المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…

نمت شبكات التواصل الاجتماعي ولا زالت تنمو بسرعة غير مسبوقة…

ووفقًا للإحصاءات الرقمية العالمية، فإن حوالي 40٪ من سكان العالم باتوا يستخدمون هذه الشبكات المعولمة، حيث كان من أبرز الآثار لنشوء هذا المجتمع الشبكي الجديد، ذلك الانزياح الحاصل في السلطة باتجاه الفرد على حساب الدولة ومؤسساتها، وبروز طبقة من “النخب” التي كرست ما بات يعرف اليوم في عالم الشبكية بـ “المؤثرون” Influencers…

ضمن هذا السياق، وفي جو من الاستقطاب الشبكي الحاد الذي تأجج بوجود محركات الإعلان التجاري، أصبح التأثير في شبكات التواصل الاجتماعي مهنة قائمة بذاتها حيث بتنا نشاهد “الفيسبوكجي” المحترف (المختلف عن المدمن) و “اليوتيوبجي” و “الانستاغرامجي” و “التويترجي”، الخ. أما نحن، معشر المواطنين الرقميين العاديين، فقد أصبحنا هدفاً ومادة للآلة الشبكية ومنطق عملها. منطق له ما له وعليه ما عليه، فقد بين المفكر الاجتماعي الشبكي مانويل كاستلز هذا المنطق بكل وضوح في كتابه “سلطة الشبكة” Communication Power الصادر عام 2009 عندما أفاد: ” أننا نبيع خصوصياتنا لشبكات التواصل ونجعل أنفسنا هدفا إعلانيا مقابل إمكانية الدخول الى هذه الشبكات وتقديم آرائنا وأفكارنا التي تتضمن تحديا للشركات وتفكيكا لنفوذ السلطات الحكومية والمؤسسات، ومواجهة للأسس الثقافية لحضارتنا العجوز المتعبة”.

من هم بالتحديد “المؤثرون الشبكيون”؟  

هم “مواطنون رقميون” أصبحوا في عداد المشاهير Celebrities بعد أن بنى كل منهم لنفسه “عشّاً” Niche على الشبكة في مجال محدد يخصّ موهبته أو اختصاصه أو مهنته في الحياة (أو لا يخص). يتمتع المؤثر بـ “كاريزما شبكية” تكسبه شعبية لدى جمهور من المتابعين Followers أو “المريدين” على الشبكة، المنخرطين فيها بتفاعل وتأثُّر شديدين بـ “شيخهم” الذي لا يلبث أن يتحول إلى “شيخ كار” شبكي مؤثر. يُعدّ هؤلاء المتابعين بالنسبة للمؤثر رأس ماله الحقيقي (وربما الوحيد)، ويعتمد عددهم على حجم القطاع الذي ينتمي إليه المؤثر (أو يختاره) ورأس المال المعرفي الذي يمتلكه.

لقد بات هؤلاء المؤثرون ينافسون المشاهير التقليديين في تأثيرهم الاجتماعي. ففي مجال الثقافة والفن نجد في أمريكا على سبيل المثال أن مشاهير اليوتيوب أو ما يسمون بـ “You Tubers”  قد احتلوا في العام الفائت المراكز الست الأول في قائمة المشاهير العشرة الأكثر تأثيراً في المجتمع الأمريكي! وكمثال معبّر عن الدور الفعال للمؤثرين إيجابياً على الشبكة نجد في مجال الثقافة مثلاً أن إدارة متحف اللوفر في باريس لجأت إلى المؤثرين الثقافيين على اليوتيوب (من مشاهير الفن) لجذب شبيبة “الجيل الرقمي” The Digital Natives المحجم عن الاهتمام بالتراث الثقافي إلى عالم الفن والمتاحف.

إلا أن السلعنة السريعة و “المخيفة” في هذا المجال جعلت من هذه المهنة هدفاً مشاعياً لكل حالم بالثراء من ورائها، لذلك فقد وجد قطاع الإعلان ضالته في هؤلاء المؤثرين، حيث سرعان ما راحت الشركات الكبرى والعلامات التجارية تتطلع إلى أن يضيف المؤثرون إلى منتجاتها بأفكارهم وسلطتهم شيئًا مختلفا، أكثر حيوية، وأقل تكلفة من الإعلانات التلفزيونية، وأكثر وصولاً للجمهور المستهدف. على سبيل المثال يحتاج “الانستاغرامجي الناشئ” إلى حوالي عشرة آلاف متابع ليصبح مؤثراً ويتمكن من البدء في تحقيق ربح من الإعلانات حيث يتناسب هذا الربح مع عدد المتابعين وعدد الإعجابات (اللايكات) التي يحصدها الإعلان.

من أشهر المؤثرين العرب تأتي امبراطورة التجميل العراقية هدى قطان، في المركز العشرين لقائمة أثرياء انستغرام، بعدد من المتابعين وصل إلى 26 مليون! تتقاضى هذه المؤثرة الحسناء، الكاريزماتية، في المتوسط 33 ألف دولار أميركي للمنشور الواحد لها، ولا عجب في ذلك حيث قد يتخطى عدد الإعجابات التي تحصدها على منشوراتها حاجز المليون ونصف مليون إعجاب خلال الساعات الأولى من نشره، مما يجعل صفحتها مثالية للإعلان عن أي منتج تجميل.

امبراطورة التجميل على الشبكة، المؤثرة العراقية هدى قطان

يسيطر يوتيوب على قائمة المنصات الاجتماعية المربحة، يليها فيسبوك، ومن بعدهما يأتي انستغرام وسناب تشات، وبالنهاية يأتي تويتر (معشوق السياسيين). وتتوقع شركة Captiv8 المتخصصة بالرصد الشبكي أن الأشخاص الأكثر متابعة على يوتيوب، من الذين تضم قنواتهم سبعة ملايين مشترك يحصلون على ثلاثمئة ألف دولار مقابل الفيديو، في حين يحقق ذات العدد من المتابعين على فيسبوك 187 ألف دولار.  

ومع السلعنة تأتي “الملعنة” كما هو معلوم…

كثيراً ما يشار إلى مهنة المؤثر على أنها “مشيخة كاذبة” وهادفة لأغراض أخرى كالتي يلجأ إليها بعض مشايخ الدين كي يتسلقوا على حساب مريديهم غير آبهين بالجوهر والمحتوى والوسيلة التي يتسلقون بها، والضرر الذي يحدثونه في المجتمع، ناهيك عن انتشار ظاهرة “المتابعون المزيفون” Fake Followers أو ما يسمى بـ “مرتزقة الشبكة”، والشركات الخاصة التي تتولى بيعهم للمؤثرين الناشئين . تتعالى اليوم أصوات في بلدان العالم قاطبة لمقاومة هذه الظاهرة، ظاهرة التأثير غير المنضبط على الثقافات والقيم الاجتماعية من خلال الامتهان غير المسؤول لسوق التأثير الشبكي ومحتواه الرقمي الرصين.

الإشكالية هنا تكمن في أن الشبكة باتت كشرّ و/أو خير لا بد منه، وأستشهد هنا بمانويل كاستلز ثانيةً عندما أوضح في كتابه الآخر (The Internet Galaxy) أنك ” إن كنت لا تهتم بالشبكات، فإن الشبكات سوف تهتم بك، على أي حال. فلطالما كنت تريد أن تعيش في المجتمع، في هذا الوقت وفي هذا المكان، سيكون عليك التعامل مع مجتمع الشبكة. لأننا نعيش جميعاً في “الإنترنت غالاكسي”.  

هي إذاً “ديمقراطية” الشبكة، كاشفة المواهب، فاتحة الفرص وملبيةٌ كلَّ مبتكر ورائد أعمال، بما فيهم الدجّال والمزعزع للقيم الاجتماعية.

الإعلانات

الماجستير الفطري في إدارة الأعمال: الحاج أحمد نموذجاً….

هناك أناس منحهم الخالق شهادة ماجستير فطرية في إدارة الأعمال (MBA) بدرجة امتياز، جعلتهم يبدعون في أعمالهم …

لم أدرك أن والدي، الحاج أحمد عبد الواحد رحمه الله (المعروف في ريف منبج بالحلويني نسبة إلى مهنة جدّي “الحلويني”) كان من بين هؤلاء المبدعين بالفطرة، إلا بعد أن كَبِرتُ وتعلمتُ وتعرّفتٌ على هذا “الفن”، فن إدارة الأعمال بمهاراته وتقنياته “الحديثة” واختصاصاته المختلفة، وذلك من خلال التكوين الهندسي الذي تلقيت والمسار الأكاديمي الذي سلكت، وبخاصة خلال فترة عضويتي في مجلس إدارة المعهد العالي لإدارة الأعمال (HIBA) بدمشق حين عملت في وزارة التعليم العالي، الأمر الذي جعلني أُحرص باستمرار وبشكل عفوي على أن أسقط فصول هذا الفن على الممارسات الفطرية التي كان الوالد يتبعها في متجره (الدكّان) لبيع الأقمشة في مسقط رأسنا منبج، ليرتقي في سلم “التنافسية” و “ريادة الأعمال” على مدى أكثر من ستين عاماً من العمل الدؤوب بذل فيها الغالي والرخيص لتحقيق ذاته وتنشئتنا. لم أجد سبيلاً لإحياء ذكرى هذا الوالد العصامي أفضل من أن أستذكر وأوثّق بعدستي “العلمية”، بعضاً من فصول تلك الممارسات التي عاصرتُ جزءً هاماً منها في طفولتي ويفاعتي، فشكَّلَت لي أجمل الذكريات في تلك المرحلة التي عشتها من عمري في هذه البلدة الساحرة إلى أن غادرتها إلى حلب لمواصلة دراستي الجامعية.  

عشق مستدام للجودة ...

