التوفيق بين مشاكل نهاية الشهر ونهاية العالم

 

أطلق هذا الشعار نيكولا هيلو، الكاتب والناشط البيئي الفرنسي في إشارة إلى روح التنمية المستدامة التي تحتّم تكامل المسار الاقتصادي – الاجتماعي للمواطن (امتلاك دخل يوصلك إلى نهاية الشهر بأمان وراحة اجتماعية ونفسية) مع المسار البيئي (ممارسات تجنبك نهاية العالم الذي بات يحتضر بيئياً).

عمل هيلو وزيراً للبيئة في عهد الرئيس ماكرون قبل أن يعلن استقالته المدوّية منذ حوالي ثلاثة أشهر بسبب فشله في إقناع الحكومة بهذا المبدأ. والآن نرى هذه الحكومة تقع في شرّ عنادها بعد أن فرضت ما ملكت أيمانها من ضرائب ذات توجه بيئي (بشكل رئيسي على المحروقات) دون أي اعتبار لـ “نهاية شهر” المواطن ذي الدخل المحدود، وها هي تصطدم اليوم بأعنف انتفاضة من أصحاب “السترات الصفراء” الذين يرون قوتهم الشرائية وقد باتت “وقوداً” للجهود الرامية إلى تجنّب “نهاية العالم”…
هذا في فرنسا التي حملت مشعل إنقاذ الأرض من كوارث التغيّر المناخي الناتجة عن الاحتباس الحراري والانبعاثات الغازية حين حشدت في باريس، نهاية ٢٠١٥ أقوى إجماع وزخم دوليين على التحرك في هذا المجال (مؤتمر COP21 حيث كان الناشط نيكولا هيلو يومها نجم المؤتمر بامتياز)،

لكن ما بال بلادنا التي لا يكاد الراتب فيها يوصل صاحبه إلى آخر الأسبوع وليس آخر الشهر؟؟ ناهيك عن حال البيئة التي يعجز أعتى العطارين عن أن يصلح مقدار ذرة فيها بعدما أفسدها الدهر والمفسدون في الأرض؟ 

فقط للتذكير: عندما أطلقت الأمم المتحدة عام ٢٠١٥ أجندة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ المتمثلة بأهدافها السبعة عشر، اتخذت لها شعاراً واعداً ومبشراً للدول الفقيرة نص على أن “لا أحد سيُترك خلف الرّكْب” No one will be left behind، وأن الجهود سوف تنصبّ على إيصال من هم في الخلف أولاً!

الآن، وبعد أن وصلت الأوضاع لما وصلت إليه، وانتشرت النزعات الشعبوية والقومية في العالم وانسحب من اتفاقية باريس الملوَّث الأكبر “ترامب” صاحب شعار “أمريكا أولاً” ليزيد في الطنبور نغماً، واقتنعت الدول الفقيرة بأنها ستبقى خلف الركب، ألا ترون معي أن التنمية المستدامة باتت أمام طريق مسدود؟ وأن نهاية العالم، المتقدم والمتخلف معاً، قادمة لا محال، وهذه المرة بالفعل، لن يتخلف أحد عن ركب الفناء مع نهاية العالم…
المفارقة هنا أن أغلب البلدان العربية لا تزال كعادتها مفعمة بالحماس، تسطّر الاستراتيجيات والخطط وتبحث عن التمويل اللازم لتلحق ولو نظرياً بركب التنمية المستدامة، فمنذ أيام قليلة فقط صدر تقرير “تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية” عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (AFED 2018)، الذي يؤكد أن الدول العربية تحتاج إلى أكثر من ٢٣٠ مليار دولار إضافية سنوياً وحتى العام ٢٠٣٠ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية، وأن هذه الفاتورة قابلة للارتفاع إلى مبالغ أعلى بكثير بسبب الحروب والنزاعات في المنطقة!

فتصوروا…

الصورة البارزة مأخوذة من الرابط: https://www.mominoun.com/articles/دور-الوقف-الإسلامي–في-عملية-التنمية-المستدامة-3782

 

