الوقف: تلك الحلقة المفقودة في منظوماتنا التعليمية

في شهر تشرين الأول/أكتوبر الفائت، أعلن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن خطة جريئة لإعادة هندسة برامجه الأكاديمية حول التقانة في ظل التقدم المتسارع لتطبيقات الحوسبة والذكاء الصنعي وتحليل البيانات الضخمة والتعلم الآلي، وما إلى ذلك من التقانات الرائدة والقائدة للثورة الصناعية الرابعة التي يقف العالم على أبوابها. تضمنت هذه الخطة بشكل أساسي إنشاء أول كلية للذكاء الصنعي سميت باسم ممولها في إعلان تأسيسها: “كلية شوارزمان للحوسبة” Schwarzman College of Computing

ما يهمنا من هذا الخبر أن التمويل الذي حصل عليه المعهد لإنشاء الكلية الجديدة وتشغيلها، والبالغ 350 مليون دولار، جاء على شكل وقف من رجل أعمال ثري اسمه “ستيفن شوارزمان”، متبصر ومستبشر بمستقبل الذكاء الصنعي، ويمتلك سجلاً حافلاً بمنح مليارات الدولارات للمؤسسات الأكاديمية المعنية بهذا المجال التقاني الواعد، بالإضافة إلى تمويله لبرنامج منح بحثية في المجال ذاته معروف باسم “Schwartzman Scholars “. سوف تفتح الكلية الجديدة أبوابها للطلبة في أيلول القادم مؤقتاً داخل مباني المعهد بعد أن يتم تأمين المستلزمات من الهيئة التدريسية المقدر عددها بخمسين أكاديمياً جديداً هم حالياً قيد التعيين، على أن يُستكمل البناء الجديد بحلول العام 2022.

لم يكن هذا الوقف الجامعي سابقة بحد ذاته فخلال العقود الماضية زاد انتشار “الوقف” الخيري لصالح العديد من جامعات العالم متّسماً بأحد النمطين الأساسيين: الوقف الجامعي University Foundation، وهو وقف يوقف لصالح جامعة ما موجودة على أرض الواقع، يُمنح إليها على شكل وديعة Endowment لبناء مختبر أو كلية (كما هو الحال بالنسبة لكلية شوارزمان آنفة الذكر) أو لإطلاق برنامج بحثي أو برنامج منح دراسية أو بحثية، الخ، والنمط الثاني، وقف لإنشاء ما يسمى “جامعة وقفية” Foundation University تُؤَسَّس بشكل كلي بناءً على تمويل وقفي يغطي نفقات تأسيسها وتشغيليها بشكل دائم كما هو الحال في أغلب الجامعات الأمريكية كهارفارد وستانفورد وكارنجي ميلون، التي تم تأسيسها لتكون وقفية. تعمل هذه الجامعات الوقفية وفق نظام المؤسسات غير الربحية وتتقاضى بذلك رسوما معتدلة من الطلبة بالإضافة إلى توفيرها لبرامج منح دراسية سخية للطلبة.   

ما الذي يمكن للوقف أن يحمله لمنظومة التعليم العالي؟

لا يمكن النظر إلى الوقف الجامعي على أنه مجرد وسيلة تمويلية تخفف من أعباء الميزانية الحكومية المخصصة لتمويل قطاع التعليم العالي. لقد أظهرت التجارب العالمية أن نمط الجامعات الوقفية هذا يوفر العديد من المزايا قياساً بالأنماط الأخرى كالحكومية والخاصة:

  • فالوقف الجامعي حمّال طبيعي للجودة والتميز، ومولّد لدينامية تنافس صحي وخلّاق داخل المنظومة الوطنية للتعليم العالي، وذلك انطلاقاً مما ينشده أصحاب الوقف من رسالة إنسانية ودَوْرٍ تنموي علمي واجتماعي وثقافي للكيانات التعليمية/البحثية التي ينشئونها (كما هو واضح من مثال كلية الذكاء الصنعي)، وكذلك من الطبيعة غير الربحية لهذه الجامعات، ناهيك عن أن الوقف بحد ذاته يوفر للجامعات بيئة مثالية من الأمن الاقتصادي المستدام كما ويساعد على نقل مفهوم الوقف من الملكوت الديني إلى الملكوت العلمي الخيري، 
  • توفر أموال الوقف الجامعي استقلالية تامة عن القوى الاقتصادية والسياسية في البلد، ويمكن بفضلها استقطاب كوادر تعليمية وبحثية وإدارات خاصة بها على قدر كبير من الكفاءة والتميز (دون الاعتماد على الجامعات الحكومية)، مما يمكّنها من تزويد المجتمع بمخرجات تعليمية أفضل. هذا الأسلوب يقلل من مخاطر الاعتماد على التمويل الحكومي الذي يتّسم بعدم الثبات ويعتمد في حجمه على الموارد المتاحة وتغيّر الأولويات من سنة إلى أخرى،
  • وبمنظور أوسع، يمكن القول أن العلاقة بين الوقف والتنمية علاقة وثيقة ومطردة عبر الزمن، فالوقف يمثل آلية تعمل على تمويل المشاريع والمساهمة في الحياة الاقتصادية من خلال توفير فرص العمل واستغلال الثروات المحلية، وبالتالي زيادة دخول الافراد.  
  • من شأن الإدارة الاقتصادية السليمة لأصول الأوقاف داخل الجامعة أن تحقق أقصى منفعة ممكنة من الوقف بالنسبة للواقف والموقوف عليه (الجامعة)، مما يؤدي إلى دوام تحقيق مفهوم الصدقة الجارية بالنسبة للواقف ودوام الانتفاع بالوقف بالنسبة للجامعة.
  • بات الوقف مؤشر تميز للجامعات وحفازاً لارتقائها في مسار التصنيف الدولي حيث أن أغلب الجامعات الغربية العريقة التي عملت – وما زالت – منذ قرون على دعم الوقف التعليمي، تفوقت واحتل أغلبها المكون الرئيسي لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم.
  • وبحكم كونها مؤسسات تعليمية غير ربحية تتقاضى من الطلبة أقساطاً دراسية معتدلة وتؤمن منحاً دراسية للمتفوقين منهم، فإن الجامعات الوقفية تعدّ اليوم النموذج المنافس بامتياز للجامعات الخاصة الربحية التي باتت ترهق الطلبة بأقساطها المرتفعة.

المشهد العالمي للوقف التعليمي بين الماضي والحاضر: سبق شرقي وتفوق غربي

في منطقتنا العربية: شكل الوقف منذ غابر الأزمان بؤرة النهضة العلمية والفكرية على مدار قرون عديدة، وإليه يعود الفضل في كل ما عرفته المنطقة من نهضة علمية وثقافية في حضارتنا العربية والإسلامية. ولم يكن الوقف حينها مجرد تصرف ديني أو قانوني بل كان أيضا حافزاً علمياً وتنموياً، وثقافة روحية مؤثرة في المجتمع، مما أدى إلى انفتاح الأوقاف على التعليم حتى بات إنشاء أي مدرسة أو مؤسسة تعليمية مرتبطاً بوقف ثابت يفي بمتطلباته.

أدى هذا النموذج الحضاري إلى ازدهار مئات المدارس الوقفية في بغداد ودمشق والقاهرة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات، كجامعة القرويين في المغرب وجامعة الزيتونة في تونس والأزهر في مصر، ناهيك عن جامعات الأندلس التي أصبحت قبلة لطالبي العلم في أوربا العصور الوسطى. حتى في صقلية الإسلامية (آنذاك)، بلغ عدد المدارس الوقفية 300 مدرسة تتكفل بنفقات الدراسة والإعاشة للطلاب المحليين والوافدين من أقطار أخرى.

إلا أن هذه الصلة الوثيقة بين الوقف والعلم، والتي جعلت الأول مصدرا اساسيا لتمويل العلم والتعليم والبحث العلمي، تلاشت بشكل شبه تام في عالمنا المعاصر لأسباب لا زالت تشكل موضع بحث وتساؤل:

  • أهي سياسة مجانية التعليم بمختلف مستوياته، وما شمل ذلك من تكفّل الدولة بإنشاء المدارس والجامعات التي تمثل أولى رهانات قطاعات التعليم والبحث العلمي؟
  • أم هو تراجع لثقافة الوقف في ضمير المجتمع مما أدى إلى حصرها في نطاق الفعل التعبدي والوظيفة الدينية؟
  • أم هي تلك السياسة التي أدت إلى إقامة جدران عازلة بين قطاع الأوقاف والمنظومة التعليمية والتربوية، وانحسار أدوارهما ضمن سياسات قطاعية تفصل بين الوقف والتعليم؟
  • أم هو تآكل رسالة المجتمع باتجاه الفردية وغياب المسؤولية الاجتماعية؟

تساؤلات مفصلية ومشروعة تحتاج الإجابة عنها إلى بحوث تنير الطريق إذا ما أردنا توجيه الأنظار ثانيةً إلى الوقف التعليمي لاستعادة دوره كاستثمار خيري مستدام وبذرة صحيحة لبداية نهضة تعليمية شاملة.

أما الغرب، فقد استنسخ الوقف في مضمونه الإسلامي ضمن صيغ ونماذج تشبه الوقف أو تقترب من مفهومه فكرا وتطبيقا ليطوِّرَه فيما بعد ويجعل منه مؤسسات مانحة وجامعات ومراكز بحثية أنشئت من منطلق الصدقة الجارية ونزعة الخير التي لا يمكن حصرها في قالب ديني أو عرقي واحد، مما جعلها تتفوق على تجربة الوقف العلمي في الفكر الإسلامي. بالفعل، فقد أجمع الباحثون في الغرب على أن قانون الوقف الإسلامي كان له أكبر الأثر في تطوّر المؤسسات الوقفية في بلادهم بعد القرن السادس عشر، فالأوقاف في الولايات المتحدة الأمريكية اتخذت في البداية شكل مؤسسات دينية أو تعليمية مستقلة في نمط الإدارة والتسيير المالي وباتت تتغذى من تبرعات الواقفين من أبناء الطوائف في شكل أموال نقدية أو أملاك عقارية توقف على الكنائس والمدارس والجامعات مما جعلها نماذج ناجحة بامتياز تحمل حقيقة مضمون الوقف في فكرته الإسلامية في نفس الوقت الذي تخلصت فيه من الروتين الإداري الحكومي.

ريادة أمريكية…

تُعَدّ التجربة الأمريكية في هذا المجال نموذجا قائماً بذاته، فجامعة هارفرد باتت نموذجاً رائداً في إسهام الاستثمارات الخيرية في تطوير التعليم الجامعي والبحث العلمي حيث كرست منذ تأسيسها عام 1636 تقليدا يقضي بدخول الوقف كلاعب رئيس في مجال التعليم العالي، وحققت بذلك معادلة تجعل من التبرع أحد الأسس الصلبة لبناء تعليم متميز لا يخضع لقوانين العرض والطلب ولا يتكئ كليا على الميزانيات الحكومية. وعلى غرار هارفرد رخصت الجامعات الوقفية الأمريكية علاقة وطيدة بين ثقافة التبرع من ناحية، والميادين الأكاديمية وبرامج البحث العلمي من ناحية أخرى، بحيث لم يعد هناك تصور لوجود بنية تحتية علمية بدون الوقف.   

تجدر الإشارة إلى أن النموذج الأمريكي في تمويل الجامعات يعد انعكاساً للبنية الاقتصادية الأمريكية التي يغلب عليها التنافس النابع من آليات السوق (في مقابل نموذج أوروبي ساد فيه الدعم الحكومي للجامعات بدرجات متفاوتة). تضم الولايات المتحدة الأميركية أكبر عدد من الجامعات الوقفية في العالم، حيث يصل حجم الوقف في مؤسسات التعليم العالي الأميركية إلى أكثر من 119 مليار دولار، بينما يصل وقف الجامعات الكندية إلى 5 مليارات دولار، ويتخطى الوقف في 10 جامعات بريطانية نحو 30 مليار دولار.

