الإشراف اللائق على رسائل الدكتوراه: دروس وعِبَر عالميّة

مقتطفات من خبرة وتجارب أكاديميين منتمين إلى ثقافات واختصاصات متنوعة، مأخوذة من مقال نشرته مؤخراً صحيفة التايمز/التعليم العالي تحت عنوان “How to be a PhD supervisor”

فيليب موريارتي، أستاذ الفيزياء بجامعة نوتنغهام في بريطانيا:

  • إذا كان باحث الدكتوراه في السنة الأخيرة لا يناقشني بانتظام ويخبرني بأنني مخطئ، وأن تفسيري للبيانات لا يمكن أن يكون صحيحًا لأنه لا يراعي النظريات الأساسية في الفيزياء، فسأكون قلقاً لأن ذلك قد يؤشر إلى انحراف جدي عن المسار المأمول.
  • يجب أن يشعر طالب الدكتوراه بالملكية (Ownership) لمشروع بحثه، وهذا أمر ضروري وإلا سوف أشعر أنني فشلت في إشرافي، لأسباب ليس أقلها المعايير المعتمدة لمنح درجة الدكتوراه في جامعتي، والتي تشترط أن يكون المرشح قد طور القدرة العامة على تصور وتصميم وتنفيذ مشروع لتوليد معرفة جديدة أو تطبيقات أو فهم في تخصصه، وضبط تصميم المشروع في ضوء ما قد يظهر من مشاكل.
  • أؤمن إيمانا راسخا بأنه ينبغي لنا التخلي عن مصطلح “طالب الدكتوراه”، وكبديل عن ذلك نستخدم مصطلح “باحث الدكتوراه” الأكثر دقة. وأنا لست وحدي في هذا التوجه.
  • هذا المصطلح البديل من شأنه أن يساعد في إحداث تغيير في الثقافة يؤدي إلى الاعتراف بشكل أفضل بالدور والمساهمات الأساسية التي يقدمها المرشحون للحصول على درجة الدكتوراه. لقد كنت محظوظًا جدًا بالأستاذ الذي كان قد أشرف على بحثي في الدكتوراه. تعاونت معه بصدق؛ وكنا نناقش الأفكار ونشرّحها، ولم أشعر يوماً بأنني يجب أن “أعرف مكاني وحدودي”.
  • الدكتوراه تعني أن تصبح باحثًا مستقلًا. وهذه العملية عبارة عن رحلة بحثية تتم في بيئة بعيدة عن دوامة الامتحانات والمقررات الدراسية التي تقود المرحلة الجامعية. لا يوجد منهج ولا كتاب دراسي يرسم خطوات الدكتوراه من البداية إلى النهاية ولا توجد مشاكل مطروحة بدقة ويطلب تقديم حلول لها بشكل مفيد. باحثو الدكتوراه في الواقع يكتبون في نهاية مشوارهم كتاباً للجيل القادم من الطلبة الجامعيين – وهذا ما نعنيه عندما نقول إن رسالة الدكتوراه يجب أن تكون حول توسيع نطاق المعرفة في مجال معين.

كارولين بليث، أستاذة علوم الأديان في جامعة أوكلاند، نيوزيلندا:

  • لقد علمني مشرفي درساً قيّماً حول الإشراف الجيد: الإشراف ينطوي على أكثر من مجرد تعليم طالب الدكتوراه كيف يكون كاتبًا وباحثًا جيدًا. إنه يتعلق بالإيمان بالإمكانات الأكاديمية للطلاب، وتعزيز ثقتهم بنفسهم ودعمهم في مسارات الحياة التي يختارونها.
  • منذ بداية مشواري لتحضير الدكتوراه، تشكل عندي إحساس قوي من مشرفي بأنه كان يثق بقدراتي الأكاديمية – أرادني أن أنجح، ولم يتوقف عن إخباري بقدرتي على النجاح. كان ملتزماً بمساعدتي في تطوير المهارات التي سوف أحتاج إليها عندما يتعلق الأمر بالبحث عن وظيفة بعد الدكتوراه. نصحني بالتدريس في وقت مبكر، حتى أتمكن من معرفة المزيد عن فن التدريس. شجعني على قضاء فصل دراسي في مؤسسة خارجية، وكانت تجربة مثمرة لي بشكل خاص، مما سمح لي بتطوير ثقتي بنفسي على المستويين الشخصي والأكاديمي. أخيرًا، غرس في نفسي شغفًا بالتشبيك والتعاون مع الناس، وكلاهما أثبتا طوال مسيرتي الأكاديمية أنهما لا يقدران بثمن.
  • وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، حين توليت عباءة الإشراف على الدكتوراه، بقيت هذه الدروس التي تعلمتها من المشرف ملازمة لي. فبالإضافة إلى توجيه طلابي في أمور البحث والكتابة، أصرف دائمًا بعض الوقت لمشاركتهم بعض المهارات القابلة للتحويل التي اكتسبتها. أشجعهم على المشاركة في المشاريع التي من شأنها بناء ثقتهم بأنفسهم كأكاديميين وأحثهم على المشاركة بانتظام في المؤتمرات، ودعوت بعضهم إلى مشاركتي في كتابة مقترحات المشاريع. أسعى للحصول على فرص لهم للتواصل مع الأكاديميين الآخرين في مجالهم، أو التقدم للحصول على وظيفة أكاديمية. أريد دائماً أن يعرف طلابي أنني سأبذل قصارى جهدي لتعزيز قدراتهم ودعم جهودهم.
  • مع ذلك، يجب ألا يركز الإشراف الجيد فقط على فرص العمل المستقبلية للطالب. أن تكون مشرفًا لائقًا يعني أن تكون إنسانًا لائقًا وأن تُظهر للطلاب احترامك ودعمك.
  • ينبع لدي هذا الإحساس الأساسي باللطف من الاعتراف بأن طلاب الدكتوراه هم بشر، مثلنا تمامًا. إنهم ينظرون إلينا كأشخاص مثالين ومن مسؤوليتنا أن نظهر لهم أننا أكاديميون طيبون وأشخاص طيبون. نأمل منهم أن يستمروا في هذا التقليد إن أصبحوا في السنوات اللاحقة مشرفين على طلاب دكتوراه.
  • اللطف هو شيء أضعه في طليعة العلاقات التي أشاركها مع جميع طلابي، وبصراحة، هذا ليس بالأمر الصعب. حركات صغيرة مثل كلمات التشجيع للطالب خلال لحظات الشك الذاتي، أو أذن صاغية له عندما تتكاثر ضغوط الحياة عليه، أو فنجان قهوة أو غداء مشترك، حركات صغيرة لا زلت أتذكرها، لكنها كبيرة في إسهامها بتسهيل الرحلة نحو الحصول على الدكتوراه.

كلير كيلي، أستاذة في العلوم النفسية والعصبية في ترينيتي كوليج بدبلن، ايرلندا:

  • ثمة أدوار هامة في الحياة تأتي بدون تدريب، وعليك أن تتعلمها بالممارسة (On the job). أن تكون أحد الوالدين هو مثال عن هذه الأدوار، وأن تكون مشرفًا على طالب دكتوراه هو مثال آخر. ربما يمتد التشابه بين هذه المهام إلى أبعد من ذلك – بالنسبة لي، أن أكون مشرفةً على طلبة دكتوراه يعني إتاحة الفرصة لتربية باحثين شباب وتزويدهم بأساس قوي وآمن يمكّنهم من تأمين مهنة لهم.
  • يتضمن ذلك معرفة أفضل السبل لدعمهم وتشجيعهم، مع تحديد قوي للتوقعات والحدود. هذا يعني أن تكون حاضرًا ومتاحًا لتزويد الطلاب بالمدخلات والتغذية الراجعة، بينما تعزز لديهم الثقة والاستقلالية والشعور بالمسؤولية عن مستقبلهم. وهذا يعني أيضاً أن تكون نموذجًا يحتذى به، وتغرس فيهم المهارات والقيم (مثل النزاهة الأكاديمية) التي سوف تخدمهم طوال حياتهم المهنية، سواء كان ذلك في الأوساط الأكاديمية أو خارجها.
  • من بين أهم الدروس التي تعلمتها من خلال إشرافي على رسائل الدكتوراه، تأتي خطة الإشراف (أو بروتوكول الإشراف): تحديد توقعات واضحة وصريحة، بما في ذلك المهل النهائية والمحطات الرئيسية (كتقديم الأوراق)، والمواعيد المنتظمة للاجتماعات مع الأجندات المحددة، الخ. يمكن أن يفيد توفير هكذا خطة كلاً من الطالب والمشرف.
  • تظهر أهمية توفير هذه البنية بشكل خاص للطلاب القادمين من المرحلة الجامعية الأولى أو من الماجستير بالمقررات، الذين يفتقدون الإحساس بالمهل النهائية وبمتعة الشعور بالإنجاز عندما يلبون المهل النهائية. كما أن وجود الخطة من شأنه أن ينبه المشرف إلى أية علائم لصعوبات قد تعترض طريق الإنجاز، مثل مشاكل الصحة العقلية التي قد تحتاج إلى دعم ومراجعة محتملة لخطة الدكتوراه والجدول الزمني. يمكن أن يوفر أيضًا أساسًا واضحًا للتواصل مع الطالب وإفهامه أن الأمور لا تتقدم كما ينبغي، وأن المضي في البحث قد لا يكون هدفًا واقعيًا على الإطلاق.
  • أعتقد أيضًا أن مسؤولية إدارة العلاقة يجب ألا تقع على عاتق المشرف وحده: يجب أن يتحمل الطلاب أيضًا مسؤولية تقدمهم.
  • يمكن أن يكون تحديد هذه الأدوار والمسؤوليات أحد أكثر الجوانب صعوبة في عملية الإشراف على طلاب الدكتوراه، وقد يكون البحث عن تدريب رسمي للطالب على مهارات الإدارة الجيدة (التي تقدمها الآن العديد من الجامعات) مفيدًا للغاية. لكن في النهاية، سوف تفرض طبيعة الدكتوراه التعامل على أساس كل حالة على حدة تبعاً لشخصية المشرف والطالب وأسلوب عملهما.
  • في بعض الأحيان، ستظل هناك فجوة بين التوقعات وتقدم الطلاب. في مثل هذه الحالات، يمكن أن تساعد هياكل تتبع الأداء والتعليقات المشرفين على تحديد ما إذا كان إكمال الدكتوراه لا زال في متناول اليد أم لا. وبالنظر إلى مناخ التوظيف المتردي في الأوساط الأكاديمية، غالبًا ما يكون الخروج عن مسار الدكتوراه خيارًا عاقلاً، ويجب اعتباره في هذه الحالة بمثابة “تعديل” للأهداف وليس هزيمة أو فشلاً.

جينيفر شنيلمان، أستاذة في العلوم الصيدلانية، جامعة أريزونا في الولايات المتحدة:

  • في الولايات المتحدة يقترب معدل التسرب في برامج الدكتوراه من 50 في المائة للعديد من التخصصات. ذلك لأنه، لدى الحديث عن الخلفية العلمية على وجه التحديد، يجب قبول حقيقة عدم كون كل طالب دكتوراه مهيأ ليصبح باحثاً مستقلاً. وبالتالي يجب علينا إعادة النظر في المعنى والأهمية الحقيقية لامتلاك الدكتوراه.
  • في النهاية، لا يشكل التحول إلى باحث مستقل (بعد الحصول على الدكتوراه) السبيل الوحيد في الحياة للحصول على قيمة مضافة علمية هائلة. إن السنوات التي يكون خلالها طالب الدكتوراه المتسرب قد تعلم مواداً معقدة وأجرى التجارب وحلل البيانات سوف تكون مفيدة جدًا له في حياته المهنية.
  • يجب ألا ينظر المشرف إلى الطالب المتسرب الذي ينتهي به العمل خارج الأوساط الأكاديمية على أنه تجربة استنساخ ذاتي فاشلة. الدكتوراه تعلّم الطلاب كيفية التفكير، وربما علينا توسيع نطاق الإشراف والتوجيه لزيادة مهارات البحث بالتوازي مع المواهب العملية التي تنمي الاستجابة وتشحذ الذكاء في العلاقات الشخصية التي هي ذات قيمة في مجموعة واسعة من الوظائف.
  • في العديد من الجامعات الأمريكية، يتعين على الطلاب الذين يعتزمون الدخول في مرحلة البحث في الدكتوراه اجتياز امتحان ترشيح شفهي مكتوب مدته يومان أو يوم واحد. وعندما يتبين عدم ملاءمة الطالب ليكون باحثًا مستقلاً، نحاول توجيهه إلى وظائف تتناسب ومهاراته بشكل أفضل داخل الأوساط الأكاديمية.

