمور” الجريحة المتحولة إرهابياً أو القابلة للاستغلال من قبل الجماعات التكفيرية؟

الإرهاب لا يُبرَّر مهما كانت الظروف لكن ثمة منظومة بيئية Ecosystem تحتويه لينمو بداخلها وثمة عوامل إخصاب لتسرّع هذا النمو، وكم كان من الأولى والأجدى لحكومات الدول كافة أن تنظر في هذه العوامل قبل أن تشن حروبها وتضطر بعدها إلى حشد “التحالفات الدولية” لشن حرب أخرى ضد الإرهاب الذي بات يهددها في عقر دارها؟ أم أن جميع هذه الحروب جاءت تطبيقاً لمقولة الاستراتيجي العسكري البروسي البارز في القرن التاسع عشر، كارل فون كلاوسفيتز Carl von Clausewitz   عندما قال أن “الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى”؟؟؟

ويستمر المسلسل…… وتستمر المعاناة…..