في اليوم العالمي للديمقراطية

تحتفل الأمم المتحدة في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر من كل عام بـ “اليوم العالمي للديمقراطية” International Day of Democraty واختارت أن يكون هذا العام تحت عنوان “الديمقراطية تحت الضغط: حلول لعالم متغير”.

Democracy under Strain: Solutions for a Changing World

وتنظر الأمم المتحدة إلى هذا اليوم باعتباره “فرصة للبحث عن طرق لتنشيط الديمقراطية والبحث عن إجابات للتحديات النظمية التي تواجهها، بما في ذلك معالجة عدم المساواة الاقتصادية والسياسية، وجعل الديمقراطيات أكثر احتواءً بجلب الشباب والمهمشين إلى النظام السياسي، وجعل الديمقراطيات أكثر ابتكارا واستجابة للتحديات القائمة كالنزوح والهجرة وتغير المناخ”!

نتساءل نحن العرب، ومعنا العديد من شعوب العالم المقهورة التي طالما حلمت بمحاكاة الديمقراطيات الليبرالية “العريقة” وبناء أنظمة حكم منتخبة تتولى صيانة الحريات العامة وضمان المساءلة وشفافية الأداء: هل لا زلنا معنيين بالديمقراطية أم سئمنا هذه الكلمة ونحن نرى الديمقراطيات “الراسخة” في العالم “المتحضر” تتآكل وتضمحل بنتيجة الفساد والجمود الإيديولوجي واستيلاء النخب القوية على مؤسسات الدولة؟

لعلّ من أصدق ما قيل عن الديمقراطية وممارساتها تلك المقولة المعبرة التي أثبتت صحتها في هذا الزمن المضطرب: “الديمقراطية حرب أهلية تتم بأسلوب حضاري”

نعم، هي حرب أهلية، ربما “ناعمة” و”حضارية” لكن عوراتها تتكشف يوماً بعد يوم… ولشدّ ما يدل على ذلك ما بتنا نشهده من ممارسات لم تعد تخلو من معايير مزدوجة وخدع ودسائس ومقالب وتضليل وتجييش.

من المفيد رغم ذلك، ونحن “نحتفل” بهذا اليوم العالمي، أن نتأمل فيما يفصلنا نحن العرب عن هذه “الحرب الأهلية الحضارية” من خلال استعراض ما هو متوفر في الأدبيات من مستلزمات نجاح الديمقراطية “الصحيحة” التي تناسب مقاسنا:

فالديمقراطية تتطلب أولاً خلوّ النظام من الفساد فأين نحن من ذلك والفساد ينخر فينا؟

والديمقراطية تتطلب وجود طبقة متوسطة (برجوازية وطنية)تطالب بإحلال حكم القانون لحمايتها، كما وتطالب بالمشاركة في الحياة السياسية لتحافظ على وضعها الاجتماعي، فأين طبقتنا المتوسطة بعد أن أُفقرت وتلاشت أمام برجوازية نشأت في أحضان السلطة، لا يعتمد عليها في بناء الديمقراطية؟

والديمقراطية تتطلب وجود دولة قوية بمؤسساتها وقوانينها، حيث لا يمكن للديمقراطية، إن انطلقت أولاً أن تبني دولة قوية، وبخاصة إذا انطلقت من وضع مأزوم كما في “ربيعنا العربي”.

وأخيراً، وليس آخراً، الديمقراطية تتطلب وجود إرث سياسي وثقافة تعايش وتداول للسلطة، لا ثقافة هيمنة واحتكار لسلطة اتخاذ القرار وتغييب كامل للقوى الاجتماعية الأخرى في المجتمع، ولعل هذا الشرط الأخير (الإرث السياسي) إن توفر، يمكن أن يساهم في التخفيف من وطأة الشروط الأخرى، ولنا في الحالة الهندية خير مثال.

لقد نجحت الهند في تأسيس نظام ديمقراطي في ظل مجتمع فقير وأمّي وطبقي. فالديمقراطية الهندية التي سميت بـ “ديمقراطية الفقراء” ذات سجل حافل لا مثيل له خارج نطاق الديمقراطيات الراسخة. لقد أجمع الخبراء والمحللون أن نجاح وترسيخ التجربة الديمقراطية في الهند يعودان إلى أسباب عديدة من أهمها أن الثقافة الغالبة للنخب الهندية ارتبطت بديمقراطية المستعمر البريطاني وورثتها عنه بعد الاستقلال، مدركة أهمية ثقافة التعايش من خلال تطبيق ممارسات وآليات الديمقراطية البريطانية. لقد كانت رؤية وقناعة هذه النخب الحكيمة أن لا انقاذ للهند ولا طوق نجاة الا بالديمقراطية، وبمزيد من الديمقراطية كلما اصطدمت بعقبات أو خلافات أو صراعات، وأن ممارسات الاستبداد، هي التي تؤدى الى مزيد من الاحتقان لا يخفف وطأته غير الانفراج الديمقراطي تحت مظلة القانون.

فيا أيها الحالمون بـ “القفز” إلى الديمقراطية، رويداً رويداً… خفّضوا الحواجز ولا تعلّوا السقوف، فالتحديات جسام …

بين الدِغاجية الفرنسية والعربية “Le dégagisme”

 

يعود أصل هذا المصطلح مع “ملكيته الفكرية” إلى الهتاف الشهير الذي انطلق ضد الرئيس المخلوع “بن علي” خلال الربيع التونسي الذي أعقب انتفاضة البوعزيزي عندما ظلت الجموع تهتف “Dégage” أي “ارحل” حتى رحل مرغماً…

في فرنسا انتعش هذا المصطلح مجدداً عندما أحياه السياسي اليساري جان لوك ملانشون بإظهاره على شكل نَزعة برزت خلال زلزال الانتخابات الرئاسية الأخيرة الذي شهد إزاحة القواعد الشعبية في الجولة التمهيدية من هذه الانتخابات لرموز السياسة التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، والإطاحة بأحزابهم، مما ساعد في بلورة الدغاجية كتيار فكري أو عقيدة سياسية خيمت على المشهد السياسي الفرنسي.