سالكات ماجمدار، أستاذ في الأدب الإنكليزي في جامعة أشوكا، الهند:

  • الطلاب إما أن يكونوا مستهلكين للمعرفة أو منتجين لها. مستهلكو المعرفة هم الذين يتفوقون عادة في الامتحانات لكنهم لا يصبحون بالضرورة منتجين لها، أي باحثين، والعكس صحيح أيضاً. إنتاج المعرفة لدى الطلاب يجب أن يبدأ في وقت مبكر، على شكل أوراق بحثية لطلاب المرحلة الجامعية، على سبيل المثال.
  • هناك نقاشات حول ما إذا كانت الرسالة هي آخر عمل لباحث الدكتوراه أم أنها أول كلام احترافي له. ربما يكون الأمران معاً، لكن النسب تختلف حسبما كان الطالب يعمل في العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية.
  • البحث في العلوم الإنسانية يجري في معظمه من قبل الأفراد، في حين أن البحث في العلوم الأخرى هو على الأغلب نشاط جماعي، بقيادة باحث رئيسي. هذا يعني أن أي شخص حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية هو بالتعريف باحث منفرد قادر على البحث المستقل – إلا إذا حصل على الشهادة بوسائل غير سويّة!
  • هناك صراع بين نهج يرى الدكتوراه كرحلة “انغماس” في العلم، ونهج آخر يراها وسيلة للاحتراف الذي يهدف إلى التآلف مع الحياة المؤسسية للاختصاص العلمي، بما في ذلك البحث عن الوظائف والمنح والزمالات. ثمة ارتباط عضوي بين النهجين ويعزز كل منهما الآخر، إلا أنهما غير متساويين وتختلف درجة التفاعل مع أي من النهجين من طالب إلى آخر.
  • توصيتي لطلابي هي أن يتبعوا مسارا وسطياً، وأن ينطلق توجههم البحثي من مجال يشعل شغفهم، وبمجرد اشتعال “النار”، عليهم أن يركّزوا اهتمامهم في محادثة (Conversation) تخصصهم العلمي ككل.
  • يجب عليهم النشر كطريقة للدخول في المحادثة، وعليهم الحذر من السماح للاحتراف بالتغلب على الاستقلالية والأمانة في حياتهم الفكرية. ينبغي عدم السعي إلى تكييف الأطروحة مع سوق العمل. لكن يتوجب عليهم، ما أن يتبلور المسار العلمي ويوضع البحث على السكة، تحديد كيفية تلبية الاحتياجات وسد الثغرات الموجودة في التخصص كما هو معمول به.

القَضْيَنَةُ بين الأمس واليوم …

اسمحوا لي أولاً أن أبتكر هذا المصطلح الجديد، “القَضْيَنَة”، وأعني به تحويلَ المشكلة أو الانتهاك أو المَظْلَمَة إلى قضية، وليس أيّ قضية، “قضية رأي عام”….

لطالما اعتدنا في ثقافتنا الاجتماعية عندما نودّ أن نُثْنِيَ أحداً عن إشهار (أو تضخيم) مشكلة نعتقد أنها “صغيرة” أو نريد تصغيرها، أن نحاول “ردعه” باستخدام مقولة “لا تعمل منها قضية”. أما الآن، في هذا الزمن الحافل بالتجاوزات والانتهاكات والمظالم والفساد، و الزاخر بفنون وأساليب طمس الحقائق (بل وقلبها)، والالتفاف على القانون، لم يعد هناك من سلاح لفضح التجاوزات وكشف المظالم والفساد غير القَضْيَنَة وتشكيل الرأي الجمعي الصادق حولها، انطلاقاً من قناعة ترسّخت لدى الجميع مفادها أن الحقيقة، ومعها الحق، ستُدفَن إن لم تُقَضْيَن…

ما يدفع إلى القَضْيَنَةِ في كل كبيرة وصغيرة أنها باتت، كما سنرى، عملية سهلة وسريعة وفعالة بفضل الأدوات المُمَكِّنة التي وُضعت بمتناول الجميع، شريطة أن يُحسَنَ استخدامُها، وإلا اتخذت منحى آخر وشكلاً آخر…

القَضْيَنَةُ بالأمس …

حتى الأمس، وقبل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وبالأخص “فيسبوك” و “تويتر”، كان مصطلح “قضيّة رأي عام” يعني الكثير في عالم الصحافة: هي قضية تجتمع حولها آراء مجموعة أو طبقة أو شريحة مجتمعية معينة، غالباً ما كانت تطفو على السطح وتسود مكتسبة إجماعاً شعبياً أو جماهيرياً، حتى لو أحدثت مع بداية ظهورها جدلًا على أرض الواقع ….

فما أن كانت الواقعة تظهر للعلن حتى يتهافت الجميع على متابعة تفاصيلها في الصحافة، وتستمر عالقة في الأذهان حتى تنتهي أحداثها على وجه ما، بعد أن تصبح حديث الشارع.

من سماتها أنها حقيقية وصادقة…

تدخل في صلب العلاقة المجتمعية بين المواطنين ومؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية المعنية…

كما وتكشف قدرة النظام السياسي أو ضعفه في التعامل مع هذا النوع من القضايا…

وغالباً ما كانت تنطلق من جانب أحد الكتَّاب أو الصحف بصورة “سبق صحفي” أو “فضيحة”….

ولا بد أن تنتهي إلى نتيجة واضحة ومنطقية ُتحسَم من خلالها، مهما طال زمنها …

ولعل من أشهر قضايا الرأي العام في التاريخ العربي المعاصر، قضية الأسلحة الفاسدة في مصر (أيام حرب فلسطين) التي استمرت (القضية) أربع سنوات، منذ عام 1950 وحتى 1954، بعد أن أطلقها في سنتها الأولى الكاتب إحسان عبد القدوس في “روز اليوسف”، واستمرت إلى أن أحيلت إلى المحكمة بعد الثورة على الملك فاروق وصدرت الأحكام الخاصة بها.

وفي السنوات القليلة الماضية برزت قضية عقد شراء الأردن للغاز الطبيعي من الكيان الصهيوني (2014) كقضية رأي عام هزت البلاد وتكللت في آخر المطاف بانتصار الجهود المناهضة لهذا العقد…..

والأمثلة عن قضايا أخرى عديدة، سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية… 

ما كان يميز قضايا الرأي الكبرى الحقيقية أيضاً ويزيد من تجذّرها في ذاكرة الشعوب ذلك التأثير المتبادل مع الفن، لدرجة أنها كانت تستلهم منه قصصًا وتُحوّلها إلى أعمال فنية أو يحدث العكس وتتحول مناقشات الفن إلى قضايا كبرى في المجتمع، والأمثلة عديدة في أفلام مثل “أريد حلًا، 1975”، “ملف سامية شعراوي، 1988“، “قضية سميحة بدران، 1990“، أو مسلسل “قضية رأي عام، 2007” ومسلسل “قضية معالي الوزيرة، 2012” وغيرها …

القَضْيَنَةُ اليوم …

أما اليوم فقد انقلب الوضع رأساً على عقب…

تلاشت القَضْيَنَةُ بمعناها التقليدي ولم تعد قضايا الرأي العام كالسابق من حيث الصفات والآليات التي كانت تميزها بعد أن أصبحت “السوشيال ميديا” هي من يطرح القضايا، وأصبحت غالبية الصحف التقليدية “متلقية” لما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي….

والأهم من ذلك أن هذه المواقع جُهِّزَت بسلاح “ديمقراطي شعبي”، ذكي وفعّال، هو ذلك الوسم السحري “#” المسمى بالـ “هاشتاغ”، الذي انطلق في البداية من موقع التغريد “تويتر” وما لبث أن عمّ مواقع التواصل الأخرى وبات الأداة الأكثر شعبية لقنص الانتباه وتحريض حوار ذي وجهات نظر متعددة حول موضوع معين يتطلع صاحبه إلى قَضْيَنَتِهِ.

وازدادت “تعبئة” وتنظيم هذا السلاح الفعال فأصبحت له “بورصة” تمثلت في كل مجتمع وبلد بما بات يعرف بالـ “ترند” (نسبة إلى الكلمة الإنجليزية Trend)، وهي عبارة عن قائمة تتضمن أعلى 10 “هاشتاغات” تداولاً في المواقع في لحظة ما، والتي تتناول قضايا سياسية واجتماعية.  توجد هذه القائمة بشكل دائم على يسار صفحة موقع “تويتر” حيث تقوم المواقع الإخبارية ووكالات الأنباء برصد “الترندات”، ونشر الأخبار والتقارير التي تحملها، حتى أن العديد من القنوات التلفزيونية الرسمية بدأت تتناول أخبارها وما يدور داخلها، الأمر الذي زاد من قوتها الإعلامية.

وهكذا تحولت القضايا إلى “ترندات” واختُزِلت معها إجراءات القَضْيَنَة إلى مجرد العبور السريع إلى قائمة الترند محولةً المواضيع المتداولَة على المواقع إلى تتابع الـ “ترندات” قد يُنسي بعضها بعضاً، وهنا تكمن سلبية هذا التحول ذلك لأن الترند طويلُهُ الزمني يوم واحد أو يومان، والقليل منه يخرج من دائرة “الترند” إلى دائرة القَضْيَنَة “المنتجة” والهادفة إلى وضع القضية المنشودة بتصرف مؤسسات وأجهزة الدولة ذات الشأن بالقضية. يضاف إلى ذلك أن “الترندات” لم تعد تستهوي الفن، ولم يعد الفن ينساق وراءها، لقصر عمرها الزمني الذي يحول دون التفكير في استغلالها.

لكن ذلك لم يمنع الهاشتاغات “الخاطفة” ذات الأثر “الآني”، التي سرعان ما يتجاوز أثرها حدود الفضاء الافتراضي ليتجسّد ميدانياً على أرض الواقع (وهنا تكمن قوة وروعة السوشيال ميديا)، والأمثلة على ذلك عديدة:

  • فالكل يذكر كيف أُجبِرَ وزير العدل المصري صابر محفوظ على الاستقالة من منصبه سريعاً وتحت تأثير هاشتاغ “#أقيلوا_وزير_العدل”، على أثر تصريحاته المسيئة في حق عمال النظافة، التي اعتبر فيها أن أبناءهم غير مؤهلين لولوج سلك القضاء،
  • وكيف أثّر هاشتاغ “#غرق_طفل_سوري” (الطفل إيلان) الذي احتل مركزا متقدما في قائمة الترندات على مستوى العالم، إذ ظهر في أكثر من 30 ألف تغريدة في أقل من خمس ساعات، مما حدا بالسلطات الكندية إلى منح والده المكلوم حق اللجوء في بلادها.
  • وكيف أن محكمة هنغارية قضت بسجن المصورة بيترا لازلو التي قامت بركل طفلة لاجئة، وأسقطت لاجئا سوريا وطفله على الأرض أثناء هروبهم من الشرطة على الحدود الهنغارية الصربية عام 2015، وذلك بفعل الهاشتاغات العالمية التي انهالت عليها وعلى قناتها التلفزيونية، والتي دفعت الأخيرة إلى تسريحها مباشرةً من وظيفتها.
  • وكيف أثارت قضية مشفى الشهيد صالح عبد الهادي حيدر في بلدة سلحب، والذي بني من تبرعات أهل المنطقة، حميّة المجتمع الأهلي على “فيسبوك” إثر إعلان وزارة الصحة عدم قدرتها على استلام المشفى وتشغيله، فما كان من الناشطين إلا أن أطلقوا الهاشتاغ المدوّي “#حملة_دعم_مشفى_الشهيد_صالح_حيدر_سلحب” عبر صفحاتهم في “فيسبوك”، فاندفع العديد من مختلف المشارب والاختصاصات، بشكل عفوي وسريع، إلى التطوع للعمل في المشفى مجاناً.
  • والأمثلة عديدة….

وأصبحت “الهشتقة” علماً قائماً بذاته، وتقانة وفناً….

تشير أدبيات “الهشتقة”، وتعني تصميم الهاشتاغ ووضع استراتيجية وخطة لنشره ومتابعته، إلى أن الهاشتاغ الناجح الذي يفرض ذاته على الساحة هو ذلك الوسم الموجز والواضح والمباشر الذي يعني شيئا مهماً للكثيرين ويؤثر على حياتهم، فأكثر الهاشتاغات نجاحا وانتشاراً هي تلك التي:

  • تتكون من كلمة أو كلمتين أو ثلاثة كحد أقصى،
  • تحمل رسالة وتلامس اهتماما شعبيا عبر تناولها لقضايا إنسانية، اجتماعية أو سياسية.
  • تنبع من صلب الثقافة الشعبية وبلغة يفهمها الجميع، ويحسن أن تمتلك نوعاً من الدعابة والحماسة. من منا لا يذكر على سبيل المثال هاشتاغ “#طلعت_ريحتكن” الذي انطلق من واقع “الهضامة” اللبنانية خلال أزمة النفايات فجاء في المرتبة الأولى، ناهيك عن هاشتاغ “#كلن_يعني_كلن” الذي أصبح الشعار المميز للحراك اللبناني الحالي.
  • تقتصر على هاشتاغ واحد لا أكثر في المنشور الواحد أو التغريدة الواحدة وإلا فإن الفكرة الأساسية سوف تضيع، وستبدو “الهشتقة” عندئذ أقرب إلى “الهرطقة” كما هو ملاحظ في العديد من منشورات الفيسبوك التي تتضمن “تشكيلة” من الهاشتاغات الطويلة التي لن تساهم إلا في تشتيت القضية المنشودة.

وسيكون من المفيد بالنسبة لمستخدمي فيسبوك ربط منشوراتهم (بما فيها الهاشتاغ) بحساباتهم في تويتر (وبالعكس)، وذلك لإتاحة الفرصة للنفاذ إلى قائمة “الترند” وكسب المزيد من الانتشارية.

يمكن معرفة المزيد عن كيفية ربط حساب على فيسبوك مع آخر على تويتر (لذات المشترك) بالضغط هنا.

ما يساعد أيضاً في خروج الهاشتاغ من ذهن مُطْلِقِه إلى العَلَن ثم إلى التداول على نطاق واسع أن يكون لمُطْلِقِه متابعون كثر، أي أن يكون ممن باتوا يعرفون بـ “المؤثرون” Influencers الذين لا يمكن إهمال دورهم المفصلي في إنجاح العملية، على الرغم من أن قسماً كبيراً منهم بات مطمعاً لشركات “التسويق”.

لمعرفة المزيد عن “المؤثرون”، يمكن مراجعة مقالي المنشور سابقاً على هذا الموقع تحت عنوان “المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…” بالضغط هنا.