استفاقة تركية….

أما تركيا التي تُعدّ تجربتها نموذجية في إعادة تسخير الوقف لصالح التعليم فقد تمكنت من إعادة إحياء الصلة بين الوقف والتعليم بحلّة “مدنية وليس دينية” حيث شُرِعَ في تأسيس الجامعات الوقفية بدءً من ثمانينات القرن الماضي، واشتد زخمها بعد توفير إطار قانوني مدني نظم تبعيتها إلى مجلس التعليم العالي وشجع على أعمال الوقف من خلال العديد من الحوافز الضريبية التي تضمنها. مثلت جامعة بيلكنت التي تأسست في عام 1984(تحت حكم العسكر آنذاك) باكورة هذه الجامعات، إلى أن وصل عددها اليوم إلى 63 جامعة وقفية، إضافة إلى سبعة معاهد تقانية وقفية، وذلك مقابل 104 جامعة حكومية (القانون يمنع الترخيص للجامعات الخاصة الربحية). تتنوع المؤسسات الوقفية المنشئة لهذه الجامعات الوقفية فهناك المؤسسات الخيرية والمؤسسات الوقفية الأهلية والشركات العائلية الثرية والنقابات المهنية، الخ. تجدر الإشارة إلى أن الجامعات الثلاث التي تقدمت ترتيب الجامعات التركية ضمن التصنيف الأخير لصحيفة التايمز البريطانية “Times Higher Education”، هي جامعات وقفية!!

هل من سبيل إلى إحياء الوقف التعليمي في بلدنا؟

ما سبق يُظهر أهمية الوقف ككمون واعد لدعم منظوماتنا التعليمية والبحثية في وقت تشهد فيه هذه المنظومات غياباً شبه تام لنمط الجامعات الوقفية، شأنه شأن أي شكل آخر من أشكال الوقف داخل الجامعات الحكومية. بالفعل، يقتصر المشهد الوقفي السوري في مجال التعليم العالي على “جامعة وقفية” يتيمة (جامعة بلاد الشام للعلوم الشرعية) بحكم تبعيتها لوزارة الأوقاف وليس للتعليم العالي، وفقاً لما يقتضيه قانون الأوقاف (السابق والجديد) الذي حصر التعليم الديني بهذه الوزارة. أما فيما يتعلق بالوقف للجامعات الحكومية فالأمر يقتصر أيضاً على “شبه وقف” يتيم تمثل بمركز جامعة دمشق للمؤتمرات (مركز رضا سعيد) الذي كان له أكبر الأثر في إكساب هذه الجامعة العريقة واجهة حضارية جديدة. تجدر الإشارة إلى أن قانون تنظيم الجامعات النافذ حالياً، ولائحته التنفيذية، لم ينصا على أي شكل من أشكال الوقف واكتفيا بتوفير الإمكانية للجامعات لقبول الهدايا والهبات والمساعدات.

كيف يمكننا إذاً، استناداً لما سبق استعراضه من تجارب عالمية، أن نستنهض ظاهرة الوقف على العلم والتعليم في ظل ما نشهده من سلعنة متنامية للتعليم؟ لسنا هنا بصدد رسم خارطة طريق لأوقاف تعليمية جامعية لكن من المفيد طرح بعض الأفكار المستوحاة من تجارب الغير لعلها ترشد أي مسعاً بهذا الاتجاه يمكن للجهات المعنية أن تقوم به:

  • ربما يصعب “القفز” مباشرة باتجاه التفكير بإنشاء جامعات وقفية، لكن العمل في البداية على تشجيع الأعمال الوقفية داخل الجامعات الحكومية من شأنه أن ينعش الذهنية الوقفية ويروج للوقف “الأكبر” المتمثل بإنشاء جامعات وقفية…
  • يكمن المفتاح بتأمين إطار قانوني غائب بشكل كلي عن منظومتنا. إطار “مدني” يتيح للجامعات الحكومية تلقي الأوقاف التعليمية/البحثية وإدارتها بمعزل عما جاء في قانون الأوقاف الجديد (القانون رقم 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف)، على أن يضمن الإطار المنشود تأسيس صندوق وقفي في كل جامعة حكومية، وإنشاء إدارة قانونية ومالية لأوقاف الجامعة، وادارة لاستثمار أوقافها.
  • من الأهمية بمكان إجراء دراسات لحصر الاحتياجات التعليمية/البحثية التي يمكن الإنفاق عليها من الأموال الوقفية (برامج لمنح دراسية/بحثية، كراسي علمية وقفية، إطلاق مشاريع بحثية وطنية، موارد مالية خاصة بالدراسات العليا البحثية، مراكز تميز بحثية، خزانات تفكير…)  وترتيبها وفق أولويات وضوابط محددة.  من شأن هكذا دراسات أن تساعد الجامعة على إنشاء برنامج خاص بها للأوقاف يتم من خلاله تشجيع القطاع الخاص والأفراد، وبخاصة الميسورين منهم، على الوقف لصالحها.
  • وزارة الأوقاف مدعوة إلى التعاون مع وزارة التعليم العالي في تخصيص جزء من ريع الأوقاف في العملية التعليمية والتربوية عن طريق تحديد نسبة من الأموال والتبرعات الوقفية التي تردها لتؤول إلى الصناديق الوقفية في الجامعات، أو الوقف المباشر على إنشاء بعض المرافق الجامعية.
  • يعدّ استصدار قانون خاص بإنشاء الجامعات الوقفية، خطوة مفصلية على الطريق نحو دعم انتشار هذا النمط الجديد من التعليم الجامعي. في مصر على سبيل المثال، ما أن صدر القانون الناظم للجامعات الأهلية (التسمية المصرية للجامعات الوقفية) عام 2009 حتى طلبت ثلاث جامعات خاصة (جامعة النيل، جامعة سنغور الفرنسية، والجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني) التحول إلى جامعات وقفية تحت هذا القانون الناظم.
  • ثمة جامعات خاصة تتميز عن غيرها بامتلاكها لميول ونكهات “أهلية” ناجمة عن انتماءاتها اللا تجارية، مما قد يجعلها قابلة للتحوّل من ذاتها إلى جامعات وقفية (أو أهلية إذا ما أريد اعتماد هذه التسمية البديلة على غرار ما هو قائم في مصر)، إذا ما توفرت لها البيئة القانونية الحاضنة. من هذه الجامعات يمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، جامعة المنارة (المنتمية إلى الأمانة السورية للتنمية، والتي أنشئت بالأصل لهدف تنموي) وجامعة الشام الخاصة (المنتمية إلى القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي) وجامعة قرطبة الخاصة (المنتمية إلى نقابة المهندسين بحلب) والأكاديمية العربية للأعمال الإلكترونية (المنتمية إلى جامعة الدول العربية)، الخ.  

في النهاية نرى أن الوقف يعد ثقافة قائمة بذاتها، ومن الخطأ اختزال هذه الثقافة في بناء المساجد والكنائس، ومدّها بالخدمة، إذ لا بدّ من ابتكار آلية وقفية مدنية وتسخيرها لصالح عملية تنموية تعليمية وثقافية لبلد مكلوم في أمس الحاجة إليها. إن ما يمكن أن تحمله الصناديق الوقفية في الجامعات الحكومية، و/أو ما قد يستحدث من جامعات وقفية، يأتي في صميم هذه العملية التنموية المنشودة. ومن هنا تأتي أهمية نشر الوعي بين أفراد المجتمع عامة والميسورين خاصة، لتعريفهم بأّن الوقف على التعليم شكلٌ من أشكال الصدقة الجارية التي تقربهم إلى الله وإلى الشعب.  

وفي الليلة الظلماء يفتقد الابتكار …

عندما يُطبِقُ الحصار وتشتد الأزمات الاقتصادية والمعيشية ينتظر المجتمع مبادرات وحلولاً مبتكرة تأتي من رحم المعاناة، من “خارج الصندوق”، يتبناها رواد أعمال اجتماعيون وتنفّذ في بيئة أعمال جديدة يغلب عليها الطابع الاجتماعي التنموي والإنساني….

هكذا منطق الأمور… والأدبيات تزخر بقصص النجاح المعبرة عن هذا المنطق…

هل أتاكم حديث “بنك الفقراء” الذي نجح في مساعدة الملايين على الخروج من مظلة الفقر في بنغلاديش على يد مؤسسه رائد الأعمال الاقتصادي الاجتماعي، الدكتور محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل لعام 2006 تقديراً لجهوده في تحقيق هذا المشروع المبتكر؟

كان ذلك عام 1974 عندما اشتد الفقر واجتاحت بنغلادش (باكستان الشرقية سابقاً) مجاعة ذهب ضحيتها ما يقرب من مليون ونصف المليون إنسان، وكان الدكتور يونس آنذاك قد عُيِّن رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج في بنغلاديش بعد عودته من تحضير الدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية.

وبسبب هذا الوضع المتفاقم في بلاده، مضى يحاول إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية بوضع نظام لإقراض الفقراء بدون ضمانات، مما دعا رجال البنوك للسخرية منه ومن أفكاره، زاعمين أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض، لكنه بقي مصمماً على فكرته، وأن الفقراء جديرون بالاقتراض، واستطاع في عام 1979 أن يؤسس بنكاً مبتكراً لإقراضهم فكانت النتيجة أن قدم البنك منذ تأسيسه حتى العام المنصرم نحو 11 مليون قرض، وصلت نسبة تسديدها إلى 99٪!

تعتمد فكرة هذا البنك المسمى بنك غرامين Grameen Bank (وتعني القرية باللغة البنغلادشية) على تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات منزلية تقوم عليها نساء، وتقوم فلسفته المبتكرة على أن الائتمان يجب أن يُقبل كحق من حقوق الإنسان، وعلى أساسه يكون للشخص الذي لا يملك شيئا الأولوية في الحصول على قرض. فمنهجية غرامين في الإقراض لم تتأسس إذاً على تقييم الملكية المادية للفرد، وإنما على الدافعية التي يملكها، فبنك غرامين يعتقد أن كل البشر بمن فيهم الأكثر فقرا موهوبون ويملكون دافعية لا حدود لها. يعطي البنك الأولوية للنساء اللاتي يشكلن اليوم ما نسبته 96% من مقترضي البنك، ويعمل على تحسين أوضاعهن في أسرهن بإعطائهن القدرة على التملك. يتعامل البنك اليوم مع سبعة ملايين شخص في أكثر من 71 ألف قرية حيث تنتشر فروعه في المناطق الريفية، فهو يعمل على أساس أن الفقير لا ينبغي أن يذهب إلى البنك، وإنما على البنك أن يذهب إليه.

وإلى جانب القروض، أطلق البنك مشروعات تنموية شملت التعليم والرعاية الصحية حيث أسس البنك بالتعاون مع اليونسكو في إطار مبادرة التعليم للجميع “مؤسسة غرامين للتعليم” التي تستهدف التعليم المستمر للنساء الفقيرات والأميات من عميلات البنك، ودمجهن اجتماعياً وتحسين نوعية حياتهن من خلال محو أمية القراءة والكتابة والحساب. كما قام بتحسين الوضع الصحي للمجتمع عبر تحسين الحالة الصحية للأسرة، وزراعة الخضراوات. كما يتناول البنك المدخل البيئي والسلوكي في الصحة، مثل بناء المراحيض الصحية، والعمل على شرب الماء النظيف، الخ.

أثبتت الدراسات أن مقترضي غرامين يتحركون بثبات إلى خارج دائرة الفقر، فطبقا لإحدى الدراسات يتحرك 5% من مجمل المقترضين سنويا خارج دائرة الفقر.