ودرج هذا المصطلح (الدغاجية) على لسان الجميع في النقاشات والتحاليل السياسية، في إشارة إلى رفض الناخبين المحبَطين لسياسييهم والرغبة في إزاحتهم عن الأمكنة التي يتبوؤونها، مع فارق جوهري من حيث المفهوم بين الدغاجية الفرنسية والدغاجية العربية وهو أن إزاحة القادة في الديغاجية الفرنسية تتم باستخدام القوة الناعمة والأدوات الديمقراطية المتاحة، وبالتزامن مع “مبايعة” زعماء جدد يحلون محل القدامى بفضل ما يحملونه من أفكار جديدة وآمال جديدة للناخبين المحبطين.

بعض المحللين السياسيين الفرنسيين ذهب به الإعجاب بهذه العقيدة السياسية الجديدة إلى الربط بين دغاجية اليوم ودغاجية الأمس حين كانت المقصلة تمثل بامتياز الأداة الفعالة للديغاجية أيام الثورة الفرنسية.

وهناك من ذهب بعيداً في مخيلته ليوسع مفهوم الدغاجية لتشمل الإزاحة “الوقائية” لمن تستبشر الجماهير به خيراً حتى قبل أن يترشح أو يُرشح للزعامة، أي “حرقه” مسبقاً بتشويه سمعته بطريقة ما، وهنا تلتقي الدغاجية الفرنسية مع نظيرتها العربية فالديغاجية الوقائية العربية القائمة على الحرق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي لإنسان عليه علامات الزعامة (لشغل أي منصب) يعدّ كما هو معلوم من شيمنا الكبرى ومن أكثر الممارسات شيوعاً في مجتمعنا، هذا إلى جانب الديغاجية التي تمارس بكثافة على المستوى الفردي عندما “يحفر” الإنسان لأخيه الإنسان الناجح ليوقعه بدافع من الغيرة والحسد. أما أشد أنواع الدغاجية ضرراً وقذراً فهو ذلك الفكر التكفيري والتخويني الذي تسلل إلى مجتمعنا السوري خلال أزمته وعاث فيه ما عاث من فساد وإرهاب.

ويبقى صندوق الاقتراع النزيه والشفاف أجمل وأضمن الأسلحة لممارسة الديغاجية بأفضل أساليبها الديمقراطية، ودون منازع….

من مخلفات الأزمة: الضرب بناقص واحد

تعلمنا من الرياضيات والجبر أن عملية الضرب بالعدد (-١) من شأنها أن تعكس إشارة العدد المضروب فإن كان موجباً يصبح سالباً وبالعكس.

وينسحب هذا المفهوم على علوم الفيزياء حيث يؤدي الضرب بناقص واحد إلى عكس الحالة الفيزيائية التي يمثلها الرقم فالسخونة مثلاً تصبح برودة والقوة ينعكس اتجاهها وكذلك الحقل الكهربائي والمغناطيسي وهكذا…

وإذا انتقلنا إلى الأشخاص نجد مثلاً أن مزاج الشخص سرعان ما ينقلب متحولاً من الفرح إلى الحزن نتيجة تعرضه لمصيبة أو سماعه خبراً سيئاً، وهذا الانقلاب في النفسية أو المزاج، بالمفهوم الرياضي، ليس إلا “انضراباً” بناقص واحد. وربما تكون مقولة “انضرب على رأسه أو قلبه” الشائعة قد جاءت من هنا!!

وإذا كان الأشخاص قابلين للإنضراب نفسياً بناقص واحد فهذا يعني أن مصفوفة القيم الأخلاقية لديهم قابلة للانضراب أيضاً، فالشريف قد ينقلب إلى فاسد والصادق إلى كاذب والوطني إلى خائن والمواطن الصالح إلى مخرّب وربما إلى إرهابي وهكذا…

المرعب في الأمر هنا عندما تصبح هذه القيم “المضروبة” هي الطبيعية والسائدة وينام أصحابها قريري العين مرتاحي الضمير، يجمعون الثروات ولا يترددون في شيطنة وتخوين الآخرين ممن آثروا المحافظة على قيمهم (حتى لو كانوا أكثرية) إلى أن “ينضرب” المجتمع بأكمله، وهنا الطامة الكبرى ….

ولعل ذلك ينقلنا إلى مستوى البلدان، فهل يمكن لبلد ما أن يُضرب بأكمله بناقص واحد؟

نعم، وللأسف… أليست غالبية دولنا العربية مضروبة بناقص واحد لما تتسم به من تخلّف اجتماعي واقتصادي وسياسي؟ إن ضرب أي بلد بناقص واحد يمكن أن يتم إما بـمؤامرة خارجية أو بانقلاب عسكري لتغيير سياسته، أو حتى بعملية “ديمقراطية” ينتخب فيها رئيس مضروبة قيمُه تأتي به أغلبية من الناخبين بعد ضربهم بناقص واحد من خلال حملة انتخابية تقوم على قلب الحقائق واحتقار الأفكار والقيم الأخرى السائدة (ترامب نموذجاً)…..

وبالإسقاط على المشهد السوري نجد، بعيداً عن الانقسامات السياسية، أن الفاجعة التي ألمّت بهذا البلد الآمن قد أفرزت نمطين أساسيين من الانضراب بهذا الناقص واحد اللعين. النمط الأول، انضراب “حميد”  نسبياً وشامل على المستوى الإنساني والوجداني. شامل لأن من النادر أن نرى سورياً في الداخل أو الخارج إلّا وفقد عزيزاً أو نزح عن دياره التي هُدمت أو هاجر من وطنه أو فقد سبل عيشه. وحميد نظراً لطبيعته القابلة للشفاء بإذن الله بفضل فطرة الإيمان والتعلق بالوطن والتسامح التي زرعها الله في نفوس هذا الشعب الطيب الأبي، فيما لو توفر له القليل من “جبر الخواطر”…

أما النمط الثاني، فهو ذلك النمط “الخبيث” الذي طال منظومة القيم لدى كل من اندفع للاستفادة من هذه الأزمة بممارسة وفرض شريعة الفساد واللا قانون فكانت النتيجة أن ارتشح الفاسدون والمخربون وأمراء الحرب و “المعفِّشون”، في مفاصل المجتمع وراحوا يعيثون فيها فساداً وتخريباً للّحمة الوطنية وقيم المواطنة الصالحة.

