في اليوم العالمي للديمقراطية

تحتفل الأمم المتحدة في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر من كل عام بـ “اليوم العالمي للديمقراطية” International Day of Democraty واختارت أن يكون هذا العام تحت عنوان “الديمقراطية تحت الضغط: حلول لعالم متغير”.

Democracy under Strain: Solutions for a Changing World

وتنظر الأمم المتحدة إلى هذا اليوم باعتباره “فرصة للبحث عن طرق لتنشيط الديمقراطية والبحث عن إجابات للتحديات النظمية التي تواجهها، بما في ذلك معالجة عدم المساواة الاقتصادية والسياسية، وجعل الديمقراطيات أكثر احتواءً بجلب الشباب والمهمشين إلى النظام السياسي، وجعل الديمقراطيات أكثر ابتكارا واستجابة للتحديات القائمة كالنزوح والهجرة وتغير المناخ”!

نتساءل نحن العرب، ومعنا العديد من شعوب العالم المقهورة التي طالما حلمت بمحاكاة الديمقراطيات الليبرالية “العريقة” وبناء أنظمة حكم منتخبة تتولى صيانة الحريات العامة وضمان المساءلة وشفافية الأداء: هل لا زلنا معنيين بالديمقراطية أم سئمنا هذه الكلمة ونحن نرى الديمقراطيات “الراسخة” في العالم “المتحضر” تتآكل وتضمحل بنتيجة الفساد والجمود الإيديولوجي واستيلاء النخب القوية على مؤسسات الدولة؟

لعلّ من أصدق ما قيل عن الديمقراطية وممارساتها تلك المقولة المعبرة التي أثبتت صحتها في هذا الزمن المضطرب: “الديمقراطية حرب أهلية تتم بأسلوب حضاري”

نعم، هي حرب أهلية، ربما “ناعمة” و”حضارية” لكن عوراتها تتكشف يوماً بعد يوم… ولشدّ ما يدل على ذلك ما بتنا نشهده من ممارسات لم تعد تخلو من معايير مزدوجة وخدع ودسائس ومقالب وتضليل وتجييش.

من المفيد رغم ذلك، ونحن “نحتفل” بهذا اليوم العالمي، أن نتأمل فيما يفصلنا نحن العرب عن هذه “الحرب الأهلية الحضارية” من خلال استعراض ما هو متوفر في الأدبيات من مستلزمات نجاح الديمقراطية “الصحيحة” التي تناسب مقاسنا:

فالديمقراطية تتطلب أولاً خلوّ النظام من الفساد فأين نحن من ذلك والفساد ينخر فينا؟

والديمقراطية تتطلب وجود طبقة متوسطة (برجوازية وطنية)تطالب بإحلال حكم القانون لحمايتها، كما وتطالب بالمشاركة في الحياة السياسية لتحافظ على وضعها الاجتماعي، فأين طبقتنا المتوسطة بعد أن أُفقرت وتلاشت أمام برجوازية نشأت في أحضان السلطة، لا يعتمد عليها في بناء الديمقراطية؟

والديمقراطية تتطلب وجود دولة قوية بمؤسساتها وقوانينها، حيث لا يمكن للديمقراطية، إن انطلقت أولاً أن تبني دولة قوية، وبخاصة إذا انطلقت من وضع مأزوم كما في “ربيعنا العربي”.

وأخيراً، وليس آخراً، الديمقراطية تتطلب وجود إرث سياسي وثقافة تعايش وتداول للسلطة، لا ثقافة هيمنة واحتكار لسلطة اتخاذ القرار وتغييب كامل للقوى الاجتماعية الأخرى في المجتمع، ولعل هذا الشرط الأخير (الإرث السياسي) إن توفر، يمكن أن يساهم في التخفيف من وطأة الشروط الأخرى، ولنا في الحالة الهندية خير مثال.