ابتكار وريادة أعمال، وبيئة أعمال حاضنة لهما، والكل في ملكوت اجتماعي واحد…

ما رأيناه هو ابتكار من النوع الاجتماعي Social Innovation، اجتماعي في وسائله وغاياته، تَمثَّل بتلك الفكرة غير المألوفة لآلية التمويل المتناهي الصغر Microfinance وبعملية تنظيمه ووضعه بتصرف المهمشين خلافاً للروتين المتعارف عليه في أنظمة الإقراض المتبعة في المصارف التقليدية. قد لا يتسع المجال هنا للتعريف بالابتكار الاجتماعي وطيفه الواسع والمتجدد لكن يكفي القول إنه يتمحور حول تحدي المعايير السائدة وإيجاد حلول جديدة تؤدي إلى تحويل الهياكل والعلاقات الاجتماعية لتصبح أفضل من سابقتها، من خلال تمكين المستفيدين وتحسين وصولهم إلى النفوذ والموارد.

لم يكن لهذا المشروع المبتكَر أن يرى النور لو لم تتوفر له ذهنية وحماسة رواد أعمال اجتماعيين بقيادة الدكتور محمد يونس، فهو الذي أسس البنك وابتدع الفكرة وهيأ لها الموارد (مساهمات محلية بالإضافة إلى منحة من مؤسسة فورد الأمريكية) ووجهها لخدمة أهداف اجتماعية. وكان من الاختراقات الجانبية لهذا المشروع أنه أسس لتنظيمات جديدة سميت لاحقاً بـ “المؤسسات الاجتماعية” Social Enterprise وصفها الدكتور يونس بأنها “مؤسسات لا توزع أرباحاً لمساهميها (Non-dividend)، وتبدو كمزيج لمؤسسة غير حكومية NGO لجهة امتلاكها رسالة اجتماعية محددة، وشركة تجارية Business لجهة استخدامها أدوات وأساليب إدارة الأعمال وقوانين السوق لتحقيق ما يلزم من أرباح لتغطية تكاليفها وتأمين استمراريتها لتحقيق رسالتها.

ازدهرت هذه المؤسسات لاحقاً وبشكل قوي بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث اشتدت الحاجة إلى الابتكارات الاجتماعية ووجد رواد الأعمال الاجتماعيون في هذه التنظيمات بيئة عمل وأعمال مثالية شكلت قطاعا اقتصاديا قائماً بذاته بات يعرف بالقطاع المستقل أو “قطاع المواطن” مشغِّلاته الرئيسية، كما يبينه الشكل أدناه: الابتكار الاجتماعي وريادة الأعمال الاجتماعية والمؤسسات أو الشركات الاجتماعية.

المشغّلات الرئيسية لقطاع الأعمال الاجتماعي
(من دراسة قيد النشر نفذت بالتعاون مع الإسكوا حول المقاربات الجديدة في الابتكار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة)

تجدر الإشارة إلى أن تجربة بنك “الفقراء” أوحت بابتكارات اجتماعية لبنوك أخرى في العالم أُحدثت لأهداف اجتماعية/بيئية متنوعة تصب أغلبها في تنمية المجتمعات المحلية والحد من التهميش وتشجيع الاقتصاد التشاركي، الخ. من هذه البنوك نجد بنوك الوقت (أكثر من 290 بنك في بريطانيا و 200 في الولايات المتحدة) وبنوك الطعام المنتشرة في العالم والتي وزعت لفقراء العالم ما يزيد عن 3 مليارات وجبة (في الولايات المتحدة وحدها يوجد ٢٠٠ فرع لهذا البنك). أما في مصر فقد نتج مؤخراً عن بنك الطعام المصري الذي تأسس منذ العام 2006 ابتكار بنوك أخرى مثل بنك الشفاء المصري وبنك الكساء المصري وبنك الأمل المصري… وفي سورية كان هناك تجربة على مقياس أصغر لابتكار بنك للأقمشة في مدينة السويداء قامت به تحت شعار “نساء يُعِدْن الحياة” مجموعة من النساء للتخفيف من آثار الأزمة في هذه المدينة.  

القطاع البلسم للجرح السوري؟

كم يلزم المجتمع السوري من رواد أعمال ومبتكرين اجتماعيين من عيار محمد يونس لمرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي لهذا المجتمع المكلوم؟  

رواد أعمال اجتماعيون مبدعون يملكون المال أو التمويل ويتسمون بالإيجابية، ولديهم أفكار إبداعية خلّاقة في مجال التغيير الاجتماعي….

مستثمرون ورجال أعمال لا يشغلهم المال والربح والمشروعات إلا بقدر ما يؤمّن لهم الاستدامة المالية لمؤسساتهم والأفراد العاملين بها….

وكم يلزمنا من تمكين ومأسسة وإنعاش لهكذا قطاع وهكذا سلطة، قطاع المواطن وسلطة الأفكار والعمل الاجتماعي التشاركي والخلاق؟

سلطة يحمل لواءها رواد اجتماعيون يرفعون شعار المنفعة العامة ويَتْبعون أفكارهم بالعمل الاجتماعي التشاركي والفعال…

 وستبلغ هذه السلطة أسمى مراتب الأداء والإبداع والكفاءة في إبراء الجرح السوري عندما تشرَّع لها بيئة العمل اللازمة ضمن نظام وطني للابتكار يحتل البعد الاجتماعي فيه مكان الصدارة…

هل تعلمون أن في بريطانيا اليوم (وليس بنغلادش) هناك ما يزيد عن 14 ألف شركة اجتماعية تم تأسيسها من قبل المجتمعات المحلية ولخدمتها تحت اسم “الشركات ذات المصلحة المجتمعية” Community Interest Companies (CIC)؟  وهي حالياً في تكاثر مستمر وتبلو بلاءً حسناً في كافة مجالات الخدمة العامة، بعيداً عن سلبيات السوق التقليدية؟

مسؤولية مشتركة وتوجهات مطلوبة …

ضمن هذا الإطار، يتعين على الحكومة أن تضع الأطر والأنظمة القانونية والمالية للشركات الاجتماعية بما يتناسب مع الدور المناط بها في العمل الاجتماعي،

وأن تعمل على بناء الثقافة والوعي حول الابتكار الاجتماعي والشركات الاجتماعية لدى جميع المعنيين بهذا القطاع،

وأن تهيئ المنظومة البيئية Ecosystem اللازمة في سبيل أن تصبح الريادة الاجتماعية هي الاتجاه السائد في المجتمع وبين رجال الأعمال، وتمنح هؤلاء ثقتها وما يحتاجونه من تسهيلات وتخفيضات ضريبية لتشجيعهم على مواصلة دورهم الاجتماعي،

وعلى أصحاب الشركات والاستثمارات أن يستشعروا دورهم في المشاركة المجتمعية والمسؤولية تجاه تنمية المجتمع وأفراده ودعم أصحاب الأفكار الرائدة، وأن يَعٌدّوا أنفسهم جزأً من منظومة اجتماعية تنتظر الإنصاف والإسعاف. ومن غير المعقول أن يبقوا منفصلين عن واقع مجتمعهم المنكوب اقتصادياً واجتماعياً.

ليس المطلوب منهم أن يتخلوا عن أعمالهم أو ينذروا أنفسهم وثرواتهم لصالح العمل الاجتماعي الخيري كما فعل بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت وبيري أوميديار مؤسس شركة إي باي أو مارك زوكربيرغ مؤسس شركة فيسبوك، لكن عليهم أن يعلموا أن السوق، في ظل اقتصاديات السوق التي اعتادوا عليها لم ولن تلعب أي دور في حل المشكلات الاجتماعية بل على النقيض من ذلك فإن هذه السوق ساهمت في خلق المشكلات الاجتماعية والبيئية.

من شأن ذلك كله أن ينقل العمل الاجتماعي من مظلة الإحسان إلى مظلة العمل والتنمية، ويقطع الطريق على الأحاديين من “رجال الأعمال” الذين لم ولن يشبعوا من تجارة الأزمة وتقاسم الغنائم…

كي لا يبقى في الميدان أيُّ حيتان، وفي القطاع الخاص أيُّ قناص،

ابحثوا عن العقول النيّرة،

دعوهم يفكّرون خارج الصندوق،

دعوهم يبتكرون ويتعاضدون،

وليَسودَ في المجتمع نظام جديد،

نظام “دعه يبتكر، دعه يمرّ”… Laissez innover, laissez passer

المؤثرون في الشبكة: شيوخ كار جدد، ولكن…

نمت شبكات التواصل الاجتماعي ولا زالت تنمو بسرعة غير مسبوقة…

ووفقًا للإحصاءات الرقمية العالمية، فإن حوالي 40٪ من سكان العالم باتوا يستخدمون هذه الشبكات المعولمة، حيث كان من أبرز الآثار لنشوء هذا المجتمع الشبكي الجديد، ذلك الانزياح الحاصل في السلطة باتجاه الفرد على حساب الدولة ومؤسساتها، وبروز طبقة من “النخب” التي كرست ما بات يعرف اليوم في عالم الشبكية بـ “المؤثرون” Influencers…

ضمن هذا السياق، وفي جو من الاستقطاب الشبكي الحاد الذي تأجج بوجود محركات الإعلان التجاري، أصبح التأثير في شبكات التواصل الاجتماعي مهنة قائمة بذاتها حيث بتنا نشاهد “الفيسبوكجي” المحترف (المختلف عن المدمن) و “اليوتيوبجي” و “الانستاغرامجي” و “التويترجي”، الخ. أما نحن، معشر المواطنين الرقميين العاديين، فقد أصبحنا هدفاً ومادة للآلة الشبكية ومنطق عملها. منطق له ما له وعليه ما عليه، فقد بين المفكر الاجتماعي الشبكي مانويل كاستلز هذا المنطق بكل وضوح في كتابه “سلطة الشبكة” Communication Power الصادر عام 2009 عندما أفاد: ” أننا نبيع خصوصياتنا لشبكات التواصل ونجعل أنفسنا هدفا إعلانيا مقابل إمكانية الدخول الى هذه الشبكات وتقديم آرائنا وأفكارنا التي تتضمن تحديا للشركات وتفكيكا لنفوذ السلطات الحكومية والمؤسسات، ومواجهة للأسس الثقافية لحضارتنا العجوز المتعبة”.

من هم بالتحديد “المؤثرون الشبكيون”؟  

هم “مواطنون رقميون” أصبحوا في عداد المشاهير Celebrities بعد أن بنى كل منهم لنفسه “عشّاً” Niche على الشبكة في مجال محدد يخصّ موهبته أو اختصاصه أو مهنته في الحياة (أو لا يخص). يتمتع المؤثر بـ “كاريزما شبكية” تكسبه شعبية لدى جمهور من المتابعين Followers أو “المريدين” على الشبكة، المنخرطين فيها بتفاعل وتأثُّر شديدين بـ “شيخهم” الذي لا يلبث أن يتحول إلى “شيخ كار” شبكي مؤثر. يُعدّ هؤلاء المتابعين بالنسبة للمؤثر رأس ماله الحقيقي (وربما الوحيد)، ويعتمد عددهم على حجم القطاع الذي ينتمي إليه المؤثر (أو يختاره) ورأس المال المعرفي الذي يمتلكه.