السؤال الذي يطرح نفسه إذا ما أردنا الاستمرار في هذا “التمرين” الرياضي: كيف السبيل لضرب “المضروب” مرة أخرى بناقص واحد لإعادته إلى صوابه (على قاعدة  -١ x -١=+١)؟ وهل يمكن للرياضيات أن تساهم في استمالة العقل البشري الجمعي للوصول إلى هذا الهدف؟ من المفيد، قبل محاولة الإجابة على هذا التساؤل، التأكيد على أن الدواعش وقوى الإرهاب، وكل من دنّس الأرض السورية الطاهرة من قوى إرهابية أخرى عابرة للحدود غير مشمولين بهذا التساؤل فهؤلاء، بحكم المورثات التي يحملونها، لا علاج لهم إلا الضرب بالعدد صفر، هم وأمثالهم من المرتهنين إلى الخارج.

في الواقع وكما هو معروف، فإن العقل البشري ليس جامداً بل يمثل جملة حركية تفاعلية. ووفقاً لنظرية التحكم فإن لكل جملة حركية حالات States . هذه الحالات هي إحداثيات الجملة داخل ما يسمى بفضاء الحالة State Space. ولكل جملة حركية قاعدة تطور عبارة عن تابع رياضي أو خوارزمية تصف ارتباط حالة الجملة مع الزمان أو المكان (ما يسمى بالزمكنة) وتحدد بالتالي الحالات المستقبلية للجملة اعتماداً على حالتها الراهنة.

من هنا نرى أن التأثير باتجاه معين على العقل الجمعي “المضروب” يتوقف على بناء النموذج الرياضي الممثل لواقع السلوك الجمعي وكذلك تصميم الخوارزمية المناسبة للزمان والمكان وتطبيقها تدريجياً من خلال التواصل الممنهج مع هذا العقل باستخدام وسائل إرشادية تربوية متخصصة يأتي على رأسها الإعلام والتربية والتعليم والخطاب الديني.. الخ، مع الإشارة إلى أن خوارزمية التطور لهكذا حالات تكون ذات طبيعة احتمالية Probabilistic وليس حتمية Deterministic.

لا مجال للاسترسال هنا في هذه المواضيع التخصصية والمعقدة، لكن ما أردت الإشارة إليه هو أن المقاربات الرياضية (بالاعتماد على البيانات الضخمة) تقع اليوم في صلب الأبحاث العلمية القائمة في مجال العلوم الاجتماعية المدعومة بالاختصاصات البينية الأخرى Interdisciplinary وعلى رأسها علم النفس السلوكي الذي أصبح هو أيضاً قابلاً للنمذجة الرياضية.

فهل من دور لمقاربات رياضية علمية كهذه في معالجة مخلفات الأزمة السورية؟ ومن ذا الذي يملك رفاهية الصبر والقدرة على الخوض في تجربة كهذه؟ وأي نموذج رياضي هذا القادر على توصيف حقيقة الركام الاجتماعي الناتج عن أكبر وأعقد أزمة في التاريخ الحديث؟

فساد فرُهاب فتطرّف فإرهاب: متى يقرّ الغرب بالمنشأ الحقيقي للإرهاب؟

إن كان لشرارات الإرهاب الوحشي والمؤسف التي تتطاير باضطراد من منطقتنا لتطال الغرب من “محاسن” فهي أنها ستسهم، عاجلاً أم آجلاً، في وضع حكامهم وصانعي قراراتهم على المحك أمام شعوبهم لجهة المنشأ الحقيقي لهذا الإرهاب الذي طالما اكتوت وتكتوي منطقتنا بناره. لا مجال هنا للافتراضات والاجتهادات فسأكتفي، على قاعدة “من فمك أدينك”، بالاستشهاد بعينات مما وصلت إليه مراكز بحوثهم وخزانات تفكيرهم من نتائج في هذا المجال. فمعهد “كارنيغي” للسلام حول العالم انتهى بنتيجة أبحاثه وندواته إلى نتيجة هامة مفادها أن الفساد الحكومي بات “محركاً للنزاعات عبر العالم نظراً لما يسببه من آثار جانبية خطيرة على الأمن الدولي بدءً من نمو شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتعاطف والتناغم مع المنظمات الإرهابية (بما في ذلك تقديم التسهيلات لها)، وصولاً إلى الاضطرابات الاقتصادية الحادة، وانتهاءً بالتشجيع على التطرف وتأجيج الخلافات العرقية أو الدينية أو اللغوية لدى قطاعات معينة من السكان”. وعلى الرغم من ذلك (والاستنتاج منسوب إلى هذه الأبحاث)، يبقى الفساد الحكومي المنظم غائباً عن أجندة التبادلات والتفاهمات الثنائية رفيعة المستوى بين الدول. ذلك لأن الحكومات الغربية وجهاتها الفاعلة الرئيسية لا زالت تغمض أعينها عن دور هذا الفساد في مفاقمة الأمن الدولي، لسبب بسيط وهو أنها تعي ضمنياً الدور الذي تقوم به هي في تمكين هذا الفساد.

والأقوى من ذلك تلك “الصرخة” التي صدرت عن منظمة “الشفافية الدولية” غير الحكومية التي أعلنت منذ أسابيع قليلة في تقرير أعده فرعها البريطاني بعنوان: “التحول الكبير: الفساد وظهور التطرف العنيف”، أن “الحركات المتطرفة مثل تنظيم داعش تزدهر عندما يفقد الناس ثقتهم تماما بمن يتولون الحكم، وعندما يستفيد المسؤولون من بؤس الغالبية الكبرى من الناس، وعندما تستغل الشرطة بدلا من ان تحمي، وعندما تحتكر أقلية الفرص الاقتصادية”. وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن مجموعات إرهابية مثل داعش وجماعة “بوكو حرام” تستفيد من الفساد لتجنيد عناصرها، بتقديم نفسها على انها البديل عن السلطات الفاسدة. كما دعت الحكومات الغربية الى “التصدي” للفساد الذي ساهم في العراق وليبيا ونيجيريا في ظهور هذه الحركات المتطرفة. وأكدت ان “التصدي للفساد وعدم التساهل معه يجب ان يكون الاولوية المطلقة لدى الحكومات الغربية”.