الحاج أحمد عبد الواحد

لعل أبرز ما ميّز المسار المهني للوالد الكريم كرجل أعمال أنه كان، رحمه الله، عاشقاً للجودة بكل أبعادها، حاملاً رسالتها ومروّجاً لها في البيت والدكان والمحافل كافة. كان يُطلَق عليه في أسواق أقمشة الجملة في حلب (خان الجمرك) حيث كان يقصدها ليتسوّق “البضاعة” للدكان ويشحنها إلى منبج، لقب “المشَقشِق”. ذلك لأنه كان، وبمجرد أن يُعرض عليه قماش ما، حتى يمسك بطرفه ويسارع إلى “استقماشه”، وهذا تعبير شخصي خاص به ويعني ضمناً إجراء اختبار المقاومة على “الشقشقة” (قابلية التمزق) والمقاومة على “الجعلكة” (قابلية الدعك) بشكل منهجي وبالزمن الحقيقي (Real Time)، على التوازي مع مناقشة المواصفات الأخرى الخاصة بجودة المنتج كتركيب القماش ومنشئه وثبات أصبغته وألوانه. تعود جذور هذا التعلق بالجودة واختباراتها الممنهجة إلى هاجس لازمه طوال سنين عمله، يتمثل في حتمية أن تلبي “الكسوة” السنوية التي سيبيعها إلى ذلك الفلاح القادم من القرية توقعات هذا الأخير في تحمّل ظروفَ العمل الشاق والعيش الخشن، وأن تكفيه وعائلته من “الحَوْلِ” إلى “الحَوْل” أي من “الموسم” إلى “الموسم”.

كان يفتخر بمنهجيته هذه في “مراقبة الجودة” وضمانها، فهي التي جعلت التجار في حلب يحرصون على نصحه تلقائياً بتزويده بأجود البضائع، وهي التي حوّلت دكانه المنبجية إلى قبلة للباحثين عن النصح والإرشاد وعن البضاعة “الطيْبة” (أي الجيدة بلغة الزبائن من أهل الريف الأكارم). لا زلت أذكر تلك العبارة الشهيرة والمفعمة بفلسفة الجودة، التي كان يردّدها أمام الزبون إذا ما استشعر هذا الأخير الغلاء في سعر قماش أعجبه، فيقترب والدي من أذن ذاك الزبون مردداً: “الغالي هوّ الرخيص… الغالي هوّ الرخيص..”. لم أكن لأعي أو أفهم المدلول الدقيق والشامل لهذه العبارة السحرية، المليئة بالتناقض الظاهري، والتي غالباً ما كانت تكفي لإقناع الزبون بالإقدام على الشراء، إلى أن تمكنتُ لاحقاً من الإلمام بمدلولها الاقتصادي التفصيلي عندما طالعنا عملاق الجودة الأمريكي، فيليب كروسبي (Philip Crosby)، الذي خرج إلى العالم عام ١٩٧٨ بنظريته الشهيرة حول “الجودة المجانية”، ونشر بهذا الخصوص كتاباً مدوياً من أمهات كتب الجودة، حمل العنوان ذاته: ” Quality is Free”، شارحاً فيه قصة نجاحه الشهيرة التي وفّر فيها على شركة ITT الأمريكية، التي كان يعمل فيها مستشاراً للجودة، مبلغ ٧٢٠ مليون دولار جراء تبنيها لنظريته التي تبرهن على أن الاستثمار في الجودة يعدّ أربح و “أرخص” استثمار! لو كان كروسبي يعلم فقط أن جذوراً فطرية لنظريته هذه وُجدت منذ زمن في ربوع منبج وريفها، وكانت تُتَداول وتُمارس عفوياً قبله وقبل نشر كتابه بعقود من الزمن…

براعة في التسويق وكسب وفاء الزبائن

لم تكن قصة نجاح الحاج أحمد في أعماله قائمة على الجودة وحدها بل وشملت مكونات عصرية أخرى لم تتبلور في “علوم” إدارة الأعمال إلا لاحقاً. فها هو يُثبت من خلال “الممارسات الفضلى” (Best Practices) التي كان يطبقها مع زبائنه أنه كان رائداً في التطبيق الفطري لتيارات عصرية في التسويق وخدمة الزبائن لم تظهر في الأدبيات إلا في بدايات القرن الحالي كتيار “الزّبننة” (Customization) الذي يقضي بتحقيق كل ما من شأنه تفصيل المنتج أو الخدمة وفق رغبات الزبون وتقريبهما من ذوقه واحتياجاته، وتيار المسؤولية الاجتماعية للشركات Corporate Social Responsibility (CSR)، ذلك النشاط الطوعي الجانبي الذي يظهر حرص رب العمل على إحداث تأثير اجتماعي/اقتصادي/بيئي إيجابي من خلال ممارسته لأنشطة “أخرى” لصالح زبائنه ومجتمعه.

شارع رئيسي في منبج الحديثة

بالفعل، كان الحاج أحمد بارعاً في فنون التسويق وكسب الرضاء التسوّقي والاجتماعي للزبائن، فلطالما حرص بأسلوب عمله على أن يثبت للزبون، في كل زيارة يقوم بها للدكان، أنه، أي الزبون، “ملك” حقاً (Customer is King):

  • مَلِكٌ إذا ما رغب في “تفصيل” ثوب له (كصيرة) على مقاسه ومزاجه فيُستدعى له الخياط إلى الدكان ليأخذ مقاساته “ميدانياً” ويرشده إلى القماش والزي المناسبين، وعدد الأمتار اللازمة بدقة لتجنيبه الهدر، وليطمئنه عن موعد جهوزية الثوب (الذي لا يتجاوز اليوم التالي، إن لم يكن في ذات اليوم).
  • ومَلِكٌ عندما يجد في هذه الدكان أفضل خدمة بريدية لتلقّي الرسائل من ابنه المجنّد الذي “سيق” لتأدية الخدمة الإلزامية، والإجابة عليها، حيث لا رسائل كانت تصل إلى القرى. كم كنت أفخر بذلك الدور “الاجتماعي – المعرفي” الذي كنت أؤديه خلال دراستي الإعدادية والثانوية؟ … دور القارئ “المحلّف” للرسائل الواردة من الابن العسكري أمام أهله الأميين، المتلهفين لسماع أخباره، ودور المدون المحلف للرسائل الجوابية التي كنت أسطّرها (في الزمن الحقيقي) فور قراءة الرسالة الواردة أمام الأهل، امتثالاً لتلك “الكليشيه” الممهورة على ظهر الظرف الخاص بالرسالة الواردة، والتي تقول: “الجواب قبل فتح الكتاب”! كانت هذه الكليشيه تظهر على غالبية الرسائل الواردة من العساكر في القطعات لتعبر أصدق تعبير عما كان يجول في خاطر هؤلاء في غربتهم القسرية، على الرغم من أنها كانت تكتب من قبل متطوع مثلي من الطرف الآخر.
  • وملكٌ أيضاً، عندما يهمّ الأب بتزويج ابنه الشاب الذي أنهى خدمته الإلزامية وتحول من عسكري إلى “جاهل” (وهي الصفة التي كانت تطلق على الشاب الأعزب الذي يصبح جاهزاً للزواج). فبعد أن يجمع الأب “السياق” (أي المهر) ويسوقه على بنت الحلال (أي يدفعه إلى والد البنت) يأتي استحقاق “الذهاب” (أي كسوة العروس وأهلها) وهنا تُستنفر الدكان بأكملها وتنتشر النساء (العروس ووالدتها وأخواتها) داخل الدكان، حيث لا صوت يعلو بعدئذ على صوت “الذهاب” الذي يمكن أن يستغرق يوماً أو يومين، وهنا يأتي الدور المفصلي للحاج أحمد في حلّ معادلة الذهاب الصعبة: اقتراح تشكيلة “عرائسية” تنال إعجاب العروس وأهلها الحالمين بذهاب “خارق” وتحظى في ذات الوقت بقبول “مالي” من والد العريس الذي سيتحمّل كلفة هذا “الذهاب” وهو الذي لم يكد يصحو بعد من آثار “السياق” الذي أرهق كاهله. كم شهدت من ذهابات تعثّرت وتخللتها مشاحنات ونوبات “حَرَد” شديدة من العروس وأهلها كادت أن تطيح بمشروع الزواج بأكمله لولا “وساطة” وحكمة الحاج أحمد، وقدرته على استيعاب الطرفين وإيجاد الحلول “السياسية” الوسط بينهما، معتمداً على الإقناع وقوة “الإغراء” لأصناف الأقمشة العرائسية الممثلة لآخر الصيحات في عالم الموضة الخاصة بحرائر الريف في ذلك الزمن. أذكر من تلك الأقمشة أسماءً تتحدث عن نفسها مثل “السوكو سوكو” و “كاشف الحيا” الشفاف و “شعر صباح” و “انت عمري”…  هذا بالإضافة إلى المستلزمات التقليدية الثابتة كثوب الغديفة (القطيفة أو المخمل) والشيفون، والدرّاعة المزركشة (البالطو الريفي)، وصولاً إلى الغوازي الذهبية (من منا لا يتذكر أغنية الفنان ياسين محمود “بيش الغوازي يمّا ليلة..”؟)  
  • أما في الأتراح فكان للزبننة اعتبار آخر وللزبون مكانة خاصة. فعندما تحصل وفيّة ما في عائلة لزبون، تكون الدكان تحت التصرف وجاهزة لتفتح أبوابها في أي وقت بناء على الطلب لتجهيز الكفن وتوابعه. أذكر دائماً، عندما كان جرس بيتنا يُقرع عند الفجر أو في أي وقت غير عادي، كنا نعلم فوراً أن طالب كفن قد حضر ويودّ تدبيره والعودة سريعاً لاستكمال الإجراءات … 
  • وكان للزبائن القاطنين في قلب البلد زبننة أخرى تراعي خصوصياتهم وتقاليدهم، زبننة تضمنت تخصيص أوقات تبضّع نسائية مراعاةً للطابع الذكوري للسوق حيث كانت الحرائر المنبجية من عرب وشركس تأتي بعد العصر أو مساءً للتسوق والاطلاع على الأقمشة العصرية المواكبة للموضة، بمجرد أن تسمع بوصول دفعة جديدة منها. وكانت تشكيلات البوبلين والكرنيش والموسلين واللينو والبيكيل والتركال والمخمل والجوخ سرعان ما تجد طريقها إلى أمهر الخياطات الشركسيات التي كانت تشكل كل واحدة منها تشكل، بإبداعاتها المتميزة، دار أزياء قائمة بذاتها. 
صورة تعبر عن “موزاييك” المجتمع المنبجي، وتبدو فيها بعض الشخصيات بالزي العربي والشركسي، ومن بينهم الحاج أحمد (الإطار الأحمر) . المناسبة غير معروفة، ويبدو أنها لاستقبال الضيف الذي يبدو في الوسط

