ماذا لو فكّر السوريون خارج الصندوق؟

the-box

التفكير خارج الصندوق (Thinking outside the box) يساعد في البحث عن حل مبتكر للمشاكل مهما تعقدت وطال أمدها.

أن يفكِّر الإنسان خارج الصندوق يعني أن يخرج من تلك البيئة النفسية التي حُشِرَ أو حَشَرَ نفسه فيها بعد أن شكلت له صندوقاً افتراضياً تقولب فيه وبقي أسيراً بداخله بينما تتحرك الحياة من حوله في الخارج بمسارها الإبداعي دون أن يتمكن من المساهمة فيها أو الاستلهام منها. وغالباً ما يتشكل هذا الصندوق الافتراضي نتيجةً لانغلاق الإنسان ضمن محددات وأنماط تفكير تقليدية مما يتسبب باضمحلال في كمونه الابتكاري القادر على الإتيان بحل جديد لأية مشكلة تلمّ به. التفكير خارج الصندوق هو إذاً مصطلح يرمز إلى الدعوة للتفكير الابداعي والبحث عن حلول مبتكرة. بعبارة اخرى هو دعوة لاستخدام الجانب الأيمن من الدماغ وهو الجانب المسؤول عن الخيال والابتكار.ر

في الحالة السورية ومنذ الأشهر الأولى للأزمة سادت حالة من الاستقطاب السياسي أدّت إلى اصطفاف العقول واحتقانها وتمترسها داخل “صناديق” مصطنعة ساهمت الماكينات الإعلامية في تجذّرها إلى حد بعيد عبر الترويج لمصطلحات فرّقت أبناء الأسرة الواحدة بين “معارض” و “مُوالٍ” و “رماديّ” من “الأغلبية الصامتة”، ونال الحراك السياسي من فكر كل مواطن ما نال، سلباً أو إيجاباً، صانعاً منه “ناشطاً سياسياً” بقلمه أو بلسانه أو بوسيلة تواصله الاجتماعية أو بـ”قلبه”، وكان ذلك “أضعف الإيمان”.

والآن، وبعد أن اشتد الزلزال وعمّ الموت والخراب وتكشفت العديد من الحقائق يحق لنا أن نتساءل: أما آن للعقول السورية الرشيدة من الاتجاهات كافة أن تتلاقى من جديد؟ ولمورثات التفكير والتحليل وتدبر الأمور فيها أن تستيقظ لتهتدي معاً إلى كلمة سواء وتباشر من الآن في بناء السلام المنشود؟ د

قد لا نكون اليوم قادرين على صنع السلام بمفردنا وبأيدينا بعد أن تحولت الحرب في أرضنا إلى صراع للجبابرة ووكلائهم، ووصلت الأمور إلى حالة من الاستعصاء بالحلّ وفق ما نشهد ووفق ما انتهت إليه الدراسات الأكاديمية ومراكز الفكر العالمية. ومن المحزن أن تكون هذه الدراسات قد انتهت بالحرب إلى حالة من التوازن الجامد (الستاتيكو) نتيجة أن الداعمين الخارجيين للصراع من الدول الكبرى وغيرهم من “أصدقاء سورية” استحدثوا آليات لتعزيز الاستعصاء ذاتياً وضمان استمرار الحرب عبر دعمهم التلقائي لوكلائهم على الأرض بينما يستمر سفك الدم السوري! بالرغم من ذلك، لا بد لهذه الحلقة الشيطانية من أن تنكسر يوماً وللسلام أن يٌصنع عاجلاً أم آجلاً (ثمة تباشير ربما بدأت تلوح في الأفق؟). عندها سيترتب على العقول السورية أن تكون جاهزة لبناء السلام وتمكينه وصيانته من الإجهاض والتعثر. على هذه العقول أن تقتنع إذاً أن نَكْبَتنا وانقسامنا يتجذّران على يد الأطراف الخارجية المتورطة وأن لا سلام يمكن أن يُبنى إلّا بتلاقي العقول السورية تحت سقف الوطن. وبالتالي فإن عليها أن توجه بوصلات تفكيرها “خارج الصندوق” عبر طرح تساؤلات يمكن لها ولمثيلاتها أن تشكل منطلقات للخلاص:

  •  ماذا لو قبلت العقول جميعا بالاختلاف وتوقفت عن التفكير بالخلاف، مكتفية بما يجمعها من أهداف؟ وليكن على رأس هذه الأهداف بناء السلم الأهلي المنشود، الذي سينعم الجميع به؟
  • ماذا لو أدرك “المعارضون” أنه مهما صحّت مطالبهم فإن الوطن فوق الجميع وسيادته ووحدة أراضيه ومؤسساته، ولحمة شعبه خطوط حمراء؟
  • ماذا لو أدرك “الموالون” أن الوطن للجميع وأن لا إقصاء لأحد من أبنائه الشرفاء، وأن المطالبة بالإصلاح والتطوير حق لكل مواطن ما دامت تتم بالطرق السلمية المشروعة؟
  • ماذا لو أدرك الرماديون الصامتون أنه لم يعد يحق لهم الصمت بعد الآن وأن دورهم حيوي في هذه المرحلة الحرجة لتقريب العقول الأخرى من بعضها؟
  • ماذا لو تشكلت “موالاة” جديدة ولاؤها للوطن وقوامها كل من يحب سورية ويهرع للمشاركة في بنائها، هؤلاء من سبقت تسميتهم بالموالاة والمعارضة والأغلبية الصامتة؟ وليذهب إلى الجحيم كل من يريد بقاء سورية متشظية متحاربة، ومحكومة من طغاة وأمراء حرب ورؤساء عصابات.
  • ماذا لو تحوّل الحراك السياسي الذي يجول في خاطرة كل مواطن سوري إلى محفّز له للتحرك نحو أخيه في الوطن، بعيداً عن لونه السياسي وعرقه وطائفته؟

لننظر إلى تلك الصورة الوردية الباعثة على الأمل والتي رسمها العديد من السوريين الذين خطوا في واقع الأمر خطوات عديدة ورائدة في هذا المجال، هؤلاء الذين برهنوا على تفتحهم وتنوّرهم، وقدراتهم الابتكارية الخلاقة في كل مجال ومكان:

  • فمناصرة السوريين لبعضهم واستقبالهم لأبناء وطنهم في مناطق النزوح الداخلي كافة دون تفريق بين منطقة وأخرى أعطت الدليل القاطع على حيوية هذا الشعب وتآزره،
  • ومبادرات العمل الإنساني والخيري التي انطلقت من العقول والسواعد الوطنية السورية في جميع المحافظات ودول الجوار وعبر العالم باتت عنواناً للتماسك الاجتماعي والعمل الإنساني الخلاق،
  • والابتكارات والابداعات وقصص النجاح والتآزر السورية التي ولدت من رحم المعاناة سواءً في المناطق الآمنة، أم في مناطق الصراع، أم في طرقات وشواطئ النزوح، أم في مخيمات اللجوء، أم في دول الشتات. ابتكارات وتضحيات لا تعد ولا تحصى، باتت حديث الإعلام المحلي والعالمي.

بتلاقي العقول المتفتحة والمتنورة سيكون بالإمكان الوقوف أمام تجار الأزمات ومهندسي الفساد الذين تغوّلوا في ابتكار الطرق والأساليب الجديدة للإثراء على حساب المعاناة اليومية للشعب المسكين. كما سيكون بالإمكان الصمود أمام الإرهابيين وأمراء الحرب والمتاجرين بالدين الذين لن يتوقفوا عن صقل مهاراتهم وابتكار أساليب جديدة للمضي في إجرامهم ومكرهم. م