وبالإسقاط على ما يحدث في منطقتنا التي وقعت في فخ “الربيع العربي” نجد أن الفساد المتأصل فيها وجد بيئة خصبة لكسب مزيد من فرص النمو السرطاني والتناغم العضوي مع الإرهاب مشكلاً دائرة شيطانية محركاتها الإرهاب والفساد ووقودها الناس والحجارة. إلا أن الإرهاب الذي طفا على السطح شكل الكتلة المرئية من جبل جليد أو Iceberg (كما في الرسم) انبرت أمم الأرض كافة وتحالفت محلياً وإقليمياً وعالمياً لاجتثاثها غير آبهة بما يخفي هذا الجبل في جزئه “الفسادي” الغاطس من قوى ظلامية أخرى اتخذت من الفساد ومظاهر الانفلات والتسلط وغياب القانون منهجاً. مظاهر كهذه لا يمكن أن تعبّر إلا عن منظومة فساد عميق ومتخفٍّ تمثل من حيث  لا يدري الفاسدون (أو يدرون) منجم إرهاب لا ينضب.

فهل حان الوقت ليدرك حكام الغرب بعد أن “وصل البلّ إلى ذقونهم” تداعيات هذا الفساد على كل من ممارسيه وممكِّنيه، وعلى الأمن والاستقرار العالميين؟ ألم يروا كيف أن رائحة الفساد العفنة التي فاحت وتفوح في كل مكان من المستويات العليا للسلطة باتت تثير حفيظة المتظاهرين في العديد من الدول بعد أن فقدوا الثقة بحكوماتهم؟  ألم يروا أن الأمر لم يعد يتوقف في بعض الدول عند حد التظاهرات والاحتجاجات، بل بات يتمظهر في عنف مضاد متخذاً أشكالاً عديدةً أخطرها الشكل الديني المغذي لتنظيمات تكفيرية متطرفة تمارس القتل والتشريد؟ أليس تدفق المقاتلين من جميع أنحاء العالم إلى هذه التنظيمات، وخصوصاً من الفئات التي تعاني من التهميش نتيجة الفساد وضياع الهوية وفشل نموذج التعددية الثقافية والدينية، إلا دليلاً حياً وشاهداً على هذا العنف المضاد؟

إن فساد الدولة في عصر العولمة بات أشبه بداءٍ أممي عضال يرتشح عبر الدول ويتفاعل فيها بمستويات مختلفة تتدرج من الديمقراطيات الليبرالية التي تخال نفسها “نظيفة” منه، في الوقت الذي تُسهم في و/أو تتغاضى عن تمكين هذا الداء لدى الدول الضعيفة، صعوداً إلى بعض الأنظمة الكليبتوقراطية التي تتخذ من الفساد نظاماً لحوكمتها فتتحول بالنتيجة إلى مرتعٍ للعنف والتطرف والإرهاب.

آلية إنتاج الإرهاب باتت واضحة: فساد فرهاب فتطرف فإرهاب…

فالفساد يُفقد الثقة بمنظومة الحوكمة في البلد وينتج البؤس والتشرد والحقد والكراهية…

الحقد والكراهية بدورهما يولّدان التطرف والإرهاب…

وعليه فإن الفساد لم يعد إلا مطبخاً للإرهاب…

الفساد بيت الداء، ومحاربته أصل كل دواء…

يتبع ….

التعليم ثم التعليم يا أمة العرب!

أثبت التعليم العالي أنه مفتاح النهوض السريع للأمم من ثباتها وطريق خلاصها من أزماتها. ومن لا يصدق ذلك فليقرأ بتأمل قصص الوثبات التي حققتها النمور الآسيوية أمثال كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة جراء اعتمادها على التعليم العالي.

أمم عديدة تنبّه حكامها إلى هذه الوصفة السحرية… وأمم أخرى، ونحن منها، لم تفهم الوصفة بعد (أو لا ترغب بفهمها). الدراسة الحديثة التي أجرتها شبكة Times Higher Education بالتعاون مع Centre for Global Higher Education   في جامعة لندن كوليدج تحت عنوان: “TACTICS: the new smart set of rising HE powers” كشفت عن بزوغ كتلة جديدة من الدول الصاعدة التي بدأت بالتسلق على سلّم التعليم العالي. إنها الكتلة البازغة تحت اسم TACTICS والمؤلفة من تايلاند، الأرجنتين، تشيلي، تركيا، إيران، كولومبيا وصربيا.

Thailand, Argentina, Chile, Turkey, Iran, Colombia and Serbia

هذه الدول أظهرت تفوقاً على كتلة BRICS فيما يتعلق بمؤشرات التعليم العالي والبحث العلمي كنسبة القيد في التعليم العالي والترتيب العالمي للجامعات وحجم البحوث العلمية المنشورة، الخ.

والأبعد من ذلك، وهذا من “النِّعم” المغمورة أو غير المحسوبة للتعليم العالي، أنه يساهم في تحصين الأمة ضد الفساد. هذا ما كشفته أيضاً الدراسة المذكورة حين بينت وجود علاقة ارتباطية عكسية واضحة بين جودة التعليم العالي لدى الدول ومستوى الفساد فيها من خلال مقارنة الوضع الفسادي في دول BRICS مع دول TACTICS.

نعمة أخرى أود تجييرها للتعليم العالي وهي مساهمته في بناء السلام وتعزيز المصالحة في المجتمعات الخارجة من الصراعات الداخلية والأزمات. ولا عجب في هذا المجال أن نرى تعلّق دول مثل صربيا وكولومبيا بتطوير التعليم العالي وهما الدولتان اللتان عانتا طويلاً من ويلات الحرب الأهلية على أراضيهما. في مقابل ذلك، دلت بعض الدراسات على أن من أسباب تعثر بل فشل جهود بناء السلام في كل من أفغانستان والعراق عدم التنبه إلى أهمية إعادة البناء الصحيح لمنظومة التعليم العالي في الوقت المناسب وبما يواكب إعادة البناء “الحجري”.

فهل لنا من أجل سورية المنكوبة درس فيما سبق ذكره؟؟

 

فاقد الديمقراطية لا يعطيها: أمريكا نموذجاً

بعد انتهائه من صياغة الدستور الأمريكي في نهاية القرن الثامن عشر، سُئل بنجامين فرانكلين، الأب الروحي للنظام الجمهوري الديمقراطي للولايات المتحدة الأمريكية وأحد الموقّعين الأساسيين على بيان استقلالها، فيما إذا كانت أمريكا قد حصلت في النهاية على جمهورية أم ملكية؟ أجاب: “جمهورية إن عرفت الحكومات كيف تحافظ عليها”، وكأنه كان متوجساً من عدم قدرة الأمريكيين على استيعاب هذه الديمقراطية “الدخيلة” على المجتمع الأمريكي.