إشعاع اجتماعي …

كان لا يألو جهداً لزيارة الزبائن في ديارهم، وبخاصة بعد اقتناء سيارة الميكرو “الفوكس” التي كانت تستخدم لنقل البضائع من حلب وإجراء زيارات “ميدانية” إلى القرى لمراجعة بعض الديون القديمة واصطحاب بعضاً من منتجاتهم (كالسمن والجبن) التي بدأت تسوّق في الدكان بعد أن توسّعت الأعمال فيها لتشمل هذه الأصناف. كانت الفرحة تعم أهل القرية ما أن يتبين لهم أن السيارة القادمة من بعيد هي سيارة الحاج أحمد، ولهذه الفرحة قصة طريفة كان أخي الحاج رضوان (الذي اعتاد أن يقود السيارة) يرويها لنا. ذلك لأن فترة اقتناء السيارة والقيام بالجولات الميدانية (أواخر السبعينات وطوال عقد الثمانينات) تزامنت مع استعار الحرب الأهلية اللبنانية، التي وصلت بالوحشية والعنصرية إلى حد تصفية العديد من العمال السوريين (على الهوية) الذين كانوا يعملون هناك، والعديد منهم من ريف منبج، حيث لم تكد تخلو قرية من أبناء لها ذهبوا للعمل في “بيروت”. وكان إن حلت المصيبة واستشهد واحد منهم، فيؤتى بجثمانه في سيارة دفن الموتى التي كانت تشبه بموديلها ولونها سيارة والدي. فما أن يدرك أهل القرية من بعيد أن ثمة سيارة ميكرو بهذه المواصفات قادمة إلى القرية حتى يدب الهلع في قلوبهم ويشرعوا بالدعاء إلى الله ألا تكون هذه إحدى سيارات دفن الموتى. وما أن يكشف أحدهم أنها سيارة الحاج أحمد حتى يزف الخبر منادياً بأعلى صوته: “وَلي لا تخافوووون… هادا حاج أحمد … هادا حاج أحمد…” فتهدأ القلوب وتنفرج الأسارير ويُستقبل الحاج أحمد مع ابنه الحاج رضوان أحسن استقبال.           

إشعاع معرفي وثقافي …

كان الحاج أحمد، الذي لم يتجاوز في تحصيله المدرسي الصف الثالث الابتدائي، قطب إشعاع ثقافي وإعلامي في الدكان والمنزل انطلاقاً من عشقه للثقافة وحرصه على إيصالها إلى زبائنه وأبناء بلدته كنوع من “المسؤولية الاجتماعية” تجاههم. لم يكن له شبيه في البلدة (وربما في حلب) من حيث عدد الصحف والمجلات التي كان مشتركاً بها. كانت الصحف اليومية الدمشقية تصل إلى الدكان يومياً بالبريد (كالعلم والقبس والمنار) لتُقرأ وتوضع بتصرف من يرغب بمطالعتها من أهل السوق أو الزبائن. أما “الأدسم” فكان ُيؤتى به من حلب حيث الاشتراك الكبير عند “الكيالي”، المتعهد الرئيسي لتوزيع الصحف والمجلات (عند عوجة الكيالي). ففي مساء كل خميس، وما أن ينتهي “المشقشق” من “الاستقماش” والتبضّع في خان الجمرك، حتى يسارع لعند “الكيالي” ليتسلّم منه الذخيرة التي تجمّعت له من الصحف والمجلات المصرية المشترك بها: الأخبار – أخبار اليوم – المصوَّر – الهلال – المختار (النسخة العربية من ريدرز دايجست)، ولاحقاً، “العربي” الكويتية. حتى أنني عثرت في قبو البيت على “كنز” كان عبارة عن أرشيف كامل لمجلة “المقتطف” العلمية الشهرية (لمؤسسها يعقوب صروف) يغطي سنوات الثلاثينات وحتى توقفها عن الصدور عام ١٩٥٢! كان لي خلال مرحلتَيْ الدراسة الإعدادية والثانوية شرف تنسيق الإعارة لأصدقاء الثقافة في البلد، وعلى رأسهم أديب منبج وشاعرها الأستاذ محمد منلا غزيّل رحمه الله، الذي كان من أشد المدمنين على مخزوننا من الصحف والمجلات، القديم منها والجديد.

ولم يكن الإشعاع الثقافي للحاج أحمد ليقتصر على الصحف والمجلات، بل وتعدّاها إلى الأخبار الإذاعية اليومية، يوم عزّت مصادرها (أيام الحرب العالمية الثانية) وعزّت وسائل إيصالها. كان جهاز الراديو “الزينيت” الذي اقتناه والدي، والوحيد في البلد، يوضع كل مساء بتصرف الضيوف في أرض “الحوش” في منزلنا ليتمكن الجميع من سماع أخبار الحرب من إذاعة لندن “الشرق الأدنى في ذلك الوقت”. كان إخوتي الأكبر سناً يروون لي عناءهم في تأدية مهمتهم اليومية المتضمنة نقل البطارية الضخمة المخصصة لتشغيل الراديو إلى “الطاحونة” لشحنها وإعادتها عصراً إلى الحوش تحضيراً لجلسة المساء.

تعلّم سريع من الأخطاء

كان سريع التعلم من الأخطاء، واستنتاج الدروس والعبر منها، دون أن يستسلم للفشل. أراد أن يوسّع أعماله فانقاد وراء موجة زراعة القطن التي اجتاحت منطقة الفرات والجزيرة في سنوات الخمسينات بعد أن أقنعه شريك في المنطقة بإنشاء مشروع مشترك في منطقة “الزّور” على نهر الفرات استثمر الوالد فيه كل ما لزم من آليات لضخ المياه من الفرات والسقاية والحراثة لكن الرياح لم تجر بما اشتهته السفينة فوقع المشروع في غضون سنوات قليلة، ومعه الدكان، في أزمة مالية خانقة بعد أن ازدادت الأعباء وغرق جرار “البولندر السويدي” في الفرات فما كان من والدي إلا أن صوّب المسار بالتخلّي عن المشروع والتفرغ ثانية إلى دكانه مستخلصاً حكمة مفادها “كثرة الكارات تعني قلة البارات” وظل يرددها كتحذير لكلّ من يفكر في تنويع أعماله وبعثرتها، ولطالما كان يصف كل من تورط بأنه “كتير الكارات قليل البارات…”.

وعشق شديد للتكنولوجيا …

كان عاشقاً للتكنولوجيا، رائداً في التفاعل معها ونقلها وتوطينها… ولطالما حدثنا وبدعابة عن “الطفرة” التي أحدثتها أول تكنولوجيا “حديثة” أدخلها إلى المنزل، ألا وهي خرطوم الماء (النربيج) والقفزة النوعية التي أحدثها في آلية إيصال الماء من الحنفية إلى نقطة بعيدة عنها، واصفاً لنا ردّة فعل السيدة التي كانت تساعد والدتي في غسل الملابس عندما رأت الخرطوم لأول مرة وأدركت مبدأ عمله وإلى أي حد سيريحها من عناء نقل الماء بالسطل وصبّه في “لَقْن الغسيل” الموضوع على “الببّور” للتسخين فما كان منها إلا أن صاحت مهللة: “يا سبحان الله… هالكفار (في إشارة إلى مبتكري الخرطوم) اش يطلع معاهم!”… لم يتسنى لهذه السيدة الفاضلة وللأسف أن تشهد، قبل أن ترحل إلى جوار ربها، وصول الكهرباء إلى منبج في بداية الخمسينات واقتناء والدي لتلك الغسالة الكهربائية المجهزة بعصّارة آلية علوية، فماذا كان يمكن يومها أن تكون ردة فعلها؟

وعلى الرغم من تعلقه بالتكنولوجيا وحرصه على أن يكون سباقاً في اقتناء ما يستجد منها، إلا أنه كان دائم التوجّس من الأخطار الناتجة عن سوء استخدامها. لم يكن ليقبل بإدخال تكنولوجيا “البوتغاز” كبديل لـ “ببور الكاز” إلا بعد أن تأكد من استيعاب جميع أفراد العائلة عن ظهر قلب للتعليمات الخاصة بأمان التشغيل لهذا الطباخ “الصديق للبيئة”: إشعال عود الكبريت أولاً وقبل فتح الغاز، وليس العكس، مع عدم نسيان إغلاق الجرّة بعد كل استخدام. وكان يطلب من كل من كان يلح بالإسراع في شراء البوتغاز (وبخاصة والدتي رحمها الله) أن يردد أمامه تعليمات الأمان هذه.

كان شديد المتابعة للأخبار العلمية ودائم التحدث عنها في المجالس، وبمتعة شديدة. حفظتُ عنه منذ طفولتي قصصاً عديدة لاختراقات واكتشافات علمية، من رحلات المناطيد بين لندن وباريس إلى اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام ١٩٢٢ في وادي الملوك من قبل عالم الأثار البريطاني هوارد كارتر، والضجة الإعلامية الواسعة التي أحدثها هذا الاكتشاف مع أن والدي كان آنذاك في العشرين من عمره لكن حرصه على مواكبة الأحداث جعلت منه “شاهداً على العصر” بامتياز…

وطبيعي أن يكون هذا العاشق للعلم والمعرفة حريصاً على بناء قدراتنا المعرفية والمهنية، كلٌّ وفق ميوله. اختار أكثرَنا موهبة وميلاً للتجارة وحباً للعمل في الدكان ليكون ساعده الأيمن ويحمل المشعل عنه لاحقاً فكان شقيقي الحاج رضوان (أبو أحمد) نِعم الاختيار؛ أبلى في الدكان أحسن بلاء مثبتاً مقولة “فرخ البط عوّام” حيث كان “عوّاماً” بامتياز، ورث علامة “الحاج أحمد” التجارية فأحسن صيانتها وابتكر فيها تاركاً بصماته النوعية عليها إلى أن تقاعد وتقاعدت معه الدكان، قبل أن يحل الكابوس البغيض على منبج الحبيبة.

أدت هذه الدكان رسالتها بجهود الحاج أحمد ومعه الحاج رضوان، وكانت بالنسبة لنا، نحن البقية، مصدراً لتمويل تحصيلنا العلمي، حتى في الأيام العجاف: حوالات شهرية كانت تُرسل لمن شدّ الرحال إلى ألمانيا لتلقي العلم والتخصص، وبيت للدراسة فُتح في حلب لمن اختار إكمال دراسته في جامعة حلب، وأنا منهم.