توسعت الدائرة وأصبحت أكثر عرضة للتلاعب، فحذار…

على الرغم من مرونة وسرعة وفعالية مواقع التواصل الاجتماعي والفائدة الكبرى للهاشتاغات و “الترندات” في لفت انتباه الناس وتحفيزهم على التحرك لمتابعة أو مواجهة قضية ما، إلا أن القضايا الكبرى (مثل قضايا الفساد والقضايا السياسية) لا زالت تتطلب التأني والمتابعة والانتظار أوقاتًا طويلة حتى تنضج وتنتهي. كما أن الأمر لا يخلو من سلبيات و “مطبات” وأساليب خاصة بسوء الاستخدام، ولعل من أبرزها:

  • تلاعب العديد من الشبكات المجهولة (أو الوهمية) عبر الويب لوضع بعض القضايا الهامشية في بؤرة الاهتمام بعد أن أصبح بالإمكان “فبركة الأهمية” باستخدام العديد من تقانات التلاعب مثل اللايكات والشير والهاشتاغات المدفوعة الثمن.
  • المؤثرون الذين يمتلكون اليوم مئات الآلاف من المتابعين، أصبحوا قادرين على تسويق قضايا ربما لا تستحق الأهمية، الأمر الذي زاد من دور شبكات نفوذهم على حساب دور الحقيقة.
  • ولعل المشكلة الأكبر ستكون مع انتشار التقانات الجديدة القادمة (كالذكاء الاصطناعي المعتمد على التعلم الآلي والعميق، وتحليل “البيانات الضخمة” للمستخدمين) وما يمكن أن يتبعها من حسابات وهمية “ذكية” ومتفاعلة يصعب تتبعها، والتي ربما تتفوق على الحسابات الحقيقية في المستقبل، وهنا تكمن الطامة الكبرى: أن تُستخدم هذه التقانات للتحكم في تفكير الشعوب وغسل أدمغتها، وللتحريض والتحشيد المسيّس. لقد بدأت هذه المخاوف تتجسد بالفعل من قبل الحكومات وبمساعدة الشركات الوسيطة التي تدير الحسابات الوهمية وترسل أسراباً مما بات يعرف بـ “الذباب الإلكتروني” حسب الطلب. إنها حروب اليوم “الناعمة” التي لا تقل بقذارتها عن الحروب التقليدية….

وتبقى “القَضْيَنَةُ” الصادقة الطريق الأسلم لإظهار الحقيقة والتصدي للمظالم والمفاسد…

وتبقى مواقع التواصل الاجتماعي منصة حوار فعال لتشكيل الرأي العام الصادق…

الذكاء الاصطناعي لمكافحة الفساد والتهرّب الضريبي – ماذا عنّا؟

في البلدان المتقدمة التي تضمن لمواطنيها حداً أدنى من العيش الكريم من خلال ما توفره من شبكات أمان اجتماعي، يكاد الفساد يقتصر على مظهر عام واحد: التهرّب الضريبي، فيما عدا طبعاً بعض الرشاوي الكبيرة التي قد يتقاضاها البعض من رجال السياسة، والتي يفضحها الإعلام الحرّ من حين لآخر.     

في فرنسا على سبيل المثال، يمثل التهرّب الضريبي نزيفاً للغلّة الضرائبية للدولة تتراوح قيمته بين 80 و100 مليار يورو سنوياً! وعلى الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها جيش عَديدُه يزيد عن 12000 من مفتشي الضرائب الأشداء المنتشرين في جميع المدن للبحث عن المتهرّبين إلا أن النتائج لا تتحسن والعملية تبقى أشبه بصيد السمك باستخدام “القصبة والصنارة”.

أمام هذا الوضع استنجدت وزارة المالية الفرنسية بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة كي تزيد من كفاءة تعقّب دافعي الضرائب “السيّئين” فقامت بتطوير برمجية “تنقيب عن المعلومات Data Mining” تعتمد على الذكاء الاصطناعي (AI) بكلفة تطوير بلغت 20 مليون يورو!!

ولتغذية هذه البرمجية المعقدة بالمعلومات التجارية والأُسَرية اللازمة جهّزت المالية قاعدة بيانات ضخمة (Big Data) شملت خمسة ملايين شركة خاضعة للضرائب في فرنسا بالإضافة إلى بيانات الحالة والدخل لما يزيد عن 37 مليون أسرة فرنسية!!

ويعتمد مبدأ عمل البرمجية على تلمّس حالات الشك الأولي من خلال اكتشاف “الفجوات” بين الأرباح المصرّح بها ونمط الإنفاق في الحياة (ما يسمى بـ “قطار الحياة” Train de vie). هو إذاً تطبيق ذكي، موضوعي وشفاف يهدف إلى تطبيق شعار “من أين لك هذا” الذي لا زلنا نتغنّى به (على الرغم من وقف تنفيذه منذ زمن ليس بقليل!) …  

الملفت للنظر في هذه المنظومة المتطورة أن وزارة المالية الفرنسية اعتمدت أن تراهن على شبكات التواصل الاجتماعي كأحد المصادر الأساسية للتعرّف على نمط الحياة الشخصية، حيث سيتم التنقيب عن البيانات المتعلقة بـ “من أين لك هذا” داخل صفحات الناس على فيسبوك وإنستغرام (حيث اعتاد غالبيتهم أن ينشر على صفحاته أخبار وصور ما يقوم به من أنشطة ورحلات ومشتريات ثمينة وولائم.. الخ). هذا بالإضافة إلى منصات البيع والتأجير الإلكترونية (مثل Amazon و Airbnb) التي ستشكل هي الأخرى مصدراً مكملاً للتزود بالبيانات الدلالية.

الطريف بالأمر فيما يتعلق بهذه الأنشطة “التجسسية” على الإنفاق الأسري أن وزارة المالية في دولة قانون كفرنسا، وانطلاقاً من هاجس عدم انتهاكها لقوانين الخصوصية الشخصية، تقدمت بطلب إلى “الهيئة الوطنية للمعلوميات والحريات” Commission Nationale de l’Informatique et des Libertés (CNIL) للحصول على مباركة الأخيرة لتغذية البرمجية اعتباراً من البيانات الشخصية المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي لكن يبدو أن ثمة تحفظ للهيئة في هذا الخصوص أخذ الموضوع إلى منحى آخر وهو الخوف من أن تحدّ هذه “الاستباحة” للبيانات الشخصية من حرية التعبير على شبكات التواصل الاجتماعي!!! من المتوقع إذاً أن تشهد الساحة الفرنسية مماحكات ومناظرات ساخنة بهذا الخصوص…      

لكن ماذا لو تركنا الشأن الفرنسي جانباً وجئنا بهذه الأداة التكنولوجية الواعدة لنخمّن جدوى تطبيقها على الحالة السورية مفترضين تجاوزاً توفّر البيانات المالية “التفصيلية” المتعلقة بكل أُسرة وشركة و “رجل أعمال” في البلد؟ ما النتائج التي سيخبرنا بها حينئذ هذا “التمرين الافتراضي”؟

  • أتوقع، ولست هنا بالخبير في الشأن الضرائبي، أن يخبرنا بأن الموظفين هم وحدهم من يدفع الضرائب بإخلاص لأنها ُتقتطع تلقائياً من رواتبهم ووفق القانون مهما هزلت هذه الرواتب. إلا أن البرمجية ذاتها يمكن أن توحي لمستخدميها بأنهم (أي الموظفين) هم أيضاً “متهرّبون” بل و “فاسدون”: متهربون لأنهم لا يصرّحون بالدخل الإضافي الذي يتقاضونه “في الظل” ليضمنوا بقاءهم على قيد الحياة، وفاسدون لأن عدداً منهم غير قليل يأتيه هذا الدخل الإضافي على شكل رشاوي يتقاضونها بحكم وظيفتهم…
  • سوف لن يخبرنا بوجود “الحيتان” في البلد أو تجار الحروب والأزمات، لأن هؤلاء قد تمرّسوا وتسلّحوا بمهارات التخفي من أصناف “الرادار” كافة…
  • لكن من الممكن أن يخبرنا بالحجم التقديري لاقتصاد الظل الشائع في البلد. هذا الاقتصاد الذي يشكل بيئة خصبة للتهرب الضريبي في غياب الهيكلة المالية الشاملة والآليات المصرفية ذات العلاقة، والأنماط الحديثة للتعاملات الإلكترونية.

وإذا ما نظرنا إلى العِبَر التي يمكن أن نستنتجها من هذا التمرين الافتراضي إذا ما ثبت صحة تصوّرنا المبسَّط لنتائجه، فسنرى أن العبرة الأولى والأساسية تشير إلى أن تطبيق هكذا برمجية متطورة على نظام ضريبي/مالي بعيد عن شمولية القوانين ودقتها وصرامة تطبيقها يتوافق تماماً مع القاعدة المعلوماتية الشهيرة بل ويكرّسها: ،

“إذا قمتَ بأتمتة فوضى، فستحصل على فوضى مؤتمتة”

If you automate a mess, you get an automated mess

وبالتالي ليس هناك من فائدة مرجوّة من الاستخدام المتقدم للتكنولوجيا الرقمية قبل أن يتم “تنظيف” الأرضية وتجهيزها، وتهيئة وإعمال القوانين الناظمة والهادفة إلى تحقيق العدالة الضريبية.

أما العبرة الثانية فتنحدر من الأولى: هل نحن فعلاً بحاجة إلى ذكاء اصطناعي؟ أم إلى مزيد ومزيد من “الذكاء الطبيعي” المصحوب بالإرادة والصدق والنزاهة والشفافية والحرص على التطبيق الشامل والجدي والصارم للقوانين؟

العلمنة وما أدراك ما العلمنة…

وصل الانقسام السجالي السوري المتعدد الأطراف والمتنامي، الذي يلاحظ يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وصل إلى درجة بات يستحق فيها أن يُنشأ له “ترند” يومي أو أسبوعي يعبر عن مواضيع الانقسام الأكثر تداولاً وسجالاً!!

على سبيل المثال، شكل موضوع العَلْمَنَة Secularization (التحول نحو العلمانية) خلال الأسبوع المنصرم ولا يزال، الترند الأبرز بين مواضيع الانقسام السجالي معبّراً أصدق تعبير عن حالات “التشظي” واليأس والضياع التي ركبت المجتمع السوري منذ بدء الحرب القذرة التي عصفت بالوطن الغالي.

لا أهدف بمقالتي هذه، المخصصة لموضوع العلمنة، إلى المشاركة في السجال القائم حول هذه القضية ذات الحساسية المفرطة، بقدر ما هي الرغبة في إلقاء مزيد من الضوء الموضوعي المستمد من أدبيات الملف والتجارب العالمية حول “القضية”، وذلك لإبراز حجمها الحقيقي وما تنطوي عليه من تحديات وتداعيات.  

لماذا العلمنة؟

كما هو معلوم، فإن العلمانية التي ما فتئ المفكرون والناشطون يبشّرون بها ويدعون إلى “القفز” إلى قطارها رافعين شعار فصل الدين عن السياسة كخيار “دستوري” لبناء الدولة المدنية، إنما تهدف بشكل أساسي إلى الحيلولة دون تحكّم المؤسسات الدينية بالسياسة كي لا تقف حائلاً أمام تحرر المجتمع ونزوعه نحو الحداثة السياسية التي باتت ضرورة لتحقيق السلم الأهلي وتعزيز دولة القانون.

ثمة تساؤلات جوهرية تبرز هنا حول ما تنطوي عليه العلمنة من أبعاد، وما تَعِدُ به من مجتمع حياتي…

فإذا ما عدنا بضعة قرون إلى الوراء سنرى أن الحركات العلمانية التي جاءت في أعقاب الثورة على الكنيسة في القرن السادس عشر قد أسست لبناء مدني للمجتمع منتجة “مجتمع الخلاص” الذي وُصفَ بمجتمع “ما بعد العلمنة”. ذلك لأن العلمانية الأوربية التي هدفت فيما هدفت إلى فصل الدين عن السياسة كانت، قبل كل شيء، علمانية اقتصادية وفكرية وثقافية شاملة امتلكت محركات دافعة استهدفت المجتمع وطالت مفاصله كافة، من الفن إلى التعليم إلى الأخلاق وما إلى ذلك. مع الإشارة، وهنا بيت القصيد، إلى أن هذه العلمانية الأوربية التي جاءت بعد مخاض دامٍ لم تكن في وقتها خياراً فكرياً بل وجدت كضرورة بقاء وحتمية وجود حضاري بعد أن عاش المجتمع الأوربي واقعاً أليماً تخلله صراع دموي ووجودي استمر على شكل حروب دينية متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 و 1648 م)، حروب امتدت من سويسرا إلى الدنمارك مروراً بمعظم الدول الأوربية، ووصل الحال فيها إلى مرحلة مصيرية وخطيرة.

مجتمع الخلاص العلماني

يتسم مجتمع الخلاص الغربي هذا بخصائص حياتية جمّة انطلقت بالأساس من مبدأ “عش ودع الآخر يعيش” Live and let live – Vivre et Laisser Vivre بعيداً عن الانتماء إلى عرق أو عقيدة.  