Advertisements

دروس من جامعات الشقيقة “أم الدنيا”…

الإنجاز الكبير الذي حققته الجامعات المصرية في آخر تصنيف عالمي لصحيفة التايمز تُرفع له القبّعة، وجدير بجامعاتنا أن تستفيد من دروسه….
بين 2017 و 2018، قفز عدد الجامعات المصرية الموجودة على قائمة أفضل 1200 جامعة في العالم من 9 إلى 19 جامعة!!
لم يكن وراء الموضوع من وصفة سحرية ولا “تسييس” ولا “صفقة” ولا “واسطة” فالمعايير والإنجازات والنتائج جميعها واضحة وشفافة، و”الميّه بتكدّب الغطّاس” كما يقول أشقاؤنا المصريون….
قراءة سريعة بين سطور هذا الإنجاز تمكّننا من بلورة بعض الحقائق واستنباط الدروس لعلها تلقي مزيداً من الأضواء على هذا الملف الذي بات يشكل الشغل الشاغل لجامعاتنا بعد تراجعها بل وغيابها عن قوائم التصنيفات الأخيرة.
أولاً – في الجانب الاستراتيجي: لم يكن هذا الإنجاز وليد تحرك إسعافي بل تحرك استراتيجي بدأ يؤتي أكله ضمن خطة الدولة الاستراتيجية للتنمية المستدامة 2030 التي كان من بين أهدافها “الارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات”.
ثانياً – في الجانب المتعلق بطبيعة الجامعة: غلب الطابع الإقليمي (أي المحلي) على الجامعات التي “قفزت” إلى التصنيف هذا العام، وجميعها جامعات صغيرة الحجم وحديثة العهد تبنت النموذج التنموي Developmental model المحلي في خططها البحثية. واضح أن العبرة هنا ليست بكِبَر الحجم و”العراقة” التي تآكلت بسبب التضخم في الحجم (كجامعة القاهرة والإسكندرية، والحال من بعضه بالنسبة لجامعتي دمشق وحلب) بل بالصغر و”الرشاقة”. لقد ثبت من هذه التجربة ذلك الاعتقاد الذي يفيد بأن “الأصغر أقوى Smaller is stronger” و “الأصغر أسرع Smaller is faster”. تجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن من المواصفات الأساسية المشتركة للجامعات العالمية التي اعتادت أن تكون ضمن المئة جامعة الأولى في العالم هو أن عدد الطلاب في كل منها لا يزيد عن 25 ألف طالب.
ثالثاً – في الجانب البحثي (وهو الشق المفصلي والحاسم في التصنيف): لا يكفي عدد البحوث ورسائل الماجستير والدكتوراه المنجزة، بل ما يهم أيضاً النوعية والتأثير، والارتباط بالاحتياجات المحلية والوطنية (ما تسميه التايمز في معاييرها بالـ Relevance)، وكذلك الدخل الذي تحققه هذه الأبحاث. من المفيد هنا استعراض عينة من الجامعات الفائزة بالتصنيف: جامعة سوهاج التي قدّمت مجموعة من الأبحاث المهمة التي أفادت الصناعة المصرية، ومنها بحث لتطوير أنظمة التكييف الصحراوي، ليعمل بدون مياه، بالإضافة إلى مجموعة بحوث في النباتات الطبية والعطرية، وبحث استفادت به المصانع في تحويل النفايات إلى أخشاب، فضلًا عن أبحاث في علاج الأمراض المستوطنة، وأبحاث في الهندسة الوراثية، وأبحاث عن معالجة مياه الصرف الصحي. حققت الجامعة دخلاً من هذه البحوث زاد عن 5 ملايين جنيه، هذا إلى الجانب الريادي الطلابي في مجتمع الأعمال التكنولوجية (له أيضاً حساب في المعايير)، فالجامعة لديها نادي “لريادة الأعمال التكنولوجية” يضم 120 طالبًا حصل ستة منهم على براءات اختراع.
رابعاً – في الجانب الحَوْكمي على مستوى منظومة التعليم العالي: أثبتت هذه التجربة ضرورة توفير جسم وطني يتولى “قيادة المهمة” داخل منظومة التعليم العالي. في الحالة المصرية، شكلت الوزارة لجنة باسم “لجنة مساعدة الجامعات المصرية على تحسين التصنيف الدولي”. نظمت اللجنة حتى الآن أكثر من 20 ورشة عمل بمشاركة ممثلي الجامعات والمراكز البحثية وخبراء من مختلف دول العالم.
خامساً – في الجانب الحَوْكمي على المستوى الوطني: أثبتت هذه التجربة نجاعة وأثر منهجية “التوجيه” السياسي الذي يأتي من الأعلى إلى الأسفل (Top-down approach) والمتجذرة في ثقافة المنطقة العربية. في الحالة المصرية تجلّى دور “التوجيه” (الذي يُعبّر عنه في مصر بمصطلح “التكليف”) واضحاً في تصريح وزير التعليم العالي المصري تعقيباً على ما حققته الجامعات المصرية عندما أفاد بأن “فوز الجامعات المصرية ضمن هذا التصنيف الدولي، يأتي تأكيدًا للتكليفات المستمرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي بالارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات، وما تحقق هو نتيجة تنفيذ هذه التكليفات، وأن هذا النجاح للجامعات المصرية في التصنيف الدولي يرجع إلى إصرار منظومة التعليم الجامعي في مصر على تنفيذ هذه التكليفات”. تُترجم هذه الثقافة أهمية العامل السياسي والدعم والمتابعة المقدمين من أعلى المستويات، وما يمكن أن يتبع ذلك من مساءلة ومحاسبة.

لمزيد من المعلومات:

https://www.youm7.com/story/2018/10/5/رئيس-الوزراء-يشيد-بإدراج-19-جامعة-مصرية-فى-تصنيف-التايمز/3977249?fbclid=IwAR2GkpuHqilQ47J70E7EP6qIDqga0rSHHTmY3apXZdH8nYlZ3K9SREs1DYI

 

التصنيف العالمي للجامعات: شهادة على العصر

خلال عملي في وزارة التعليم العالي في دمشق، أتيحت لي فرصة المشاركة في المنتدى العالمي الذي نظمه اليونسكو حول “الترتيب والمساءلة في التعليم العالي: الاستخدام وإساءة الاستخدام”Rankings and Accountability in Higher Education: Uses and Misuses والذي عقد في باريس، 16-17 أيار 2011. وأدرج فيما يلي التقرير المفصل الذي كنت قد رفعته إلى الوزارة عن هذا المنتدى الذي بات يعدّ مفصلياً و”تاريخياً” بالنظر إلى ما نتج عنه فيما بعد من “انعطاف” هام على مستوى منظومات التصنيف العالمية والمعايير التي تحكمها، انعطاف فتح مزيداً من الفرص أمام جامعات البلدان النامية للدخول إلى ميدان المنافسة العالمية:

 أولاً – المنتدى: ألأهمية، السياق والأهداف:

اكتسب موضوع ترتيب الجامعات، سواءً على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي، أهمية كبرى منذ بداية التسعينات، إذ أصبح له تأثير متنام على المستوى الاجتماعي بعد أن بات يشكل حيزاً في الرأي العام المؤثر في صنع سياسات التعليم العالي. لقد بدأ ترتيب الجامعات في أصله بمراكز الاستطلاعات العائدة لبعض المؤسسات الإعلامية التجارية التي كانت تقدم نتائج ترتيبها للجامعات على المستوى الوطني كسلعة إستهلاكية إعلامية تهدف إلى إشباع الطلب من الرأي العام على الشفافية فيما يخص الجامعات، وسرعان ما تنبهت الحكومات ووكالات الاعتماد إلى هذه الأداة الجديدة، أي الترتيب، وراحت تطور منظومات للترتيب خاصة بها كأداة لضمان الجودة.