أحمد الله دائماً أنني تمكنت، قبل أن ينتقل الوالد إلى جوار ربه عام ١٩٩٥، من اطلاعه على آخر مستجدات التكنولوجيا في ذاك الزمن عندما عدت من رحلة البحث العلمي في أمريكا عام ١٩٩٢ مدججاً بأول حاسوب شخصي اقتنيته، وكان له من المزايا والمواصفات ما مكنني من الاستفاضة في اطلاعه على ملامح الثورة المعلوماتية الجديدة والقادمة، وأنا أذكّره من حين لآخر بالتكنولوجيا الأولى التي كان رائداً في اقتنائها، تكنولوجيا الخرطوم…

الصورة الرئيسية مأخوذة من موسوعة وثائقيات منبج: https://mnbij.wordpress.com/2017/08/01/منبج-في-زمن-مضى/

استقلالية الجامعات: ما لها وما عليها

روى ” Sansom Melton” في كتابه الصادر مؤخراً: “التعليم العالي والتعافي بعد الصراع” Higher Education and Post-Conflict Recovery، روى الحادثة التالية في محفل الحديث عن حَوْكَمة الجامعات في الدول الخارجة من الحروب:

في اجتماع تم في بغداد وجمع رؤساء الجامعات العراقية منتصف العام 2003 بناءً على دعوة من “أندرو إيردمان”، المستشار العلمي للمندوب السامي الأمريكي سيء السمعة “بول بريمر”، صاحب القرار الشهير بحل الجيش العراقي عندما كان مشرفاً على “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قام إيردمان بإبلاغ رؤساء الجامعات الحكومية “أن جامعاتهم سوف تصبح مستقلة تماما وتتحكم لوحدها في تعيين الأساتذة وقبول الطلاب، وأن وزارة التعليم العالي العراقية سوف تُحلّ، وأن هذا هو النظام المعمول به في الجامعات العالمية الرائدة في الولايات المتحدة حيث لا وجود لوزارة تعليم عالي فيدرالية (علماً أن هذا الادعاء ليس دقيقاً حيث يوجد في أمريكا ما يسمى بـ  US Department of Education يُعنى بجميع مستويات التعليم واستراتيجياته، بما في ذلك الجامعات لكنه يحترم استقلاليتها)، وبالتالي فإن من المتوقع للجامعات العراقية، إن قبلت بهذا العرض، أن تزدهر في ظل ذات الظروف”. لكن النتيجة كانت أن رفض رؤساء الجامعات هذا الإجراء بإجماع وإصرار، مشيرين إلى أن الجامعات العراقية تفتقر بأكملها إلى الكفاءة والخبرة للقيام بهذا الدور الجديد، وأنه ينبغي الحفاظ على الوزارة، أسوة بباقي الدول العربية”.

لقد أراد المؤلف في روايته لهذه الحادثة أن يوجّه رسالتين أساسيتين: أولهما، أن استقلالية الجامعات، على الرغم من كونها قيمة متجذرة في أنظمة التعليم العالي المتقدمة، وبخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتشكل توجهاً “لا مركزياً” مغرياً في فترات ما بعد الحرب، إلا أن تطبيقها “غير المقيد” في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات من شأنه أن يؤدي إلى تشظي القطّاع بأكمله ويمكن أن يؤثر على سمعة واعتمادية الشهادات الصادرة عن هذه الجامعات، ويؤدي بالتالي إلى نتائج عكسية كما حصل تماماً في البوسنة التي “تورطت” في تبني النموذج الأنجلو – أمريكي في حَوْكَمة الجامعات، والذي كان قد فُرِض عليها من قبل الجهات الغربية المانحة. وثاني هذه الرسائل أن منح الاستقلالية للجامعات في بيئة اعتادت على مركزية القرار لا يتم باستنساخ نماذج عالمية وتطبيقها بين ليلة وضحاها، بل يحتاج أولاً إلى مرحلة “إعادة تأهيل” وإنضاج داخل النسيج الأكاديمي، وإلى مقومات نجاح أقلها تأمين بيئة تمكينية، مادية وتشريعية وذهنية، مواتية لخصوصيات البلد واحتياجاته التنموية. 

ما الذي يعنيه استقلال الجامعات؟

تشير الأدبيات الموصّفة للتوجه العالمي نحو استقلال الجامعات إلى أن هذا الاستقلال يتعلق بشكل أساسي بالبنية الإدارية والمالية للجامعات وهيكليتها، والعلاقات التي تربطها بالدولة وقوى المجتمع، ويرتكز بالتالي على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: الاستقلال الإداري والهيكلي: أن تختار الجامعة الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسنّ القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية.
  • أما الركيزة الثانية فهي الاستقلال المالي: أن يكون للجامعة مصادرها المالية الخاصة التي يأتي جزء منها من التمويل الحكومي وفقاً لمعايير محددة، وجزء من القطاع الخاص والأهلي والوقف والهبات الخيرية، بالإضافة إلى ما يأتي من الموارد الذاتية والخدمات التي تقدمها الجامعة للمجتمع. وللجامعة الحرية في تحديد أولوياتها في الصرف وتوزيع تلك المبالغ في ظل المساءلة والشفافية التامة من قبل الجهات الرقابية، دون تدخل في مواطن وسياسات الصرف.

ولعل الأهمية الفائقة لهاتين الركيزتين تكمن في أنهما يضمنان المناخ الملائم لاستقلال مكمّل من نوع آخر، يعبّر عنه بما يعرف بالحرية الأكاديمية: أن يتمتع منتسبو المؤسسة الأكاديمية (طلاب وأساتذة وباحثون) بالحرية في تداول المعرفة من خلال التدريس والبحث والنقاش والابتكار والنشر للمعرفة والمعلومات التي بين أيديهم دون حواجز أو قيود سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. وبالرغم من أن الحرية الأكاديمية لا تنفصل عن حرية الإنسان وحقه في التعليم والتعلم والتعبير عن الرأي ونشر المعرفة، إلا أنها تتمايز، بحكم ارتباطها بالفضاء الأكاديمي، بحساسية خاصة ودور بالغ التأثير كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات وبدورها التنموي والتنويري الهادف إلى إحداث التغيير المجتمعي المنشود، إذ ليس هناك من مجتمع استطاع أن يتطور بشكل ملموس وكانت الحريات الأكاديمية فيه مقموعة. يقول اينشتاين في مفهومه للحرية الأكاديمية: “أفهم من الحرية الأكاديمية ذلك الحق في البحث عن الحقيقة ونشر وتعليم ما يعتقده المرء أنه حقيقة”، ويضيف قائلاً: “لكن هذا الحق ينطوي على واجب أيضًا: ألا يخفي المرء أي جزء من هذه الحقيقة، حيث من الواضح أن أي تقييد على الحرية الأكاديمية سيؤدي إلى إعاقة نشر المعرفة بين الناس أو تشويهها، وبالتالي إعاقة منظومة التفكير والعمل الوطنيين”.

ما أهمية استقلال الجامعات وما الذي يمكن أن يحمله لجامعاتنا؟

يعدّ استقلال الجامعات معيارًا مؤثرًا في جودة أداء مؤسسات التعليم العالي. وأحد مقومات النجاح الأساسية لتعزيز قدراتها الإبداعية والابتكارية، وتأكيد دورها البحثي وتعظيم أثرها المجتمعي. وقد استحوذ هذا الموضوع في الفترة الأخيرة على تركيز كبير تجلّى في الحراك الذي نشأ في الساحة الأكاديمية السورية وبالأخص في شبكات التواصل الاجتماعي، على وقع فقدان جامعاتنا لمواقعها في منظومات التصنيف العالمي، واتضاح ضعف مخرجاتها مقارنة بالمستويات العالمية، إلى درجة أن البعض اعتبر الأسلوب المتبع في حوكمة الجامعات نوعاً من “الوصاية” المفروضة من الوزارة ومجلس التعليم العالي على الجامعات، متخذاً من “انعدام الاستقلالية” أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع المتأصل حتى منذ سنوات ما قبل الأزمة.

من الناحية النظرية، وبغض النظر عن وجود هذه الوصاية من عدمه، فإن الجامعات تحتاج، وبلا أدنى شك، إلى استقلال حقيقي عن جميع السلطات الموجودة خارجها لتخلد إلى بناء منظوماتها الأكاديمية والإدارية، وتتمكن من إعمالها وفقاً لما تمليه عليها الخبرة والمهارة والمعرفة القيادية المتوفرة لدى نخبها الأكاديمية، إذ لا يمكن لأية جامعة، حكومية كانت أم خاصة، ان تنطلق في تحقيق رسالتها وتميّزها، ولا أن تساهم في التنمية الحقيقية وإبداء الرأي العلمي المتخصص إن لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي، والحرية الأكاديمية، بعيداً عن كل أنواع الضغوطات.

في منظومات التعليم العالي “الفاضلة”، تَعِد الاستقلالية الجامعات بتحقيق جوّ من الإبداع والابتكار بداخلها، والمنافسة فيما بينها، وتوفير فرص التميز والتفرد في مجال علمي أو أكثر، مما يوفر لها إمكانية الانعتاق من النمطية واستنساخ البرامج، والانتقال إلى التنوّعية والتخصصية عبر جامعات ذات هوية واضحة، كجامعات العلوم والتكنولوجيا والجامعات الطبية والجامعات الهندسية والتطبيقية والجامعات البحثية وغيرها، الأمر الذي من شأنه التأثير إيجابياً في تشكيل وتلبية سوق العمل المحلي وتوجيه التنمية على المستوى المحلي والوطني نحو مجالات جديدة ومبتكرة.

هذا بالإضافة إلى أن توفير الحرية الأكاديمية المسؤولة والمنضبطة بوجهها الصحيح من شأنه أن يوجه أنظار الدولة والمجتمع إلى المعنى الحقيقي للحرية الاكاديمية، الذي يتعلق بشكل أساسي بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات، والمرتبطة بحرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منها (أي الحرية الأكاديمية) حفازاً (Catalyst) للتماسك المجتمعي ومحركاً للسلم الأهلي عوضا عن بقائها “تابوهاً” مرتبطاً بقضايا الحريات السياسية الأخرى.