انطلقت أمريكا في مسيرتها الحازمة لبناء دولتها الديمقراطية وتحولت في نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف العشرين من دولة ضعيفة، ميراثية وفاسدة إلى لاعب قويّ وديمقراطي وفعّال. إلا أنها اليوم تبدو بعيدة كل البعد عن ديمقراطية الأمس. شواهد هذا الاستنتاج الذي بات من المسلمات البديهية تأتي كل يوم على لسان أهلها وبالفم الملآن ليؤكدوا تآكل نظامهم الديمقراطي منذ أن بدأت مؤشرات انحداره بالتنامي بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين للقرن المنصرم، واشتد هذا التآكل مع بزوغ ذلك النمط من الفساد الحكومي الذي رَكِبَ نخبَها الحاكمة متسبباً في ضياع هذه الديمقراطية:

  • الرئيس السابق جيمي كارتر صرح في سياق “نعيه” لهذه الديمقراطية بالقول إن “الديمقراطية الأمريكية تآكلت وانتهت إلى أوليغارشية (حكم الأقلية) مقترنة بفساد سياسي غير محدود”.
  • المؤرخ الأمريكي المعاصر “جوان كول” أدرج عشرة أسباب مسنودة بالوقائع، تجعل من الولايات المتحدة “الأمة الأكثر فساداً في العالم”!
  • الكاتب الأمريكي “توم هارتمان” أطلق تحذيراً مفاده أن “واجهة الولايات المتحدة التي كانت عظيمة يوماً ما سوف تتفكك قريبا، وسيُكشف عن جوهرها المتعفن بعد أن حلّ نفوذ المليارديرات وجشع الشركات محل البنية التحتية للديمقراطية والحوكمة”
  • المفكر الأمريكي فرنسيس فوكوياما أشار في أكثر من مقابلة أجراها على خلفية كتاب صدر له مؤخرا إلى أن “الولايات المتحدة مضت خلال العقود القليلة الماضية بالاتجاه العكسي: أصبحت أكثر ضعفاً، أقل كفاءة، وأكثر فساداً”.

ماهية هذا الفساد “على الطريقة الأمريكية” وما سببه من تردٍّ سياسي وأخلاقي باتت معروفة كما هي أسبابه ومظاهره: اللامساواة الاقتصادية المتنامية وتركيز الثروة، أديا إلى تراجع الطبقة الوسطى، بالإضافة إلى أن نفوذية المؤسسات السياسية تجاه النخب “الظلامية” ومجموعات النفوذ والضغط سهّلت للنخب الحاكمة التلاعب بمنظومة الحوكمة باتجاه مصالحها الخاصة. مما تسبب بجمود إيديولوجي واستقطاب سياسي واجتماعي شديدين جعلا الدولة أسيرة لهذه النخب التي لم تعد تسأل إلا عن مصالحها الخاصة، ولم يعد أحد من الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والجمهوري) يمثل شيئاً من مصالح الشعب، ولعل الشكل المذري الذي تسير عليه الانتخابات الرئاسية اليوم خير دليل على غياب هذا التمثيل. وبالمقابل، توجهت الممارسات “البديلة” للنخب الحاكمة نحو طيف من العمليات “الآمنة” و”المجدية” مثل ضخ الأموال السرية في الحملات الانتخابية وشراء تصنيفات أفضل لصالح الشركات من مؤسسة Standard & Poor’s وضمان جماعات تأثير وضغط في الكونجرس للتحكم في تمرير قوانين وتشريعات محددة…الخ. ولا يمكننا ضمن هذا السياق إغفال الأدوار المريبة التي لعبتها في الفترة ما قبل الأزمة المالية 2008 مؤسسة جولدمان ساكس، التي يطلق عليها الأمريكيون تندّراً عبارة “حكومة ساكس“، حين تبين لاحقاً أن هذه الأدوار المريبة هي التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في نشوء هذه الأزمة. كما لا يمكن نسيان تورط “حكومة ساكس” في مساعدة اليونان بالتكتم على ديونه في مطلع القرن الحالي فعندما جاءت ساعة الحقيقة، لم تكن لا جولدمان ساكس، ولا النخبة الاقتصادية/السياسية في اليونان، ولا زعماؤهم، مَن دفع ثمن الإجراءات التقشفية التي لا زال الشعب اليوناني يكتوي بنيرانها.

ولم تقتصر تجليات هذا الفساد العالمي الصادر عن المطبخ الأمريكي على الساحة المالية، فالجميع صار يدرك جيداً أن الفساد العميق لهذه الأمة قادها إلى الانغماس في الفاشية.  لقد كلفت الحروب غير المعلنة الحكومة الأمريكية أكثر من 4 تريليون دولار في السنوات الماضية منذ عام 2003، وجميع هذه الحروب سبقها حراك ظلامي فاسد سعى لاختلاق “الأعداء والتهديدات”، وبحث عن أماكن لنشر “الحرية والديمقراطية”، وجميعها كما نعلم كان مشكوك بها وانتهى إلى مجموعة من المهازل الملفّقة كما هو الحال في الحرب العراقية التي نسجتها واحدة من أكبر الشبكات الظلامية في أمريكا (شبكة المحافظين الجدد المعروفة بـ NeoCon)، التي تهاوى رجالها، واحداً تلو الآخر، أمثال كولن باول ودونالد رامسفيلد وديك تشيني، ومؤخراً توني بلير، والقادم أعظم، معترفين بمسؤولياتهم عن السَّوْق لحرب قذرة  استندت إلى معلومات استخباراتية  وُصفت بـ “الخاطئة”!