وفي عصرنا هذا، عصر العولمة، تعولم التعليم العالي وتعولمت معه مؤسسات ومنظومات الترتيب، ووجدت مؤسسات التعليم العالي نفسها في تنافس شديد لكسب ترتيب لائق على هذه القائمة أو تلك. ونتيجة لهذه “الحمى” الجديدة، حمى الترتيب، التي راحث تؤثر على قرارات المؤسسات المتسابقة وقرارات طلابها وأكاديمييها وباحثيها، تحول الترتيب ومجال استخدام نتائجه من مفهوم السلعة الاستهلاكية المنورة للرأي العام إلى مفهوم أداة للمساءلة ذات تأئير واسع الطيف على التعليم العالي. هدف هذا المنتدى إذاً إلى:

  1. تحسين الفهم لموضوع الترتيب والمؤسسات القائمة عليه، وانتشاره السريع والنفوذ القوي الذي بات يمتلكه
  2. دراسة التداعيات السياساتية للترتيب لجهة مؤسسات التعليم العالي والحكومات.
  3. الوقوف على مرحلة ما بعد الترتيب، وسبر/تطوير الأدوات المحاسبية الأخرى التي من شأنها تنوير صانعي السياسات ومساعدة الطلبة في اختياراتهم.
  4. تطوير دور المنظمات العالمية ذات الصلة مثل اليونسكو والبنك الدولي ومنظمة الأمن والاقتصاد OECD في الوصول إلى معلومات أكثر شفافية حول الترتيب.

ضمن هذا الإطار، وبهدف نقل الصورة الواضحة حول عملية ترتيب الجامعات والملابسات المحيطة بها إلى المعنيين بهذه القضية في جامعاتنا، نجد من المناسب التعرف أولاً على الواقع الحالي لهذه العملية في العالم، كما ورد من خلال العروض والمداولات التي قدمت في المنتدى.

ثانياً – الواقع الحالي لترتيب الجامعات:

المؤسسات القائمة على الترتيب:

على المستوى الوطني يوجد في العالم اليوم أكثر من 50 دولة تمتلك منظومة وطنية لترتيب جامعاتها، أما على المستوى العالمي، وهو ما يهم هنا، فتوجد على الأقل عشرة مؤسسات ترتيب عالمية ذات تأثير كبير تتزاحم عليها الجامعات العالمية لحجز مكان لها على قائمة أفضل مئة جامعة تصدرها كل عام. فإذا اعتبرنا وجود أكثر من 15 ألف مؤسسة تعليم عالي في العالم معنية بالترتيب لأدركنا مستوى التنافسية المرافق لعملية الترتيب ومدى “الهوس” الذي يمكن أن يرافق هذه العملية.

يلخص الجدول التالي مؤسسات الترتيب العالمية العشرة، الأكثر شهرة في العالم:

المؤسسة المرتِّبة Ranking Institution

الدولة Country

(Academic Ranking of World Universities (2003 Shanghai Jiao Tong University, China
(The QS World University Rankings (2004-2009 UK
(Webometrics (2004 Spain

   Performance Ranking of Scientific Papers for Research Universities (2007

Taiwan
Leiden Ranking (2008 Netherlands
SCImago Institutions Rankings (2009 Spain
QS World University Rankings (2010 UK
The Thomson Reuters World Ranking of Universities (2010 UK
U-Multirank (2011 EU
Green Metric World University Ranking (2011 Universitas Indonesia

يضاف إلى مؤسسات الترتيب العالمية هذه، بعض المؤسسات الأخرى الشهيرة  (وأغلبها صحفية) تعمل على المستوى الوطني كتلك المدرجة في الجدول الآتي:

المؤسسة المرتِّبة Ranking Institution

الدولة Country

Das CHE-HochschulRanking Germany
US News and World Report US
Guardian UK

(Times (THE

UK
Sunday Times UK and Ireland
Asahi Shimbun Japan
Washington Monthly College Guide US
AsiaWeek Asia
(Financial Times (for Business Schools UK
(Business Week (for Business Schools EU

منهجية ومعايير الترتيب:

تتبع حميع مؤسسات الترتيب المنهجية ذاتها لكن باتباع معايير ترتيب مختلفة:

  • يضع مصممو النظام في كل مؤسسة ترتيب مجموعة من المؤشرات ويتم تثقيل كل مؤشر بوزن مختلف عن وزن المؤشر الآخر.
  • غالباً ما تقيس هذه المؤشرات (وهذا مشترك بالنسبة لجميع مؤسسات الترتيب) ما يلي وبصورة كمية:
    1. البحوث الطبية والحيوية
    2. البحوث المنشورة في مجلتي Nature و Science
    3. مواصفات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس (الإنتاجية – معايير القبول – نسبة المدرسين إلى الطلبة …الخ)
    4. عالمية المؤسسة Internationalization
    5. سمعة المؤسسة لدى كل من النظراء وأرباب العمل والطلبة
  • يتم إعطاء درجة رقمية نهائية لكل مؤسسة وفقاً للنقاط الممنوحة لكل مؤشر على حدى بعد إعطاء الوزن المقرر لكل مؤشر
  • يتم أخيراً ترتيب المؤسسات تنازلياً وفق درجاتهم النهائية.