هل الاستقلالية بعيدة المنال عن جامعاتنا؟ وما المعيقات والتحديات؟

من المفيد أولاً تلمس ما يفصل جامعاتنا عن هذه الاستقلالية، وما المطلوب عمله لإعادة تأهيلها باتجاه الاستقلالية إذا ما أريد نفخ الروح في الجسم الأكاديمي وتمكين جامعاتنا من تأدية دورها المرتقب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد. ثمة حقائق واعتبارات أساسية يتوجب إدراكها أولاً، كمنطلقات أولية:

  • أن استقلالية الجامعات ليست مجرد رغبة أو شعار يتم رفعه، إنما هي إرادة وتنظيم وممارسة تحفظها ضمانات وضوابط، كما أنها ليست مطلقة من دون حدود، فلها ما لها وعليها ما عليها.
  • أن استقلالية الجامعات، وما يمكن أن توفره من حرية أكاديمية، لم تكن يوماً، ولا في أي دولة، هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف الجامعات في البحث والتعليم والمشاركة المجتمعية.
  • وأن الحرية الأكاديمية بالذات تُمثِّل في حقيقتها جملة من الحقوق والواجبات التي تحتّم على الأكاديميين تحمل المسؤولية نحو جامعاتهم ومجتمعاتهم، وقبول المساءلة في حال الإخلال بثوابت المجتمع وقيمه.
  • ليس هناك من استقلالية إدارية أو مالية أو أكاديمية مطلقة، ولا بد بالتالي من جسم مركزي يؤدي دور “البوصلة” على المستوى الوطني (وزارة و/أو مجلس للتعليم العالي) ويتولى رسم السياسات والتوجهات الاستراتيجية الوطنية بالتوازي مع ضمان ما يلزم من استقلالية وحرية أكاديمية.

ولعل الإطار الذي رسمته منظمة اليونسكو في المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته عام ١٩٩٨ حول استقلال الجامعات والحرية الأكاديمية يعبر أحسن تعبير عن الهواجس التي لا زالت ترافق استقلالية الجامعات حيث كان من أهم التوصيات الواردة في وثيقة العمل الصادرة عنه، تلك التي تقول: “يجب أن يتم تأطير استقلال مؤسسات التعليم العالي، وأن يقترن هذا الاستقلال بمستوى رفيع من المسؤولية والخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية، مع إفساح أكبر قدر ممكن من المشاركة أمام الطلاب والمدرسين في عملية اتخاذ القرارات”.

وبالعودة إلى جامعاتنا نجد أنه، وبالرغم من أن القوانين الناظمة لحوكمتها (قانون تنظيم الجامعات لعام ٢٠٠٦ ولائحته التنظيمية، والتعديلات الطارئة عليهما) تحمل في نصوصها بعضاً من نفحات الاستقلالية حيث نصت المادة (١٠) من هذا القانون على أن “الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكل منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي على الوجه المبين في هذا القانون ولائحته التنفيذية، وترتبط بالوزير ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة التنفيذية”، إلا أن ‏ثمة أمور هيكلية متأصلة في صلب هذا القانون ومتمثلة بـ “شيطان التفاصيل”، بالإضافة إلى قصور في آليات التطبيق وضعف القدرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي، جميعها لا زالت تحول دون تمتّع  الجامعات بالحد الأدنى من الاستقلالية اللازمة لانطلاقها نحو آفاق رحبة من الإنجاز والتميز والمشاركة الفعالة في تحقيق التنمية لهذا الوطن الغالي. من أهم هذه المعوقات التي تحتاج إلى وقفة مراجعة: 

  1. تمركز السلطة والقرار في يد مجلس التعليم العالي، مما جعله يقوم بأدوار متعددة، تشريعية وتنفيذية ورقابية في آن واحد وهذا من شأنه أن يخلق تضارباً في المصالح، فالجهات المرخِّصة والمشرِّعة للجامعات لا يجوز لها، وفقاً للممارسات العالمية الفضلى (Best Practices) للجودة والحوكمة الرشيدة للجامعات (الحكومية والخاصة)، أن تقوم بعملية الرقابة والتقييم ناهيك عن عمليات اتخاذ العقوبات وفرضها (في الجامعات الخاصة) كإيقاف للبرامج أو تجميد لقبول الطلبة، الخ، في الوقت الذي من المفترض أن تقوم بهذه الأدوار، من مراقبة ومراجعة وتقويم للجامعات،هيئات وطنية مستقلة ومحايدة (هيئات ضمان جودة التعليم)، وأن تكون التقارير الصادرة عن هذه الهيئات محصنة من جميع أنواع التدخلات، وتكون قراراتها ملزمة لمجلس التعليم العالي.
  2. إخضاع الفئات العاملة في الجامعات، وبخاصة أعضاء الهيئة التعليمية لأنظمة الوظيفة العامة وآلياتها، مما يقيد من حريتها من حيث الهيكلة والتعيينات والرواتب والترفيعات، ويخضعها لذات القوانين السائدة في وزارات الدولة وأجهزتها، تلك القوانين التي تختلف في مهامها ووظيفتها وطبيعة عملها عن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تتمتع بما يكفي من خصوصية وأدوار تعليمية وبحثية وتنموية عديدة تستدعي الانفراد بأنظمة تراعي خصوصيتها وتمكنها من تحقيق أدوارها. تحتاج هذه الأدوار إلى مرونة وحرية في الحركة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس متميزين في تخصصاتهم وإنعاش الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار وتطوير مواردهما.
  3. ربط ميزانيات الجامعات بوزارة المالية، مما يفقدها حرية التصرف بمواردها الذاتية ويجعل الصرف تحت شروط وأنظمة وقوانين تحدّ إلى درجة كبيرة من الاستقلال المالي للجامعات (بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بآليات وبنود الصرف على البحث العلمي) وتفقدها الحماسة والدافعية نحو تحصيل المزيد من الموارد الذاتية المستقلة عن مخصصات الدولة.
  4. معيقات متأصلة في الثقافة والذهنية التي تميل إلى مقاومة التغيير: ثمة خوف من التغيير لدى البعض على الرغم من المناداة المتنامية بالاستقلالية من قبل البعض الآخر. ربما تعود أسباب هذا التخوف إلى عدم القدرة على نقد نظام الحوكمة الحالي، أو أن البعض يرى أن هذا المفهوم وإن كان ناجحًا في الدول المتقدمة، إلا أنه غير مضمون النجاح في البيئات الشمولية، وبالتالي من الأفضل المحافظة على الوضع الحالي وتركه يسير وفق مبدأ (Business as Usual) خوفًا من المجهول، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، أو استمراءً لثقافة الممالأة الأكاديمية والثقافية.

ما العمل إذاً؟

لسنا بصدد رسم خارطة طريق شاملة نحو الاستقلالية والحرية الأكاديمية لكن من المفيد أن نتلمس بعض الخطوط الإرشادية (Guidelines) والمنطلقات الأساسية لوضع الجامعات على طريق الاستقلالية بشكلها الجزئي المتدرج، بأمل أن تشكل هذه الخطوط والمنطلقات العمود الفقري لأي برنامج إصلاحي شامل يسعى من ضمن أهدافه الرئيسة إلى تحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عبر ردم ما أمكن من الفجوة التي تفصل جامعاتنا عن ذلك الإطار الاستقلالي “المثالي”:

  • يُعدّ التوجه نحو الاستقلالية الجزئية المتدرجة أحد الحلول الناجعة حيث يتم تطبيق الاستقلالية بشكل متدرج على مجموعة مختارة من الجامعات بعد أن تثبت “أهليتها” للاستقلالية من خلال تحقيق معايير الجودة من قبل هيئة وطنية مستقلة لضمان الجودة والاعتماد تتبنى الأساليب الحديثة للاعتماد المؤسسي والأكاديمي.
  • في هذه المرحلة الأولى يتم التركيز على الاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وذلك لصعوبة الاستقلال المالي في هذه المرحلة. كما ويجب أن يتم في هذه المرحلة:
    • إطلاق حرية الجامعات في وضع الرؤى الاستراتيجية والخطط المستقبلية فيما يخص اختيار نموذجها التعليمي والبحثي وآليةتمويله بما يضمن تحقيقها لأهداف التميز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام في إنتاج ونشر المعرفة.
    • تبنى الجامعات لمبادئ التوجه الاستراتيجي وقيامها، من خلال معايير الحوكمة وإشراك فئات المجتمع الأكاديمي، باتخاذ القرارات الخاصة بوضع السياسات العامة للجامعة، وخطط تمويلها.
    • توفير مرونة عالية للجامعات في استحداث اللوائح والأنظمة الداعمة للتميز والإبداع ودعم البحث العلمي الرصين وتحفيز المبدعين عن طريق تبني النظام التعاقدي مع موظفيها، واستحداث سلالم رواتب ومزايا منافسة، وإعادة هيكلة للتخصصات بما يلبي متطلبات التنمية ويخدم التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
    • الاهتمام بتنمية الموارد المالية للوصول إلى الاستقلالية الشاملة. يحتاج ذلك إلى دعم الدولة في المرحلة الحالية من خلال التشجيع والمساعدة على إنشاء محافظ استثمارية في الجامعات ودعمها ماليا وتنظيميا لتكون الممول لهذه الجامعات في المستقبل (بالإضافة إلى المساهمات الخيرية والوقف الجامعي)، وترسيخ فلسفة التشغيل الذاتي للجامعات وتنمية الحس الاستثماري فيها.
  • و للانطلاق فيما سبق، يتطلب الأمر إعادة النظر في الإطار المؤسسي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث المكونات وتوزيع الأدوار وعملية اتخاذ القرار الأكاديمي والبحثي والخدمي المجتمعي، وذلك في ضوء مراجعة شاملة لقانون تنظيم الجامعات والدور المنوط بمجلس التعليم العالي.
  • كما يتطلب الأمر العمل على بناء القدرات لتوفير الكفاءة الإدارية والأكاديمية القادرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي ضمن نظام محاسبي ورقابي دقيق، بما يضمن دفع الاستقلالية إلى النجاح.