تفيد الأدبيات أن السمات البراغماتية الرئيسية لهذا المجتمع في “المدينة العلمانية الفاضلة” تتلخص بالتالي:

  1. مجتمع يَدَع الفرد يمارس معتقداته وطقوسه شريطة ألا يمسّ ذلك معتقدات الآخرين ويخلق العقبات أمامهم.
  2. مجتمع تسود فيه الاستحقاقية Meritocracy كمعيار وحيد للحصول على أية وظيفة، وليس الخلفية الدينية/الأثنية/السياسية
  3. مجتمع يضمن حرية التعبير دون أن يسمح لأحد بدسّ السم أو قول أشياء ضد أي دين أو طائفة اجتماعية أو ما شابه باسم حرية التعبير.
  4. مجتمع لا يبشّر بالتسامح بل باحترام الحقوق الفردية والقبول حتى يحترمَ الناس كلٌ منهم الآخر ويقبلَ بعضهم البعض بالطريقة التي يتصرفون بها بغض النظر عن معتقداتهم الدينية/خلفيتهم الأثنية بدلاً من التسامح مع بعضهم البعض لأن التسامح غالباً ما يتم بين الأضداد ويأتي في سياق السكوت على العيوب والتجاوزات.
  5. مجتمع يضمن حق الفرد في ممارسة معتقدات أو اعتناقها أو تغييرها بحرية دون خوف من أي شخص (أو من الدولة)
  6. مجتمع يطمئن إلى أن الحكومة تسمح للناس وتدعمهم في تنمية لغاتهم وثقافاتهم لضمان التعددية الثقافية
  7. مجتمع يتكئ على حيادية وسائل الإعلام وعدم تحيزها ضد أو لصالح مجتمع طائفي أو أثني معين
  8. مجتمع يعي أن جميع الأحزاب السياسية في البلاد تعمل لتحقيق أجندة الوطن بدلاً من السعي لتحقيق مجتمع لغوي أو ديني أو عرقي معين، وبالتالي يجب ألا يكون هناك حزب سياسي يمارس السياسة على أساس ديني أو أثني أو طبقي أو لغوي أو ما إلى ذلك، الأمر الذي لن يفيد إلا بزرع بذور الانقسام بين الناس فقط. وبدلاً من ذلك، يجب على الأحزاب السياسية معالجة القضايا التي يواجهها عامة الناس مثل الأمية والفقر والبطالة وما إلى ذلك.
  9. مجتمع لا يعترف بنظام “المحاصصة” وإن كان لا بد من ذلك، فيجب أن تكون المحاصصة على أساس مستويات الدخل أو التخلف الاجتماعي/الاقتصادي وبشفافية مطلقة، بدلاً من الدين أو اللغة أو الطائفة. علماً أن أشد أنواع المحاصصة خطراً على السلم الأهلي ذلك الذي يتجسد في المحاصصة “الباطنية”.

باختصار، هو مجتمع يكرّس الحياديّة الدينية واحترام الحقوق الفردية، ويعتمد على العقلانية والمنظور العلمي. مع الإشارة إلى أن مسؤولية تحقيق هكذا مجتمع وصيانته والسهر على حمايته تعود إلى الدولة، دولة القانون واحترام الدستور.

علمنة القيم: مخاض مستمر

أثبتت التجارب أن العلمنة عملية لا تنتهي Never-ending Process ولا تتوقف عند سقف إنجازي محدد، لما لها من امتدادات Spillovers وتأثيرات جانبية اجتماعية وإنسانية تمثلت بما سمى بـ “علمنة القيم” التي نشأت ونمت تحت شعار احترام الحقوق الفردية (الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العلماني)، الأمر الذي فرض على المجتمع الغربي نوعاً من القبول أو “التسامح القسري” مع قضايا لا تزال تشكل خطوطاً حمراء لدى العديد من المجتمعات العلمانية المتدينة كقضايا المثلية الجنسية وزواج المثليين والمتحولين جنسياً والهوية الجنسية المهددة بالطمس، والإجهاض، الخ.

بالأمس فقط أصدر الفاتيكان وثيقة إرشادية لمعلمي المدارس ينتقد فيها الأفكار المعاصرة حول الهوية الجنسية حملت العنوان “خلقنا الله ذكورا وإناثا” مما أثار غضب مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً!!

وبالأمس أيضاً أصدرت المحكمة العليا في البرازيل حكماً بتجريم رهاب المثلية (الهوموفوبيا) بعد أن تفاقم العنف المضاد لانتشار ظاهرة المثلية حيث شهد العام 2017 وحده 387 جريمة قتل و58 عملية انتحار بسبب رهاب المثليين والمتحولين جنسيا، وذلك نتيجة لعدم تقبل المجتمع لكلا الظاهرتين في هذا البلد العلماني المتدين!! جاء ذلك خلافاً للوعود الانتخابية الني كان الرئيس البرازيلي المنتخب حديثاً قد أطلقها وتعهد فيها بكبح التوجه الليبرالي المتعلق بهذه القضايا الدينية والأخلاقية. 

إن دلّ هذان الحدثان على شيء فيدلان على أن العلمنة التي أدت إلى فصل الدين عن السياسة وإقامة حكم القانون لم تؤدِّ بأي شكل إلى فصل الدين عن المجتمع، وهنا يكمن جوهر الموضوع: لا تَعارضَ بين العلمانية والتدين، إنها العلمانية “المؤمنة” كما يسميها البعض تجاوزاً. مع الإشارة إلى أنه، مهما شهدنا من ظواهر شاذة، فليس هناك من علمانية ملحدة وعلمانية مؤمنة، إنما علمانية واحدة تقف على مسافة واحدة من الأديان كافة، وهذه العلمانية تصب في مصلحة كل من الدين والدولة لأنها تحمي الدين (الصحيح الذي لا يتعدى على غيره) من تدخل الدولة وتحصّن الدولة من هيمنة الدين.

هل نحن جاهزون؟

قد تصعب الإجابة بهذا الخصوص…. فالعلمنة ليست بنزهة إصلاح عبر تشريعات وقوانين كما يتبين من الاستعراض السابق لمخاض التجربة الغربية، آخذين بالاعتبار ما نحن عليه من حال، وما يحيط بنا من أخطار، وما تتطلبه العلمنة من إجراءات جذرية تطال النظام الحوكمي في الدولة والثقافة السائدة في المجتمع.  وربما لم ننضج بعد لهكذا تحول مصيري محفوف بالمخاطر والتحديات. من المفيد في جميع الأحوال استعراض بعض الدروس المستفادة مما سبق:  

  • كل دعوة إلى العلمانية لا تلحظ علمنة المفاصل الحياتية للمجتمع من اقتصادية وعلمية وفكرية وأخلاقية وثقافية تبقى خطوة شكلية وقاصرة وغير مجدية
  • وكل دعوة إلى العلمانية لا تأخذ بالاعتبار حيادها الديني وتؤكد عليه وعلى حرية ممارسة المعتقدات، لن تكون علمانية صادقة ولا حرة ولا عقلانية، ويخشى أن تكون دعوة حق يراد بها باطل.
  • وكل دعوة إلى استنساخ التجربة العلمانية الغربية ستعرّضنا إلى الوقوع في مطب علمنة القيم على الطريقة الغربية
  • الطائفية والنفاق شيطانان لصيقان بالعلمانية واجتثاثهما يمثل التحدي الأكبر للعلمنة الصادقة ويحتاج إلى فترات من الإعداد والتوعية.

فهل نحن جاهزون لعلمنة نفصّلها بأيدينا وعلى مقاسنا وبشكل تدرجي لنأتي بعلمانية “وسطية” إن جاز التعبير؟

الأمر منوط بعقلائنا وحكمائنا ومفكرينا وأولي أمرنا ….  

حذارِ ثم حذارْ … من الباب الدوّار

حذارِ ثم حذارْ … من الباب الدوّار

تٌستعار عبارة “الباب الدوار” Revolving door لوصف الأشخاص الذين يبدّلون مناصبهم، من العمل الحكومي كمسؤولين مشاركين في صنع القرار أو مشرّعين واضعي قوانين، إلى العمل في القطاع الخاص أو مع جماعات الضغط السياسي Lobbyists والعكس بالعكس، فينقلون معهم قوتهم التأثيرية وعلاقاتهم السابقة مع الجهة التي تركوها دون أن يكونوا قد تركوها بالفعل. 
وعليه فقد باتت هذه العبارة تستخدم للتلميح إلى مظاهر الفساد وتعارض المصالح Conflict of interests، عندما تقوم مؤسسات القطاع الخاص على سبيل المثال، بتعيين أشخاص كانوا يحتلون مناصب حكومية للتمكن من الوصول بشكل شخصي إلى المسؤولين الحكوميين، أومن أجل السعي وراء استصدار تشريعات ولوائح في صالحها، بالإضافة إلى الحصول على المناقصات الحكومية مقابل عروض توظيف برواتب ضخمة، ناهيك عن الحصول على معلومات داخلية حول ما يجري داخل المؤسسة الحكومية. ويحدث ذات الشيء عندما تقوم الحكومة، بدورها، بتوظيف رجال الصناعة للاستفادة من خبرتهم في القطاع الخاص ومن تأثيرهم في المؤسسات التي تحاول الحكومة ممارسة الأعمال معها أو الحصول على الدعم السياسي من المؤسسات الخاصة، الخ.

ولتفادي التأثير المشبوه لهذه الظاهرة، اتجهت الدول إلى وضع سياسات حَوْكَمية لضبط “الأبواب الدوارة” أو للحد من تأثيرها على مؤسساتها لأن من الصعب عملياً أن تحقق هذه السياسات “الكتامة” المنشودة. نذكر منها على سبيل المثال:

  • في الولايات المتحدة، يجب أن ينتظر المسؤولون الحكوميون الراغبون بالتعاقد مع القطاع الخاص مدة عام، بموجب القانون الساري، قبل الانضمام إلى شركات مقاولة أو، إذا كانوا يرغبون في الانتقال بشكل فوري، يمكنهم البدء بالعمل في شركة أو في فرع لا يتعلق بعملهم الحكومي. ومن بين الثغرات الضخمة في هذا القانون أن هذه القيود لا تسري على العديد من صانعي السياسة الكبار الذين هم “فوق مستوى الشبهات”، وهذا ما أدى إلى فضائح لدى البعض، على سبيل المثال مع نائب الرئيس الأمريكي السابق، الفاسد ديك تشيني الذي ظهرت فضائحه الشهيرة في التعاقدات العسكرية ومع شركة هاليبرتون، وليندا فيشر وفضائحها مع “المبيدات الحشرية والتكنولوجيا الحيوية”، الخ. 
  • في فرنسا، الدولة الأشد صرامة في هذا المجال، ينظم القانون الجنائي انتقال المسؤولين الحكوميين بين القطاعين العام والخاص، ويفرض الانتظار لمدة ثلاث سنوات بين العمل في الحكومة وقبول أي وظيفة في القطاع الخاص.
  • في بريطانيا يتم الإشراف على انتقال الموظفين المدنيين والوزراء الحكوميين إلى المناصب التجارية من خلال ما يسمى بـ “الهيئة الإشرافية على التوظيف التجاري” (ACOBA) إلا أن هذه الهيئة ليست كيانًا تشريعيًا وليس لها إلا دور استشاري وإرشادي.

أما في بلدنا، المعرّض لجميع سيناريوهات الباب الدوار، الداخلية منها والخارجية، فمن الأَوْلى أن تتضمن قوانين الوظيفة العامة سياساتٍ تَحكِمُ البابَ الدوار وتُنبّه لما ينطوي عليه من أخطار، كجزء من الحرب الوقائية على الفساد….

الوقف: تلك الحلقة المفقودة في منظوماتنا التعليمية

في شهر تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أعلن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن خطة جريئة لإعادة هندسة برامجه الأكاديمية حول التقانة في ظل التقدم المتسارع لتطبيقات الحوسبة والذكاء الصنعي وتحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي، وما إلى ذلك من التقانات الرائدة والقائدة للثورة الصناعية الرابعة التي يقف العالم على أبوابها. تضمنت هذه الخطة بشكل أساسي إنشاء أول كلية للذكاء الصنعي سميت باسم ممولها في إعلان تأسيسها: “كلية شوارزمان للحوسبة” Schwarzman College of Computing

ما يهمنا من هذا الخبر أن التمويل الذي حصل عليه المعهد لإنشاء الكلية الجديدة وتشغيلها، والبالغ 350 مليون دولار، جاء على شكل وقف من رجل أعمال ثري اسمه “ستيفن شوارزمان”، متبصر ومستبشر بمستقبل الذكاء الصنعي، ويمتلك سجلاً حافلاً بمنح مليارات الدولارات للمؤسسات الأكاديمية المعنية بهذا المجال التقاني الواعد، بالإضافة إلى تمويله لبرنامج منح بحثية في المجال ذاته معروف باسم “Schwartzman Scholars “. سوف تفتح الكلية الجديدة أبوابها للطلبة في أيلول القادم مؤقتاً داخل مباني المعهد بعد أن يتم تأمين المستلزمات من الهيئة التدريسية المقدر عددها بخمسين أكاديمياً جديداً هم حالياً قيد التعيين، على أن يُستكمل البناء الجديد بحلول العام 2022.

لم يكن هذا الوقف الجامعي سابقة بحد ذاته فخلال العقود الماضية زاد انتشار “الوقف” الخيري لصالح العديد من جامعات العالم متّسماً بأحد النمطين الأساسيين: الوقف الجامعي University Foundation، وهو وقف يوقف لصالح جامعة ما موجودة على أرض الواقع، يُمنح إليها على شكل وديعة Endowment لبناء مختبر أو كلية (كما هو الحال بالنسبة لكلية شوارزمان آنفة الذكر) أو لإطلاق برنامج بحثي أو برنامج منح دراسية أو بحثية، الخ، والنمط الثاني، وقف لإنشاء ما يسمى “جامعة وقفية” Foundation University تُؤَسَّس بشكل كلي بناءً على تمويل وقفي يغطي نفقات تأسيسها وتشغيليها بشكل دائم كما هو الحال في أغلب الجامعات الأمريكية كهارفارد وستانفورد وكارنجي ميلون، التي تم تأسيسها لتكون وقفية. تعمل هذه الجامعات الوقفية وفق نظام المؤسسات غير الربحية وتتقاضى بذلك رسوما معتدلة من الطلبة بالإضافة إلى توفيرها لبرامج منح دراسية سخية للطلبة.   