لقد بات هؤلاء المؤثرون ينافسون المشاهير التقليديين في تأثيرهم الاجتماعي. ففي مجال الثقافة والفن نجد في أمريكا على سبيل المثال أن مشاهير اليوتيوب أو ما يسمون بـ “You Tubers”  قد احتلوا في العام الفائت المراكز الست الأول في قائمة المشاهير العشرة الأكثر تأثيراً في المجتمع الأمريكي! وكمثال معبّر عن الدور الفعال للمؤثرين إيجابياً على الشبكة نجد في مجال الثقافة مثلاً أن إدارة متحف اللوفر في باريس لجأت إلى المؤثرين الثقافيين على اليوتيوب (من مشاهير الفن) لجذب شبيبة “الجيل الرقمي” The Digital Natives المحجم عن الاهتمام بالتراث الثقافي إلى عالم الفن والمتاحف.

إلا أن السلعنة السريعة و “المخيفة” في هذا المجال جعلت من هذه المهنة هدفاً مشاعياً لكل حالم بالثراء من ورائها، لذلك فقد وجد قطاع الإعلان ضالته في هؤلاء المؤثرين، حيث سرعان ما راحت الشركات الكبرى والعلامات التجارية تتطلع إلى أن يضيف المؤثرون إلى منتجاتها بأفكارهم وسلطتهم شيئًا مختلفا، أكثر حيوية، وأقل تكلفة من الإعلانات التلفزيونية، وأكثر وصولاً للجمهور المستهدف. على سبيل المثال يحتاج “الانستاغرامجي الناشئ” إلى حوالي عشرة آلاف متابع ليصبح مؤثراً ويتمكن من البدء في تحقيق ربح من الإعلانات حيث يتناسب هذا الربح مع عدد المتابعين وعدد الإعجابات (اللايكات) التي يحصدها الإعلان.

من أشهر المؤثرين العرب تأتي امبراطورة التجميل العراقية هدى قطان، في المركز العشرين لقائمة أثرياء انستغرام، بعدد من المتابعين وصل إلى 26 مليون! تتقاضى هذه المؤثرة الحسناء، الكاريزماتية، في المتوسط 33 ألف دولار أميركي للمنشور الواحد لها، ولا عجب في ذلك حيث قد يتخطى عدد الإعجابات التي تحصدها على منشوراتها حاجز المليون ونصف مليون إعجاب خلال الساعات الأولى من نشره، مما يجعل صفحتها مثالية للإعلان عن أي منتج تجميل.

امبراطورة التجميل على الشبكة، المؤثرة العراقية هدى قطان

يسيطر يوتيوب على قائمة المنصات الاجتماعية المربحة، يليها فيسبوك، ومن بعدهما يأتي انستغرام وسناب تشات، وبالنهاية يأتي تويتر (معشوق السياسيين). وتتوقع شركة Captiv8 المتخصصة بالرصد الشبكي أن الأشخاص الأكثر متابعة على يوتيوب، من الذين تضم قنواتهم سبعة ملايين مشترك يحصلون على ثلاثمئة ألف دولار مقابل الفيديو، في حين يحقق ذات العدد من المتابعين على فيسبوك 187 ألف دولار.  

ومع السلعنة تأتي “الملعنة” كما هو معلوم…

كثيراً ما يشار إلى مهنة المؤثر على أنها “مشيخة كاذبة” وهادفة لأغراض أخرى كالتي يلجأ إليها بعض مشايخ الدين كي يتسلقوا على حساب مريديهم غير آبهين بالجوهر والمحتوى والوسيلة التي يتسلقون بها، والضرر الذي يحدثونه في المجتمع، ناهيك عن انتشار ظاهرة “المتابعون المزيفون” Fake Followers أو ما يسمى بـ “مرتزقة الشبكة”، والشركات الخاصة التي تتولى بيعهم للمؤثرين الناشئين . تتعالى اليوم أصوات في بلدان العالم قاطبة لمقاومة هذه الظاهرة، ظاهرة التأثير غير المنضبط على الثقافات والقيم الاجتماعية من خلال الامتهان غير المسؤول لسوق التأثير الشبكي ومحتواه الرقمي الرصين.

الإشكالية هنا تكمن في أن الشبكة باتت كشرّ و/أو خير لا بد منه، وأستشهد هنا بمانويل كاستلز ثانيةً عندما أوضح في كتابه الآخر (The Internet Galaxy) أنك ” إن كنت لا تهتم بالشبكات، فإن الشبكات سوف تهتم بك، على أي حال. فلطالما كنت تريد أن تعيش في المجتمع، في هذا الوقت وفي هذا المكان، سيكون عليك التعامل مع مجتمع الشبكة. لأننا نعيش جميعاً في “الإنترنت غالاكسي”.  

هي إذاً “ديمقراطية” الشبكة، كاشفة المواهب، فاتحة الفرص وملبيةٌ كلَّ مبتكر ورائد أعمال، بما فيهم الدجّال والمزعزع للقيم الاجتماعية.

الماجستير الفطري في إدارة الأعمال: الحاج أحمد نموذجاً….

هناك أناس منحهم الخالق شهادة ماجستير فطرية في إدارة الأعمال (MBA) بدرجة امتياز، جعلتهم يبدعون في أعمالهم …

لم أدرك أن والدي، الحاج أحمد عبد الواحد رحمه الله (المعروف في ريف منبج بالحلويني نسبة إلى مهنة جدّي “الحلويني”) كان من بين هؤلاء المبدعين بالفطرة، إلا بعد أن كَبِرتُ وتعلمتُ وتعرّفتٌ على هذا “الفن”، فن إدارة الأعمال بمهاراته وتقنياته “الحديثة” واختصاصاته المختلفة، وذلك من خلال التكوين الهندسي الذي تلقيت والمسار الأكاديمي الذي سلكت، وبخاصة خلال فترة عضويتي في مجلس إدارة المعهد العالي لإدارة الأعمال (HIBA) بدمشق حين عملت في وزارة التعليم العالي، الأمر الذي جعلني أُحرص باستمرار وبشكل عفوي على أن أسقط فصول هذا الفن على الممارسات الفطرية التي كان الوالد يتبعها في متجره (الدكّان) لبيع الأقمشة في مسقط رأسنا منبج، ليرتقي في سلم “التنافسية” و “ريادة الأعمال” على مدى أكثر من ستين عاماً من العمل الدؤوب بذل فيها الغالي والرخيص لتحقيق ذاته وتنشئتنا. لم أجد سبيلاً لإحياء ذكرى هذا الوالد العصامي أفضل من أن أستذكر وأوثّق بعدستي “العلمية”، بعضاً من فصول تلك الممارسات التي عاصرتُ جزءً هاماً منها في طفولتي ويفاعتي، فشكَّلَت لي أجمل الذكريات في تلك المرحلة التي عشتها من عمري في هذه البلدة الساحرة إلى أن غادرتها إلى حلب لمواصلة دراستي الجامعية.  

عشق مستدام للجودة ...

الحاج أحمد عبد الواحد

لعل أبرز ما ميّز المسار المهني للوالد الكريم كرجل أعمال أنه كان، رحمه الله، عاشقاً للجودة بكل أبعادها، حاملاً رسالتها ومروّجاً لها في البيت والدكان والمحافل كافة. كان يُطلَق عليه في أسواق أقمشة الجملة في حلب (خان الجمرك) حيث كان يقصدها ليتسوّق “البضاعة” للدكان ويشحنها إلى منبج، لقب “المشَقشِق”. ذلك لأنه كان، وبمجرد أن يُعرض عليه قماش ما، حتى يمسك بطرفه ويسارع إلى “استقماشه”، وهذا تعبير شخصي خاص به ويعني ضمناً إجراء اختبار المقاومة على “الشقشقة” (قابلية التمزق) والمقاومة على “الجعلكة” (قابلية الدعك) بشكل منهجي وبالزمن الحقيقي (Real Time)، على التوازي مع مناقشة المواصفات الأخرى الخاصة بجودة المنتج كتركيب القماش ومنشئه وثبات أصبغته وألوانه. تعود جذور هذا التعلق بالجودة واختباراتها الممنهجة إلى هاجس لازمه طوال سنين عمله، يتمثل في حتمية أن تلبي “الكسوة” السنوية التي سيبيعها إلى ذلك الفلاح القادم من القرية توقعات هذا الأخير في تحمّل ظروفَ العمل الشاق والعيش الخشن، وأن تكفيه وعائلته من “الحَوْلِ” إلى “الحَوْل” أي من “الموسم” إلى “الموسم”.

كان يفتخر بمنهجيته هذه في “مراقبة الجودة” وضمانها، فهي التي جعلت التجار في حلب يحرصون على نصحه تلقائياً بتزويده بأجود البضائع، وهي التي حوّلت دكانه المنبجية إلى قبلة للباحثين عن النصح والإرشاد وعن البضاعة “الطيْبة” (أي الجيدة بلغة الزبائن من أهل الريف الأكارم). لا زلت أذكر تلك العبارة الشهيرة والمفعمة بفلسفة الجودة، التي كان يردّدها أمام الزبون إذا ما استشعر هذا الأخير الغلاء في سعر قماش أعجبه، فيقترب والدي من أذن ذاك الزبون مردداً: “الغالي هوّ الرخيص… الغالي هوّ الرخيص..”. لم أكن لأعي أو أفهم المدلول الدقيق والشامل لهذه العبارة السحرية، المليئة بالتناقض الظاهري، والتي غالباً ما كانت تكفي لإقناع الزبون بالإقدام على الشراء، إلى أن تمكنتُ لاحقاً من الإلمام بمدلولها الاقتصادي التفصيلي عندما طالعنا عملاق الجودة الأمريكي، فيليب كروسبي (Philip Crosby)، الذي خرج إلى العالم عام ١٩٧٨ بنظريته الشهيرة حول “الجودة المجانية”، ونشر بهذا الخصوص كتاباً مدوياً من أمهات كتب الجودة، حمل العنوان ذاته: ” Quality is Free”، شارحاً فيه قصة نجاحه الشهيرة التي وفّر فيها على شركة ITT الأمريكية، التي كان يعمل فيها مستشاراً للجودة، مبلغ ٧٢٠ مليون دولار جراء تبنيها لنظريته التي تبرهن على أن الاستثمار في الجودة يعدّ أربح و “أرخص” استثمار! لو كان كروسبي يعلم فقط أن جذوراً فطرية لنظريته هذه وُجدت منذ زمن في ربوع منبج وريفها، وكانت تُتَداول وتُمارس عفوياً قبله وقبل نشر كتابه بعقود من الزمن…

براعة في التسويق وكسب وفاء الزبائن

لم تكن قصة نجاح الحاج أحمد في أعماله قائمة على الجودة وحدها بل وشملت مكونات عصرية أخرى لم تتبلور في “علوم” إدارة الأعمال إلا لاحقاً. فها هو يُثبت من خلال “الممارسات الفضلى” (Best Practices) التي كان يطبقها مع زبائنه أنه كان رائداً في التطبيق الفطري لتيارات عصرية في التسويق وخدمة الزبائن لم تظهر في الأدبيات إلا في بدايات القرن الحالي كتيار “الزّبننة” (Customization) الذي يقضي بتحقيق كل ما من شأنه تفصيل المنتج أو الخدمة وفق رغبات الزبون وتقريبهما من ذوقه واحتياجاته، وتيار المسؤولية الاجتماعية للشركات Corporate Social Responsibility (CSR)، ذلك النشاط الطوعي الجانبي الذي يظهر حرص رب العمل على إحداث تأثير اجتماعي/اقتصادي/بيئي إيجابي من خلال ممارسته لأنشطة “أخرى” لصالح زبائنه ومجتمعه.