ولم يعد غريباً أن تنتقل العدوى الأمريكية إلى ديمقراطيات ليبرالية أخرى، بما فيها الأوروبية العريقة، وهذا ما يتلمس الجميع حدوثه في الاتحاد الأوروبي (بشكل خاص بعد الـ Brexit) الذي بدأ يعاني من التضخم وانزياح مطابخ السياسات من العواصم الوطنية إلى المطبخ المركزي في بروكسل، الأمر الذي سيجعله مشابهاً أكثر وأكثر للنموذج الأمريكي المتمركز في واشنطن وفق ما أشار إليه فرانسيس يوكوهاما. لقد رأينا بالفعل كيف أن الاحتجاجات التي اندلعت في اليونان إثر أزمتها المالية أثارت قلقاً لدى النخبة السياسية في الاتحاد الأوروبي وحرضت “تململاً” شعبياً في كل من إسبانيا والبرتغال وإيطاليا جعل رئيس المجلس الأوربي، دونالد توسك، يفصح علناً عن مخاوف النخبة السياسية من تحول الاحتجاجات إلى ثورة عارمة تطال أوروبا بأكملها.

هو إذاً فساد الدولة في عصر العولمة، ينخر في أنظمة الدول، بما فيها الديمقراطيات الليبرالية التي تخال نفسها “نظيفة” منه، في الوقت الذي تُسهم في و/ أو تتغاضى عن تمكين هذا الداء (الفساد) لدى الدول الضعيفة لتتحول هذه الأخيرة إلى مرتعٍ للعنف والتطرف والإرهاب.  ثم يطالبونك بمحاكاة ديمقراطيتهم!!!

وإلى حديث قادم في الإرهاب والفساد هذه المرة، وما بينهما من علاقة سببية ….


الصورة العليا مأخوذة من الرابط: http://jimpintoblog.blogspot.fr/2015/09/political-corruption-in-america.html

في فضاء الفساد العصري….

عندما استهل رئيس الوزراء التونسي الجديد، يوسف الشاهد، الأيام الأولى في حكومته بالتحدث عن التحديات الجسام في مكافحة الفساد المستشري في البلاد مؤكداً بأنها “حرب أكثر صعوبة من مكافحة الإرهاب لأن الفاسدين غير مرئيين وهم يتغلغلون داخل المجتمعات” إنما كان يستهدف ذلك النوع من الفساد “العصري”، العميق، المنظم والمتجذّر في منظومات ومفاصل الدولة متحوّلاً إلى داء عضال استفحل في جسم الأنظمة الحاكمة ليس في تونس فحسب، بل في معظم دول العالم.

طبيعة هذا الداء، أعراضه ومسبباته، نشأته وانتشاره، وسبل علاجه هو ما سوف أحاول من خلال هذا المقال ومقالات أخرى قادمة أن أسلط الضوء عليه، بهدف المزيد من الفهم لآليات هذا الداء والتوعية لأخطاره الكامنة، وذلك بهدف “التنوير” والحث على مكافحته والوقاية من أخطاره. هاجسي في ذلك التحصين لمرحلة إعادة البناء السورية المنتظرة حيث لن يبرأ جرح ولن يهدأ بال لسورية المكلومة قبل أن تتحصن من أخطار هذا المرض وتكتسب المناعة اللازمة تجاهه.

لقد فرضت التحولات الهامة التي طالت العالم منذ بزوغ عصر العولمة في نهاية القرن الماضي، كالخصخصة وتحرير التجارة وصعود الإنترنت والثورة الرقمية وحمّى الإصلاحات في العديد من الدول التي طالتها رياح التغيير، فرضت جميعها قواعد لعب مالية جديدة نتج عنها إسقاط العديد من الحواجز على مستوى الدولة والمستوى الأممي وخلق فرص جديدة “ذهبية” أمام النخب الداخلية لتطوير وممارسة نفوذها، مستفيدين مما اتسم به عصر العولمة من تدفقٍ هائلٍ للأموال والتعاملات التجارية العابرة للحدود وما تمخض عنها من مصالح وصفقات وفرص للثراء بعد تطويع مقاليد السلطة لصالحها الخاص.

هو إذاً فساد “عصري” معولم وُصف بالعميق والمنظم، ساهمت العولمة في تهيئة البيئة الخصبة له بعد أن اشتد أزرها، يختلف كل الاختلاف عن فساد الرشوة التقليدي المتروك لـ “اللاعبين الصغار” من أبناء الشعب، بينما اللاعبون الرئيسيون في فضاء الفساد العصري هم سماسرة سلطة وقادة مفتاحيون من النخبة الظلامية الحاكمة يعملون كمهندسين للفساد، متخذين من غياب الشفافية وعدم المساءلة حجر زاوية له.  خطورة هذا الفساد تكمن في عوامل عديدة تجعله أكثر غدراً وضرراً وأوسع انتشاراً وأبعد وصولاً: فهو مبني على الجشع (وليس على الحاجة)، غير مرئي، مُهندَسٌ ضمن منظومة الحوكمة للبلد، يرتكز على اللامحاسبة واللامساءلة وعلى قوانين تُنسج على “ارتفاع منخفض” بعيداً عن مجال عمل الرادارات. والأخطر من ذلك كلّه، أنه يتسبب بفقدان ثقة الجمهور بمنظومة الحوكمة في البلد والقادة والمؤسسات الحكومية. لقد أظهر مؤشر إيدلمان للثقة لعام 2016 أن أكثر من نصف سكان العالم لا يثقون بمؤسساتهم الحكومية بسبب القصور في نظام حوكمتهم الرشيدة وانتشار الفساد على مستوى واسعٍ في العالم وبمستويات مختلفة تتدرج من الديمقراطيات الليبرالية التي لم تعد تخلو منه، صعوداً إلى الأنظمة الكليبتوقراطية(١) التي تتخذ من هذا الفساد نظاماً للحكم في دولها.

(١) الكليبتوقراطية تعني ذلك النمط من الحكم الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلّة الحاكمة، الذين يكوّنون الكليبتوقراط، وذلك على حساب الجماعة. والكلمة مركبة من مقطعين يونانيين؛ أولهما “كليبتو” بمعنى لص، وثانيهما “قراط” بمعنى حكم. وعادة ما يكون نظام الحكم في تلك الحكومات في الأصل ديكتاتوريا أو استبداديا، ومع ذلك فقد تظهر الكليبتوقراطية في بعض النظم الديمقراطية التي انزلقت إلى الأوليغارشية (حكم الأقلية).