ما الذي يمكن للوقف أن يحمله لمنظومة التعليم العالي؟

لا يمكن النظر إلى الوقف الجامعي على أنه مجرد وسيلة تمويلية تخفف من أعباء الميزانية الحكومية المخصصة لتمويل قطاع التعليم العالي. لقد أظهرت التجارب العالمية أن نمط الجامعات الوقفية هذا يوفر العديد من المزايا قياساً بالأنماط الأخرى كالحكومية والخاصة:

  • فالوقف الجامعي حمّال طبيعي للجودة والتميز، ومولّد لدينامية تنافس صحي وخلّاق داخل المنظومة الوطنية للتعليم العالي، وذلك انطلاقاً مما ينشده أصحاب الوقف من رسالة إنسانية ودَوْرٍ تنموي علمي واجتماعي وثقافي للكيانات التعليمية/البحثية التي ينشئونها (كما هو واضح من مثال كلية الذكاء الصنعي)، وكذلك من الطبيعة غير الربحية لهذه الجامعات، ناهيك عن أن الوقف بحد ذاته يوفر للجامعات بيئة مثالية من الأمن الاقتصادي المستدام كما ويساعد على نقل مفهوم الوقف من الملكوت الديني إلى الملكوت العلمي الخيري، 
  • توفر أموال الوقف الجامعي استقلالية تامة عن القوى الاقتصادية والسياسية في البلد، ويمكن بفضلها استقطاب كوادر تعليمية وبحثية وإدارات خاصة بها على قدر كبير من الكفاءة والتميز (دون الاعتماد على الجامعات الحكومية)، مما يمكّنها من تزويد المجتمع بمخرجات تعليمية أفضل. هذا الأسلوب يقلل من مخاطر الاعتماد على التمويل الحكومي الذي يتّسم بعدم الثبات ويعتمد في حجمه على الموارد المتاحة وتغيّر الأولويات من سنة إلى أخرى،
  • وبمنظور أوسع، يمكن القول أن العلاقة بين الوقف والتنمية علاقة وثيقة ومطردة عبر الزمن، فالوقف يمثل آلية تعمل على تمويل المشاريع والمساهمة في الحياة الاقتصادية من خلال توفير فرص العمل واستغلال الثروات المحلية، وبالتالي زيادة دخول الافراد.  
  • من شأن الإدارة الاقتصادية السليمة لأصول الأوقاف داخل الجامعة أن تحقق أقصى منفعة ممكنة من الوقف بالنسبة للواقف والموقوف عليه (الجامعة)، مما يؤدي إلى دوام تحقيق مفهوم الصدقة الجارية بالنسبة للواقف ودوام الانتفاع بالوقف بالنسبة للجامعة.
  • بات الوقف مؤشر تميز للجامعات وحفازاً لارتقائها في مسار التصنيف الدولي حيث أن أغلب الجامعات الغربية العريقة التي عملت – وما زالت – منذ قرون على دعم الوقف التعليمي، تفوقت واحتل أغلبها المكون الرئيسي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم.
  • وبحكم كونها مؤسسات تعليمية غير ربحية تتقاضى من الطلبة أقساطاً دراسية معتدلة وتؤمن منحاً دراسية للمتفوقين منهم، فإن الجامعات الوقفية تعدّ اليوم النموذج المنافس بامتياز للجامعات الخاصة الربحية التي باتت ترهق الطلبة بأقساطها المرتفعة.

المشهد العالمي للوقف التعليمي بين الماضي والحاضر: سبق شرقي وتفوق غربي

في منطقتنا العربية: شكل الوقف منذ غابر الأزمان بؤرة النهضة العلمية والفكرية على مدار قرون عديدة، وإليه يعود الفضل في كل ما عرفته المنطقة من نهضة علمية وثقافية في حضارتنا العربية والإسلامية. ولم يكن الوقف حينها مجرد تصرف ديني أو قانوني بل كان أيضا حافزاً علمياً وتنموياً، وثقافة روحية مؤثرة في المجتمع، مما أدى إلى انفتاح الأوقاف على التعليم حتى بات إنشاء أي مدرسة أو مؤسسة تعليمية مرتبطاً بوقف ثابت يفي بمتطلباته.

أدى هذا النموذج الحضاري إلى ازدهار مئات المدارس الوقفية في بغداد ودمشق والقاهرة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات، كجامعة القرويين في المغرب وجامعة الزيتونة في تونس والأزهر في مصر، ناهيك عن جامعات الأندلس التي أصبحت قبلة لطالبي العلم في أوربا العصور الوسطى. حتى في صقلية الإسلامية (آنذاك)، بلغ عدد المدارس الوقفية 300 مدرسة تتكفل بنفقات الدراسة والإعاشة للطلاب المحليين والوافدين من أقطار أخرى.

إلا أن هذه الصلة الوثيقة بين الوقف والعلم، والتي جعلت الأول مصدرا اساسيا لتمويل العلم والتعليم والبحث العلمي، تلاشت بشكل شبه تام في عالمنا المعاصر لأسباب لا زالت تشكل موضع بحث وتساؤل:

  • أهي سياسة مجانية التعليم بمختلف مستوياته، وما شمل ذلك من تكفّل الدولة بإنشاء المدارس والجامعات التي تمثل أولى رهانات قطاعات التعليم والبحث العلمي؟
  • أم هو تراجع لثقافة الوقف في ضمير المجتمع مما أدى إلى حصرها في نطاق الفعل التعبدي والوظيفة الدينية؟
  • أم هي تلك السياسة التي أدت إلى إقامة جدران عازلة بين قطاع الأوقاف والمنظومة التعليمية والتربوية، وانحسار أدوارهما ضمن سياسات قطاعية تفصل بين الوقف والتعليم؟
  • أم هو تآكل رسالة المجتمع باتجاه الفردية وغياب المسؤولية الاجتماعية؟

تساؤلات مفصلية ومشروعة تحتاج الإجابة عنها إلى بحوث تنير الطريق إذا ما أردنا توجيه الأنظار ثانيةً إلى الوقف التعليمي لاستعادة دوره كاستثمار خيري مستدام وبذرة صحيحة لبداية نهضة تعليمية شاملة.

أما الغرب، فقد استنسخ الوقف في مضمونه الإسلامي ضمن صيغ ونماذج تشبه الوقف أو تقترب من مفهومه فكرا وتطبيقا ليطوِّرَه فيما بعد ويجعل منه مؤسسات مانحة وجامعات ومراكز بحثية أنشئت من منطلق الصدقة الجارية ونزعة الخير التي لا يمكن حصرها في قالب ديني أو عرقي واحد، مما جعلها تتفوق على تجربة الوقف العلمي في الفكر الإسلامي. بالفعل، فقد أجمع الباحثون في الغرب على أن قانون الوقف الإسلامي كان له أكبر الأثر في تطوّر المؤسسات الوقفية في بلادهم بعد القرن السادس عشر، فالأوقاف في الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت في البداية شكل مؤسسات دينية أو تعليمية مستقلة في نمط الإدارة والتسيير المالي وباتت تتغذى من تبرعات الواقفين من أبناء الطوائف في شكل أموال نقدية أو أملاك عقارية توقف على الكنائس والمدارس والجامعات مما جعلها نماذج ناجحة بامتياز تحمل حقيقة مضمون الوقف في فكرته الإسلامية في نفس الوقت الذي تخلصت فيه من الروتين الإداري الحكومي.

ريادة أمريكية…

تُعَدّ التجربة الأمريكية في هذا المجال نموذجا قائماً بذاته، فجامعة هارفرد باتت نموذجاً رائداً في إسهام الاستثمارات الخيرية في تطوير التعليم الجامعي والبحث العلمي حيث كرست منذ تأسيسها عام 1636 تقليدا يقضي بدخول الوقف كلاعب رئيس في مجال التعليم العالي، وحققت بذلك معادلة تجعل من التبرع أحد الأسس الصلبة لبناء تعليم متميز لا يخضع لقوانين العرض والطلب ولا يتكئ كليا على الميزانيات الحكومية. وعلى غرار هارفرد رخصت الجامعات الوقفية الأمريكية علاقة وطيدة بين ثقافة التبرع من ناحية، والميادين الأكاديمية وبرامج البحث العلمي من ناحية أخرى، بحيث لم يعد هناك تصور لوجود بنية تحتية علمية بدون الوقف.   

تجدر الإشارة إلى أن النموذج الأمريكي في تمويل الجامعات يعد انعكاساً للبنية الاقتصادية الأمريكية التي يغلب عليها التنافس النابع من آليات السوق (في مقابل نموذج أوروبي ساد فيه الدعم الحكومي للجامعات بدرجات متفاوتة). تضم الولايات المتحدة الأميركية أكبر عدد من الجامعات الوقفية في العالم، حيث يصل حجم الوقف في مؤسسات التعليم العالي الأميركية إلى أكثر من 119 مليار دولار، بينما يصل وقف الجامعات الكندية إلى 5 مليارات دولار، ويتخطى الوقف في 10 جامعات بريطانية نحو 30 مليار دولار.

استفاقة تركية….

أما تركيا التي تُعدّ تجربتها نموذجية في إعادة تسخير الوقف لصالح التعليم فقد تمكنت من إعادة إحياء الصلة بين الوقف والتعليم بحلّة “مدنية وليس دينية” حيث شُرِعَ في تأسيس الجامعات الوقفية بدءً من ثمانينات القرن الماضي، واشتد زخمها بعد توفير إطار قانوني مدني نظم تبعيتها إلى مجلس التعليم العالي وشجع على أعمال الوقف من خلال العديد من الحوافز الضريبية التي تضمنها. مثلت جامعة بيلكنت التي تأسست في عام 1984(تحت حكم العسكر آنذاك) باكورة هذه الجامعات، إلى أن وصل عددها اليوم إلى 63 جامعة وقفية، إضافة إلى سبعة معاهد تقانية وقفية، وذلك مقابل 104 جامعة حكومية (القانون يمنع الترخيص للجامعات الخاصة الربحية). تتنوع المؤسسات الوقفية المنشئة لهذه الجامعات الوقفية فهناك المؤسسات الخيرية والمؤسسات الوقفية الأهلية والشركات العائلية الثرية والنقابات المهنية، الخ. تجدر الإشارة إلى أن الجامعات الثلاث التي تقدمت ترتيب الجامعات التركية ضمن التصنيف الأخير لصحيفة التايمز البريطانية “Times Higher Education”، هي جامعات وقفية!!

هل من سبيل إلى إحياء الوقف التعليمي في بلدنا؟

ما سبق يُظهر أهمية الوقف ككمون واعد لدعم منظوماتنا التعليمية والبحثية في وقت تشهد فيه هذه المنظومات غياباً شبه تام لنمط الجامعات الوقفية، شأنه شأن أي شكل آخر من أشكال الوقف داخل الجامعات الحكومية. بالفعل، يقتصر المشهد الوقفي السوري في مجال التعليم العالي على “جامعة وقفية” يتيمة (جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية) بحكم تبعيتها لوزارة الأوقاف وليس للتعليم العالي، وفقاً لما يقتضيه قانون الأوقاف (السابق والجديد) الذي حصر التعليم الديني بهذه الوزارة. أما فيما يتعلق بالوقف للجامعات الحكومية فالأمر يقتصر أيضاً على “شبه وقف” يتيم تمثل بمركز جامعة دمشق للمؤتمرات (مركز رضا سعيد) الذي كان له أكبر الأثر في إكساب هذه الجامعة العريقة واجهة حضارية جديدة. تجدر الإشارة إلى أن قانون تنظيم الجامعات النافذ حالياً، ولائحته التنفيذية، لم ينصا على أي شكل من أشكال الوقف واكتفيا بتوفير الإمكانية للجامعات لقبول الهدايا والهبات والمساعدات.

كيف يمكننا إذاً، استناداً لما سبق استعراضه من تجارب عالمية، أن نستنهض ظاهرة الوقف على العلم والتعليم في ظل ما نشهده من سلعنة متنامية للتعليم؟ لسنا هنا بصدد رسم خارطة طريق لأوقاف تعليمية جامعية لكن من المفيد طرح بعض الأفكار المستوحاة من تجارب الغير لعلها ترشد أي مسعاً بهذا الاتجاه يمكن للجهات المعنية أن تقوم به:

  • ربما يصعب “القفز” مباشرة باتجاه التفكير بإنشاء جامعات وقفية، لكن العمل في البداية على تشجيع الأعمال الوقفية داخل الجامعات الحكومية من شأنه أن ينعش الذهنية الوقفية ويروج للوقف “الأكبر” المتمثل بإنشاء جامعات وقفية…
  • يكمن المفتاح بتأمين إطار قانوني غائب بشكل كلي عن منظومتنا. إطار “مدني” يتيح للجامعات الحكومية تلقي الأوقاف التعليمية/البحثية وإدارتها بمعزل عما جاء في قانون الأوقاف الجديد (القانون رقم 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف)، على أن يضمن الإطار المنشود تأسيس صندوق وقفي في كل جامعة حكومية، وإنشاء إدارة قانونية ومالية لأوقاف الجامعة، وادارة لاستثمار أوقافها.
  • من الأهمية بمكان إجراء دراسات لحصر الاحتياجات التعليمية/البحثية التي يمكن الإنفاق عليها من الأموال الوقفية (برامج لمنح دراسية/بحثية، كراسي علمية وقفية، إطلاق مشاريع بحثية وطنية، موارد مالية خاصة بالدراسات العليا البحثية، مراكز تميز بحثية، خزانات تفكير…)  وترتيبها وفق أولويات وضوابط محددة.  من شأن هكذا دراسات أن تساعد الجامعة على إنشاء برنامج خاص بها للأوقاف يتم من خلاله تشجيع القطاع الخاص والأفراد، وبخاصة الميسورين منهم، على الوقف لصالحها.
  • وزارة الأوقاف مدعوة إلى التعاون مع وزارة التعليم العالي في تخصيص جزء من ريع الأوقاف في العملية التعليمية والتربوية عن طريق تحديد نسبة من الأموال والتبرعات الوقفية التي تردها لتؤول إلى الصناديق الوقفية في الجامعات، أو الوقف المباشر على إنشاء بعض المرافق الجامعية.
  • يعدّ استصدار قانون خاص بإنشاء الجامعات الوقفية، خطوة مفصلية على الطريق نحو دعم انتشار هذا النمط الجديد من التعليم الجامعي. في مصر على سبيل المثال، ما أن صدر القانون الناظم للجامعات الأهلية (التسمية المصرية للجامعات الوقفية) عام 2009 حتى طلبت ثلاث جامعات خاصة (جامعة النيل، جامعة سنغور الفرنسية، والجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني) التحول إلى جامعات وقفية تحت هذا القانون الناظم.
  • ثمة جامعات خاصة تتميز عن غيرها بامتلاكها لميول ونكهات “أهلية” ناجمة عن انتماءاتها اللا تجارية، مما قد يجعلها قابلة للتحوّل من ذاتها إلى جامعات وقفية (أو أهلية إذا ما أريد اعتماد هذه التسمية البديلة على غرار ما هو قائم في مصر)، إذا ما توفرت لها البيئة القانونية الحاضنة. من هذه الجامعات يمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، جامعة المنارة (المنتمية إلى الأمانة السورية للتنمية، والتي أنشئت بالأصل لهدف تنموي) وجامعة الشام الخاصة (المنتمية إلى القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي) وجامعة قرطبة الخاصة (المنتمية إلى نقابة المهندسين بحلب) والأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية (المنتمية إلى جامعة الدول العربية)، الخ.  