من الأهمية بمكان تسليط الضوء على ما لا تقيسه مؤشرات الترتيب:

  • لا تهتم المؤشرات بالتعليم والتعلم ولا تقيس المحصلات التعليمية ولا تهتم بأئر البحث على التعليم
  • لا تهتم ببحوث العلوم الانسانية والاجتماعية والفنون
  • لا تهتم بنشر المعرفة ونقل التكنولوجيا ولا بالفائدة المجنية من البحوث المنتجة
  • لا تهتم بالشعور بالمواطنة والانتماء لدى الطلبة
  • لا تهتم بالخبرة العملية للطلبة

وكمثال على هذه المؤشرات نورد في الجدول التالي جملة المعاييرالمتبعة من قبل أشهر مؤسسات الترتيب (جامعة شنغهاي):

المعيار

المؤشر

الوزن

جودة التعليم

عدد الخريجين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات مرموقة

10%

جودة أعضاء هيئة التدريس

عدد المدرسين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات مرموقة

20%

الاستشهادات للباحثين من الجامعة في 21 مجال بحثي محدد

20%

الإنتاج البحثي

عدد البحوث المنشورة في مجلتي Nature و Science

20%

عدد البحوث المصنفة في قاعدة بيانات SCI و SSCI

20%

الأداء الأكاديمي الوسطي

الأداء الأكاديمي للمؤسسة موزعاً على عدد أفرادها

10%

المواصفات العامة للجامعات “المؤهلة” للفوز بالترتيب:

دلت نتائج الترتيب وفق المعايير السابقة أن الجامعات التي تحصد الترتيب المتقدم ضمن المئة جامعة الأولى في العالم هي جامعات عريقة وضخمة وغنية، غالباً ما تتمتع بالمواصفات العامة التالية:

  • عمر أكثر من 200 عام
  • تضم ما لا يقل عن 2500 عضو هيئة تدريس
  • لا يزيد عدد طلابها عن 25 ألف طالب
  • شروط القبول فيها قاسية
  • تمتلك وديعة مالية (وقف) لا تقل عن مليار دولار أمريكي
  • ميزانيتها السنوية لا تقل عن 2 مليار دولار أمريكي
  • ناطقة باللغة الإنكليزية

ولتأكيد هذه المواصفات نورد في الجدول التالي نتائج الترتيب العالمي لبعض السنوات الأخيرة ممثلاً بعدد الجامعات الفائزة بالترتيب من كل كتلة جغرافية، والذي أجرى من قبل أربعة من أشهر مؤسسات الترتيب العالمية:

Thomson Reuters QS Academic Ranking of World Universities (Shanghai) The QS World University Rankings Top 100

Universities

2010 2010 2010 2009 2008 2007 2009 2008 2007
54 31 54 55 54 53 32 37 37 US
28 42 33 32 34 34 38 36 35 Europe
5 8 3 3 3 2 9 8 9 Australia/New Zealand
 

10

 

15

 

6

 

6

 

5

 

7

 

16

 

14

 

13

Asia Pacific

(No Arab Country)

3 4 4 4 4 4 4 5 6 Canada
 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

Latin America/ Africa

يدل هذا الجدول ايضاً على طبيعة المنافسة العالمية و”التهميش” الذي أصاب جامعات الدول النامية (أفريقيا – أمريكا اللاتينية – الدول العربية) من جراء معايير الترتيب المتبناة، ومدى الجدل المرافق والذي تفجر على أشدّه خلال جلسات المنتدى.

ثالثاً – الانتقادات الموجهة في المنتدى إلى أنظمة ومعايير الترتيب العالمية الحالية:   

لقد شكل هذا المنتدى الذي شارك فيه ممثلون عن جميع الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو وممثلون عن مؤسسات الترتيب العالمية والمنظمات الأخرى المعنية، فرصةً مناسبة لكشف الإرهاصات المرافقة لعمليات الترتيب وتسليط الضوء على مكامن الخلل في منهجيات ومعايير الترتيب التي استعرضناها سابقاً.

  • فتحديد المؤشرات وأوزانها خاضع لأولويات كل مؤسسة ترتيب.
  • ونادراً ما تقيس هذه المؤشرات المعايير المستهدفة بشكل مباشر فجودة التعليم يعبر عنها مثلاً بجوائز نوبل التي يحصل عليها قدماء الخريجين أو بعدد مرات الاستشهاد بالبحوث التي يجريها أعضاء هيئة التدريس، كما أن جودة البنية التحتية يعبر عنها بالميزانيات المصروفة ..الخ.
  • المؤشرات تركز على الأداء في الفترة الماضية دون اعتبار لكمون الجامعة وأفاقها المستقبلية.
  • المؤشرات تركز على المهمة البحثية للجامعة وتهمل المهام الأخرى التعليمية والتنموية وخدمة المجتمع
  • بالنتيجة، فإن المؤشرات التي تتسم بكونها ترتكز على المدخلات (Input-based) تحصر الترتيب بجامعات الدول الغنية. فعلى سبيل المثال أجرت نيجيريا دراسة للمستلزمات المالية لوضع جامعة نيجيرية واحدة ضمن قائمة أفضل 200 جامعة في العالم فتبين أن الموضوع يتطلب رصد ميزانية قدرها 31 مليون دولار أمريكي كل عام ولمدة 10 سنوات على الأقل!!!

كل ذلك يشير إلى أن جامعاتنا، شأنها شأن باقي الجامعات في الدول النامية، ستبقى، وإلى حين، خارج دائرة المنافسة ضمن معايير الترتيب هذه.