في العديد من الدول العربية وما شابهها من أنظمة، عمل الفساد العالمي وشبكاته على تعزيز اللحمة مع الاستبداد مفرزاً نموذجاً “مبسطاً” عن النموذج الأمريكي (الذي سنراه في مقالة لاحقة). يقوم هذا النموذج المبسط على ولاء بعض النخب المصرّح لها بتكوين الثروات، نخب من اللاعبين الكبار البارعين في الغموض وطمس الخطوط وكل ما من شأنه توسيع حدود الممكن والمباح.  ولنا أن نتصور أن بعضاً من هذه الدول بلغ درجةً من الكليبتوقراطية أصبح فيها الفساد هو النظام بحد ذاته! عندها تكون “الرسالة” موجهة لخدمة هدف وحيد هو الثراء الشخصي للشبكات الحاكمة، مع بقاء شبكات الفساد العالمية جاهزة لصيانة هذه الأنظمة التي لا تتوانى عن توظيف شركات عالمية (أغلبها شركات علاقات عامة أمريكية) لتتولى تبييض صورتها وقمع التقارير عن تجاوزاتها، أو حتى حجبها!

تجدر الإشارة إلى أن ما تجريه منظمة الشفافية الدولية منذ بداية التسعينات من تصنيفات للدول وفق مؤشر مدركات الفساد الذي تتبناه هذه المنظمة يختلف كلياً عما نحن بصدده من فساد حكومي منظّم. فهذه المنظمة تستند في ترتيبها للدول الأكثر فساداً فالأقل إلى مدى إدراك رجال الأعمال والخبراء من خارجها لمستوى الرشاوي والعمولات التي تدفع في هذه الدول وبالتالي فإن هذه المؤشرات تركّز على فساد الرشوة التقليدي، وهنا أيضاً لم تتخلف الدول العربية عن تصدّرها قائمة الدول الأكثر فساداً.

السخط الشعبي على هذا الفساد الحكومي المنظم عمّ دول العالم ولم يتوقف في أي وقت فرائحة الفساد العفنة التي كانت تفوح من المستويات العليا للسلطة أثارت حفيظة المتظاهرين في العديد من الدول، من البرازيل إلى أوكرانيا واليونان وروسيا والهند وتركيا والعراق ولبنان… ينتابهم جميعاً ذات الشعور الحَدْسي بأن منظومة الحوكمة في بلدانهم “مٌهندَسَة” ضدّهم وضدّ مستقبلهم. وراح المحتجون من مختلف الأطياف السياسية يستخدمون كلمة “فاسد” لوصف ذلك النظام السلطوي المحيِّر الذي حجب أيّة إمكانية لمساءلته. أما داخل الولايات المتحدة التي باتت اليوم مطبخاً عالمياً للفساد والإفساد، كما سنرى في المقالة القادمة، فقد برزت فيها حركات شعبية بدءً من حركة “احتلوا وول ستريت” وانتهاءً بـ “حزب الشاي” وحَّدها، على الرغم من تبايناتها العقائدية وتوجهاتها السياسية، شعور عارم بالسخط على منظومة نفوذ تسلّطية سلبت أرزاقهم وحرياتهم. ويبقى “الربيع العربي” (كما ينظر إليه العالم)، بعيداً عن الجدل المثار حول دوافعه الأخرى ومآلاته السوداوية التي انتهى إليها، يبقى مظهراً من مظاهر الانتفاض على الفساد المستشري في المنطقة العربية، بما في ذلك البلدان التي نجحت في تجنيب شعبها ويلات هذا “الربيع” كالأردن والجزائر والمغرب ولبنان.

لسنا في هذه المقالة بصدد ابتكار وصفات سحرية للتغلب على هذا الداء المستفحل في جسم الأنظمة الحاكمة. لكن من المهم الإدراك أن هذا الداء “العضال” ليس بعَصِيِّ عن الشفاء شريطة توفر الإرادة السياسية والإمكانات لمعالجته. لقد وضع علماء الفساد Corruptologists منذ نهاية القرن الماضي الأسس العلمية البديهية لعلاجه، والتي يمكن تلخيصها في معادلة Klitgaard الشهيرة والواردة في كتابه (Controlling Corruption):

الفساد = حرية التصرف – المحاسبة

Corruption = discretion – accountability

تؤكد هذه المعادلة في طرفها الأيسر على أهمية ونجاعة الحوكمة الرشيدة المتمثلة بحسن التوفيق بين الصلاحيات الممنوحة للمسؤولين وأصحاب القرار ومناعتهم الأخلاقية وشفافية تصرفاتهم من جهة، وآليات الرقابة والمحاسبة من جهة أخرى. لكن ثبت عملياً أن المعركة ضد الفساد على أرض الواقع لم تكن في أي وقت بسهولة المعادلات التي تحكمها، وإذا جاءت المعركة المستعرة هذه الأيام ضد الإرهاب لتزيد من تعقيداتها فلا يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستتقدم عليها بل على العكس، إن قهر الفساد بإقامة دولة القانون من شأنه أن يعزز المعركة ضد الإرهاب ويساهم في التخلص منه كما سنرى لاحقاً.

ماذا لو فكّر السوريون خارج الصندوق؟

the-box

التفكير خارج الصندوق (Thinking outside the box) يساعد في البحث عن حل مبتكر للمشاكل مهما تعقدت وطال أمدها.

أن يفكِّر الإنسان خارج الصندوق يعني أن يخرج من تلك البيئة النفسية التي حُشِرَ أو حَشَرَ نفسه فيها بعد أن شكلت له صندوقاً افتراضياً تقولب فيه وبقي أسيراً بداخله بينما تتحرك الحياة من حوله في الخارج بمسارها الإبداعي دون أن يتمكن من المساهمة فيها أو الاستلهام منها. وغالباً ما يتشكل هذا الصندوق الافتراضي نتيجةً لانغلاق الإنسان ضمن محددات وأنماط تفكير تقليدية مما يتسبب باضمحلال في كمونه الابتكاري القادر على الإتيان بحل جديد لأية مشكلة تلمّ به. التفكير خارج الصندوق هو إذاً مصطلح يرمز إلى الدعوة للتفكير الابداعي والبحث عن حلول مبتكرة. بعبارة اخرى هو دعوة لاستخدام الجانب الأيمن من الدماغ وهو الجانب المسؤول عن الخيال والابتكار.ر

في الحالة السورية ومنذ الأشهر الأولى للأزمة سادت حالة من الاستقطاب السياسي أدّت إلى اصطفاف العقول واحتقانها وتمترسها داخل “صناديق” مصطنعة ساهمت الماكينات الإعلامية في تجذّرها إلى حد بعيد عبر الترويج لمصطلحات فرّقت أبناء الأسرة الواحدة بين “معارض” و “مُوالٍ” و “رماديّ” من “الأغلبية الصامتة”، ونال الحراك السياسي من فكر كل مواطن ما نال، سلباً أو إيجاباً، صانعاً منه “ناشطاً سياسياً” بقلمه أو بلسانه أو بوسيلة تواصله الاجتماعية أو بـ”قلبه”، وكان ذلك “أضعف الإيمان”.