التوفيق بين مشاكل نهاية الشهر ونهاية العالم

 

أطلق هذا الشعار نيكولا هيلو، الكاتب والناشط البيئي الفرنسي في إشارة إلى روح التنمية المستدامة التي تحتّم تكامل المسار الاقتصادي – الاجتماعي للمواطن (امتلاك دخل يوصلك إلى نهاية الشهر بأمان وراحة اجتماعية ونفسية) مع المسار البيئي (ممارسات تجنبك نهاية العالم الذي بات يحتضر بيئياً).

عمل هيلو وزيراً للبيئة في عهد الرئيس ماكرون قبل أن يعلن استقالته المدوّية منذ حوالي ثلاثة أشهر بسبب فشله في إقناع الحكومة بهذا المبدأ. والآن نرى هذه الحكومة تقع في شرّ عنادها بعد أن فرضت ما ملكت أيمانها من ضرائب ذات توجه بيئي (بشكل رئيسي على المحروقات) دون أي اعتبار لـ “نهاية شهر” المواطن ذي الدخل المحدود، وها هي تصطدم اليوم بأعنف انتفاضة من أصحاب “السترات الصفراء” الذين يرون قوتهم الشرائية وقد باتت “وقوداً” للجهود الرامية إلى تجنّب “نهاية العالم”…
هذا في فرنسا التي حملت مشعل إنقاذ الأرض من كوارث التغيّر المناخي الناتجة عن الاحتباس الحراري والانبعاثات الغازية حين حشدت في باريس، نهاية ٢٠١٥ أقوى إجماع وزخم دوليين على التحرك في هذا المجال (مؤتمر COP21 حيث كان الناشط نيكولا هيلو يومها نجم المؤتمر بامتياز)،

لكن ما بال بلادنا التي لا يكاد الراتب فيها يوصل صاحبه إلى آخر الأسبوع وليس آخر الشهر؟؟ ناهيك عن حال البيئة التي يعجز أعتى العطارين عن أن يصلح مقدار ذرة فيها بعدما أفسدها الدهر والمفسدون في الأرض؟ 

فقط للتذكير: عندما أطلقت الأمم المتحدة عام ٢٠١٥ أجندة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ المتمثلة بأهدافها السبعة عشر، اتخذت لها شعاراً واعداً ومبشراً للدول الفقيرة نص على أن “لا أحد سيُترك خلف الرّكْب” No one will be left behind، وأن الجهود سوف تنصبّ على إيصال من هم في الخلف أولاً!

الآن، وبعد أن وصلت الأوضاع لما وصلت إليه، وانتشرت النزعات الشعبوية والقومية في العالم وانسحب من اتفاقية باريس الملوَّث الأكبر “ترامب” صاحب شعار “أمريكا أولاً” ليزيد في الطنبور نغماً، واقتنعت الدول الفقيرة بأنها ستبقى خلف الركب، ألا ترون معي أن التنمية المستدامة باتت أمام طريق مسدود؟ وأن نهاية العالم، المتقدم والمتخلف معاً، قادمة لا محال، وهذه المرة بالفعل، لن يتخلف أحد عن ركب الفناء مع نهاية العالم…
المفارقة هنا أن أغلب البلدان العربية لا تزال كعادتها مفعمة بالحماس، تسطّر الاستراتيجيات والخطط وتبحث عن التمويل اللازم لتلحق ولو نظرياً بركب التنمية المستدامة، فمنذ أيام قليلة فقط صدر تقرير “تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية” عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (AFED 2018)، الذي يؤكد أن الدول العربية تحتاج إلى أكثر من ٢٣٠ مليار دولار إضافية سنوياً وحتى العام ٢٠٣٠ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية، وأن هذه الفاتورة قابلة للارتفاع إلى مبالغ أعلى بكثير بسبب الحروب والنزاعات في المنطقة!

فتصوروا…

الصورة البارزة مأخوذة من الرابط: https://www.mominoun.com/articles/دور-الوقف-الإسلامي–في-عملية-التنمية-المستدامة-3782

 

دروس من جامعات الشقيقة “أم الدنيا”…

الإنجاز الكبير الذي حققته الجامعات المصرية في آخر تصنيف عالمي لصحيفة التايمز تُرفع له القبّعة، وجدير بجامعاتنا أن تستفيد من دروسه….
بين 2017 و 2018، قفز عدد الجامعات المصرية الموجودة على قائمة أفضل 1200 جامعة في العالم من 9 إلى 19 جامعة!!
لم يكن وراء الموضوع من وصفة سحرية ولا “تسييس” ولا “صفقة” ولا “واسطة” فالمعايير والإنجازات والنتائج جميعها واضحة وشفافة، و”الميّه بتكدّب الغطّاس” كما يقول أشقاؤنا المصريون….
قراءة سريعة بين سطور هذا الإنجاز تمكّننا من بلورة بعض الحقائق واستنباط الدروس لعلها تلقي مزيداً من الأضواء على هذا الملف الذي بات يشكل الشغل الشاغل لجامعاتنا بعد تراجعها بل وغيابها عن قوائم التصنيفات الأخيرة.
أولاً – في الجانب الاستراتيجي: لم يكن هذا الإنجاز وليد تحرك إسعافي بل تحرك استراتيجي بدأ يؤتي أكله ضمن خطة الدولة الاستراتيجية للتنمية المستدامة 2030 التي كان من بين أهدافها “الارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات”.
ثانياً – في الجانب المتعلق بطبيعة الجامعة: غلب الطابع الإقليمي (أي المحلي) على الجامعات التي “قفزت” إلى التصنيف هذا العام، وجميعها جامعات صغيرة الحجم وحديثة العهد تبنت النموذج التنموي Developmental model المحلي في خططها البحثية. واضح أن العبرة هنا ليست بكِبَر الحجم و”العراقة” التي تآكلت بسبب التضخم في الحجم (كجامعة القاهرة والإسكندرية، والحال من بعضه بالنسبة لجامعتي دمشق وحلب) بل بالصغر و”الرشاقة”. لقد ثبت من هذه التجربة ذلك الاعتقاد الذي يفيد بأن “الأصغر أقوى Smaller is stronger” و “الأصغر أسرع Smaller is faster”. تجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن من المواصفات الأساسية المشتركة للجامعات العالمية التي اعتادت أن تكون ضمن المئة جامعة الأولى في العالم هو أن عدد الطلاب في كل منها لا يزيد عن 25 ألف طالب.
ثالثاً – في الجانب البحثي (وهو الشق المفصلي والحاسم في التصنيف): لا يكفي عدد البحوث ورسائل الماجستير والدكتوراه المنجزة، بل ما يهم أيضاً النوعية والتأثير، والارتباط بالاحتياجات المحلية والوطنية (ما تسميه التايمز في معاييرها بالـ Relevance)، وكذلك الدخل الذي تحققه هذه الأبحاث. من المفيد هنا استعراض عينة من الجامعات الفائزة بالتصنيف: جامعة سوهاج التي قدّمت مجموعة من الأبحاث المهمة التي أفادت الصناعة المصرية، ومنها بحث لتطوير أنظمة التكييف الصحراوي، ليعمل بدون مياه، بالإضافة إلى مجموعة بحوث في النباتات الطبية والعطرية، وبحث استفادت به المصانع في تحويل النفايات إلى أخشاب، فضلًا عن أبحاث في علاج الأمراض المستوطنة، وأبحاث في الهندسة الوراثية، وأبحاث عن معالجة مياه الصرف الصحي. حققت الجامعة دخلاً من هذه البحوث زاد عن 5 ملايين جنيه، هذا إلى الجانب الريادي الطلابي في مجتمع الأعمال التكنولوجية (له أيضاً حساب في المعايير)، فالجامعة لديها نادي “لريادة الأعمال التكنولوجية” يضم 120 طالبًا حصل ستة منهم على براءات اختراع.
رابعاً – في الجانب الحَوْكمي على مستوى منظومة التعليم العالي: أثبتت هذه التجربة ضرورة توفير جسم وطني يتولى “قيادة المهمة” داخل منظومة التعليم العالي. في الحالة المصرية، شكلت الوزارة لجنة باسم “لجنة مساعدة الجامعات المصرية على تحسين التصنيف الدولي”. نظمت اللجنة حتى الآن أكثر من 20 ورشة عمل بمشاركة ممثلي الجامعات والمراكز البحثية وخبراء من مختلف دول العالم.
خامساً – في الجانب الحَوْكمي على المستوى الوطني: أثبتت هذه التجربة نجاعة وأثر منهجية “التوجيه” السياسي الذي يأتي من الأعلى إلى الأسفل (Top-down approach) والمتجذرة في ثقافة المنطقة العربية. في الحالة المصرية تجلّى دور “التوجيه” (الذي يُعبّر عنه في مصر بمصطلح “التكليف”) واضحاً في تصريح وزير التعليم العالي المصري تعقيباً على ما حققته الجامعات المصرية عندما أفاد بأن “فوز الجامعات المصرية ضمن هذا التصنيف الدولي، يأتي تأكيدًا للتكليفات المستمرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي بالارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات، وما تحقق هو نتيجة تنفيذ هذه التكليفات، وأن هذا النجاح للجامعات المصرية في التصنيف الدولي يرجع إلى إصرار منظومة التعليم الجامعي في مصر على تنفيذ هذه التكليفات”. تُترجم هذه الثقافة أهمية العامل السياسي والدعم والمتابعة المقدمين من أعلى المستويات، وما يمكن أن يتبع ذلك من مساءلة ومحاسبة.