رابعاً – التوجهات السياساتية المنبثقة عن المنتدى:

لقد أدى الحراك النشط الذي انبثق خلال جلسات المنتدى إلى ظهور العديد من التيارات والتوجهات السياساتية التي من شأنها إدخال تعديلات جذرية على منهجيات ومعايير الترتيب لصالح المؤسسات التعليمية للدول النامية التي تمتلك منظومات تعليمية نامية وواعدة، والتي أصبحث منظومات الترتيب الحالية تشكل مصدر إحباط لها. ونوجز فيما يلي أهم هذه التوجهات:

  1. على الحكومات أن تخفف مما سمي “بهوس” الترتيب العالمي للجامعات
  2. ضرورة التوصل إلى أنظمة ومعايير أخرى لترتيب الجامعات يتم فيها توسيع طيف المعايير والمؤشرات لتشمل الأوجه والوظائف الأخرى للجامعة كالوظيفة التعليمية والوظيفة الاجتماعية، وبالتالي يمكن أن يكون هناك ترتيب متعدد الوظائف يتم فيه “مفاضلة” الجامعات البحثية مع بعضها والجامعات التعليمية مع بعضها وهكذا، مع تثقيل الجانب التنموي والاجتماعي المحلي للجامعات.
  3. ضرورة التفكير بمنهجيات ترتيب جديدة كتلك التي ترتب منظومات التعليم العالي الوطنية بدلاً من النظر إلى جامعة منفردة
  4. التشجيع على تبني القياس النسبي Benchmarking بدلاً عن الترتيب كأداة تحفيزية/قياسية للجامعات لتطور نفسها وتحسن من ترتيبها.
  5. الإقرار بضرورة إعطاء صوت للطلاب في عملية الترتيب والمعايير المحددة لها
  6. منح الشرعية اللازمة لمنظمة اليونسكو للإشراف على عملية الترتيب وإصدار دلائل إرشادية تتضمن الممارسات الجيدة لهذه العملية

خامساً – مقترحات خاصة بجامعاتنا:

  1. إقامة منظومة وطنية لترتيب المؤسسات التعليمية السورية فيما بينها كخطة مرحلية لتوطين منهجية و”ثقافة” الترتيب على المستوى الوطني، ولخلق دينامية تنافس وطنية تساعد على الوصول إلى العالمية.
  2. وضع مؤشرات أداء رئيسية (Key Performance Indicators (KPIs للتعليم العالي على المستوى الوطني تحاكي المعايير المتبعة من قبل منظومات الترتيب العالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب التنموي والاجتماعي المحلي للجامعات.
  3. دعوة الجامعات إلى وضع خطة استراتيجية للبحث العلمي والنشر وتسويق البحوث، تتقاطع مع التحدي البحثي المقترن بأنظمة الترتيب العالمي التي من المؤمل أن “تلين” معاييرها وتتوسّع لصالح مزيد من الاحتواء والإنصاف لجامعات البلدان النامية.

الصورة البارزة مأخوذة من المقال على الرابط:

http://www.studyinchina.com.my/web/page/brics-emerging-economies-rankings-2015/

 

الإسهال الفيسبوكي… الأنواع، الأعراض، المسببات، والعلاج

الفيسبوك أداة رائعة للتواصل الاجتماعي وتنمية “الشعبية”، أو ما يسمى بالعلامة التجارية الشخصية. وعندما ابتكر مارك زوكربيرغ هذه الأداة الرائعة لم يخطر بباله يومًا أن ابتكاره هذا سينتشر انتشار “وبائياً” في كوكب الأرض ليشكل فضاءً من الحرية التعبيرية قائماً بذاته، وربما يمتد في المستقبل ليشمل كواكب أخرى.
لكن البعض راح يفرط في استخدام هذا الفضاء بشكل غير متحكم به… فمن منا لا تتضمن قائمة أصدقائه الفيسبوكيين أصدقاءً يمطرون صفحته يومياً بوابل من المنشورات المحدودة الفائدة؟ لقد باتت هذه الظاهرة تشكل عَرَضاً رئيسياً (إلى جانب أعراض جانبية أخرى مرافقة) ومؤشراً للإصابة بما يمكن تسميته بـ “متلازمة الإسهال الفيسبوكي”!
سوف نحاول هنا تحليل هذه المتلازمة من خلال النظر إليها بعدسة “طبية” سعياً إلى المساعدة في “تشخيص” هذا الداء.
لنميز أولاً بين نوعين من الإسهال الفيسبوكي: إسهال من النوع “الحميد” المحبّب، وإسهال من النوع “الخبيث” المستهجن الذي يشكل موضوع بحثنا “الطبي” الحالي. ما يميز النوعين عن بعضهما نوعية المحتوى والقيمة المضافة التي يحملها والرسالة التي يريد إيصالها، وأمور أخرى تتعلق بسلوك المستخدم لهذا الفضاء الواسع.