في النهاية نرى أن الوقف يعد ثقافة قائمة بذاتها، ومن الخطأ اختزال هذه الثقافة في بناء المساجد والكنائس، ومدّها بالخدمة، إذ لا بدّ من ابتكار آلية وقفية مدنية وتسخيرها لصالح عملية تنموية تعليمية وثقافية لبلد مكلوم في أمس الحاجة إليها. إن ما يمكن أن تحمله الصناديق الوقفية في الجامعات الحكومية، و/أو ما قد يستحدث من جامعات وقفية، يأتي في صميم هذه العملية التنموية المنشودة. ومن هنا تأتي أهمية نشر الوعي بين أفراد المجتمع عامة والميسورين خاصة، لتعريفهم بأّن الوقف على التعليم شكلٌ من أشكال الصدقة الجارية التي تقربهم إلى الله وإلى الشعب.  

وفي الليلة الظلماء يفتقد الابتكار …

عندما يُطبِقُ الحصار وتشتد الأزمات الاقتصادية والمعيشية ينتظر المجتمع مبادرات وحلولاً مبتكرة تأتي من رحم المعاناة، من “خارج الصندوق”، يتبناها رواد أعمال اجتماعيون وتنفّذ في بيئة أعمال جديدة يغلب عليها الطابع الاجتماعي التنموي والإنساني….

هكذا منطق الأمور… والأدبيات تزخر بقصص النجاح المعبرة عن هذا المنطق…

هل أتاكم حديث “بنك الفقراء” الذي نجح في مساعدة الملايين على الخروج من مظلة الفقر في بنغلاديش على يد مؤسسه رائد الأعمال الاقتصادي الاجتماعي، الدكتور محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006 تقديراً لجهوده في تحقيق هذا المشروع المبتكر؟

كان ذلك عام 1974 عندما اشتد الفقر واجتاحت بنغلادش (باكستان الشرقية سابقاً) مجاعة ذهب ضحيتها ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان، وكان الدكتور يونس آنذاك قد عُيِّن رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج في بنغلاديش بعد عودته من تحضير الدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية.

وبسبب هذا الوضع المتفاقم في بلاده، مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، مما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، لكنه بقي مصمماً على فكرته، وأن الفقراء جديرون بالاقتراض، واستطاع في عام 1979 أن يؤسس بنكاً مبتكراً لإقراضهم فكانت النتيجة أن قدم البنك منذ تأسيسه حتى العام المنصرم نحو 11 مليون قرض، وصلت نسبة تسديدها إلى 99٪!

تعتمد فكرة هذا البنك المسمى بنك غرامين Grameen Bank (وتعني القرية باللغة البنغلادشية) على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها نساء، وتقوم فلسفته المبتكرة على أن الائتمان يجب أن يُقبل كحق من حقوق الإنسان، وعلى أساسه يكون للشخص الذي لا يملك شيئا الأولوية في الحصول على قرض. فمنهجية غرامين في الإقراض لم تتأسس إذاً على تقييم الملكية المادية للفرد، وإنما على الدافعية التي يملكها، فبنك غرامين يعتقد أن كل البشر بمن فيهم الأكثر فقرا موهوبون ويملكون دافعية لا حدود لها. يعطي البنك الأولوية للنساء اللاتي يشكلن اليوم ما نسبته 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن في أسرهن بإعطائهن القدرة على التملك. يتعامل البنك اليوم مع سبعة ملايين شخص في أكثر من 71 ألف قرية حيث تنتشر فروعه في المناطق الريفية، فهو يعمل على أساس أن الفقير لا ينبغي أن يذهب إلى البنك، وإنما على البنك أن يذهب إليه.

وإلى جانب القروض، أطلق البنك مشروعات تنموية شملت التعليم والرعاية الصحية حيث أسس البنك بالتعاون مع اليونسكو في إطار مبادرة التعليم للجميع “مؤسسة غرامين للتعليم” التي تستهدف التعليم المستمر للنساء الفقيرات والأميات من عميلات البنك، ودمجهن اجتماعياً وتحسين نوعية حياتهن من خلال محو أمية القراءة والكتابة والحساب. كما قام بتحسين الوضع الصحي للمجتمع عبر تحسين الحالة الصحية للأسرة، وزراعة الخضراوات. كما يتناول البنك المدخل البيئي والسلوكي في الصحة، مثل بناء المراحيض الصحية، والعمل على شرب الماء النظيف، الخ.

أثبتت الدراسات أن مقترضي غرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من مجمل المقترضين سنويا خارج دائرة الفقر.

ابتكار وريادة أعمال، وبيئة أعمال حاضنة لهما، والكل في ملكوت اجتماعي واحد…

ما رأيناه هو ابتكار من النوع الاجتماعي Social Innovation، اجتماعي في وسائله وغاياته، تَمثَّل بتلك الفكرة غير المألوفة لآلية التمويل المتناهي الصغر Microfinance وبعملية تنظيمه ووضعه بتصرف المهمشين خلافاً للروتين المتعارف عليه في أنظمة الإقراض المتبعة في المصارف التقليدية. قد لا يتسع المجال هنا للتعريف بالابتكار الاجتماعي وطيفه الواسع والمتجدد لكن يكفي القول إنه يتمحور حول تحدي المعايير السائدة وإيجاد حلول جديدة تؤدي إلى تحويل الهياكل والعلاقات الاجتماعية لتصبح أفضل من سابقتها، من خلال تمكين المستفيدين وتحسين وصولهم إلى النفوذ والموارد.

لم يكن لهذا المشروع المبتكَر أن يرى النور لو لم تتوفر له ذهنية وحماسة رواد أعمال اجتماعيين بقيادة الدكتور محمد يونس، فهو الذي أسس البنك وابتدع الفكرة وهيأ لها الموارد (مساهمات محلية بالإضافة إلى منحة من مؤسسة فورد الأمريكية) ووجهها لخدمة أهداف اجتماعية. وكان من الاختراقات الجانبية لهذا المشروع أنه أسس لتنظيمات جديدة سميت لاحقاً بـ “المؤسسات الاجتماعية” Social Enterprise وصفها الدكتور يونس بأنها “مؤسسات لا توزع أرباحاً لمساهميها (Non-dividend)، وتبدو كمزيج لمؤسسة غير حكومية NGO لجهة امتلاكها رسالة اجتماعية محددة، وشركة تجارية Business لجهة استخدامها أدوات وأساليب إدارة الأعمال وقوانين السوق لتحقيق ما يلزم من أرباح لتغطية تكاليفها وتأمين استمراريتها لتحقيق رسالتها.

ازدهرت هذه المؤسسات لاحقاً وبشكل قوي بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث اشتدت الحاجة إلى الابتكارات الاجتماعية ووجد رواد الأعمال الاجتماعيون في هذه التنظيمات بيئة عمل وأعمال مثالية شكلت قطاعا اقتصاديا قائماً بذاته بات يعرف بالقطاع المستقل أو “قطاع المواطن” مشغِّلاته الرئيسية، كما يبينه الشكل أدناه: الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال الاجتماعية والمؤسسات أو الشركات الاجتماعية.

المشغّلات الرئيسية لقطاع الأعمال الاجتماعي
(من دراسة قيد النشر نفذت بالتعاون مع الإسكوا حول المقاربات الجديدة في الابتكار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة)

تجدر الإشارة إلى أن تجربة بنك “الفقراء” أوحت بابتكارات اجتماعية لبنوك أخرى في العالم أُحدثت لأهداف اجتماعية/بيئية متنوعة تصب أغلبها في تنمية المجتمعات المحلية والحد من التهميش وتشجيع الاقتصاد التشاركي، الخ. من هذه البنوك نجد بنوك الوقت (أكثر من 290 بنك في بريطانيا و 200 في الولايات المتحدة) وبنوك الطعام المنتشرة في العالم والتي وزعت لفقراء العالم ما يزيد عن 3 مليارات وجبة (في الولايات المتحدة وحدها يوجد ٢٠٠ فرع لهذا البنك). أما في مصر فقد نتج مؤخراً عن بنك الطعام المصري الذي تأسس منذ العام 2006 ابتكار بنوك أخرى مثل بنك الشفاء المصري وبنك الكساء المصري وبنك الأمل المصري… وفي سورية كان هناك تجربة على مقياس أصغر لابتكار بنك للأقمشة في مدينة السويداء قامت به تحت شعار “نساء يُعِدْن الحياة” مجموعة من النساء للتخفيف من آثار الأزمة في هذه المدينة.  

القطاع البلسم للجرح السوري؟

كم يلزم المجتمع السوري من رواد أعمال ومبتكرين اجتماعيين من عيار محمد يونس لمرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع المكلوم؟  

رواد أعمال اجتماعيون مبدعون يملكون المال أو التمويل ويتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلّاقة في مجال التغيير الاجتماعي….

مستثمرون ورجال أعمال لا يشغلهم المال والربح والمشروعات إلا بقدر ما يؤمّن لهم الاستدامة المالية لمؤسساتهم والأفراد العاملين بها….

وكم يلزمنا من تمكين ومأسسة وإنعاش لهكذا قطاع وهكذا سلطة، قطاع المواطن وسلطة الأفكار والعمل الاجتماعي التشاركي والخلاق؟

سلطة يحمل لواءها رواد اجتماعيون يرفعون شعار المنفعة العامة ويَتْبعون أفكارهم بالعمل الاجتماعي التشاركي والفعال…

 وستبلغ هذه السلطة أسمى مراتب الأداء والإبداع والكفاءة في إبراء الجرح السوري عندما تشرَّع لها بيئة العمل اللازمة ضمن نظام وطني للابتكار يحتل البعد الاجتماعي فيه مكان الصدارة…

هل تعلمون أن في بريطانيا اليوم (وليس بنغلادش) هناك ما يزيد عن 14 ألف شركة اجتماعية تم تأسيسها من قبل المجتمعات المحلية ولخدمتها تحت اسم “الشركات ذات المصلحة المجتمعية” Community Interest Companies (CIC)؟  وهي حالياً في تكاثر مستمر وتبلو بلاءً حسناً في كافة مجالات الخدمة العامة، بعيداً عن سلبيات السوق التقليدية؟

مسؤولية مشتركة وتوجهات مطلوبة …

ضمن هذا الإطار، يتعين على الحكومة أن تضع الأطر والأنظمة القانونية والمالية للشركات الاجتماعية بما يتناسب مع الدور المناط بها في العمل الاجتماعي،

وأن تعمل على بناء الثقافة والوعي حول الابتكار الاجتماعي والشركات الاجتماعية لدى جميع المعنيين بهذا القطاع،

وأن تهيئ المنظومة البيئية Ecosystem اللازمة في سبيل أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع وبين رجال الأعمال، وتمنح هؤلاء ثقتها وما يحتاجونه من تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي،

وعلى أصحاب الشركات والاستثمارات أن يستشعروا دورهم في المشاركة المجتمعية والمسؤولية تجاه تنمية المجتمع وأفراده ودعم أصحاب الأفكار الرائدة، وأن يَعٌدّوا أنفسهم جزأً من منظومة اجتماعية تنتظر الإنصاف والإسعاف. ومن غير المعقول أن يبقوا منفصلين عن واقع مجتمعهم المنكوب اقتصادياً واجتماعياً.

ليس المطلوب منهم أن يتخلوا عن أعمالهم أو ينذروا أنفسهم وثرواتهم لصالح العمل الاجتماعي الخيري كما فعل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي أو مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك، لكن عليهم أن يعلموا أن السوق، في ظل اقتصاديات السوق التي اعتادوا عليها لم ولن تلعب أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن هذه السوق ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية.