لمزيد من المعلومات:

https://www.youm7.com/story/2018/10/5/رئيس-الوزراء-يشيد-بإدراج-19-جامعة-مصرية-فى-تصنيف-التايمز/3977249?fbclid=IwAR2GkpuHqilQ47J70E7EP6qIDqga0rSHHTmY3apXZdH8nYlZ3K9SREs1DYI

 

التصنيف العالمي للجامعات: شهادة على العصر

خلال عملي في وزارة التعليم العالي في دمشق، أتيحت لي فرصة المشاركة في المنتدى العالمي الذي نظمه اليونسكو حول “الترتيب والمساءلة في التعليم العالي: الاستخدام وإساءة الاستخدام”Rankings and Accountability in Higher Education: Uses and Misuses والذي عقد في باريس، 16-17 أيار 2011. وأدرج فيما يلي التقرير المفصل الذي كنت قد رفعته إلى الوزارة عن هذا المنتدى الذي بات يعدّ مفصلياً و”تاريخياً” بالنظر إلى ما نتج عنه فيما بعد من “انعطاف” هام على مستوى منظومات التصنيف العالمية والمعايير التي تحكمها، انعطاف فتح مزيداً من الفرص أمام جامعات البلدان النامية للدخول إلى ميدان المنافسة العالمية:

 أولاً – المنتدى: ألأهمية، السياق والأهداف:

اكتسب موضوع ترتيب الجامعات، سواءً على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي، أهمية كبرى منذ بداية التسعينات، إذ أصبح له تأثير متنام على المستوى الاجتماعي بعد أن بات يشكل حيزاً في الرأي العام المؤثر في صنع سياسات التعليم العالي. لقد بدأ ترتيب الجامعات في أصله بمراكز الاستطلاعات العائدة لبعض المؤسسات الإعلامية التجارية التي كانت تقدم نتائج ترتيبها للجامعات على المستوى الوطني كسلعة إستهلاكية إعلامية تهدف إلى إشباع الطلب من الرأي العام على الشفافية فيما يخص الجامعات، وسرعان ما تنبهت الحكومات ووكالات الاعتماد إلى هذه الأداة الجديدة، أي الترتيب، وراحت تطور منظومات للترتيب خاصة بها كأداة لضمان الجودة.

وفي عصرنا هذا، عصر العولمة، تعولم التعليم العالي وتعولمت معه مؤسسات ومنظومات الترتيب، ووجدت مؤسسات التعليم العالي نفسها في تنافس شديد لكسب ترتيب لائق على هذه القائمة أو تلك. ونتيجة لهذه “الحمى” الجديدة، حمى الترتيب، التي راحث تؤثر على قرارات المؤسسات المتسابقة وقرارات طلابها وأكاديمييها وباحثيها، تحول الترتيب ومجال استخدام نتائجه من مفهوم السلعة الاستهلاكية المنورة للرأي العام إلى مفهوم أداة للمساءلة ذات تأئير واسع الطيف على التعليم العالي. هدف هذا المنتدى إذاً إلى:

  1. تحسين الفهم لموضوع الترتيب والمؤسسات القائمة عليه، وانتشاره السريع والنفوذ القوي الذي بات يمتلكه
  2. دراسة التداعيات السياساتية للترتيب لجهة مؤسسات التعليم العالي والحكومات.
  3. الوقوف على مرحلة ما بعد الترتيب، وسبر/تطوير الأدوات المحاسبية الأخرى التي من شأنها تنوير صانعي السياسات ومساعدة الطلبة في اختياراتهم.
  4. تطوير دور المنظمات العالمية ذات الصلة مثل اليونسكو والبنك الدولي ومنظمة الأمن والاقتصاد OECD في الوصول إلى معلومات أكثر شفافية حول الترتيب.

ضمن هذا الإطار، وبهدف نقل الصورة الواضحة حول عملية ترتيب الجامعات والملابسات المحيطة بها إلى المعنيين بهذه القضية في جامعاتنا، نجد من المناسب التعرف أولاً على الواقع الحالي لهذه العملية في العالم، كما ورد من خلال العروض والمداولات التي قدمت في المنتدى.

ثانياً – الواقع الحالي لترتيب الجامعات:

المؤسسات القائمة على الترتيب:

على المستوى الوطني يوجد في العالم اليوم أكثر من 50 دولة تمتلك منظومة وطنية لترتيب جامعاتها، أما على المستوى العالمي، وهو ما يهم هنا، فتوجد على الأقل عشرة مؤسسات ترتيب عالمية ذات تأثير كبير تتزاحم عليها الجامعات العالمية لحجز مكان لها على قائمة أفضل مئة جامعة تصدرها كل عام. فإذا اعتبرنا وجود أكثر من 15 ألف مؤسسة تعليم عالي في العالم معنية بالترتيب لأدركنا مستوى التنافسية المرافق لعملية الترتيب ومدى “الهوس” الذي يمكن أن يرافق هذه العملية.

يلخص الجدول التالي مؤسسات الترتيب العالمية العشرة، الأكثر شهرة في العالم:

المؤسسة المرتِّبة Ranking Institution

الدولة Country

(Academic Ranking of World Universities (2003 Shanghai Jiao Tong University, China
(The QS World University Rankings (2004-2009 UK
(Webometrics (2004 Spain

   Performance Ranking of Scientific Papers for Research Universities (2007

Taiwan
Leiden Ranking (2008 Netherlands
SCImago Institutions Rankings (2009 Spain
QS World University Rankings (2010 UK
The Thomson Reuters World Ranking of Universities (2010 UK
U-Multirank (2011 EU
Green Metric World University Ranking (2011 Universitas Indonesia

يضاف إلى مؤسسات الترتيب العالمية هذه، بعض المؤسسات الأخرى الشهيرة  (وأغلبها صحفية) تعمل على المستوى الوطني كتلك المدرجة في الجدول الآتي:

المؤسسة المرتِّبة Ranking Institution

الدولة Country

Das CHE-HochschulRanking Germany
US News and World Report US
Guardian UK

(Times (THE

UK
Sunday Times UK and Ireland
Asahi Shimbun Japan
Washington Monthly College Guide US
AsiaWeek Asia
(Financial Times (for Business Schools UK
(Business Week (for Business Schools EU

منهجية ومعايير الترتيب:

تتبع حميع مؤسسات الترتيب المنهجية ذاتها لكن باتباع معايير ترتيب مختلفة:

  • يضع مصممو النظام في كل مؤسسة ترتيب مجموعة من المؤشرات ويتم تثقيل كل مؤشر بوزن مختلف عن وزن المؤشر الآخر.
  • غالباً ما تقيس هذه المؤشرات (وهذا مشترك بالنسبة لجميع مؤسسات الترتيب) ما يلي وبصورة كمية:
    1. البحوث الطبية والحيوية
    2. البحوث المنشورة في مجلتي Nature و Science
    3. مواصفات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس (الإنتاجية – معايير القبول – نسبة المدرسين إلى الطلبة …الخ)
    4. عالمية المؤسسة Internationalization
    5. سمعة المؤسسة لدى كل من النظراء وأرباب العمل والطلبة
  • يتم إعطاء درجة رقمية نهائية لكل مؤسسة وفقاً للنقاط الممنوحة لكل مؤشر على حدى بعد إعطاء الوزن المقرر لكل مؤشر
  • يتم أخيراً ترتيب المؤسسات تنازلياً وفق درجاتهم النهائية.

من الأهمية بمكان تسليط الضوء على ما لا تقيسه مؤشرات الترتيب:

  • لا تهتم المؤشرات بالتعليم والتعلم ولا تقيس المحصلات التعليمية ولا تهتم بأئر البحث على التعليم
  • لا تهتم ببحوث العلوم الانسانية والاجتماعية والفنون
  • لا تهتم بنشر المعرفة ونقل التكنولوجيا ولا بالفائدة المجنية من البحوث المنتجة
  • لا تهتم بالشعور بالمواطنة والانتماء لدى الطلبة
  • لا تهتم بالخبرة العملية للطلبة

وكمثال على هذه المؤشرات نورد في الجدول التالي جملة المعاييرالمتبعة من قبل أشهر مؤسسات الترتيب (جامعة شنغهاي):

المعيار

المؤشر

الوزن

جودة التعليم

عدد الخريجين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات مرموقة

10%

جودة أعضاء هيئة التدريس

عدد المدرسين الحائزين على جوائز نوبل وميداليات مرموقة

20%

الاستشهادات للباحثين من الجامعة في 21 مجال بحثي محدد

20%

الإنتاج البحثي

عدد البحوث المنشورة في مجلتي Nature و Science

20%

عدد البحوث المصنفة في قاعدة بيانات SCI و SSCI

20%

الأداء الأكاديمي الوسطي

الأداء الأكاديمي للمؤسسة موزعاً على عدد أفرادها

10%

المواصفات العامة للجامعات “المؤهلة” للفوز بالترتيب:

دلت نتائج الترتيب وفق المعايير السابقة أن الجامعات التي تحصد الترتيب المتقدم ضمن المئة جامعة الأولى في العالم هي جامعات عريقة وضخمة وغنية، غالباً ما تتمتع بالمواصفات العامة التالية:

  • عمر أكثر من 200 عام
  • تضم ما لا يقل عن 2500 عضو هيئة تدريس
  • لا يزيد عدد طلابها عن 25 ألف طالب
  • شروط القبول فيها قاسية
  • تمتلك وديعة مالية (وقف) لا تقل عن مليار دولار أمريكي
  • ميزانيتها السنوية لا تقل عن 2 مليار دولار أمريكي
  • ناطقة باللغة الإنكليزية

ولتأكيد هذه المواصفات نورد في الجدول التالي نتائج الترتيب العالمي لبعض السنوات الأخيرة ممثلاً بعدد الجامعات الفائزة بالترتيب من كل كتلة جغرافية، والذي أجرى من قبل أربعة من أشهر مؤسسات الترتيب العالمية:

Thomson Reuters QS Academic Ranking of World Universities (Shanghai) The QS World University Rankings Top 100

Universities

2010 2010 2010 2009 2008 2007 2009 2008 2007
54 31 54 55 54 53 32 37 37 US
28 42 33 32 34 34 38 36 35 Europe
5 8 3 3 3 2 9 8 9 Australia/New Zealand
 

10

 

15

 

6

 

6

 

5

 

7

 

16

 

14

 

13

Asia Pacific

(No Arab Country)

3 4 4 4 4 4 4 5 6 Canada
 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

0

 

Latin America/ Africa

يدل هذا الجدول ايضاً على طبيعة المنافسة العالمية و”التهميش” الذي أصاب جامعات الدول النامية (أفريقيا – أمريكا اللاتينية – الدول العربية) من جراء معايير الترتيب المتبناة، ومدى الجدل المرافق والذي تفجر على أشدّه خلال جلسات المنتدى.

ثالثاً – الانتقادات الموجهة في المنتدى إلى أنظمة ومعايير الترتيب العالمية الحالية:   

لقد شكل هذا المنتدى الذي شارك فيه ممثلون عن جميع الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو وممثلون عن مؤسسات الترتيب العالمية والمنظمات الأخرى المعنية، فرصةً مناسبة لكشف الإرهاصات المرافقة لعمليات الترتيب وتسليط الضوء على مكامن الخلل في منهجيات ومعايير الترتيب التي استعرضناها سابقاً.