أما ما يخص جملة الأعراض المقترنة بهذه المتلازمة فتعتمد على بعض المؤشرات التي يمكنك كمستخدم أن تحدد بنفسك درجة إصابتك بها وفقاً لتراكم واحدة أو أكثر منها لديك. من أهم هذه المؤشرات:
• حين يزيد معدل نشرك عن خمسة بوستات في اليوم (رقم تأشيري وليس حدّي).
• حين تغيب القيمة المضافة عن كل ما تنشر (هناك تناسب عكسي حتمي بين عدد البوستات المنشورة في اليوم ونوعية المحتوى).
• حين تشعر بانخفاض شديد ومستمر في عدد اللايكات والمشاركات التي تحصدها عن كل بوست.
• حين تشعر بانخفاض حاد في عدد المتابعين لصفحتك.
• حين توزع اللايكات بسخاء على بوستات الآخرين وتطلب منهم الإعجاب ببوستك الشخصي أو صفحتك.
• حين تتردد على بوستك مرات عديدة بعد نشره لتطمئن على عدد اللايكات التي تأتيك، وربما تضع عليه لايكاً شخصياً من عندك.
• حين تضيف المزيد والمزيد من الأصدقاء الجدد دون النظر إلى بروفايلاتهم أو منشوراتهم أو “حالتهم الصحية الفيسبوكية”
• حين تنشئ صفحات ومجموعات فيسبوكية عديمة الفائدة وبدون معنى، وتدعو قائمة أصدقائك إلى الانضمام إليها أو تقحمهم فيها دون استشارتهم.
• حين تضع علامات (Tags) لكل من هو موجود في قائمة أصدقائك على أية صورة تحصل عليها، مما قد يتسبب بمتاعب فيسبوكية لهم.
• حين تسارع في إطلاق دردشة مع أي صديق دون رغبة منه، بمجرد ظهوره على الخط (Online)، وتبادره بأسئلة لا معنى لها ولمجرد الثرثرة.
• حين تنسخ محتوى منشورك من مصدر ثان دون أن تشير إليه (أو تكتب عليه كلمة “منقول”) وفقاً لما تقتضيه الأمانة العلمية.
• حين تنكز الناس (Poke) باستمرار وبحماسة مستخدماً لغة الرموز (Emoji).
• حين تتحيّن الفرص لتنبري بتعليقات خارج السياق على بوستات الغير، إما بغرض الظهور أو الاستفزاز أو تنفيذ أجندة محددة، دون النظر إلى الفكرة والهدف اللذين جاء البوست من أجلهما.

وإذا ما تساءلنا عن منشأ هذه المتلازمة ودوافعها نرى ثمة ارتباطاً وثيقاً بعوامل خطورة (Risk Factors) ترفع من احتمالية الإصابة بهذا الداء، نذكر من أهمها:
• النرجسية: وتتمثل بحبّ الظهور وتسويق الذات وبناء الشعبية، بما في ذلك البحث عن “منصب أرفع” (كما هو الحال مع بعض “المستوزرين”).
• تبنّي أجندة معينة والسعي إلى تحقيقها: يصنف هذا الدافع ضمن خانة “التشبيح الفيسبوكي” السياسي أو الديني أو غير ذلك …)

لا علاج مباشر لهذا الداء، بل هناك تعليمات “وقائية” معروفة تخص المستخدمين “الأصحاء” وتهدف إلى تجنب الأثر السلبي القادم من الأصدقاء “المسهلين”، بدءً من حجب البوستات والتعليقات، وإلغاء المتابعة، وانتهاءً بالحذف من قائمة الأصدقاء.
ولا بد أخيراً من توجيه التحية إلى أصحاب الإسهال الحميد فإسهالهم محبب، وهم يمثلون النخبة الفيسبوكية التي تهتم بغزارة العطاء وتسهر على نوعية البوستات وقيمها المضافة، وتتفاعل بموضوعية وشفافية مع الأحداث اليومية. تحترم الرأي الآخر وترحب بالتغذية الراجعة والرأي البناء من كل متفاعل رصين…

ما بعد “السلعنة” إلّا “الملعنة”..

تسلعن التعليم العالي… بات سلعة تباع وتشترى بالرسوم الباهظة التي يدفعها الطالب في غالبية جامعات العالم (على الأخص في الجامعات الخاصة) لقاء التزود بالتعليم “الجيد” اللازم لتمكينه من النفاذ لاحقاً إلى سوق العمل، ولن ينفذ إلا بسلطان ما ينفقه من مال ويكتسبه من معارف ومهارات جديدة ومتجددة.
وهذا ما دفع الجامعات إلى التسابق في ابتكار اختصاصات تواكب احتياجات “السوق” حتى وصل بها الأمر إلى استهداف مهن حساسة كانت وما زالت من التابوهات كمهنة “الجاسوس” التي تبنتها جامعة باكنغهام البريطانية، والتي عادة ما تُلقَّن فنونها ومهاراتها تحت أقسى درجات السرية.
سوف يشجع إعلان جامعة باكنغهام البريطانية عن هذا البرنامج الجريء الذي يمنح درجة علمية في “التجسس الدولي” جامعات أخرى على استهداف المزيد من المهن العصرية “المبطّنة”، وما أكثرها هذه الأيام…
هل يمكننا مثلاً، وعلى المنوال ذاته، أن نرى في الأيام القادمة ولادة هندسة جديدة باختصاص “هندسة الفساد” يٌمنح طلابها شهادة “مهندس فساد” بعد أن ضرب الفساد أطنابه في المجتمعات والطبقات السياسية في بلدان العالم، وبلداننا العربية ليست باستثناء؟
ومن ذا الذي يمكنه أن يشكك في حجم “سوق العمل” الذي ينتظر خريجي هذا الاختصاص على المستويين العالمي والمحلي، ومن يعلم؟ ربما تكون هذه المهنة/السوق في طريقها إلى “الشرعنة” بحكم الأمر الواقع وبدفع من التكنولوجيا؟
ألم نألف رؤية هذه المهنة “شبه الهندسية” الجديدة القديمة تُمارس منذ زمن على أرض الواقع لكن في الظلام وعلى ارتفاع منخفض، بعيداً عن مجال عمل “الرادارات”؟ ألم نراها تتجذر في مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة؟
سوف تفتح هندسة الفساد مجالات عمل خصبة أمام “مهندس الفساد” حيث سيكون بإمكانه العمل (في الوجه الحميد للمهنة) في دوائر القطاع العام كـ “مكافح فساد” إذا ما أرادت الدولة مكافحة الفساد بشكل علمي ومنهجي، أو في السلطة المركزية لمكافحة الفساد (الرقابة والتفتيش)، أو يعمل في “مكتبه الخاص” كـ “ميسِّر فساد” تحت أي “مسمّى” يختاره، وهذا هو الوجه الخبيث للمهنة، الذي سوف “يطبع” يوماً ما.