من شأن ذلك كله أن ينقل العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية، ويقطع الطريق على الأحاديين من “رجال الأعمال” الذين لم ولن يشبعوا من تجارة الأزمة وتقاسم الغنائم…

كي لا يبقى في الميدان أيُّ حيتان، وفي القطاع الخاص أيُّ قناص،

ابحثوا عن العقول النيّرة،

دعوهم يفكّرون خارج الصندوق،

دعوهم يبتكرون ويتعاضدون،

وليَسودَ في المجتمع نظام جديد،

نظام “دعه يبتكر، دعه يمرّ”… Laissez innover, laissez passer

استقلالية الجامعات: ما لها وما عليها

روى ” Sansom Melton” في كتابه الصادر مؤخراً: “التعليم العالي والتعافي بعد الصراع” Higher Education and Post-Conflict Recovery، روى الحادثة التالية في محفل الحديث عن حَوْكَمة الجامعات في الدول الخارجة من الحروب:

في اجتماع تم في بغداد وجمع رؤساء الجامعات العراقية منتصف العام 2003 بناءً على دعوة من “أندرو إيردمان”، المستشار العلمي للمندوب السامي الأمريكي سيء السمعة “بول بريمر”، صاحب القرار الشهير بحل الجيش العراقي عندما كان مشرفاً على “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قام إيردمان بإبلاغ رؤساء الجامعات الحكومية “أن جامعاتهم سوف تصبح مستقلة تماما وتتحكم لوحدها في تعيين الأساتذة وقبول الطلاب، وأن وزارة التعليم العالي العراقية سوف تُحلّ، وأن هذا هو النظام المعمول به في الجامعات العالمية الرائدة في الولايات المتحدة حيث لا وجود لوزارة تعليم عالي فيدرالية (علماً أن هذا الادعاء ليس دقيقاً حيث يوجد في أمريكا ما يسمى بـ  US Department of Education يُعنى بجميع مستويات التعليم واستراتيجياته، بما في ذلك الجامعات لكنه يحترم استقلاليتها)، وبالتالي فإن من المتوقع للجامعات العراقية، إن قبلت بهذا العرض، أن تزدهر في ظل ذات الظروف”. لكن النتيجة كانت أن رفض رؤساء الجامعات هذا الإجراء بإجماع وإصرار، مشيرين إلى أن الجامعات العراقية تفتقر بأكملها إلى الكفاءة والخبرة للقيام بهذا الدور الجديد، وأنه ينبغي الحفاظ على الوزارة، أسوة بباقي الدول العربية”.

لقد أراد المؤلف في روايته لهذه الحادثة أن يوجّه رسالتين أساسيتين: أولهما، أن استقلالية الجامعات، على الرغم من كونها قيمة متجذرة في أنظمة التعليم العالي المتقدمة، وبخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتشكل توجهاً “لا مركزياً” مغرياً في فترات ما بعد الحرب، إلا أن تطبيقها “غير المقيد” في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات من شأنه أن يؤدي إلى تشظي القطّاع بأكمله ويمكن أن يؤثر على سمعة واعتمادية الشهادات الصادرة عن هذه الجامعات، ويؤدي بالتالي إلى نتائج عكسية كما حصل تماماً في البوسنة التي “تورطت” في تبني النموذج الأنجلو – أمريكي في حَوْكَمة الجامعات، والذي كان قد فُرِض عليها من قبل الجهات الغربية المانحة. وثاني هذه الرسائل أن منح الاستقلالية للجامعات في بيئة اعتادت على مركزية القرار لا يتم باستنساخ نماذج عالمية وتطبيقها بين ليلة وضحاها، بل يحتاج أولاً إلى مرحلة “إعادة تأهيل” وإنضاج داخل النسيج الأكاديمي، وإلى مقومات نجاح أقلها تأمين بيئة تمكينية، مادية وتشريعية وذهنية، مواتية لخصوصيات البلد واحتياجاته التنموية. 

ما الذي يعنيه استقلال الجامعات؟

تشير الأدبيات الموصّفة للتوجه العالمي نحو استقلال الجامعات إلى أن هذا الاستقلال يتعلق بشكل أساسي بالبنية الإدارية والمالية للجامعات وهيكليتها، والعلاقات التي تربطها بالدولة وقوى المجتمع، ويرتكز بالتالي على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: الاستقلال الإداري والهيكلي: أن تختار الجامعة الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسنّ القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية.
  • أما الركيزة الثانية فهي الاستقلال المالي: أن يكون للجامعة مصادرها المالية الخاصة التي يأتي جزء منها من التمويل الحكومي وفقاً لمعايير محددة، وجزء من القطاع الخاص والأهلي والوقف والهبات الخيرية، بالإضافة إلى ما يأتي من الموارد الذاتية والخدمات التي تقدمها الجامعة للمجتمع. وللجامعة الحرية في تحديد أولوياتها في الصرف وتوزيع تلك المبالغ في ظل المساءلة والشفافية التامة من قبل الجهات الرقابية، دون تدخل في مواطن وسياسات الصرف.

ولعل الأهمية الفائقة لهاتين الركيزتين تكمن في أنهما يضمنان المناخ الملائم لاستقلال مكمّل من نوع آخر، يعبّر عنه بما يعرف بالحرية الأكاديمية: أن يتمتع منتسبو المؤسسة الأكاديمية (طلاب وأساتذة وباحثون) بالحرية في تداول المعرفة من خلال التدريس والبحث والنقاش والابتكار والنشر للمعرفة والمعلومات التي بين أيديهم دون حواجز أو قيود سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. وبالرغم من أن الحرية الأكاديمية لا تنفصل عن حرية الإنسان وحقه في التعليم والتعلم والتعبير عن الرأي ونشر المعرفة، إلا أنها تتمايز، بحكم ارتباطها بالفضاء الأكاديمي، بحساسية خاصة ودور بالغ التأثير كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات وبدورها التنموي والتنويري الهادف إلى إحداث التغيير المجتمعي المنشود، إذ ليس هناك من مجتمع استطاع أن يتطور بشكل ملموس وكانت الحريات الأكاديمية فيه مقموعة. يقول اينشتاين في مفهومه للحرية الأكاديمية: “أفهم من الحرية الأكاديمية ذلك الحق في البحث عن الحقيقة ونشر وتعليم ما يعتقده المرء أنه حقيقة”، ويضيف قائلاً: “لكن هذا الحق ينطوي على واجب أيضًا: ألا يخفي المرء أي جزء من هذه الحقيقة، حيث من الواضح أن أي تقييد على الحرية الأكاديمية سيؤدي إلى إعاقة نشر المعرفة بين الناس أو تشويهها، وبالتالي إعاقة منظومة التفكير والعمل الوطنيين”.

ما أهمية استقلال الجامعات وما الذي يمكن أن يحمله لجامعاتنا؟

يعدّ استقلال الجامعات معيارًا مؤثرًا في جودة أداء مؤسسات التعليم العالي. وأحد مقومات النجاح الأساسية لتعزيز قدراتها الإبداعية والابتكارية، وتأكيد دورها البحثي وتعظيم أثرها المجتمعي. وقد استحوذ هذا الموضوع في الفترة الأخيرة على تركيز كبير تجلّى في الحراك الذي نشأ في الساحة الأكاديمية السورية وبالأخص في شبكات التواصل الاجتماعي، على وقع فقدان جامعاتنا لمواقعها في منظومات التصنيف العالمي، واتضاح ضعف مخرجاتها مقارنة بالمستويات العالمية، إلى درجة أن البعض اعتبر الأسلوب المتبع في حوكمة الجامعات نوعاً من “الوصاية” المفروضة من الوزارة ومجلس التعليم العالي على الجامعات، متخذاً من “انعدام الاستقلالية” أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع المتأصل حتى منذ سنوات ما قبل الأزمة.

من الناحية النظرية، وبغض النظر عن وجود هذه الوصاية من عدمه، فإن الجامعات تحتاج، وبلا أدنى شك، إلى استقلال حقيقي عن جميع السلطات الموجودة خارجها لتخلد إلى بناء منظوماتها الأكاديمية والإدارية، وتتمكن من إعمالها وفقاً لما تمليه عليها الخبرة والمهارة والمعرفة القيادية المتوفرة لدى نخبها الأكاديمية، إذ لا يمكن لأية جامعة، حكومية كانت أم خاصة، ان تنطلق في تحقيق رسالتها وتميّزها، ولا أن تساهم في التنمية الحقيقية وإبداء الرأي العلمي المتخصص إن لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي، والحرية الأكاديمية، بعيداً عن كل أنواع الضغوطات.

في منظومات التعليم العالي “الفاضلة”، تَعِد الاستقلالية الجامعات بتحقيق جوّ من الإبداع والابتكار بداخلها، والمنافسة فيما بينها، وتوفير فرص التميز والتفرد في مجال علمي أو أكثر، مما يوفر لها إمكانية الانعتاق من النمطية واستنساخ البرامج، والانتقال إلى التنوّعية والتخصصية عبر جامعات ذات هوية واضحة، كجامعات العلوم والتكنولوجيا والجامعات الطبية والجامعات الهندسية والتطبيقية والجامعات البحثية وغيرها، الأمر الذي من شأنه التأثير إيجابياً في تشكيل وتلبية سوق العمل المحلي وتوجيه التنمية على المستوى المحلي والوطني نحو مجالات جديدة ومبتكرة.

هذا بالإضافة إلى أن توفير الحرية الأكاديمية المسؤولة والمنضبطة بوجهها الصحيح من شأنه أن يوجه أنظار الدولة والمجتمع إلى المعنى الحقيقي للحرية الاكاديمية، الذي يتعلق بشكل أساسي بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات، والمرتبطة بحرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منها (أي الحرية الأكاديمية) حفازاً (Catalyst) للتماسك المجتمعي ومحركاً للسلم الأهلي عوضا عن بقائها “تابوهاً” مرتبطاً بقضايا الحريات السياسية الأخرى.

هل الاستقلالية بعيدة المنال عن جامعاتنا؟ وما المعيقات والتحديات؟

من المفيد أولاً تلمس ما يفصل جامعاتنا عن هذه الاستقلالية، وما المطلوب عمله لإعادة تأهيلها باتجاه الاستقلالية إذا ما أريد نفخ الروح في الجسم الأكاديمي وتمكين جامعاتنا من تأدية دورها المرتقب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد. ثمة حقائق واعتبارات أساسية يتوجب إدراكها أولاً، كمنطلقات أولية:

  • أن استقلالية الجامعات ليست مجرد رغبة أو شعار يتم رفعه، إنما هي إرادة وتنظيم وممارسة تحفظها ضمانات وضوابط، كما أنها ليست مطلقة من دون حدود، فلها ما لها وعليها ما عليها.
  • أن استقلالية الجامعات، وما يمكن أن توفره من حرية أكاديمية، لم تكن يوماً، ولا في أي دولة، هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف الجامعات في البحث والتعليم والمشاركة المجتمعية.
  • وأن الحرية الأكاديمية بالذات تُمثِّل في حقيقتها جملة من الحقوق والواجبات التي تحتّم على الأكاديميين تحمل المسؤولية نحو جامعاتهم ومجتمعاتهم، وقبول المساءلة في حال الإخلال بثوابت المجتمع وقيمه.
  • ليس هناك من استقلالية إدارية أو مالية أو أكاديمية مطلقة، ولا بد بالتالي من جسم مركزي يؤدي دور “البوصلة” على المستوى الوطني (وزارة و/أو مجلس للتعليم العالي) ويتولى رسم السياسات والتوجهات الاستراتيجية الوطنية بالتوازي مع ضمان ما يلزم من استقلالية وحرية أكاديمية.

ولعل الإطار الذي رسمته منظمة اليونسكو في المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته عام ١٩٩٨ حول استقلال الجامعات والحرية الأكاديمية يعبر أحسن تعبير عن الهواجس التي لا زالت ترافق استقلالية الجامعات حيث كان من أهم التوصيات الواردة في وثيقة العمل الصادرة عنه، تلك التي تقول: “يجب أن يتم تأطير استقلال مؤسسات التعليم العالي، وأن يقترن هذا الاستقلال بمستوى رفيع من المسؤولية والخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية، مع إفساح أكبر قدر ممكن من المشاركة أمام الطلاب والمدرسين في عملية اتخاذ القرارات”.

وبالعودة إلى جامعاتنا نجد أنه، وبالرغم من أن القوانين الناظمة لحوكمتها (قانون تنظيم الجامعات لعام ٢٠٠٦ ولائحته التنظيمية، والتعديلات الطارئة عليهما) تحمل في نصوصها بعضاً من نفحات الاستقلالية حيث نصت المادة (١٠) من هذا القانون على أن “الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكل منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي على الوجه المبين في هذا القانون ولائحته التنفيذية، وترتبط بالوزير ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة التنفيذية”، إلا أن ‏ثمة أمور هيكلية متأصلة في صلب هذا القانون ومتمثلة بـ “شيطان التفاصيل”، بالإضافة إلى قصور في آليات التطبيق وضعف القدرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي، جميعها لا زالت تحول دون تمتّع  الجامعات بالحد الأدنى من الاستقلالية اللازمة لانطلاقها نحو آفاق رحبة من الإنجاز والتميز والمشاركة الفعالة في تحقيق التنمية لهذا الوطن الغالي. من أهم هذه المعوقات التي تحتاج إلى وقفة مراجعة: 

  1. تمركز السلطة والقرار في يد مجلس التعليم العالي، مما جعله يقوم بأدوار متعددة، تشريعية وتنفيذية ورقابية في آن واحد وهذا من شأنه أن يخلق تضارباً في المصالح، فالجهات المرخِّصة والمشرِّعة للجامعات لا يجوز لها، وفقاً للممارسات العالمية الفضلى (Best Practices) للجودة والحوكمة الرشيدة للجامعات (الحكومية والخاصة)، أن تقوم بعملية الرقابة والتقييم ناهيك عن عمليات اتخاذ العقوبات وفرضها (في الجامعات الخاصة) كإيقاف للبرامج أو تجميد لقبول الطلبة، الخ، في الوقت الذي من المفترض أن تقوم بهذه الأدوار، من مراقبة ومراجعة وتقويم للجامعات،هيئات وطنية مستقلة ومحايدة (هيئات ضمان جودة التعليم)، وأن تكون التقارير الصادرة عن هذه الهيئات محصنة من جميع أنواع التدخلات، وتكون قراراتها ملزمة لمجلس التعليم العالي.
  2. إخضاع الفئات العاملة في الجامعات، وبخاصة أعضاء الهيئة التعليمية لأنظمة الوظيفة العامة وآلياتها، مما يقيد من حريتها من حيث الهيكلة والتعيينات والرواتب والترفيعات، ويخضعها لذات القوانين السائدة في وزارات الدولة وأجهزتها، تلك القوانين التي تختلف في مهامها ووظيفتها وطبيعة عملها عن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تتمتع بما يكفي من خصوصية وأدوار تعليمية وبحثية وتنموية عديدة تستدعي الانفراد بأنظمة تراعي خصوصيتها وتمكنها من تحقيق أدوارها. تحتاج هذه الأدوار إلى مرونة وحرية في الحركة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس متميزين في تخصصاتهم وإنعاش الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار وتطوير مواردهما.
  3. ربط ميزانيات الجامعات بوزارة المالية، مما يفقدها حرية التصرف بمواردها الذاتية ويجعل الصرف تحت شروط وأنظمة وقوانين تحدّ إلى درجة كبيرة من الاستقلال المالي للجامعات (بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بآليات وبنود الصرف على البحث العلمي) وتفقدها الحماسة والدافعية نحو تحصيل المزيد من الموارد الذاتية المستقلة عن مخصصات الدولة.
  4. معيقات متأصلة في الثقافة والذهنية التي تميل إلى مقاومة التغيير: ثمة خوف من التغيير لدى البعض على الرغم من المناداة المتنامية بالاستقلالية من قبل البعض الآخر. ربما تعود أسباب هذا التخوف إلى عدم القدرة على نقد نظام الحوكمة الحالي، أو أن البعض يرى أن هذا المفهوم وإن كان ناجحًا في الدول المتقدمة، إلا أنه غير مضمون النجاح في البيئات الشمولية، وبالتالي من الأفضل المحافظة على الوضع الحالي وتركه يسير وفق مبدأ (Business as Usual) خوفًا من المجهول، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، أو استمراءً لثقافة الممالأة الأكاديمية والثقافية.