  • فتحديد المؤشرات وأوزانها خاضع لأولويات كل مؤسسة ترتيب.
  • ونادراً ما تقيس هذه المؤشرات المعايير المستهدفة بشكل مباشر فجودة التعليم يعبر عنها مثلاً بجوائز نوبل التي يحصل عليها قدماء الخريجين أو بعدد مرات الاستشهاد بالبحوث التي يجريها أعضاء هيئة التدريس، كما أن جودة البنية التحتية يعبر عنها بالميزانيات المصروفة ..الخ.
  • المؤشرات تركز على الأداء في الفترة الماضية دون اعتبار لكمون الجامعة وأفاقها المستقبلية.
  • المؤشرات تركز على المهمة البحثية للجامعة وتهمل المهام الأخرى التعليمية والتنموية وخدمة المجتمع
  • بالنتيجة، فإن المؤشرات التي تتسم بكونها ترتكز على المدخلات (Input-based) تحصر الترتيب بجامعات الدول الغنية. فعلى سبيل المثال أجرت نيجيريا دراسة للمستلزمات المالية لوضع جامعة نيجيرية واحدة ضمن قائمة أفضل 200 جامعة في العالم فتبين أن الموضوع يتطلب رصد ميزانية قدرها 31 مليون دولار أمريكي كل عام ولمدة 10 سنوات على الأقل!!!

كل ذلك يشير إلى أن جامعاتنا، شأنها شأن باقي الجامعات في الدول النامية، ستبقى، وإلى حين، خارج دائرة المنافسة ضمن معايير الترتيب هذه.

رابعاً – التوجهات السياساتية المنبثقة عن المنتدى:

لقد أدى الحراك النشط الذي انبثق خلال جلسات المنتدى إلى ظهور العديد من التيارات والتوجهات السياساتية التي من شأنها إدخال تعديلات جذرية على منهجيات ومعايير الترتيب لصالح المؤسسات التعليمية للدول النامية التي تمتلك منظومات تعليمية نامية وواعدة، والتي أصبحث منظومات الترتيب الحالية تشكل مصدر إحباط لها. ونوجز فيما يلي أهم هذه التوجهات:

  1. على الحكومات أن تخفف مما سمي “بهوس” الترتيب العالمي للجامعات
  2. ضرورة التوصل إلى أنظمة ومعايير أخرى لترتيب الجامعات يتم فيها توسيع طيف المعايير والمؤشرات لتشمل الأوجه والوظائف الأخرى للجامعة كالوظيفة التعليمية والوظيفة الاجتماعية، وبالتالي يمكن أن يكون هناك ترتيب متعدد الوظائف يتم فيه “مفاضلة” الجامعات البحثية مع بعضها والجامعات التعليمية مع بعضها وهكذا، مع تثقيل الجانب التنموي والاجتماعي المحلي للجامعات.
  3. ضرورة التفكير بمنهجيات ترتيب جديدة كتلك التي ترتب منظومات التعليم العالي الوطنية بدلاً من النظر إلى جامعة منفردة
  4. التشجيع على تبني القياس النسبي Benchmarking بدلاً عن الترتيب كأداة تحفيزية/قياسية للجامعات لتطور نفسها وتحسن من ترتيبها.
  5. الإقرار بضرورة إعطاء صوت للطلاب في عملية الترتيب والمعايير المحددة لها
  6. منح الشرعية اللازمة لمنظمة اليونسكو للإشراف على عملية الترتيب وإصدار دلائل إرشادية تتضمن الممارسات الجيدة لهذه العملية

خامساً – مقترحات خاصة بجامعاتنا:

  1. إقامة منظومة وطنية لترتيب المؤسسات التعليمية السورية فيما بينها كخطة مرحلية لتوطين منهجية و”ثقافة” الترتيب على المستوى الوطني، ولخلق دينامية تنافس وطنية تساعد على الوصول إلى العالمية.
  2. وضع مؤشرات أداء رئيسية (Key Performance Indicators (KPIs للتعليم العالي على المستوى الوطني تحاكي المعايير المتبعة من قبل منظومات الترتيب العالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار الجانب التنموي والاجتماعي المحلي للجامعات.
  3. دعوة الجامعات إلى وضع خطة استراتيجية للبحث العلمي والنشر وتسويق البحوث، تتقاطع مع التحدي البحثي المقترن بأنظمة الترتيب العالمي التي من المؤمل أن “تلين” معاييرها وتتوسّع لصالح مزيد من الاحتواء والإنصاف لجامعات البلدان النامية.

الصورة البارزة مأخوذة من المقال على الرابط:

http://www.studyinchina.com.my/web/page/brics-emerging-economies-rankings-2015/

 

الإسهال الفيسبوكي… الأنواع، الأعراض، المسببات، والعلاج

الفيسبوك أداة رائعة للتواصل الاجتماعي وتنمية “الشعبية”، أو ما يسمى بالعلامة التجارية الشخصية. وعندما ابتكر مارك زوكربيرغ هذه الأداة الرائعة لم يخطر بباله يومًا أن ابتكاره هذا سينتشر انتشار “وبائياً” في كوكب الأرض ليشكل فضاءً من الحرية التعبيرية قائماً بذاته، وربما يمتد في المستقبل ليشمل كواكب أخرى.
لكن البعض راح يفرط في استخدام هذا الفضاء بشكل غير متحكم به… فمن منا لا تتضمن قائمة أصدقائه الفيسبوكيين أصدقاءً يمطرون صفحته يومياً بوابل من المنشورات المحدودة الفائدة؟ لقد باتت هذه الظاهرة تشكل عَرَضاً رئيسياً (إلى جانب أعراض جانبية أخرى مرافقة) ومؤشراً للإصابة بما يمكن تسميته بـ “متلازمة الإسهال الفيسبوكي”!
سوف نحاول هنا تحليل هذه المتلازمة من خلال النظر إليها بعدسة “طبية” سعياً إلى المساعدة في “تشخيص” هذا الداء.
لنميز أولاً بين نوعين من الإسهال الفيسبوكي: إسهال من النوع “الحميد” المحبّب، وإسهال من النوع “الخبيث” المستهجن الذي يشكل موضوع بحثنا “الطبي” الحالي. ما يميز النوعين عن بعضهما نوعية المحتوى والقيمة المضافة التي يحملها والرسالة التي يريد إيصالها، وأمور أخرى تتعلق بسلوك المستخدم لهذا الفضاء الواسع.

أما ما يخص جملة الأعراض المقترنة بهذه المتلازمة فتعتمد على بعض المؤشرات التي يمكنك كمستخدم أن تحدد بنفسك درجة إصابتك بها وفقاً لتراكم واحدة أو أكثر منها لديك. من أهم هذه المؤشرات:
• حين يزيد معدل نشرك عن خمسة بوستات في اليوم (رقم تأشيري وليس حدّي).
• حين تغيب القيمة المضافة عن كل ما تنشر (هناك تناسب عكسي حتمي بين عدد البوستات المنشورة في اليوم ونوعية المحتوى).
• حين تشعر بانخفاض شديد ومستمر في عدد اللايكات والمشاركات التي تحصدها عن كل بوست.
• حين تشعر بانخفاض حاد في عدد المتابعين لصفحتك.
• حين توزع اللايكات بسخاء على بوستات الآخرين وتطلب منهم الإعجاب ببوستك الشخصي أو صفحتك.
• حين تتردد على بوستك مرات عديدة بعد نشره لتطمئن على عدد اللايكات التي تأتيك، وربما تضع عليه لايكاً شخصياً من عندك.
• حين تضيف المزيد والمزيد من الأصدقاء الجدد دون النظر إلى بروفايلاتهم أو منشوراتهم أو “حالتهم الصحية الفيسبوكية”
• حين تنشئ صفحات ومجموعات فيسبوكية عديمة الفائدة وبدون معنى، وتدعو قائمة أصدقائك إلى الانضمام إليها أو تقحمهم فيها دون استشارتهم.
• حين تضع علامات (Tags) لكل من هو موجود في قائمة أصدقائك على أية صورة تحصل عليها، مما قد يتسبب بمتاعب فيسبوكية لهم.
• حين تسارع في إطلاق دردشة مع أي صديق دون رغبة منه، بمجرد ظهوره على الخط (Online)، وتبادره بأسئلة لا معنى لها ولمجرد الثرثرة.
• حين تنسخ محتوى منشورك من مصدر ثان دون أن تشير إليه (أو تكتب عليه كلمة “منقول”) وفقاً لما تقتضيه الأمانة العلمية.
• حين تنكز الناس (Poke) باستمرار وبحماسة مستخدماً لغة الرموز (Emoji).
• حين تتحيّن الفرص لتنبري بتعليقات خارج السياق على بوستات الغير، إما بغرض الظهور أو الاستفزاز أو تنفيذ أجندة محددة، دون النظر إلى الفكرة والهدف اللذين جاء البوست من أجلهما.

وإذا ما تساءلنا عن منشأ هذه المتلازمة ودوافعها نرى ثمة ارتباطاً وثيقاً بعوامل خطورة (Risk Factors) ترفع من احتمالية الإصابة بهذا الداء، نذكر من أهمها:
• النرجسية: وتتمثل بحبّ الظهور وتسويق الذات وبناء الشعبية، بما في ذلك البحث عن “منصب أرفع” (كما هو الحال مع بعض “المستوزرين”).
• تبنّي أجندة معينة والسعي إلى تحقيقها: يصنف هذا الدافع ضمن خانة “التشبيح الفيسبوكي” السياسي أو الديني أو غير ذلك …)

لا علاج مباشر لهذا الداء، بل هناك تعليمات “وقائية” معروفة تخص المستخدمين “الأصحاء” وتهدف إلى تجنب الأثر السلبي القادم من الأصدقاء “المسهلين”، بدءً من حجب البوستات والتعليقات، وإلغاء المتابعة، وانتهاءً بالحذف من قائمة الأصدقاء.
ولا بد أخيراً من توجيه التحية إلى أصحاب الإسهال الحميد فإسهالهم محبب، وهم يمثلون النخبة الفيسبوكية التي تهتم بغزارة العطاء وتسهر على نوعية البوستات وقيمها المضافة، وتتفاعل بموضوعية وشفافية مع الأحداث اليومية. تحترم الرأي الآخر وترحب بالتغذية الراجعة والرأي البناء من كل متفاعل رصين…