لقد نجحت الهند في تأسيس نظام ديمقراطي في ظل مجتمع فقير وأمّي وطبقي. فالديمقراطية الهندية التي سميت بـ “ديمقراطية الفقراء” ذات سجل حافل لا مثيل له خارج نطاق الديمقراطيات الراسخة. لقد أجمع الخبراء والمحللون أن نجاح وترسيخ التجربة الديمقراطية في الهند يعودان إلى أسباب عديدة من أهمها أن الثقافة الغالبة للنخب الهندية ارتبطت بديمقراطية المستعمر البريطاني وورثتها عنه بعد الاستقلال، مدركة أهمية ثقافة التعايش من خلال تطبيق ممارسات وآليات الديمقراطية البريطانية. لقد كانت رؤية وقناعة هذه النخب الحكيمة أن لا انقاذ للهند ولا طوق نجاة الا بالديمقراطية، وبمزيد من الديمقراطية كلما اصطدمت بعقبات أو خلافات أو صراعات، وأن ممارسات الاستبداد، هي التي تؤدى الى مزيد من الاحتقان لا يخفف وطأته غير الانفراج الديمقراطي تحت مظلة القانون.

فيا أيها الحالمون بـ “القفز” إلى الديمقراطية، رويداً رويداً… خفّضوا الحواجز ولا تعلّوا السقوف، فالتحديات جسام …

الإعلانات

بين الدِغاجية الفرنسية والعربية “Le dégagisme”

 

يعود أصل هذا المصطلح مع “ملكيته الفكرية” إلى الهتاف الشهير الذي انطلق ضد الرئيس المخلوع “بن علي” خلال الربيع التونسي الذي أعقب انتفاضة البوعزيزي عندما ظلت الجموع تهتف “Dégage” أي “ارحل” حتى رحل مرغماً…

في فرنسا انتعش هذا المصطلح مجدداً عندما أحياه السياسي اليساري جان لوك ملانشون بإظهاره على شكل نَزعة برزت خلال زلزال الانتخابات الرئاسية الأخيرة الذي شهد إزاحة القواعد الشعبية في الجولة التمهيدية من هذه الانتخابات لرموز السياسة التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، والإطاحة بأحزابهم، مما ساعد في بلورة الدغاجية كتيار فكري أو عقيدة سياسية خيمت على المشهد السياسي الفرنسي.

ودرج هذا المصطلح (الدغاجية) على لسان الجميع في النقاشات والتحاليل السياسية، في إشارة إلى رفض الناخبين المحبَطين لسياسييهم والرغبة في إزاحتهم عن الأمكنة التي يتبوؤونها، مع فارق جوهري من حيث المفهوم بين الدغاجية الفرنسية والدغاجية العربية وهو أن إزاحة القادة في الديغاجية الفرنسية تتم باستخدام القوة الناعمة والأدوات الديمقراطية المتاحة، وبالتزامن مع “مبايعة” زعماء جدد يحلون محل القدامى بفضل ما يحملونه من أفكار جديدة وآمال جديدة للناخبين المحبطين.

بعض المحللين السياسيين الفرنسيين ذهب به الإعجاب بهذه العقيدة السياسية الجديدة إلى الربط بين دغاجية اليوم ودغاجية الأمس حين كانت المقصلة تمثل بامتياز الأداة الفعالة للديغاجية أيام الثورة الفرنسية.

وهناك من ذهب بعيداً في مخيلته ليوسع مفهوم الدغاجية لتشمل الإزاحة “الوقائية” لمن تستبشر الجماهير به خيراً حتى قبل أن يترشح أو يُرشح للزعامة، أي “حرقه” مسبقاً بتشويه سمعته بطريقة ما، وهنا تلتقي الدغاجية الفرنسية مع نظيرتها العربية فالديغاجية الوقائية العربية القائمة على الحرق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي لإنسان عليه علامات الزعامة (لشغل أي منصب) يعدّ كما هو معلوم من شيمنا الكبرى ومن أكثر الممارسات شيوعاً في مجتمعنا، هذا إلى جانب الديغاجية التي تمارس بكثافة على المستوى الفردي عندما “يحفر” الإنسان لأخيه الإنسان الناجح ليوقعه بدافع من الغيرة والحسد. أما أشد أنواع الدغاجية ضرراً وقذراً فهو ذلك الفكر التكفيري والتخويني الذي تسلل إلى مجتمعنا السوري خلال أزمته وعاث فيه ما عاث من فساد وإرهاب.

ويبقى صندوق الاقتراع النزيه والشفاف أجمل وأضمن الأسلحة لممارسة الديغاجية بأفضل أساليبها الديمقراطية، ودون منازع….