شارع رئيسي في منبج الحديثة

بالفعل، كان الحاج أحمد بارعاً في فنون التسويق وكسب الرضاء التسوّقي والاجتماعي للزبائن، فلطالما حرص بأسلوب عمله على أن يثبت للزبون، في كل زيارة يقوم بها للدكان، أنه، أي الزبون، “ملك” حقاً (Customer is King):

  • مَلِكٌ إذا ما رغب في “تفصيل” ثوب له (كصيرة) على مقاسه ومزاجه فيُستدعى له الخياط إلى الدكان ليأخذ مقاساته “ميدانياً” ويرشده إلى القماش والزي المناسبين، وعدد الأمتار اللازمة بدقة لتجنيبه الهدر، وليطمئنه عن موعد جهوزية الثوب (الذي لا يتجاوز اليوم التالي، إن لم يكن في ذات اليوم).
  • ومَلِكٌ عندما يجد في هذه الدكان أفضل خدمة بريدية لتلقّي الرسائل من ابنه المجنّد الذي “سيق” لتأدية الخدمة الإلزامية، والإجابة عليها، حيث لا رسائل كانت تصل إلى القرى. كم كنت أفخر بذلك الدور “الاجتماعي – المعرفي” الذي كنت أؤديه خلال دراستي الإعدادية والثانوية؟ … دور القارئ “المحلّف” للرسائل الواردة من الابن العسكري أمام أهله الأميين، المتلهفين لسماع أخباره، ودور المدون المحلف للرسائل الجوابية التي كنت أسطّرها (في الزمن الحقيقي) فور قراءة الرسالة الواردة أمام الأهل، امتثالاً لتلك “الكليشيه” الممهورة على ظهر الظرف الخاص بالرسالة الواردة، والتي تقول: “الجواب قبل فتح الكتاب”! كانت هذه الكليشيه تظهر على غالبية الرسائل الواردة من العساكر في القطعات لتعبر أصدق تعبير عما كان يجول في خاطر هؤلاء في غربتهم القسرية، على الرغم من أنها كانت تكتب من قبل متطوع مثلي من الطرف الآخر.
  • وملكٌ أيضاً، عندما يهمّ الأب بتزويج ابنه الشاب الذي أنهى خدمته الإلزامية وتحول من عسكري إلى “جاهل” (وهي الصفة التي كانت تطلق على الشاب الأعزب الذي يصبح جاهزاً للزواج). فبعد أن يجمع الأب “السياق” (أي المهر) ويسوقه على بنت الحلال (أي يدفعه إلى والد البنت) يأتي استحقاق “الذهاب” (أي كسوة العروس وأهلها) وهنا تُستنفر الدكان بأكملها وتنتشر النساء (العروس ووالدتها وأخواتها) داخل الدكان، حيث لا صوت يعلو بعدئذ على صوت “الذهاب” الذي يمكن أن يستغرق يوماً أو يومين، وهنا يأتي الدور المفصلي للحاج أحمد في حلّ معادلة الذهاب الصعبة: اقتراح تشكيلة “عرائسية” تنال إعجاب العروس وأهلها الحالمين بذهاب “خارق” وتحظى في ذات الوقت بقبول “مالي” من والد العريس الذي سيتحمّل كلفة هذا “الذهاب” وهو الذي لم يكد يصحو بعد من آثار “السياق” الذي أرهق كاهله. كم شهدت من ذهابات تعثّرت وتخللتها مشاحنات ونوبات “حَرَد” شديدة من العروس وأهلها كادت أن تطيح بمشروع الزواج بأكمله لولا “وساطة” وحكمة الحاج أحمد، وقدرته على استيعاب الطرفين وإيجاد الحلول “السياسية” الوسط بينهما، معتمداً على الإقناع وقوة “الإغراء” لأصناف الأقمشة العرائسية الممثلة لآخر الصيحات في عالم الموضة الخاصة بحرائر الريف في ذلك الزمن. أذكر من تلك الأقمشة أسماءً تتحدث عن نفسها مثل “السوكو سوكو” و “كاشف الحيا” الشفاف و “شعر صباح” و “انت عمري”…  هذا بالإضافة إلى المستلزمات التقليدية الثابتة كثوب الغديفة (القطيفة أو المخمل) والشيفون، والدرّاعة المزركشة (البالطو الريفي)، وصولاً إلى الغوازي الذهبية (من منا لا يتذكر أغنية الفنان ياسين محمود “بيش الغوازي يمّا ليلة..”؟)  
  • أما في الأتراح فكان للزبننة اعتبار آخر وللزبون مكانة خاصة. فعندما تحصل وفيّة ما في عائلة لزبون، تكون الدكان تحت التصرف وجاهزة لتفتح أبوابها في أي وقت بناء على الطلب لتجهيز الكفن وتوابعه. أذكر دائماً، عندما كان جرس بيتنا يُقرع عند الفجر أو في أي وقت غير عادي، كنا نعلم فوراً أن طالب كفن قد حضر ويودّ تدبيره والعودة سريعاً لاستكمال الإجراءات … 
  • وكان للزبائن القاطنين في قلب البلد زبننة أخرى تراعي خصوصياتهم وتقاليدهم، زبننة تضمنت تخصيص أوقات تبضّع نسائية مراعاةً للطابع الذكوري للسوق حيث كانت الحرائر المنبجية من عرب وشركس تأتي بعد العصر أو مساءً للتسوق والاطلاع على الأقمشة العصرية المواكبة للموضة، بمجرد أن تسمع بوصول دفعة جديدة منها. وكانت تشكيلات البوبلين والكرنيش والموسلين واللينو والبيكيل والتركال والمخمل والجوخ سرعان ما تجد طريقها إلى أمهر الخياطات الشركسيات التي كانت تشكل كل واحدة منها تشكل، بإبداعاتها المتميزة، دار أزياء قائمة بذاتها. 
صورة تعبر عن “موزاييك” المجتمع المنبجي، وتبدو فيها بعض الشخصيات بالزي العربي والشركسي، ومن بينهم الحاج أحمد (الإطار الأحمر) . المناسبة غير معروفة، ويبدو أنها لاستقبال الضيف الذي يبدو في الوسط

إشعاع اجتماعي …

كان لا يألو جهداً لزيارة الزبائن في ديارهم، وبخاصة بعد اقتناء سيارة الميكرو “الفوكس” التي كانت تستخدم لنقل البضائع من حلب وإجراء زيارات “ميدانية” إلى القرى لمراجعة بعض الديون القديمة واصطحاب بعضاً من منتجاتهم (كالسمن والجبن) التي بدأت تسوّق في الدكان بعد أن توسّعت الأعمال فيها لتشمل هذه الأصناف. كانت الفرحة تعم أهل القرية ما أن يتبين لهم أن السيارة القادمة من بعيد هي سيارة الحاج أحمد، ولهذه الفرحة قصة طريفة كان أخي الحاج رضوان (الذي اعتاد أن يقود السيارة) يرويها لنا. ذلك لأن فترة اقتناء السيارة والقيام بالجولات الميدانية (أواخر السبعينات وطوال عقد الثمانينات) تزامنت مع استعار الحرب الأهلية اللبنانية، التي وصلت بالوحشية والعنصرية إلى حد تصفية العديد من العمال السوريين (على الهوية) الذين كانوا يعملون هناك، والعديد منهم من ريف منبج، حيث لم تكد تخلو قرية من أبناء لها ذهبوا للعمل في “بيروت”. وكان إن حلت المصيبة واستشهد واحد منهم، فيؤتى بجثمانه في سيارة دفن الموتى التي كانت تشبه بموديلها ولونها سيارة والدي. فما أن يدرك أهل القرية من بعيد أن ثمة سيارة ميكرو بهذه المواصفات قادمة إلى القرية حتى يدب الهلع في قلوبهم ويشرعوا بالدعاء إلى الله ألا تكون هذه إحدى سيارات دفن الموتى. وما أن يكشف أحدهم أنها سيارة الحاج أحمد حتى يزف الخبر منادياً بأعلى صوته: “وَلي لا تخافوووون… هادا حاج أحمد … هادا حاج أحمد…” فتهدأ القلوب وتنفرج الأسارير ويُستقبل الحاج أحمد مع ابنه الحاج رضوان أحسن استقبال.           

إشعاع معرفي وثقافي …

كان الحاج أحمد، الذي لم يتجاوز في تحصيله المدرسي الصف الثالث الابتدائي، قطب إشعاع ثقافي وإعلامي في الدكان والمنزل انطلاقاً من عشقه للثقافة وحرصه على إيصالها إلى زبائنه وأبناء بلدته كنوع من “المسؤولية الاجتماعية” تجاههم. لم يكن له شبيه في البلدة (وربما في حلب) من حيث عدد الصحف والمجلات التي كان مشتركاً بها. كانت الصحف اليومية الدمشقية تصل إلى الدكان يومياً بالبريد (كالعلم والقبس والمنار) لتُقرأ وتوضع بتصرف من يرغب بمطالعتها من أهل السوق أو الزبائن. أما “الأدسم” فكان ُيؤتى به من حلب حيث الاشتراك الكبير عند “الكيالي”، المتعهد الرئيسي لتوزيع الصحف والمجلات (عند عوجة الكيالي). ففي مساء كل خميس، وما أن ينتهي “المشقشق” من “الاستقماش” والتبضّع في خان الجمرك، حتى يسارع لعند “الكيالي” ليتسلّم منه الذخيرة التي تجمّعت له من الصحف والمجلات المصرية المشترك بها: الأخبار – أخبار اليوم – المصوَّر – الهلال – المختار (النسخة العربية من ريدرز دايجست)، ولاحقاً، “العربي” الكويتية. حتى أنني عثرت في قبو البيت على “كنز” كان عبارة عن أرشيف كامل لمجلة “المقتطف” العلمية الشهرية (لمؤسسها يعقوب صروف) يغطي سنوات الثلاثينات وحتى توقفها عن الصدور عام ١٩٥٢! كان لي خلال مرحلتَيْ الدراسة الإعدادية والثانوية شرف تنسيق الإعارة لأصدقاء الثقافة في البلد، وعلى رأسهم أديب منبج وشاعرها الأستاذ محمد منلا غزيّل رحمه الله، الذي كان من أشد المدمنين على مخزوننا من الصحف والمجلات، القديم منها والجديد.

ولم يكن الإشعاع الثقافي للحاج أحمد ليقتصر على الصحف والمجلات، بل وتعدّاها إلى الأخبار الإذاعية اليومية، يوم عزّت مصادرها (أيام الحرب العالمية الثانية) وعزّت وسائل إيصالها. كان جهاز الراديو “الزينيت” الذي اقتناه والدي، والوحيد في البلد، يوضع كل مساء بتصرف الضيوف في أرض “الحوش” في منزلنا ليتمكن الجميع من سماع أخبار الحرب من إذاعة لندن “الشرق الأدنى في ذلك الوقت”. كان إخوتي الأكبر سناً يروون لي عناءهم في تأدية مهمتهم اليومية المتضمنة نقل البطارية الضخمة المخصصة لتشغيل الراديو إلى “الطاحونة” لشحنها وإعادتها عصراً إلى الحوش تحضيراً لجلسة المساء.

تعلّم سريع من الأخطاء

كان سريع التعلم من الأخطاء، واستنتاج الدروس والعبر منها، دون أن يستسلم للفشل. أراد أن يوسّع أعماله فانقاد وراء موجة زراعة القطن التي اجتاحت منطقة الفرات والجزيرة في سنوات الخمسينات بعد أن أقنعه شريك في المنطقة بإنشاء مشروع مشترك في منطقة “الزّور” على نهر الفرات استثمر الوالد فيه كل ما لزم من آليات لضخ المياه من الفرات والسقاية والحراثة لكن الرياح لم تجر بما اشتهته السفينة فوقع المشروع في غضون سنوات قليلة، ومعه الدكان، في أزمة مالية خانقة بعد أن ازدادت الأعباء وغرق جرار “البولندر السويدي” في الفرات فما كان من والدي إلا أن صوّب المسار بالتخلّي عن المشروع والتفرغ ثانية إلى دكانه مستخلصاً حكمة مفادها “كثرة الكارات تعني قلة البارات” وظل يرددها كتحذير لكلّ من يفكر في تنويع أعماله وبعثرتها، ولطالما كان يصف كل من تورط بأنه “كتير الكارات قليل البارات…”.