قد يبدو هذا الطرح مثيراً للجدل، إلا أن نظرة استشرافية واقعية إلى مآ آلت إليه القيم في بلادنا، بعد أن “ضربت بناقص واحد” وسادت ازدواجية المعايير في النظام العالمي (المضروب بدوره بناقص واحد)، كفيلة بأن تعزز احتمالية حدوث ما تخشاه الشعوب، بأن يصبح الفساد المتجه إلى التطبيع مهنة معترف بها، لها إعدادها العلمي والمهني، وتمارس تحت مسميات مختلفة.

في الولايات المتحدة (الديمقراطية)، يكثر “ميسرو الفساد” المعروفون بلوبيات التأثير (Lobyists) لكنهم، وبهدف التخفي ولمزيد من “الظلامية”، راحوا يتبنّون لمهنتهم تسميات رسمية أخرى أكثر “براءة” كـ “مستشار استراتيجي” أو “خبير بالشؤن الحكومية”. وتجاوباً مع هذا التوجه قررت “الرابطة الأمريكية لسماسرة النفوذ” American League of Lobyists تغيير تسميتها إلى “جمعية مهنيي العلاقات الحكومية” Association of Government Relations Professionals!

ممارسات هؤلاء “الميسرين” على أرض الواقع تتلخص في البحث عن تصميم لخطة استراتيجية أو “عملية” ما Process أو “صفقة” تضمن بنتيجتها تحقيق هدف محدد (كتوقيع عقد أو الحصول على مناقصة أو تمرير قانون أو تمويل حملة انتخابية أو التأثير على مجموعة من الناخبين…الخ) مع الأخذ بالاعتبار جملة من القيود   Constraints مثل شرعية العملية ـ سرية منفذيها ـ عدم المساءلة لاحقاً…الخ.

الصورة مأخوذة من الرابط: https://www.speakertv.com/education/knowledge-for-a-price-should-higher-education-be-free-in-australia/

 

في اليوم العالمي للديمقراطية

تحتفل الأمم المتحدة في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر من كل عام بـ “اليوم العالمي للديمقراطية” International Day of Democraty واختارت أن يكون هذا العام تحت عنوان “الديمقراطية تحت الضغط: حلول لعالم متغير”.

Democracy under Strain: Solutions for a Changing World

وتنظر الأمم المتحدة إلى هذا اليوم باعتباره “فرصة للبحث عن طرق لتنشيط الديمقراطية والبحث عن إجابات للتحديات النظمية التي تواجهها، بما في ذلك معالجة عدم المساواة الاقتصادية والسياسية، وجعل الديمقراطيات أكثر احتواءً بجلب الشباب والمهمشين إلى النظام السياسي، وجعل الديمقراطيات أكثر ابتكارا واستجابة للتحديات القائمة كالنزوح والهجرة وتغير المناخ”!

نتساءل نحن العرب، ومعنا العديد من شعوب العالم المقهورة التي طالما حلمت بمحاكاة الديمقراطيات الليبرالية “العريقة” وبناء أنظمة حكم منتخبة تتولى صيانة الحريات العامة وضمان المساءلة وشفافية الأداء: هل لا زلنا معنيين بالديمقراطية أم سئمنا هذه الكلمة ونحن نرى الديمقراطيات “الراسخة” في العالم “المتحضر” تتآكل وتضمحل بنتيجة الفساد والجمود الإيديولوجي واستيلاء النخب القوية على مؤسسات الدولة؟

لعلّ من أصدق ما قيل عن الديمقراطية وممارساتها تلك المقولة المعبرة التي أثبتت صحتها في هذا الزمن المضطرب: “الديمقراطية حرب أهلية تتم بأسلوب حضاري”

نعم، هي حرب أهلية، ربما “ناعمة” و”حضارية” لكن عوراتها تتكشف يوماً بعد يوم… ولشدّ ما يدل على ذلك ما بتنا نشهده من ممارسات لم تعد تخلو من معايير مزدوجة وخدع ودسائس ومقالب وتضليل وتجييش.

من المفيد رغم ذلك، ونحن “نحتفل” بهذا اليوم العالمي، أن نتأمل فيما يفصلنا نحن العرب عن هذه “الحرب الأهلية الحضارية” من خلال استعراض ما هو متوفر في الأدبيات من مستلزمات نجاح الديمقراطية “الصحيحة” التي تناسب مقاسنا:

فالديمقراطية تتطلب أولاً خلوّ النظام من الفساد فأين نحن من ذلك والفساد ينخر فينا؟

والديمقراطية تتطلب وجود طبقة متوسطة (برجوازية وطنية)تطالب بإحلال حكم القانون لحمايتها، كما وتطالب بالمشاركة في الحياة السياسية لتحافظ على وضعها الاجتماعي، فأين طبقتنا المتوسطة بعد أن أُفقرت وتلاشت أمام برجوازية نشأت في أحضان السلطة، لا يعتمد عليها في بناء الديمقراطية؟

والديمقراطية تتطلب وجود دولة قوية بمؤسساتها وقوانينها، حيث لا يمكن للديمقراطية، إن انطلقت أولاً أن تبني دولة قوية، وبخاصة إذا انطلقت من وضع مأزوم كما في “ربيعنا العربي”.

وأخيراً، وليس آخراً، الديمقراطية تتطلب وجود إرث سياسي وثقافة تعايش وتداول للسلطة، لا ثقافة هيمنة واحتكار لسلطة اتخاذ القرار وتغييب كامل للقوى الاجتماعية الأخرى في المجتمع، ولعل هذا الشرط الأخير (الإرث السياسي) إن توفر، يمكن أن يساهم في التخفيف من وطأة الشروط الأخرى، ولنا في الحالة الهندية خير مثال.