ما العمل إذاً؟

لسنا بصدد رسم خارطة طريق شاملة نحو الاستقلالية والحرية الأكاديمية لكن من المفيد أن نتلمس بعض الخطوط الإرشادية (Guidelines) والمنطلقات الأساسية لوضع الجامعات على طريق الاستقلالية بشكلها الجزئي المتدرج، بأمل أن تشكل هذه الخطوط والمنطلقات العمود الفقري لأي برنامج إصلاحي شامل يسعى من ضمن أهدافه الرئيسة إلى تحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عبر ردم ما أمكن من الفجوة التي تفصل جامعاتنا عن ذلك الإطار الاستقلالي “المثالي”:

  • يُعدّ التوجه نحو الاستقلالية الجزئية المتدرجة أحد الحلول الناجعة حيث يتم تطبيق الاستقلالية بشكل متدرج على مجموعة مختارة من الجامعات بعد أن تثبت “أهليتها” للاستقلالية من خلال تحقيق معايير الجودة من قبل هيئة وطنية مستقلة لضمان الجودة والاعتماد تتبنى الأساليب الحديثة للاعتماد المؤسسي والأكاديمي.
  • في هذه المرحلة الأولى يتم التركيز على الاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وذلك لصعوبة الاستقلال المالي في هذه المرحلة. كما ويجب أن يتم في هذه المرحلة:
    • إطلاق حرية الجامعات في وضع الرؤى الاستراتيجية والخطط المستقبلية فيما يخص اختيار نموذجها التعليمي والبحثي وآليةتمويله بما يضمن تحقيقها لأهداف التميز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام في إنتاج ونشر المعرفة.
    • تبنى الجامعات لمبادئ التوجه الاستراتيجي وقيامها، من خلال معايير الحوكمة وإشراك فئات المجتمع الأكاديمي، باتخاذ القرارات الخاصة بوضع السياسات العامة للجامعة، وخطط تمويلها.
    • توفير مرونة عالية للجامعات في استحداث اللوائح والأنظمة الداعمة للتميز والإبداع ودعم البحث العلمي الرصين وتحفيز المبدعين عن طريق تبني النظام التعاقدي مع موظفيها، واستحداث سلالم رواتب ومزايا منافسة، وإعادة هيكلة للتخصصات بما يلبي متطلبات التنمية ويخدم التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
    • الاهتمام بتنمية الموارد المالية للوصول إلى الاستقلالية الشاملة. يحتاج ذلك إلى دعم الدولة في المرحلة الحالية من خلال التشجيع والمساعدة على إنشاء محافظ استثمارية في الجامعات ودعمها ماليا وتنظيميا لتكون الممول لهذه الجامعات في المستقبل (بالإضافة إلى المساهمات الخيرية والوقف الجامعي)، وترسيخ فلسفة التشغيل الذاتي للجامعات وتنمية الحس الاستثماري فيها.
  • و للانطلاق فيما سبق، يتطلب الأمر إعادة النظر في الإطار المؤسسي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث المكونات وتوزيع الأدوار وعملية اتخاذ القرار الأكاديمي والبحثي والخدمي المجتمعي، وذلك في ضوء مراجعة شاملة لقانون تنظيم الجامعات والدور المنوط بمجلس التعليم العالي.
  • كما يتطلب الأمر العمل على بناء القدرات لتوفير الكفاءة الإدارية والأكاديمية القادرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي ضمن نظام محاسبي ورقابي دقيق، بما يضمن دفع الاستقلالية إلى النجاح.

التوفيق بين مشاكل نهاية الشهر ونهاية العالم

 

أطلق هذا الشعار نيكولا هيلو، الكاتب والناشط البيئي الفرنسي في إشارة إلى روح التنمية المستدامة التي تحتّم تكامل المسار الاقتصادي – الاجتماعي للمواطن (امتلاك دخل يوصلك إلى نهاية الشهر بأمان وراحة اجتماعية ونفسية) مع المسار البيئي (ممارسات تجنبك نهاية العالم الذي بات يحتضر بيئياً).

عمل هيلو وزيراً للبيئة في عهد الرئيس ماكرون قبل أن يعلن استقالته المدوّية منذ حوالي ثلاثة أشهر بسبب فشله في إقناع الحكومة بهذا المبدأ. والآن نرى هذه الحكومة تقع في شرّ عنادها بعد أن فرضت ما ملكت أيمانها من ضرائب ذات توجه بيئي (بشكل رئيسي على المحروقات) دون أي اعتبار لـ “نهاية شهر” المواطن ذي الدخل المحدود، وها هي تصطدم اليوم بأعنف انتفاضة من أصحاب “السترات الصفراء” الذين يرون قوتهم الشرائية وقد باتت “وقوداً” للجهود الرامية إلى تجنّب “نهاية العالم”…
هذا في فرنسا التي حملت مشعل إنقاذ الأرض من كوارث التغيّر المناخي الناتجة عن الاحتباس الحراري والانبعاثات الغازية حين حشدت في باريس، نهاية ٢٠١٥ أقوى إجماع وزخم دوليين على التحرك في هذا المجال (مؤتمر COP21 حيث كان الناشط نيكولا هيلو يومها نجم المؤتمر بامتياز)،

لكن ما بال بلادنا التي لا يكاد الراتب فيها يوصل صاحبه إلى آخر الأسبوع وليس آخر الشهر؟؟ ناهيك عن حال البيئة التي يعجز أعتى العطارين عن أن يصلح مقدار ذرة فيها بعدما أفسدها الدهر والمفسدون في الأرض؟ 

فقط للتذكير: عندما أطلقت الأمم المتحدة عام ٢٠١٥ أجندة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ المتمثلة بأهدافها السبعة عشر، اتخذت لها شعاراً واعداً ومبشراً للدول الفقيرة نص على أن “لا أحد سيُترك خلف الرّكْب” No one will be left behind، وأن الجهود سوف تنصبّ على إيصال من هم في الخلف أولاً!

الآن، وبعد أن وصلت الأوضاع لما وصلت إليه، وانتشرت النزعات الشعبوية والقومية في العالم وانسحب من اتفاقية باريس الملوَّث الأكبر “ترامب” صاحب شعار “أمريكا أولاً” ليزيد في الطنبور نغماً، واقتنعت الدول الفقيرة بأنها ستبقى خلف الركب، ألا ترون معي أن التنمية المستدامة باتت أمام طريق مسدود؟ وأن نهاية العالم، المتقدم والمتخلف معاً، قادمة لا محال، وهذه المرة بالفعل، لن يتخلف أحد عن ركب الفناء مع نهاية العالم…
المفارقة هنا أن أغلب البلدان العربية لا تزال كعادتها مفعمة بالحماس، تسطّر الاستراتيجيات والخطط وتبحث عن التمويل اللازم لتلحق ولو نظرياً بركب التنمية المستدامة، فمنذ أيام قليلة فقط صدر تقرير “تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية” عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (AFED 2018)، الذي يؤكد أن الدول العربية تحتاج إلى أكثر من ٢٣٠ مليار دولار إضافية سنوياً وحتى العام ٢٠٣٠ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية، وأن هذه الفاتورة قابلة للارتفاع إلى مبالغ أعلى بكثير بسبب الحروب والنزاعات في المنطقة!

فتصوروا…

الصورة البارزة مأخوذة من الرابط: https://www.mominoun.com/articles/دور-الوقف-الإسلامي–في-عملية-التنمية-المستدامة-3782

 

ما بعد “السلعنة” إلّا “الملعنة”..

تسلعن التعليم العالي… بات سلعة تباع وتشترى بالرسوم الباهظة التي يدفعها الطالب في غالبية جامعات العالم (على الأخص في الجامعات الخاصة) لقاء التزود بالتعليم “الجيد” اللازم لتمكينه من النفاذ لاحقاً إلى سوق العمل، ولن ينفذ إلا بسلطان ما ينفقه من مال ويكتسبه من معارف ومهارات جديدة ومتجددة.
وهذا ما دفع الجامعات إلى التسابق في ابتكار اختصاصات تواكب احتياجات “السوق” حتى وصل بها الأمر إلى استهداف مهن حساسة كانت وما زالت من التابوهات كمهنة “الجاسوس” التي تبنتها جامعة باكنغهام البريطانية، والتي عادة ما تُلقَّن فنونها ومهاراتها تحت أقسى درجات السرية.
سوف يشجع إعلان جامعة باكنغهام البريطانية عن هذا البرنامج الجريء الذي يمنح درجة علمية في “التجسس الدولي” جامعات أخرى على استهداف المزيد من المهن العصرية “المبطّنة”، وما أكثرها هذه الأيام…
هل يمكننا مثلاً، وعلى المنوال ذاته، أن نرى في الأيام القادمة ولادة هندسة جديدة باختصاص “هندسة الفساد” يٌمنح طلابها شهادة “مهندس فساد” بعد أن ضرب الفساد أطنابه في المجتمعات والطبقات السياسية في بلدان العالم، وبلداننا العربية ليست باستثناء؟
ومن ذا الذي يمكنه أن يشكك في حجم “سوق العمل” الذي ينتظر خريجي هذا الاختصاص على المستويين العالمي والمحلي، ومن يعلم؟ ربما تكون هذه المهنة/السوق في طريقها إلى “الشرعنة” بحكم الأمر الواقع وبدفع من التكنولوجيا؟
ألم نألف رؤية هذه المهنة “شبه الهندسية” الجديدة القديمة تُمارس منذ زمن على أرض الواقع لكن في الظلام وعلى ارتفاع منخفض، بعيداً عن مجال عمل “الرادارات”؟ ألم نراها تتجذر في مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة؟
سوف تفتح هندسة الفساد مجالات عمل خصبة أمام “مهندس الفساد” حيث سيكون بإمكانه العمل (في الوجه الحميد للمهنة) في دوائر القطاع العام كـ “مكافح فساد” إذا ما أرادت الدولة مكافحة الفساد بشكل علمي ومنهجي، أو في السلطة المركزية لمكافحة الفساد (الرقابة والتفتيش)، أو يعمل في “مكتبه الخاص” كـ “ميسِّر فساد” تحت أي “مسمّى” يختاره، وهذا هو الوجه الخبيث للمهنة، الذي سوف “يطبع” يوماً ما.

قد يبدو هذا الطرح مثيراً للجدل، إلا أن نظرة استشرافية واقعية إلى مآ آلت إليه القيم في بلادنا، بعد أن “ضربت بناقص واحد” وسادت ازدواجية المعايير في النظام العالمي (المضروب بدوره بناقص واحد)، كفيلة بأن تعزز احتمالية حدوث ما تخشاه الشعوب، بأن يصبح الفساد المتجه إلى التطبيع مهنة معترف بها، لها إعدادها العلمي والمهني، وتمارس تحت مسميات مختلفة.

في الولايات المتحدة (الديمقراطية)، يكثر “ميسرو الفساد” المعروفون بلوبيات التأثير (Lobyists) لكنهم، وبهدف التخفي ولمزيد من “الظلامية”، راحوا يتبنّون لمهنتهم تسميات رسمية أخرى أكثر “براءة” كـ “مستشار استراتيجي” أو “خبير بالشؤن الحكومية”. وتجاوباً مع هذا التوجه قررت “الرابطة الأمريكية لسماسرة النفوذ” American League of Lobyists تغيير تسميتها إلى “جمعية مهنيي العلاقات الحكومية” Association of Government Relations Professionals!

ممارسات هؤلاء “الميسرين” على أرض الواقع تتلخص في البحث عن تصميم لخطة استراتيجية أو “عملية” ما Process أو “صفقة” تضمن بنتيجتها تحقيق هدف محدد (كتوقيع عقد أو الحصول على مناقصة أو تمرير قانون أو تمويل حملة انتخابية أو التأثير على مجموعة من الناخبين…الخ) مع الأخذ بالاعتبار جملة من القيود   Constraints مثل شرعية العملية ـ سرية منفذيها ـ عدم المساءلة لاحقاً…الخ.

الصورة مأخوذة من الرابط: https://www.speakertv.com/education/knowledge-for-a-price-should-higher-education-be-free-in-australia/