وعشق شديد للتكنولوجيا …

كان عاشقاً للتكنولوجيا، رائداً في التفاعل معها ونقلها وتوطينها… ولطالما حدثنا وبدعابة عن “الطفرة” التي أحدثتها أول تكنولوجيا “حديثة” أدخلها إلى المنزل، ألا وهي خرطوم الماء (النربيج) والقفزة النوعية التي أحدثها في آلية إيصال الماء من الحنفية إلى نقطة بعيدة عنها، واصفاً لنا ردّة فعل السيدة التي كانت تساعد والدتي في غسل الملابس عندما رأت الخرطوم لأول مرة وأدركت مبدأ عمله وإلى أي حد سيريحها من عناء نقل الماء بالسطل وصبّه في “لَقْن الغسيل” الموضوع على “الببّور” للتسخين فما كان منها إلا أن صاحت مهللة: “يا سبحان الله… هالكفار (في إشارة إلى مبتكري الخرطوم) اش يطلع معاهم!”… لم يتسنى لهذه السيدة الفاضلة وللأسف أن تشهد، قبل أن ترحل إلى جوار ربها، وصول الكهرباء إلى منبج في بداية الخمسينات واقتناء والدي لتلك الغسالة الكهربائية المجهزة بعصّارة آلية علوية، فماذا كان يمكن يومها أن تكون ردة فعلها؟

وعلى الرغم من تعلقه بالتكنولوجيا وحرصه على أن يكون سباقاً في اقتناء ما يستجد منها، إلا أنه كان دائم التوجّس من الأخطار الناتجة عن سوء استخدامها. لم يكن ليقبل بإدخال تكنولوجيا “البوتغاز” كبديل لـ “ببور الكاز” إلا بعد أن تأكد من استيعاب جميع أفراد العائلة عن ظهر قلب للتعليمات الخاصة بأمان التشغيل لهذا الطباخ “الصديق للبيئة”: إشعال عود الكبريت أولاً وقبل فتح الغاز، وليس العكس، مع عدم نسيان إغلاق الجرّة بعد كل استخدام. وكان يطلب من كل من كان يلح بالإسراع في شراء البوتغاز (وبخاصة والدتي رحمها الله) أن يردد أمامه تعليمات الأمان هذه.

كان شديد المتابعة للأخبار العلمية ودائم التحدث عنها في المجالس، وبمتعة شديدة. حفظتُ عنه منذ طفولتي قصصاً عديدة لاختراقات واكتشافات علمية، من رحلات المناطيد بين لندن وباريس إلى اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام ١٩٢٢ في وادي الملوك من قبل عالم الأثار البريطاني هوارد كارتر، والضجة الإعلامية الواسعة التي أحدثها هذا الاكتشاف مع أن والدي كان آنذاك في العشرين من عمره لكن حرصه على مواكبة الأحداث جعلت منه “شاهداً على العصر” بامتياز…

وطبيعي أن يكون هذا العاشق للعلم والمعرفة حريصاً على بناء قدراتنا المعرفية والمهنية، كلٌّ وفق ميوله. اختار أكثرَنا موهبة وميلاً للتجارة وحباً للعمل في الدكان ليكون ساعده الأيمن ويحمل المشعل عنه لاحقاً فكان شقيقي الحاج رضوان (أبو أحمد) نِعم الاختيار؛ أبلى في الدكان أحسن بلاء مثبتاً مقولة “فرخ البط عوّام” حيث كان “عوّاماً” بامتياز، ورث علامة “الحاج أحمد” التجارية فأحسن صيانتها وابتكر فيها تاركاً بصماته النوعية عليها إلى أن تقاعد وتقاعدت معه الدكان، قبل أن يحل الكابوس البغيض على منبج الحبيبة.

أدت هذه الدكان رسالتها بجهود الحاج أحمد ومعه الحاج رضوان، وكانت بالنسبة لنا، نحن البقية، مصدراً لتمويل تحصيلنا العلمي، حتى في الأيام العجاف: حوالات شهرية كانت تُرسل لمن شدّ الرحال إلى ألمانيا لتلقي العلم والتخصص، وبيت للدراسة فُتح في حلب لمن اختار إكمال دراسته في جامعة حلب، وأنا منهم.

أحمد الله دائماً أنني تمكنت، قبل أن ينتقل الوالد إلى جوار ربه عام ١٩٩٥، من اطلاعه على آخر مستجدات التكنولوجيا في ذاك الزمن عندما عدت من رحلة البحث العلمي في أمريكا عام ١٩٩٢ مدججاً بأول حاسوب شخصي اقتنيته، وكان له من المزايا والمواصفات ما مكنني من الاستفاضة في اطلاعه على ملامح الثورة المعلوماتية الجديدة والقادمة، وأنا أذكّره من حين لآخر بالتكنولوجيا الأولى التي كان رائداً في اقتنائها، تكنولوجيا الخرطوم…

الصورة الرئيسية مأخوذة من موسوعة وثائقيات منبج: https://mnbij.wordpress.com/2017/08/01/منبج-في-زمن-مضى/

استقلالية الجامعات: ما لها وما عليها

روى ” Sansom Melton” في كتابه الصادر مؤخراً: “التعليم العالي والتعافي بعد الصراع” Higher Education and Post-Conflict Recovery، روى الحادثة التالية في محفل الحديث عن حَوْكَمة الجامعات في الدول الخارجة من الحروب:

في اجتماع تم في بغداد وجمع رؤساء الجامعات العراقية منتصف العام 2003 بناءً على دعوة من “أندرو إيردمان”، المستشار العلمي للمندوب السامي الأمريكي سيء السمعة “بول بريمر”، صاحب القرار الشهير بحل الجيش العراقي عندما كان مشرفاً على “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قام إيردمان بإبلاغ رؤساء الجامعات الحكومية “أن جامعاتهم سوف تصبح مستقلة تماما وتتحكم لوحدها في تعيين الأساتذة وقبول الطلاب، وأن وزارة التعليم العالي العراقية سوف تُحلّ، وأن هذا هو النظام المعمول به في الجامعات العالمية الرائدة في الولايات المتحدة حيث لا وجود لوزارة تعليم عالي فيدرالية (علماً أن هذا الادعاء ليس دقيقاً حيث يوجد في أمريكا ما يسمى بـ  US Department of Education يُعنى بجميع مستويات التعليم واستراتيجياته، بما في ذلك الجامعات لكنه يحترم استقلاليتها)، وبالتالي فإن من المتوقع للجامعات العراقية، إن قبلت بهذا العرض، أن تزدهر في ظل ذات الظروف”. لكن النتيجة كانت أن رفض رؤساء الجامعات هذا الإجراء بإجماع وإصرار، مشيرين إلى أن الجامعات العراقية تفتقر بأكملها إلى الكفاءة والخبرة للقيام بهذا الدور الجديد، وأنه ينبغي الحفاظ على الوزارة، أسوة بباقي الدول العربية”.

لقد أراد المؤلف في روايته لهذه الحادثة أن يوجّه رسالتين أساسيتين: أولهما، أن استقلالية الجامعات، على الرغم من كونها قيمة متجذرة في أنظمة التعليم العالي المتقدمة، وبخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتشكل توجهاً “لا مركزياً” مغرياً في فترات ما بعد الحرب، إلا أن تطبيقها “غير المقيد” في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات من شأنه أن يؤدي إلى تشظي القطّاع بأكمله ويمكن أن يؤثر على سمعة واعتمادية الشهادات الصادرة عن هذه الجامعات، ويؤدي بالتالي إلى نتائج عكسية كما حصل تماماً في البوسنة التي “تورطت” في تبني النموذج الأنجلو – أمريكي في حَوْكَمة الجامعات، والذي كان قد فُرِض عليها من قبل الجهات الغربية المانحة. وثاني هذه الرسائل أن منح الاستقلالية للجامعات في بيئة اعتادت على مركزية القرار لا يتم باستنساخ نماذج عالمية وتطبيقها بين ليلة وضحاها، بل يحتاج أولاً إلى مرحلة “إعادة تأهيل” وإنضاج داخل النسيج الأكاديمي، وإلى مقومات نجاح أقلها تأمين بيئة تمكينية، مادية وتشريعية وذهنية، مواتية لخصوصيات البلد واحتياجاته التنموية. 

ما الذي يعنيه استقلال الجامعات؟

تشير الأدبيات الموصّفة للتوجه العالمي نحو استقلال الجامعات إلى أن هذا الاستقلال يتعلق بشكل أساسي بالبنية الإدارية والمالية للجامعات وهيكليتها، والعلاقات التي تربطها بالدولة وقوى المجتمع، ويرتكز بالتالي على ركيزتين أساسيتين:

  • الأولى: الاستقلال الإداري والهيكلي: أن تختار الجامعة الهيكل الإداري المناسب لها وفقا لاحتياجاتها المرحلية والتطويرية، وتسنّ القوانين الناظمة لمسيرتها الأكاديمية بمنأى عن أية تدخلات خارجية.
  • أما الركيزة الثانية فهي الاستقلال المالي: أن يكون للجامعة مصادرها المالية الخاصة التي يأتي جزء منها من التمويل الحكومي وفقاً لمعايير محددة، وجزء من القطاع الخاص والأهلي والوقف والهبات الخيرية، بالإضافة إلى ما يأتي من الموارد الذاتية والخدمات التي تقدمها الجامعة للمجتمع. وللجامعة الحرية في تحديد أولوياتها في الصرف وتوزيع تلك المبالغ في ظل المساءلة والشفافية التامة من قبل الجهات الرقابية، دون تدخل في مواطن وسياسات الصرف.

ولعل الأهمية الفائقة لهاتين الركيزتين تكمن في أنهما يضمنان المناخ الملائم لاستقلال مكمّل من نوع آخر، يعبّر عنه بما يعرف بالحرية الأكاديمية: أن يتمتع منتسبو المؤسسة الأكاديمية (طلاب وأساتذة وباحثون) بالحرية في تداول المعرفة من خلال التدريس والبحث والنقاش والابتكار والنشر للمعرفة والمعلومات التي بين أيديهم دون حواجز أو قيود سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. وبالرغم من أن الحرية الأكاديمية لا تنفصل عن حرية الإنسان وحقه في التعليم والتعلم والتعبير عن الرأي ونشر المعرفة، إلا أنها تتمايز، بحكم ارتباطها بالفضاء الأكاديمي، بحساسية خاصة ودور بالغ التأثير كونها ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات وبدورها التنموي والتنويري الهادف إلى إحداث التغيير المجتمعي المنشود، إذ ليس هناك من مجتمع استطاع أن يتطور بشكل ملموس وكانت الحريات الأكاديمية فيه مقموعة. يقول اينشتاين في مفهومه للحرية الأكاديمية: “أفهم من الحرية الأكاديمية ذلك الحق في البحث عن الحقيقة ونشر وتعليم ما يعتقده المرء أنه حقيقة”، ويضيف قائلاً: “لكن هذا الحق ينطوي على واجب أيضًا: ألا يخفي المرء أي جزء من هذه الحقيقة، حيث من الواضح أن أي تقييد على الحرية الأكاديمية سيؤدي إلى إعاقة نشر المعرفة بين الناس أو تشويهها، وبالتالي إعاقة منظومة التفكير والعمل الوطنيين”.