لقد نجحت الهند في تأسيس نظام ديمقراطي في ظل مجتمع فقير وأمّي وطبقي. فالديمقراطية الهندية التي سميت بـ “ديمقراطية الفقراء” ذات سجل حافل لا مثيل له خارج نطاق الديمقراطيات الراسخة. لقد أجمع الخبراء والمحللون أن نجاح وترسيخ التجربة الديمقراطية في الهند يعودان إلى أسباب عديدة من أهمها أن الثقافة الغالبة للنخب الهندية ارتبطت بديمقراطية المستعمر البريطاني وورثتها عنه بعد الاستقلال، مدركة أهمية ثقافة التعايش من خلال تطبيق ممارسات وآليات الديمقراطية البريطانية. لقد كانت رؤية وقناعة هذه النخب الحكيمة أن لا انقاذ للهند ولا طوق نجاة الا بالديمقراطية، وبمزيد من الديمقراطية كلما اصطدمت بعقبات أو خلافات أو صراعات، وأن ممارسات الاستبداد، هي التي تؤدى الى مزيد من الاحتقان لا يخفف وطأته غير الانفراج الديمقراطي تحت مظلة القانون.

فيا أيها الحالمون بـ “القفز” إلى الديمقراطية، رويداً رويداً… خفّضوا الحواجز ولا تعلّوا السقوف، فالتحديات جسام …

في ذكرى يوم الأرض: كوكب الأرض ينتحر

تأملات في ذكرى يوم الأرض: كوكب الأرض ينتحر شيئاً فشيئاً….

في هذه الذكرى السنوية المفصلية، يحضرني تنبيه خطير يرد كل عام بتاريخ مختلف ليذكِّر بما يسمى “يوم تجاوز الحدّ” الذي يفيد بأن البشرية قد استَهلَكت بحلول هذا اليوم (الذي يتقدم كل عام بالنسبة للعام الذي يسبقه) كلَّ ما هو مخصص لها هذا العام من موارد طبيعية مما يحتّم عليها أن “تستدين من الطبيعة” لتكمل عامها بسلام، شأنها شأن الموظف محدود الدخل الذي ينفق كامل مرتّبه قبل نهاية الشهر ثم يُجبَر على الاستدانة بانتظار الشهر الذي يلي ليجد نفسه غارقاً في الديون أكثر وأكثر.
لقد دأبت مؤسسة “Global Footprint Network” منذ سنوات السبعينات من القرن الماضي على إعلان تقديراتها (العلمية الرصينة) المتعلقة بيوم تجاوز الحد هذا، حيث وقع هذا اليوم بالنسبة للعام الفائت بتاريخ الثاني من آب/أغسطس 2017 وفقاً للمقال المدوي الذي نشرته يومئذ صحيفة Le monde الفرنسية تحت عنوان “اعتباراً من اليوم، البشرية تعيش على الدَّين”. تجدر الإشارة إلى أن هذا اليوم كان يحل، أثناء عقد الثمانينات، حوالي منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، ومع تزايد الاستهلاك البشري، صار يحل أثناء عقد التسعينات في شهر تشرين الأول/أكتوبر، أما في العقد الأول من الألفية فقد أصبح يحل في أيلول/سبتمبر. وهكذا بات يوم تجاوز الحد يزحف ببطء (وثبات) نحو الشهر الأول (كانون الثاني/يناير) ليكرس، عاجلاً أم آجلاً، الإفلاس التام للأرض (بل قيامتها) إن استمر استهتارنا بالبيئة وسلوكنا الاستهلاكي الانتحاري على ما هما عليه حالياً، واستمر “انتحاريو الأرض” بعنادهم، أمثال “الزعيم” ترامب الذي أبى إلا أن ينسحب من اتفاق باريس حول المناخ (المعروف باسم “كوب 21”)، وهو الذي يمثل ثاني أكثر دول العالم تسببا في انبعاثات الغازات المسرّعة لهذا الزحف نحو “قيامة الأرض”، ناهيك عما يتسبب، مع غيره من الزعماء الانتحاريين، في إشعال الحروب المدمرة والملوثة في شتى أنحاء العالم.
لقد استنفر العلماء والباحثون لإيجاد نماذج ومقاربات جديدة لتفادي هذا الكابوس مراهنين على تغيير السلوك الاستهلاكي والبيئي، وعلى الدور الواعد للعلوم والتكنولوجيا والابتكار فكان اعتماد قادة العالم لما سمي “خطة التنمية المستدامة لعام 2030” وما رافقها من أهداف تحتم على بلدان العالم كافة العمل خلال السنوات القادمة وحتى العام 2030 على حشد الجهود للقضاء على الفقر بجميع أشكاله ومكافحة عدم المساواة، ومعالجة تغير المناخ، مع ضمان “عدم التخلي عن أحد”Leaving No One Behind . هذه الجملة الأخيرة تدعو إلى التأمل حقاً، والمزيد من التأمل والتساؤل، مهما تفاءلنا، إذا ما نظرنا إلى منطقتنا وما يدور فيها من صراعات ونزاعات، وكأنها “مستثناة من هذا الضمان” أو أن العالم نسي أن المركب لن يغرق إلا دفعة واحدة…

 

Depuis aujourd’hui, l’humanité vit à crédit
Mercredi, nous avons consommé toutes les ressources naturelles que la planète peut produire en une année. Ce « jour du dépassement de la Terre » survient toujours plus tôt.
LEMONDE.FR
 http://www.lemonde.fr/planete/article/2017/08/01/a-compter-du-2-aout-l-humanite-vit-a-
credit_5167232_3244.html