والآن، وبعد أن اشتد الزلزال وعمّ الموت والخراب وتكشفت العديد من الحقائق يحق لنا أن نتساءل: أما آن للعقول السورية الرشيدة من الاتجاهات كافة أن تتلاقى من جديد؟ ولمورثات التفكير والتحليل وتدبر الأمور فيها أن تستيقظ لتهتدي معاً إلى كلمة سواء وتباشر من الآن في بناء السلام المنشود؟ د

قد لا نكون اليوم قادرين على صنع السلام بمفردنا وبأيدينا بعد أن تحولت الحرب في أرضنا إلى صراع للجبابرة ووكلائهم، ووصلت الأمور إلى حالة من الاستعصاء بالحلّ وفق ما نشهد ووفق ما انتهت إليه الدراسات الأكاديمية ومراكز الفكر العالمية. ومن المحزن أن تكون هذه الدراسات قد انتهت بالحرب إلى حالة من التوازن الجامد (الستاتيكو) نتيجة أن الداعمين الخارجيين للصراع من الدول الكبرى وغيرهم من “أصدقاء سورية” استحدثوا آليات لتعزيز الاستعصاء ذاتياً وضمان استمرار الحرب عبر دعمهم التلقائي لوكلائهم على الأرض بينما يستمر سفك الدم السوري! بالرغم من ذلك، لا بد لهذه الحلقة الشيطانية من أن تنكسر يوماً وللسلام أن يٌصنع عاجلاً أم آجلاً (ثمة تباشير ربما بدأت تلوح في الأفق؟). عندها سيترتب على العقول السورية أن تكون جاهزة لبناء السلام وتمكينه وصيانته من الإجهاض والتعثر. على هذه العقول أن تقتنع إذاً أن نَكْبَتنا وانقسامنا يتجذّران على يد الأطراف الخارجية المتورطة وأن لا سلام يمكن أن يُبنى إلّا بتلاقي العقول السورية تحت سقف الوطن. وبالتالي فإن عليها أن توجه بوصلات تفكيرها “خارج الصندوق” عبر طرح تساؤلات يمكن لها ولمثيلاتها أن تشكل منطلقات للخلاص:

  •  ماذا لو قبلت العقول جميعا بالاختلاف وتوقفت عن التفكير بالخلاف، مكتفية بما يجمعها من أهداف؟ وليكن على رأس هذه الأهداف بناء السلم الأهلي المنشود، الذي سينعم الجميع به؟
  • ماذا لو أدرك “المعارضون” أنه مهما صحّت مطالبهم فإن الوطن فوق الجميع وسيادته ووحدة أراضيه ومؤسساته، ولحمة شعبه خطوط حمراء؟
  • ماذا لو أدرك “الموالون” أن الوطن للجميع وأن لا إقصاء لأحد من أبنائه الشرفاء، وأن المطالبة بالإصلاح والتطوير حق لكل مواطن ما دامت تتم بالطرق السلمية المشروعة؟
  • ماذا لو أدرك الرماديون الصامتون أنه لم يعد يحق لهم الصمت بعد الآن وأن دورهم حيوي في هذه المرحلة الحرجة لتقريب العقول الأخرى من بعضها؟
  • ماذا لو تشكلت “موالاة” جديدة ولاؤها للوطن وقوامها كل من يحب سورية ويهرع للمشاركة في بنائها، هؤلاء من سبقت تسميتهم بالموالاة والمعارضة والأغلبية الصامتة؟ وليذهب إلى الجحيم كل من يريد بقاء سورية متشظية متحاربة، ومحكومة من طغاة وأمراء حرب ورؤساء عصابات.
  • ماذا لو تحوّل الحراك السياسي الذي يجول في خاطرة كل مواطن سوري إلى محفّز له للتحرك نحو أخيه في الوطن، بعيداً عن لونه السياسي وعرقه وطائفته؟

لننظر إلى تلك الصورة الوردية الباعثة على الأمل والتي رسمها العديد من السوريين الذين خطوا في واقع الأمر خطوات عديدة ورائدة في هذا المجال، هؤلاء الذين برهنوا على تفتحهم وتنوّرهم، وقدراتهم الابتكارية الخلاقة في كل مجال ومكان:

  • فمناصرة السوريين لبعضهم واستقبالهم لأبناء وطنهم في مناطق النزوح الداخلي كافة دون تفريق بين منطقة وأخرى أعطت الدليل القاطع على حيوية هذا الشعب وتآزره،
  • ومبادرات العمل الإنساني والخيري التي انطلقت من العقول والسواعد الوطنية السورية في جميع المحافظات ودول الجوار وعبر العالم باتت عنواناً للتماسك الاجتماعي والعمل الإنساني الخلاق،
  • والابتكارات والابداعات وقصص النجاح والتآزر السورية التي ولدت من رحم المعاناة سواءً في المناطق الآمنة، أم في مناطق الصراع، أم في طرقات وشواطئ النزوح، أم في مخيمات اللجوء، أم في دول الشتات. ابتكارات وتضحيات لا تعد ولا تحصى، باتت حديث الإعلام المحلي والعالمي.

بتلاقي العقول المتفتحة والمتنورة سيكون بالإمكان الوقوف أمام تجار الأزمات ومهندسي الفساد الذين تغوّلوا في ابتكار الطرق والأساليب الجديدة للإثراء على حساب المعاناة اليومية للشعب المسكين. كما سيكون بالإمكان الصمود أمام الإرهابيين وأمراء الحرب والمتاجرين بالدين الذين لن يتوقفوا عن صقل مهاراتهم وابتكار أساليب جديدة للمضي في إجرامهم ومكرهم. م