ما أهمية استقلال الجامعات وما الذي يمكن أن يحمله لجامعاتنا؟

يعدّ استقلال الجامعات معيارًا مؤثرًا في جودة أداء مؤسسات التعليم العالي. وأحد مقومات النجاح الأساسية لتعزيز قدراتها الإبداعية والابتكارية، وتأكيد دورها البحثي وتعظيم أثرها المجتمعي. وقد استحوذ هذا الموضوع في الفترة الأخيرة على تركيز كبير تجلّى في الحراك الذي نشأ في الساحة الأكاديمية السورية وبالأخص في شبكات التواصل الاجتماعي، على وقع فقدان جامعاتنا لمواقعها في منظومات التصنيف العالمي، واتضاح ضعف مخرجاتها مقارنة بالمستويات العالمية، إلى درجة أن البعض اعتبر الأسلوب المتبع في حوكمة الجامعات نوعاً من “الوصاية” المفروضة من الوزارة ومجلس التعليم العالي على الجامعات، متخذاً من “انعدام الاستقلالية” أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع المتأصل حتى منذ سنوات ما قبل الأزمة.

من الناحية النظرية، وبغض النظر عن وجود هذه الوصاية من عدمه، فإن الجامعات تحتاج، وبلا أدنى شك، إلى استقلال حقيقي عن جميع السلطات الموجودة خارجها لتخلد إلى بناء منظوماتها الأكاديمية والإدارية، وتتمكن من إعمالها وفقاً لما تمليه عليها الخبرة والمهارة والمعرفة القيادية المتوفرة لدى نخبها الأكاديمية، إذ لا يمكن لأية جامعة، حكومية كانت أم خاصة، ان تنطلق في تحقيق رسالتها وتميّزها، ولا أن تساهم في التنمية الحقيقية وإبداء الرأي العلمي المتخصص إن لم تكن تتمتع بالقدر الكافي من الاستقلال الإداري والمالي، والحرية الأكاديمية، بعيداً عن كل أنواع الضغوطات.

في منظومات التعليم العالي “الفاضلة”، تَعِد الاستقلالية الجامعات بتحقيق جوّ من الإبداع والابتكار بداخلها، والمنافسة فيما بينها، وتوفير فرص التميز والتفرد في مجال علمي أو أكثر، مما يوفر لها إمكانية الانعتاق من النمطية واستنساخ البرامج، والانتقال إلى التنوّعية والتخصصية عبر جامعات ذات هوية واضحة، كجامعات العلوم والتكنولوجيا والجامعات الطبية والجامعات الهندسية والتطبيقية والجامعات البحثية وغيرها، الأمر الذي من شأنه التأثير إيجابياً في تشكيل وتلبية سوق العمل المحلي وتوجيه التنمية على المستوى المحلي والوطني نحو مجالات جديدة ومبتكرة.

هذا بالإضافة إلى أن توفير الحرية الأكاديمية المسؤولة والمنضبطة بوجهها الصحيح من شأنه أن يوجه أنظار الدولة والمجتمع إلى المعنى الحقيقي للحرية الاكاديمية، الذي يتعلق بشكل أساسي بالوظيفة المباشرة والأساسية للجامعات، والمرتبطة بحرية البحث والتدريس والتحدث والنشر مع الالتزام بمعايير وقواعد البحث العلمي دون تدخل أو فرض عقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يجعل منها (أي الحرية الأكاديمية) حفازاً (Catalyst) للتماسك المجتمعي ومحركاً للسلم الأهلي عوضا عن بقائها “تابوهاً” مرتبطاً بقضايا الحريات السياسية الأخرى.

هل الاستقلالية بعيدة المنال عن جامعاتنا؟ وما المعيقات والتحديات؟

من المفيد أولاً تلمس ما يفصل جامعاتنا عن هذه الاستقلالية، وما المطلوب عمله لإعادة تأهيلها باتجاه الاستقلالية إذا ما أريد نفخ الروح في الجسم الأكاديمي وتمكين جامعاتنا من تأدية دورها المرتقب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلد. ثمة حقائق واعتبارات أساسية يتوجب إدراكها أولاً، كمنطلقات أولية:

  • أن استقلالية الجامعات ليست مجرد رغبة أو شعار يتم رفعه، إنما هي إرادة وتنظيم وممارسة تحفظها ضمانات وضوابط، كما أنها ليست مطلقة من دون حدود، فلها ما لها وعليها ما عليها.
  • أن استقلالية الجامعات، وما يمكن أن توفره من حرية أكاديمية، لم تكن يوماً، ولا في أي دولة، هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف الجامعات في البحث والتعليم والمشاركة المجتمعية.
  • وأن الحرية الأكاديمية بالذات تُمثِّل في حقيقتها جملة من الحقوق والواجبات التي تحتّم على الأكاديميين تحمل المسؤولية نحو جامعاتهم ومجتمعاتهم، وقبول المساءلة في حال الإخلال بثوابت المجتمع وقيمه.
  • ليس هناك من استقلالية إدارية أو مالية أو أكاديمية مطلقة، ولا بد بالتالي من جسم مركزي يؤدي دور “البوصلة” على المستوى الوطني (وزارة و/أو مجلس للتعليم العالي) ويتولى رسم السياسات والتوجهات الاستراتيجية الوطنية بالتوازي مع ضمان ما يلزم من استقلالية وحرية أكاديمية.

ولعل الإطار الذي رسمته منظمة اليونسكو في المؤتمر العالمي للتعليم العالي الذي عقدته عام ١٩٩٨ حول استقلال الجامعات والحرية الأكاديمية يعبر أحسن تعبير عن الهواجس التي لا زالت ترافق استقلالية الجامعات حيث كان من أهم التوصيات الواردة في وثيقة العمل الصادرة عنه، تلك التي تقول: “يجب أن يتم تأطير استقلال مؤسسات التعليم العالي، وأن يقترن هذا الاستقلال بمستوى رفيع من المسؤولية والخضوع للمساءلة في إطار من الشفافية، مع إفساح أكبر قدر ممكن من المشاركة أمام الطلاب والمدرسين في عملية اتخاذ القرارات”.

وبالعودة إلى جامعاتنا نجد أنه، وبالرغم من أن القوانين الناظمة لحوكمتها (قانون تنظيم الجامعات لعام ٢٠٠٦ ولائحته التنظيمية، والتعديلات الطارئة عليهما) تحمل في نصوصها بعضاً من نفحات الاستقلالية حيث نصت المادة (١٠) من هذا القانون على أن “الجامعات هيئات عامة علمية ذات طابع إداري، لكل منها شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي على الوجه المبين في هذا القانون ولائحته التنفيذية، وترتبط بالوزير ضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون واللائحة التنفيذية”، إلا أن ‏ثمة أمور هيكلية متأصلة في صلب هذا القانون ومتمثلة بـ “شيطان التفاصيل”، بالإضافة إلى قصور في آليات التطبيق وضعف القدرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي، جميعها لا زالت تحول دون تمتّع  الجامعات بالحد الأدنى من الاستقلالية اللازمة لانطلاقها نحو آفاق رحبة من الإنجاز والتميز والمشاركة الفعالة في تحقيق التنمية لهذا الوطن الغالي. من أهم هذه المعوقات التي تحتاج إلى وقفة مراجعة: 

  1. تمركز السلطة والقرار في يد مجلس التعليم العالي، مما جعله يقوم بأدوار متعددة، تشريعية وتنفيذية ورقابية في آن واحد وهذا من شأنه أن يخلق تضارباً في المصالح، فالجهات المرخِّصة والمشرِّعة للجامعات لا يجوز لها، وفقاً للممارسات العالمية الفضلى (Best Practices) للجودة والحوكمة الرشيدة للجامعات (الحكومية والخاصة)، أن تقوم بعملية الرقابة والتقييم ناهيك عن عمليات اتخاذ العقوبات وفرضها (في الجامعات الخاصة) كإيقاف للبرامج أو تجميد لقبول الطلبة، الخ، في الوقت الذي من المفترض أن تقوم بهذه الأدوار، من مراقبة ومراجعة وتقويم للجامعات،هيئات وطنية مستقلة ومحايدة (هيئات ضمان جودة التعليم)، وأن تكون التقارير الصادرة عن هذه الهيئات محصنة من جميع أنواع التدخلات، وتكون قراراتها ملزمة لمجلس التعليم العالي.
  2. إخضاع الفئات العاملة في الجامعات، وبخاصة أعضاء الهيئة التعليمية لأنظمة الوظيفة العامة وآلياتها، مما يقيد من حريتها من حيث الهيكلة والتعيينات والرواتب والترفيعات، ويخضعها لذات القوانين السائدة في وزارات الدولة وأجهزتها، تلك القوانين التي تختلف في مهامها ووظيفتها وطبيعة عملها عن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تتمتع بما يكفي من خصوصية وأدوار تعليمية وبحثية وتنموية عديدة تستدعي الانفراد بأنظمة تراعي خصوصيتها وتمكنها من تحقيق أدوارها. تحتاج هذه الأدوار إلى مرونة وحرية في الحركة لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس متميزين في تخصصاتهم وإنعاش الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار وتطوير مواردهما.
  3. ربط ميزانيات الجامعات بوزارة المالية، مما يفقدها حرية التصرف بمواردها الذاتية ويجعل الصرف تحت شروط وأنظمة وقوانين تحدّ إلى درجة كبيرة من الاستقلال المالي للجامعات (بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بآليات وبنود الصرف على البحث العلمي) وتفقدها الحماسة والدافعية نحو تحصيل المزيد من الموارد الذاتية المستقلة عن مخصصات الدولة.
  4. معيقات متأصلة في الثقافة والذهنية التي تميل إلى مقاومة التغيير: ثمة خوف من التغيير لدى البعض على الرغم من المناداة المتنامية بالاستقلالية من قبل البعض الآخر. ربما تعود أسباب هذا التخوف إلى عدم القدرة على نقد نظام الحوكمة الحالي، أو أن البعض يرى أن هذا المفهوم وإن كان ناجحًا في الدول المتقدمة، إلا أنه غير مضمون النجاح في البيئات الشمولية، وبالتالي من الأفضل المحافظة على الوضع الحالي وتركه يسير وفق مبدأ (Business as Usual) خوفًا من المجهول، أو دفاعًا عن مصالح شخصية ضيقة، أو استمراءً لثقافة الممالأة الأكاديمية والثقافية.

ما العمل إذاً؟

لسنا بصدد رسم خارطة طريق شاملة نحو الاستقلالية والحرية الأكاديمية لكن من المفيد أن نتلمس بعض الخطوط الإرشادية (Guidelines) والمنطلقات الأساسية لوضع الجامعات على طريق الاستقلالية بشكلها الجزئي المتدرج، بأمل أن تشكل هذه الخطوط والمنطلقات العمود الفقري لأي برنامج إصلاحي شامل يسعى من ضمن أهدافه الرئيسة إلى تحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عبر ردم ما أمكن من الفجوة التي تفصل جامعاتنا عن ذلك الإطار الاستقلالي “المثالي”:

  • يُعدّ التوجه نحو الاستقلالية الجزئية المتدرجة أحد الحلول الناجعة حيث يتم تطبيق الاستقلالية بشكل متدرج على مجموعة مختارة من الجامعات بعد أن تثبت “أهليتها” للاستقلالية من خلال تحقيق معايير الجودة من قبل هيئة وطنية مستقلة لضمان الجودة والاعتماد تتبنى الأساليب الحديثة للاعتماد المؤسسي والأكاديمي.
  • في هذه المرحلة الأولى يتم التركيز على الاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وذلك لصعوبة الاستقلال المالي في هذه المرحلة. كما ويجب أن يتم في هذه المرحلة:
    • إطلاق حرية الجامعات في وضع الرؤى الاستراتيجية والخطط المستقبلية فيما يخص اختيار نموذجها التعليمي والبحثي وآليةتمويله بما يضمن تحقيقها لأهداف التميز العلمي والتمايز عن أقرانها والإسهام في إنتاج ونشر المعرفة.
    • تبنى الجامعات لمبادئ التوجه الاستراتيجي وقيامها، من خلال معايير الحوكمة وإشراك فئات المجتمع الأكاديمي، باتخاذ القرارات الخاصة بوضع السياسات العامة للجامعة، وخطط تمويلها.
    • توفير مرونة عالية للجامعات في استحداث اللوائح والأنظمة الداعمة للتميز والإبداع ودعم البحث العلمي الرصين وتحفيز المبدعين عن طريق تبني النظام التعاقدي مع موظفيها، واستحداث سلالم رواتب ومزايا منافسة، وإعادة هيكلة للتخصصات بما يلبي متطلبات التنمية ويخدم التوجهات الاقتصادية المستقبلية.
    • الاهتمام بتنمية الموارد المالية للوصول إلى الاستقلالية الشاملة. يحتاج ذلك إلى دعم الدولة في المرحلة الحالية من خلال التشجيع والمساعدة على إنشاء محافظ استثمارية في الجامعات ودعمها ماليا وتنظيميا لتكون الممول لهذه الجامعات في المستقبل (بالإضافة إلى المساهمات الخيرية والوقف الجامعي)، وترسيخ فلسفة التشغيل الذاتي للجامعات وتنمية الحس الاستثماري فيها.
  • و للانطلاق فيما سبق، يتطلب الأمر إعادة النظر في الإطار المؤسسي لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي من حيث المكونات وتوزيع الأدوار وعملية اتخاذ القرار الأكاديمي والبحثي والخدمي المجتمعي، وذلك في ضوء مراجعة شاملة لقانون تنظيم الجامعات والدور المنوط بمجلس التعليم العالي.
  • كما يتطلب الأمر العمل على بناء القدرات لتوفير الكفاءة الإدارية والأكاديمية القادرة على التخطيط والتطوير والتشغيل الذاتي ضمن نظام محاسبي ورقابي دقيق، بما يضمن دفع الاستقلالية إلى النجاح.

التوفيق بين مشاكل نهاية الشهر ونهاية العالم

 

أطلق هذا الشعار نيكولا هيلو، الكاتب والناشط البيئي الفرنسي في إشارة إلى روح التنمية المستدامة التي تحتّم تكامل المسار الاقتصادي – الاجتماعي للمواطن (امتلاك دخل يوصلك إلى نهاية الشهر بأمان وراحة اجتماعية ونفسية) مع المسار البيئي (ممارسات تجنبك نهاية العالم الذي بات يحتضر بيئياً).

عمل هيلو وزيراً للبيئة في عهد الرئيس ماكرون قبل أن يعلن استقالته المدوّية منذ حوالي ثلاثة أشهر بسبب فشله في إقناع الحكومة بهذا المبدأ. والآن نرى هذه الحكومة تقع في شرّ عنادها بعد أن فرضت ما ملكت أيمانها من ضرائب ذات توجه بيئي (بشكل رئيسي على المحروقات) دون أي اعتبار لـ “نهاية شهر” المواطن ذي الدخل المحدود، وها هي تصطدم اليوم بأعنف انتفاضة من أصحاب “السترات الصفراء” الذين يرون قوتهم الشرائية وقد باتت “وقوداً” للجهود الرامية إلى تجنّب “نهاية العالم”…
هذا في فرنسا التي حملت مشعل إنقاذ الأرض من كوارث التغيّر المناخي الناتجة عن الاحتباس الحراري والانبعاثات الغازية حين حشدت في باريس، نهاية ٢٠١٥ أقوى إجماع وزخم دوليين على التحرك في هذا المجال (مؤتمر COP21 حيث كان الناشط نيكولا هيلو يومها نجم المؤتمر بامتياز)،

لكن ما بال بلادنا التي لا يكاد الراتب فيها يوصل صاحبه إلى آخر الأسبوع وليس آخر الشهر؟؟ ناهيك عن حال البيئة التي يعجز أعتى العطارين عن أن يصلح مقدار ذرة فيها بعدما أفسدها الدهر والمفسدون في الأرض؟ 

فقط للتذكير: عندما أطلقت الأمم المتحدة عام ٢٠١٥ أجندة التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ المتمثلة بأهدافها السبعة عشر، اتخذت لها شعاراً واعداً ومبشراً للدول الفقيرة نص على أن “لا أحد سيُترك خلف الرّكْب” No one will be left behind، وأن الجهود سوف تنصبّ على إيصال من هم في الخلف أولاً!

الآن، وبعد أن وصلت الأوضاع لما وصلت إليه، وانتشرت النزعات الشعبوية والقومية في العالم وانسحب من اتفاقية باريس الملوَّث الأكبر “ترامب” صاحب شعار “أمريكا أولاً” ليزيد في الطنبور نغماً، واقتنعت الدول الفقيرة بأنها ستبقى خلف الركب، ألا ترون معي أن التنمية المستدامة باتت أمام طريق مسدود؟ وأن نهاية العالم، المتقدم والمتخلف معاً، قادمة لا محال، وهذه المرة بالفعل، لن يتخلف أحد عن ركب الفناء مع نهاية العالم…
المفارقة هنا أن أغلب البلدان العربية لا تزال كعادتها مفعمة بالحماس، تسطّر الاستراتيجيات والخطط وتبحث عن التمويل اللازم لتلحق ولو نظرياً بركب التنمية المستدامة، فمنذ أيام قليلة فقط صدر تقرير “تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية” عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (AFED 2018)، الذي يؤكد أن الدول العربية تحتاج إلى أكثر من ٢٣٠ مليار دولار إضافية سنوياً وحتى العام ٢٠٣٠ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية، وأن هذه الفاتورة قابلة للارتفاع إلى مبالغ أعلى بكثير بسبب الحروب والنزاعات في المنطقة!

فتصوروا…

الصورة البارزة مأخوذة من الرابط: https://www.mominoun.com/articles/دور-الوقف-الإسلامي–في-عملية-التنمية-المستدامة-3782

 

دروس من جامعات الشقيقة “أم الدنيا”…

الإنجاز الكبير الذي حققته الجامعات المصرية في آخر تصنيف عالمي لصحيفة التايمز تُرفع له القبّعة، وجدير بجامعاتنا أن تستفيد من دروسه….
بين 2017 و 2018، قفز عدد الجامعات المصرية الموجودة على قائمة أفضل 1200 جامعة في العالم من 9 إلى 19 جامعة!!
لم يكن وراء الموضوع من وصفة سحرية ولا “تسييس” ولا “صفقة” ولا “واسطة” فالمعايير والإنجازات والنتائج جميعها واضحة وشفافة، و”الميّه بتكدّب الغطّاس” كما يقول أشقاؤنا المصريون….
قراءة سريعة بين سطور هذا الإنجاز تمكّننا من بلورة بعض الحقائق واستنباط الدروس لعلها تلقي مزيداً من الأضواء على هذا الملف الذي بات يشكل الشغل الشاغل لجامعاتنا بعد تراجعها بل وغيابها عن قوائم التصنيفات الأخيرة.
أولاً – في الجانب الاستراتيجي: لم يكن هذا الإنجاز وليد تحرك إسعافي بل تحرك استراتيجي بدأ يؤتي أكله ضمن خطة الدولة الاستراتيجية للتنمية المستدامة 2030 التي كان من بين أهدافها “الارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات”.
ثانياً – في الجانب المتعلق بطبيعة الجامعة: غلب الطابع الإقليمي (أي المحلي) على الجامعات التي “قفزت” إلى التصنيف هذا العام، وجميعها جامعات صغيرة الحجم وحديثة العهد تبنت النموذج التنموي Developmental model المحلي في خططها البحثية. واضح أن العبرة هنا ليست بكِبَر الحجم و”العراقة” التي تآكلت بسبب التضخم في الحجم (كجامعة القاهرة والإسكندرية، والحال من بعضه بالنسبة لجامعتي دمشق وحلب) بل بالصغر و”الرشاقة”. لقد ثبت من هذه التجربة ذلك الاعتقاد الذي يفيد بأن “الأصغر أقوى Smaller is stronger” و “الأصغر أسرع Smaller is faster”. تجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن من المواصفات الأساسية المشتركة للجامعات العالمية التي اعتادت أن تكون ضمن المئة جامعة الأولى في العالم هو أن عدد الطلاب في كل منها لا يزيد عن 25 ألف طالب.
ثالثاً – في الجانب البحثي (وهو الشق المفصلي والحاسم في التصنيف): لا يكفي عدد البحوث ورسائل الماجستير والدكتوراه المنجزة، بل ما يهم أيضاً النوعية والتأثير، والارتباط بالاحتياجات المحلية والوطنية (ما تسميه التايمز في معاييرها بالـ Relevance)، وكذلك الدخل الذي تحققه هذه الأبحاث. من المفيد هنا استعراض عينة من الجامعات الفائزة بالتصنيف: جامعة سوهاج التي قدّمت مجموعة من الأبحاث المهمة التي أفادت الصناعة المصرية، ومنها بحث لتطوير أنظمة التكييف الصحراوي، ليعمل بدون مياه، بالإضافة إلى مجموعة بحوث في النباتات الطبية والعطرية، وبحث استفادت به المصانع في تحويل النفايات إلى أخشاب، فضلًا عن أبحاث في علاج الأمراض المستوطنة، وأبحاث في الهندسة الوراثية، وأبحاث عن معالجة مياه الصرف الصحي. حققت الجامعة دخلاً من هذه البحوث زاد عن 5 ملايين جنيه، هذا إلى الجانب الريادي الطلابي في مجتمع الأعمال التكنولوجية (له أيضاً حساب في المعايير)، فالجامعة لديها نادي “لريادة الأعمال التكنولوجية” يضم 120 طالبًا حصل ستة منهم على براءات اختراع.
رابعاً – في الجانب الحَوْكمي على مستوى منظومة التعليم العالي: أثبتت هذه التجربة ضرورة توفير جسم وطني يتولى “قيادة المهمة” داخل منظومة التعليم العالي. في الحالة المصرية، شكلت الوزارة لجنة باسم “لجنة مساعدة الجامعات المصرية على تحسين التصنيف الدولي”. نظمت اللجنة حتى الآن أكثر من 20 ورشة عمل بمشاركة ممثلي الجامعات والمراكز البحثية وخبراء من مختلف دول العالم.
خامساً – في الجانب الحَوْكمي على المستوى الوطني: أثبتت هذه التجربة نجاعة وأثر منهجية “التوجيه” السياسي الذي يأتي من الأعلى إلى الأسفل (Top-down approach) والمتجذرة في ثقافة المنطقة العربية. في الحالة المصرية تجلّى دور “التوجيه” (الذي يُعبّر عنه في مصر بمصطلح “التكليف”) واضحاً في تصريح وزير التعليم العالي المصري تعقيباً على ما حققته الجامعات المصرية عندما أفاد بأن “فوز الجامعات المصرية ضمن هذا التصنيف الدولي، يأتي تأكيدًا للتكليفات المستمرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي بالارتقاء بموقع الجامعات المصرية في التصنيف الدولي للجامعات، وما تحقق هو نتيجة تنفيذ هذه التكليفات، وأن هذا النجاح للجامعات المصرية في التصنيف الدولي يرجع إلى إصرار منظومة التعليم الجامعي في مصر على تنفيذ هذه التكليفات”. تُترجم هذه الثقافة أهمية العامل السياسي والدعم والمتابعة المقدمين من أعلى المستويات، وما يمكن أن يتبع ذلك من مساءلة ومحاسبة.

لمزيد من المعلومات:

https://www.youm7.com/story/2018/10/5/رئيس-الوزراء-يشيد-بإدراج-19-جامعة-مصرية-فى-تصنيف-التايمز/3977249?fbclid=IwAR2GkpuHqilQ47J70E7EP6qIDqga0rSHHTmY3apXZdH8nYlZ3K9SREs1DYI